نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

على حزين - الإيراد.. قصة قصيرة

  1. مثل فأرٍ صغيرٍ وقع في المصيدة .. ظللتُ خائفاً .. قلقاً .. متوتراً.. مرتجفاً .. أنظر بعينين مذعورتين إلي المدى البعيد , من نافذة صغيرة , صدئة , محاطة بأسلاك شائكة .. والطريق الممتد الذي تسلكه العربة لا ينتهي .. وأنا لا أدري إلي أين ..؟!. أو أين أمضي .. ؟! .. أو متى ستنتهي هذه الرحلة ..؟.. وهذا الكابوس المفزع ..؟!.. وما الذي خبأته ليَّ الأقدار ..؟!.. والليل يطلب النهار حسيسا .. ليغلف كل شيء بردائه الأسود الكئيب .. وأنوار المصابيح تبدو من بعيد شاحبة .. تغيب ثم تظهر فجأة .. مباني شاهقة .. أبراج مزروعة بطريقة عشوائية .. يضرب ضوؤها العربة .. يدخل سرسوب من الضوء .. يقع علي وجه رجل غريب , لا أعرفه , ركب معنا منذ الصباح, والوقت يمضي بطيئاً كسلحفاء عجوز عرجاء عمياء ..
    عبثاً كنت أحاول أن أتذكر ما حدث معي بالضبط .. وما الذي جاء بي إلي هنا ..؟.. وكيف وصلت إلي هذه العربة القميئة , الملعونة..؟.. عربة التراحيل .. أخذت أعيد المشهد في رأسي من أوله إلي أخره .. وأدير الأحداث كلها من جديد في مخيلتي ..
    " في الصباح نادوا علينا .. وقفت في زاوية ما .. ريثما يجهزوا لنا الأوراق المطلوبة .. والمأمورية الخاصة لكل واحد منا .. اقترب مني أحدهم , يبدو أنه قادم من بيته تواً يتجشأ , مقطب الجبين , زاماً ما بين حاجبيه , وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة , لكنها تبدو ساخطة , يدنو متبرماً .. يمضي علي استلامي , والسلاح الذي في يده .. ثم سألني إن كان معي نقود أم لا ..؟.. اكتفيت بهز رأسي نافياً .. فيضع الكلابشات في يدي , ويزم عليها بإحكام, وقد أزداد حنقه , وتجهمه في وجهي , وبدأ يسب , ويسخط عليّ العيشة , والحياة .. وبعد فترة غادرنا المكان على هيئة طابور .. والحرس يحيطوننا بالسلاح من كل جانب .. ركبنا عربة التراحيل , تلك العربة اللعينة القابعة أمام القسم , والناس يمرونَ علي مسافة منا غير بعيدة .. منهم من ينظر إلينا بلا مبالاة , مكتفيا بهز كتفيه وهو يمضي .. ومنهم من راح يلوح لنا بيديه إشارة منه ليشعرنا بوجوده، ومنهم من يمر علينا , ولا يشعر بوجودنا أصلاً , منهمك بمشاغله اليومية، وأخيراً وصلنا المحكمة .. كان أبي هناك في انتظاري, مع أهالي المتهمين القادمين معي , وأمي التي لم تستطع أن تخفي دموعها , عندما رأتني .. أما أبي تجلد أمامي .. وتظاهر بالقوة , والشجاعة , وبرباطة الجأش .. والصلابة التي عهدتها فيه دائماً.. أقترب منا الأهالي بعد ما استأذنوا من الضابط المرافق للمأمورية الذي أشفق علينا فسمح لهم بالاقتراب.. وأذن بأن يدنوا ليجلسوا معنا , ويسلموا علينا , ويكلمونا بعض الوقت ..
    ــ لمدة عشر دقائق فقط لا غير ..
    فأسرع أبي ليضمني بين ذراعيه السمراء الحانية المرتعشة .. ضمة شعرت ببردها , ودفء حنانه بين ضلوعي .. برهة قصيرة من الزمن .. حاول فيها أن يغالب دموعه , المترقرقة في مقلتيه الذابلة , وراح يقبلني بين عينيي , وأنا أنظر في وجهه الذي أبى الزمان إلا أن يضع بصمات واضحة عليه , والكبر مع المرض شق بعض الأخاديد الصغيرة في طرقات وجهه الأسمر الجميل , حينها لم أتمالك نفسي , ورأيت دموعي خارطة علي وجنتاي .. وحاولت أن انطق .. أتكلم,أن أقول له شيء .. أردت أن أقول له :
    ــ " سامحني يا أبي علي كل هذا العناء الذي سببته لك أنت وأمي"
    ولكن لم استطع , فدموعي مع حشرجة صوتي منعتني من الكلام , ....
    وتلقفتني أمي بذراعيين هزيلتين , موهنة .. وراحت تغمرني بحنانها وعطفها .. ووابل من القبل , وسط حبل من الأسئلة , لا يقطعه إلا بكاؤها , ودعاؤها المتواصل .
    ــ " عامل إيه يا ولدي..؟ صحتك أزيها ..؟. بتآكل ...؟.. بتشرب ..؟.. بتنام بتتغطى زين من البرد ...؟... الخ , الخ ..." .......
    ثم دفعا اليّ كيسا أسود مربوط .. لم ينس فرد الحراسة.. أن يفضه , أمام الباشا , يفترشه.. يفتشه بالأمر المباشر .. يأتيني صوته , ليحرك مشاعر الاستفزاز بداخلي .
    ـــ فيه أربع علب سجاير .. وعلبتين كبريت .. وسندوتشات فول وطعمية يا فندم .؟.
    ــ ..................
    يومئ الضابط برأسه .. بأن يتركهم لي .. أتناولهم من يده المفتولة .. وكلي حنق وغضب منه .. أبتعد بضع خطوات .. مع أبي الطاعن في السن حتى لا يسمعنا احد .. يربت علي كتفي , يهزني هزة خفيفة حانية .... بصوت أجش .. حبست نبراته غصة مريرة .. وهو يغالب دموعه حتى لا تجري من عينيه الذابلتين فوق طرقات وجهه الأسمر .. يقول لي
    ــ ما تشد حيلك يا ولد .. وخليك راجل .. براءة بأذن الله .. المحامي طمأنني , وقال لي انك هاتخرج معنا من هنا بالسلامة علي بيتك طوالى , فلا تخف , واطمئن .. أنا رفعت لك أكبر محامي في البلد..؟!!
    قاطعته بسؤالي الفضولي .. وبداخلي من الألم والحزن ما الله به عليم .. لأني تسببت في تعبهما .. وحملتهما فوق طاقتهما .. خاصة وانهما قد بلغا من الكبر عتيا , ويحتاجان إلي الراحة , والي من يقوم علي رعايتهما ..
    ــ " من أين أتيتم بالفلوس .....؟!! "
    فأجابني بصوت خافت , ضعيف , حزين , وهو ينظر إلي بعيد .. وكأنه يريد أن يخبئ عني شيئا ما .. أو ربما يخشى أن يسمعه أحدا .. يدنو مني فأشتم رائحته الطيبة , الزكية , يهمس في أذني
    ــ " أمك باعت الذهب ....
    ثم أردف يكمل بشيء من الحدة , والإصرار, وقد علا صوته قليلاً :..
    ــ ولو رست نبيع لك البيت بس أنت تخرج لينا بالسلامة ـ إن شاء الله
    وأنا لا أستطيع مغالبة دموع الندم , والحسرة علي ما فعلت , نظرت له بإشفاق , أقرأ ملامحه في حب , وأنا نادم علي كل ما فعلت , وما صنعت , ولُمت نفسي , ووبختها كثيراً , واحتقرت نفسي , وكرهتها أيضاً ..
    كيف جرؤت على هذا ..؟.. وكيف طاوعتني نفسي الأمارة بالسوء ..؟.. لأفعل كل ما فعلت .. وأتسبب في تعب أحن وأعز وأغلى الناس عندي ..!! أهل هذا جزاؤهما..؟.. أهل هذا هو البر ..؟!! .. الذي كان من المفترض أن أبرهما به ..؟!.. وهل هذا جزاؤهما معي .؟.. وهما يحتوياني بكل هذا الحب والعطف , والحنان .. تبَّت لي .. وألف تب .." .............
    ــ بس أنتم قومتم لي لحد الآن ثلاثة محاميين .. وكل واحد فيهم يقول لكم نفس الكلام .. وبعدين أخرِتها إيه طيب...؟!!!!!!!"
    نظر إلي أبي وهو يبتسم .. ابتسامته المعهودة الجميلة , ليداري خلفها ما بداخله من حزن , وألم , ويغالب بها قسوة الأيام , ومرارة العيش , والموقف الصعب الذي وضعته فيه, بعدما اتسعت عيناه دهشة , مع شيء من الفرح, وهو يقول لي وكأنه يريد أن يأخذ الحديث مني إلي منحى أخر
    ــ أُسكت مش أمك شافت لك عروسة , لا وإيه زى القمر, بدر بدور سبحان من صور .. أنا كلمت لك أبوها , وافق علي طول , والبنت فرحت.. أنت لما تطلع من هنا بالسلامة ــ إن شاء الله تعالي ــ هنـ كتبوا لك عليها طوالى
    كنت أدرك بأنه يقول لي هذا الكلام من باب التسرية والتخفيف عني .. وحتى يغير الموضوع , ولكي لا يجيب علي سؤالي .. الذي مازال يحيرني كثيرا جداً...؟
    ــ من الذي جاء بي إلي هنا..؟.. وإلي متى سأظل رهينة شيء لم أفعله .؟!
    ومتى أنتهي من التردد علي المحكمة , فقد زهقت من كثرة الجلسات ..؟... هذا إشكال .. وذاك التماس .. وتلك مرافعات ... و... و... " ؟!!........
    الضابط يقوم من مقامه .. يعدل من بدلته البيضاء .. يقترب منا بخطواتٍ مختالة .. يأمر الجميع بالابتعاد عن المتهمين وهو يشير بيده , للحراس أن يبعدوا ذوينا عنا فالوقت المحدد قد انتهى , ويريد أن يدخلنا في قفص الاتهام , لأن المحكمة اقتربت علي الانعقاد , يربت أبي علي كتفي , يحتضنني, يقبلني مرة أخرى , وأمي تفعل مثل ذلك .. وينصرفا غير بعيد عني .. الضابط يأمر الحراس أن يدخلونا في قفص الاتهام .. أدخل القفص الحديدي , أنظر إلي أبي وأمي وأنا مشفقٍ عليهما من وقع المشهد .. كان معي في داخل القفص أناس آخرون لا أعرف الكثير منهم , أو عنهم بضع دقائق معدودة , امتلأت فيها قاعة المحكمة عن أخرها , بأهالي المتهمين , وبالأمن , والمحامين , وذوي الضحايا , وراحت الأصوات يعلو دويها كدوي النحل وتداخلت الأصوات وتشابكت حتى لا تستطيع أن تميز بينها .. ولا بين ما يقولونه .. غير أني شعرت بدوران شديد يمسك رأسي , وصداع كاد أن يقضي علي , وأفقدني القدرة علي الوقوف , فاضطررت للجلوس في ركن ما , في داخل قفص الاتهام , لأري , وأسمع , وأتابع كل ما يدور حولي في صمت فجأة يدخل الحاجب مسرعاً يزعق بمد الصوت الجهوري
    ــ محكمة .....
    العربة تقترب من السجن العمومي , تبطئ من سرعتها , وهي تعطي تلكس بطريقة ما , وقد أرعشت ألأنوار الأمامية ..
    تذكرت .. ذلك المشهد المحفور في الذاكرة , المحفوظ في أفلام الأبيض والأسود القديمة المعروفة , عند موعد تسليم وتسلم البضاعة , في المكان والزمان المتفق عليه بين العصابة والبطل , والشرطة مختبئة في مكان ما غير بعيد منهم , حتى يتمكنوا من القبض علي العصابة, وهم متلبسون بالجريمة , ولا أدري لماذا لا يقبضوا عليهم قبل تسليم وتسلم البضاعة.؟! أو لماذا لا يمنعون الجريمة قبل وقوعها..؟!! ..
    العربة تركن لجوار السور العالي , أمام البوابة الرئيسية للسجن الكبير
    برهة من الوقت , يخيم فيها الصمت علي المكان , والظلام يلقي بظلاله على كل شيء , والوجوه الواجمة الشاحبة يملؤها الخوف , والقلق من المجهول ...
    حب الاستطلاع والفضول , دفعني لأن أتفقد المكان , رفعت بصري لأعلي حيث السور العالي , والأسلاك الشائكة ــ علمت فيما بعد أنها مكهربة ـــ والجنود المدججين بالسلاح .. شعرت بضربات قلبي تعلو وتهبط ــ كانت غير منتظمة ــ وبدبيب الخوف يدّب في قلبي .. وقشعريرة سَرَتْ في كل جسدي .. أخرجت سيجارة من جيبي بتوتر .. أشعلتها في ارتباك , وقلق , أخذت نفساً عميقاً , حبسته في صدري , أخرجته مع تنهيدة قوية, ثم اتجهت بوجهي إلي داخل العربة , ذات الرائحة الكريهة , لأتفقد الوجوه الناظرة الحزينة التي جاءت معي منذ الصباح , والتي لا أعرف إلا القليل عن أصحابها...
    ((أحمد : هذا الشابٌ الوسيم الأنيق .. القاضي حوّل أوراقه إلي المفتي اليوم , بعد سماع الدفاع والمرافعة , ومحامي الخصم , وسماع الشهود , وبعد الاطلاع على أوراق القضية .. وأقوال النياب .. وبعد المداولة .. نطق القاضي بالحكم .. حكم عليه بالإعدام
    " حكمت المحكمة بتحويل أوراق المتهم إلي فضيلة المفتي "...
    " شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد مبيت النية شدّ العزم علي القتل "
    حكايته كما حكيت لنا ــ والله أعلم ــ حاول أن يقتل حبيبته التي تركته بعد قصة حب عنيفة , وتزوجت بأخر ثري, وهو الذي أحبها بجنون , مشت معه , خطبها , بعد سجال طويل مع الأهل , الذين كانوا لا يريدون ذلك وترك الدراسة من أجلها , حتى يستطيع أن يعمل ليكوّن نفسه, وعندما علم أنها أتشبكت لغيره , هرب من الكتيبة , ومن دون أن يشعر به أحد, تربص لها, انتظرها وهي عائدة من المدرسة , وضربها من الخلف , وفر هارباً , بعدما رآها تسبح في بركة من الدماء , لكن الله أراد أن تعيش , والقدر كان لطيفا بها , بقيت بعاهة مستديمة , علي كرسي متحرك أدخلوها علي القاضي , وأثناء الجلسة , ألقاضي سألها .. ؟.. من الذي فعل بكِ هذا ..؟.. فأشارت إليه , وبكت ... " يقال أن أهل تلك الفتاة أيديهم طائلة وعائلتها واصلة " .... ))
    أما هذا الرجل الذي يجلس لجوار زوجته, وقد أسند ظهره لباب العربة, ولجواره جهاز صناعي لساقه المبتورة .. تُهمته .. تواطأ مع زوجته الشمطاء بالتحريض وبالاتفاق معها .. قامت بوضع السم القاتل لامرأة عجوز كانت تخدمها حتى يتمكنوا من سرقتها .. حكمت المحكمة عليهما بالإعدام أيضا ..))...
    وذلك الشاب شارد الذهن , صاحب البشرة البيضاء , والذي ينمّ عن العِقد الثالث من عمره ــ لا أعرف ما اسمه ــ أعطاه القاضي خمسة عشر سنة مع الشغل والنفاذ .. كان يتردد علي مقهى صغير في أول الطريق , يلعب فيها الضمنة مع أصدقائه علي المشروبات , وعندما منعه صاحب المقهى من اللعب والجلوس علي المقهى حتى سداد ما عليه من دين, وأحرجه أمام الناس , والزبائن.. فعزم على رد الإهانة بالانتقام منه .. تربص به وهو عائد من المقهى في وقت الغروب .. أخرج مسدس " فرد خرطوش صنع محلي " وضربه طلقتان .. أخطأته واحدة , أما الثانية سكنت قلب رجل كان عائدا من حقله تواً علي ظهر حمار يركبه ومعه حمل برسيم , فأردته قتيلا في الحال , وفر هاربا حتى قُبض عليه ..)) .....
    أتنبه ِلَلسعة النار التي بين أصابعي .. أسحب نفساً أخيراً من السيجارة , قبل أن أضعها تحت حذائي .. والصقيع قد حول العربة إلي ما يشبه " الد فريزر " ..
    العربة مازالت تقبع تحت السور, بجوار البوابة الرئيسية , وأنا أنظر من النافذة الصغيرة نحو الشارع الطويل .. وبعض المارة الذين لم يمنعهم حب الفضول من الاقتراب , والنظر, وأنا معلق بالنافذة كعنكبوت مذعور, أرى في عيونهم الإشفاق , ومن البعض الأخر عدم الاكتراث , واللامبالاة .. والعربات تسبح في بحر الشارع الشبه مظلم , تمزق صمت الليل الكئيب , بأصواتها المزعجة, وبضجيج محركاتها والمباني البعيدة أغلب نوافذها مضاءة , تمتمت في نفسي " قصة وراء كل باب " ربما تكون قصة سعيدة .. أو ربما تكون قصة تعيسة.. لكنها أبداً لن تبلغ مهما بلغت من البؤس والشقاء والتعاسة .. مبلغ هؤلاء البؤساء الأشقياء الذين جمعهم القدر معي في هذه العربة اللعينة .. ولا للحظة واحدة داخل هذا السجن القميء الفظيع .. وابتسمتُ ..
    " يا الهي عقلي يكاد يجن .. يطير مني صوابي .. أنا ما صنعت شيئا .. لماذا يحدث معي كل هذا .. ومن الذي جاء بي إلي هنا , في هذه العربة القذرة , وإلي هذا السجن اللعين البغيض .. أنا ما صنعت شيئا .. غير أني كنت أدافع عن شرفي وعرضي .. الآ يحق لي ذلك .. انه كابوس أريد أن أستيقظ منه.. "....؟!!!
    دوران المفتاح في القفل الذي وضع علي العربة , يضرب في رأسي كمطرقة من حديد ساخن , يدمر كل أفكاري , ويشتت ذهني , ويذهب بي إلي الهاوية .. وصوت أجش يأتينا من الخارج , يأمرنا بالنزول بسرعة , مع تهديد , ووعيد ..

    ـــ "يالله ياد أنت وهو , وهو , وهي , أنزلوا بسرعة , واحد واحد وراء بعض .. من غير صوت, ولا شوشره عشان نخلص في يومكم اللي مش فايت ده ونفض "
    ننزل بسرعة .. نقف بجوار العربة في الظل .. أمام خوخة صغيرة في الباب الحديدي الكبير .. وقفنا طابور مصطفين .. والحراسة تحيطنا من كل جانب بالسلاح .. وأغلبنا يرتعش من شدة البرد .. والبعض الأخر لا يبالي بما هو فيه , فقد أنساه ما هو قادم عليه , برودة الجو .. وقسوة الطقس .. وظلمة الليل البهيم .. والجو القارص .. فتشونا , تفتيش ذاتي , ثم أدخلونا من الفوهة الصغيرة .. وقد أخذوا متعلقاتنا الشخصية كلها.. ولم يبقوا لنا شيئا .. علي بعد عشرين متر تقريبا يقطن سجن النساء الذي عرفته فيما بعد .. يجلس ضباط السجن أمام التلفاز يشاهدون " ماتش كوره "... يأتينا صوت أحدهم واضحا من بعيد ..
    ــ " وقفّهم زي الناس .. وفتشهم كويس أولاد الــ .... دولت.. وخد الحاجات اللي معهم كلها ... !!!!!!
    دنا منا رجل أصلع .. منتفخ كرشه .. يصحبنا منذ الصباح , وأوقفنا صفاً وأحد , وأخذ يفتشنا من جديد ..علماً بأنا قد تفتشنا قبل ذلك , أكثر من مرة، أخذ ما تبقى معنا من متعلقات شخصية , وعندما فرغ من أداء المهمة , أعطاه التمام مع التحية وكومة الأوراق التي في يده .. وراح يتكلم معهم بصوت خافت , لم يصلنا منه شيء , ثم عاد ليأمرنا بإتباعه في صمت , وهدوء , ومن غير جلبة , أو شوشرة ..
    سأله أحدنا وهو يسير بجواره , وأنا حُب الفضول بداخلي يدفعني لأستكشف المكان في صمت .
    ــ واخدنا علي فين إن شاء الله يا شاويش ..؟
    فرد عليه بنبرة ساخرة وحادة دون أن يلتفت إليه
    ـــ علي الجنة يا روح أمك .. تسكين , وفي الصباح ربنا يسهلها ..!
    الظلام يحدق بالمكان .. والرؤية تكاد تكون منعدمة , اللهم إلا بصيص نور خافت .. لا تستطيع أن تستبين منه معالم المكان .. ولا يعطيك الفرصة كي تميز الأشياء .. أو من بجوارك .. وصلنا إلي العنبر, المجاور لسجن النساء يبدو عليه أنه مبنى قديم ومتهالك , يشبه المباني التي كنت أشاهدها في أفلام التلفاز , ولج بنا العنبر وكل منا بداخله أحاسيس متباينة , ومشاعر متغايرة , وغريبة , ومتناقضة , أما عن نفسي أنا لا أستطيع أن أصف مشاعري في تلك اللحظة , ولكني أستطيع أن أقول عنها مزيج من الرهبة واليأس , واللامبالاة .. كان البلاط الذي علي الأرض يبدو علية الوسخ والتآكل والجدران متهالكة متسخة وبها تصدعات وشروخ بعضها كبير, والألوان التي عليها لا تستطيع أن تميزها أن كانت رمادي أو زيتي , أو رصاصي , بطول المبني العتيق تصطف زنازين صغيرة علي الجانبين , وعلي كل زنزانة ترباس , وقفل كبير من حديد , وأنا أشعر بانقباض في نفسي , وخنقه , وأحاسيس كثيرة مختلطة , متضاربة , ومتباينة , لا يمكن وصفها , أو التعبير عنها بأي كلمات مهما كانت قوية , غير أني أحاول أن أقرب الصورة للقارئ , الإحساس الذي انتابني , أشبه بمنطقة وسطي بين الموت والحياة , أو بين العقل والجنون , آاه ............
    " السجن من الخارج يختلف تماماً , عما تراه أو تشاهده عبر شاشات التلفاز والسينما .. يختلف اختلافا كليا .. من حيث المعني والمضمون .. وأيضاً من حيث المشاعر والأحاسيس .. فهناك فرق كبير بين أن تشاهد السجن عبر فيلم عربي , أو مسلسل تلفزيوني ــ لمدة ثوان أو دقائق معدودة ــ وبين أن تعيش فيه بشحمك ولحمك , ودمك , وأعصابك , ومشاعرك , وأحاسيسك , شيء بشع حقاً , وصعب وفظيع علي النفس إحساسك بأنك مسجون , وأنت منزوع الحرية , أصعب ألف مليون مرة بكل تأكيد .. " إذاً هو السجن ".. ورحت ارددها ..
    " السجن " كلمة من ثلاث أحرف لكن معناها تملأ المجلدات .. تجاوزنا الزنازين المرصوصة بالدور الأول .. وارتقينا السلم الحديدي .. لنقف أمام زنازين صغيرة أخرى, مرصوصة كعلب الحاويات , أقترب الحارس من أحدها , أخرج كومة من المفاتيح بيده .. حب الفضول شدني لاقترب من ورقة ـ كرت صغير معلق علي باب زنزانة ـ لأقرأه فصعقت لهول المفاجأة وأصفر وجهي , واختطف لوني , وكدت أسقط من طولي , فهذه زنازين خاصة للإعدامات "..؟؟!!. وفي ثواني معدودة , دار في نفسي هذا الحوار بعدما عادت لي نفسي ..
    " ترى هل حكم علي بالإعدام دون أن أعرف .. إعدام ..؟! .. لماذا ..؟!! أنا لم أفعل شيئاً.. فقط كنت أٌدافع عن شرفي ..؟!!.. وعرضي الذي أنتهك .. ؟!! .. ألا يحق لي أن أدافع عن شرفي يا ناس .. ؟!! .. أنا لم أكن أقصد قتلها .. ولا نويت .. ولا جاء ببالي هكذا أبدا.. "
    جذبني الحارس من يدي .. فتراجعت بسرعة الضوء والبرق للوراء .. ونتشت يده بكل قوة .. حتى كدت أن أسقط من الطابق الثاني .. من هول الصدمة .. لولا السور الحديدي الذي يلف العنبر احتجزني .. وأنا اصرخ في خوف , وفزع ...
    ــ لا. لا. لا. ما هذا لا . لا . ليس مكاني ها هنا ــ تكون نهايتي ــ لن ادخل هنا أبداً ....
    قلت هذا وأنا التفت إلي السجان.. وهو يبتسم بخبث .. دون أن ينظر إلي .. فرغ من إدخال المحكوم عليهم بالإعدام إلي داخل هذه الزنازين الضيقة كالمقبرة وهو يقول :
    ــ لا تخف , أنتم تباتوا هنا لحد الصبح فقط .. فأنا لا استطيع فتح الزنازين ألان ..!
    زمجرت .. رفضت .. ورفض من معي .. وزمجر الجميع .. ودارت برأسي في لحظة واحدة ألاف الأسئلة , ومادت بيّ الدنيا , ودارت , ولفت, وأصررت علي عدم الدخول , فما أدراني , ربما هو يسايسنا لندخل ثم يغلق علينا الباب .. فانا أعرف هذه الأمور جيداً ...
    وعندما رأي إصرارنا .. أخذ بعضنا إلي الدور الثالث .. والبعض الاخر الي الدور الرابع .. وكنت انا ممن سكن الدور الرابع .. في أول زنزانة علي ايدك اليمين وأنت داخل .. زنزانة خاصة للقتلة ...
    ــ " اذا انت قاتل ".. ؟ ..
    ــ " لا لا لا أنا لست بقاتل وإنما كنت أدافع عن شرفي ليس الا .. ولم أقصد البتة أن أميتها, ماتت خطأ , وأنا أضرب الرجلين الذين كانا معها , وكانت هي تتوسطهما .. لم انتبه إليها إلا وهي جسه هامدة , ماتت من غير قصد مني , أو عمد , والرجلان فرا.. الجبناء .. والقانون لا يعرف حسن النوايا , وإنما يفترض سوء النوايا دائماً .. وأنكرت في التحقيق .. أنكرت أني قتلتها .. نعم .. لكنهم لن يصدقوني أبدا .. مهما حلفت لهم ..
    والمتهم بريء حتى تثبت براءته .. الله وحده يعلم أني برئ .. ولم أكن انوي قتلها .. فقط كنت أدافع عن شرفي .. ليس الا .."
    يدفع بي السجان إلي داخل الزنزانة الضيقة , وهو ينهرني , ويوصيني أن أقضي فترة سجني على خير , وسلامة , ومن غير شغب , أو عنف , وان أكن في حالي حتى أخرج بالسلامة من هنا .. ثم سحب الباب بيده خلفي .. بعدما أشار إلي المكان الذي سانام فيه .. القيت السلام علي المستيقظين في الغرفة سحبت قدماي المتعبة المنهكة الي حيث اشار بيده .. جلست بعدما ألقيت نظرة علي الزنزانة التي تبلغ مساحتها ثلاث أمتار في مترين وقد وضع فيها سبعة عشر مسجونا .. منهم من هو مستغرق في النوم .. ومنهم من هو مسترخي , ومنهم من هو جالس في شرود, وضعت مفرشا كان معي منذ دخلت الحجز " كليم قديم "علي الأرض .. ومتعلقاتي لجواري , والطعام الذي أعطاني أبي إياه في الصباح , وكوب , وصحن بلاستك, ثم فردت جسدي المتعب المتهالك علي الأرض.. اتكأت علي الحائط وجرت أمام عيني , خمسة وعشرون عاما , مرت كشريط سينمائي , في برهة من الزمن .....
    قطع شرودي أحدهم وهو يسألني :
    ــ اسم الكريم ...؟
    ــ .............
    ــ حضرتك من أي البلاد ...؟
    ــ ..............!
    وظل يسألني .. وأنا أجيبه إجابات مقتضبة , ومختصرة , والزنزانة شبه مظلمة , وحيطانها صدئة , ذات ألوان رمادية تميل إلي السواد , متآكلة , متصدعة وبها شقوق , ومزيج من الروائح الغريبة الكريهة , تنبعث وتأتيني من كل مكان .. شعرت بالاختناق , والغثيان , وشعور بالرغبة في التقيؤ , والامتعاض , أخرجت منديلا من القماش , بحركة سريعة , ولا إرادية , وضعته علي انفي , حتى أحدُّ من تلك الرائحة التي ما زالت تقوي وتزداد , برغم الطاقات الثلاث , التي تعلو الحائط الخلفي فوق رأسي , إلا أن الرائحة لا تتوقف , لاحظت ابتسامة ساخرة انتشرت علي وجه هذا الكائن الذي يحدثني , ويسألني كوكيل النيابة , ورأيت في عينيه كأنه يعرف مصدر تلك الرائحة , وددت أن اسأله .. ولكني أحرجت , وخجلت أن اسأله .. فتفاجأت به, وهو يقول لي ما يشبه الإجابة عن السؤال الذي بدأ يدور في رأسي , والذي أحاول بكل ما املك من حواس البحث عن اجابة له :
    ــ معلهش أستحمل وهتتعود علي كده ..!
    سألته عن الساعة .. فضحك ملء فيه وهو يقول لي
    ـ عاوز تعرف الساعة كام, هو انت وراك معاد ولا ايه .؟ ولا مستني حد ؟
    ــ لا لا أنا بس حابت أتعرف علي الوقت ليس الا ..
    ــ وقت إيه اللي أنت جاي تسأل عليه , أنت عارف قبل معني الوقت هنا إيه هههه
    ــ ممكن أعرف انت بتضحك على ايه .؟
    ــ عليك طبعاً ..؟ حد بيسأل عن الوقت وهو في السجن ..؟ اما غريبه والله .. في السجن يجب أن يتوقف الزمن ..
    ــ عن إذنك راح أنام ..
    ــ خد راحتك البيت بقي بيتك .. أنت مش غريب سلام بقي ..
    ثواني معدودة وراح يغط في نوم عميق .. وانا مازلت في حيرة من امري
    أردد في نفسي كلمة واحدة " ألسجن " .. هكذا ردتها في نفسي , أكثر من مرة , وراح عقلي يسترجع شريط حياتي , منذ وعيت علي الدنيا , وأنا شبه مسترخي في مكاني
    وتذكرت .. " أبي, وأمي , طفولتي , لهوي , لعبي , جدّي , هزلي , صباي, مدرستي , أصدقائي رفاقي الدرب , أخوتي , وأهلي, بلدي الطيبة , والأرض الواسعة , التي كانت تحتوينا ونحن صغار, ومدينتي قبل أن تغزوها المباني والأبراج الخراسانية, وأحلام الطفولة , والصبا, وبيتنا الصغير, وشارعنا الطويل, وأبناء اخوتي , وكتبي , وغرفتي المتواضعة , وتذكرت أيضا ما جاء بي إلي هنا.."
    نمرتي تقع في أخر مكان , في زاوية الغرفة , بجوار حوض التشطيف , وحوض التشطيف هذا , عبارة عن مربع من الطوب والأسمنت , ربما كان مبني هكذا , أو ربما أحضروه من الخارج .. بواسطة أحد مخبري السجن , أو أحد المساجين , بعدما يكونوا قد دفعوا له ثمنه بالسجاير , وهم يقومون ببنائه , وهو عبارة عن حوض متر في متر علي الأرض .. وارتفاعه نصف متر تقريباً, يقوم كل واحد في الزنزانة , وذلك كل يوم بالتناوب وبالدور , بإفراغ ما فيه , وتنظيفه مع كل صباح وكذا تنظيف الزنزانة كلها, ومن يمتنع يدفع علبة سجائر مقفولة , ليأتي احد المساجين من خارج الغرفة , ويقوم بهذه المهمة بالنيابة عنه, وإعطائه علبة سجائر مغلقة, وهذا الحوض يجب أن يستخدم في التبول, وغسل المواعين والتشطيف وفقط , ولا ولن يجوز , كما لا يصح بحال , أن يقوم واحد من الذين في الزنزانة بالتغوط فيه .. وإن اضطر إلي ذلك فليكن ــ أعزكم الله ــ في كيس بلاستك , ثم يربطه ويضعه فوق جدار الحوض حتى الصباح , ليأخذه ويلقي به خارج الزنزانة
    فجأة سمعت صوتا خافتا, يأتيني من مكان مجهول في الزنزانه, وبه بعض النبرات الشبه ساخرة :
    ـــ اهلا ابو زمل .. معك سجاير ..؟
    ــ ........
    ضربت يدي في جيبي , أخرجت علبة سجائري , ومددت واحدة أمامي , وانتظرت صاحب الصوت يأتي ليأخذها, برهة جاء فيها ما يشبه الشبح , يتخطى النائمين ويتفادى , يمشي علي سور من الطوب الأحمر , وضع في ردهة أرضية الزنزانة , حتى لا يدوس أحد علي فرشة أحد , وأيضاً للحفاظ علي خصوصيات الآخرين , وللنظافة , وعدم انتقال الإمراض هكذا هو قانون المساجين , ففي السجن لا يصح لك , ولا يجوز أن تتعدي علي نمرة غيرك , بأي حال من الأحوال , أو بأي شكل من الأشكال, سواء كان ذلك بالنوم, أو بالمشي , أو الجلوس, أو وضع أي شيء من الأغراض إلا بأذن صاحب النمرة , وذلك منعاً للإحراج , وللضرر , والأذى الذي قد يلحق بصاحب النمرة , وأيضاً خوفا من العدوى , وانتشار الأمراض وما أدراك ما انتشار الأمراض في السجون , ثم ما أدراك كيف يعاني المريض في السجن .. فالنمرة هي بمثابة غرفة نوم خاصة لكل المساجين... آأه "
    سمرت عيني علي هذا القادم لأتبينه عن قرب , فتكشف ليّ عن كائن غريب , وكأنه جاء من أقصي التاريخ, بل خيل إلي انه إنسان بدائي, قادم من عمق الماضي السحيق , أو قام من بين الأموات تواً , شكله فظيع , هيئته رثة , ومنظرة بشع , حالته مزرية , كائن غريب يشبه الإنسان , أو إنسان يشبه كائنا غريبا , لا فرق .. إنسان يحاكي أفلام "السحر الأسود" في هوليود , ولا تراه إلا في عالم الأشباح , دنا مني أكثر, وبسرعة الضوء التقط السيجارة من يدي الممدودة له وهو يضحك ضحكة هستيرية بلهاء, لتكشف عن بعض أسنان متآكلة , وأنياب بعضها متهدم , والبعض الأخر ليس له وجود , مقدمة رأسه صلعاء , وجوانبها بها شعر كثيف مخضب بالسواد والبياض , وله لحية كثة , ملبدة كريهة, وشارب يغطي شفته السفلي يرتدي جاكت أزرق قديم ومتهرئ , قصير الأكمام , ومفتوح علي البطن المنتفخة , يواريها بيلوفر قديم متآكل , مخاط من بعض جوانبه , وبنطلون لا تستطيع أن تميز إن كان اسود أم ازرق ــ وقديم أيضا ــ بالكاد يغلق علي وسطه , ويكاد يصرمه .. وضع السيجارة في فمه, ثم دنا بوجهه مني, يطلب مني أن أشعلها له , فشممت رائحة كريهة .. ربما يكون هو مصدرها ..أو ربما من مكان اخر .. دققت في وجهه الشاحب .. فبدأ ينم عن شخص في الأربعين من عمره, أو يتعداها قليلا .. فأخرجت أنا أيضا سيجارة , وضعتها في فمي , وأشعلت له سيجارته قبل سيجارتي فشكرني وعاد سريعاً , كما جاء في خفة , وحركة خاطفه وهو يسألني ..
    ــ "عن اسمي ..؟ .. وعن المدة التي سأقضيها معهم .. ؟.. وفيما أتيت ..؟ وما السبب الذي دفع بي إلي هذا المصير ..؟!!.. "...
    فأخذت نفسا عميقاً , ثم أخبرته , فرأيته أبدي تعاطفا معي , وتأسر لحكايتي ...
    ــ لو سمحتم أخفضوا صوتكم شويه عوزين ننام ..
    أنبعث هذا الكلام .. من تحت غطاء لشخص مسجي بجواري , فالتزمت الصمت .. أما هذا الشبح راح يرد عليه , وهو يضحك بهستيرية, وقد أمحي تأثره بكلامي .. وأختفي تعاطفه معي تماماً .. ليقول له..
    ــ ههههههه يا ايو حسين ضيف جديد مشرفنا .. هههههه , ما رحبوش بيه .. وما نتعرفوش عليه يعني ...؟!!.. هههههههه ؟!!!......
    فجاءه نفس الصوت الأول .. من نفس المصدر.. ليؤكد بنبرات حامية في تلك المرة
    ــ الصباح رباح يا سيدي, ابقي أتعرف عليه الصبح ,أهو عندك اهو , هو هيطير يعني .. مه قاعد معانا أهو ...
    فرد عليه , بعدما أخذ نفسا عميقا من السيجارة , وكأنه يستجديها الا تنتهي , وقد بدأت بعض الجثث الراقدة .. تتململ تحت اغطيتها
    ــ يعني هتمنعني من الكلام ولا إيه ..؟!.. هو يبقي سجن من كله ..؟!!.. حتى الكلام .. أمّ عجيبة والله..!
    ــ يعني ما نموش ونسهر عشان نسمع حضرتك
    ــ طاب ما تنام حد منعك ..
    ـــ هو اللي معاه واحد زيك ينام
    ــ اللي عاوز ينام هينام
    وهنا يزيح الرجل النائم الغطاء من علي وجهه .. في حالة غضب شديد رأيت وجهه الأسمر .. وعيناه قد اتسعت حدقتاها .. وقد جزَّ علي أنيابه .. وراح ينظر إليه نظرات حادة .. وكأنه ينذره , ويتهدده , ويتوعده أيضاً .. برهة من الوقت خيم فيها الصمت.. انتهزت الفرصة لألطف الجو بينهما بشيء من الاعتذار .. فوجدته قد حول نظره نحوي , وقد أفصحت أساريره عن ابتسامة عريضة .. وراح يسألني :
    ــ " عن اسمي ..؟.. وبلدي ..؟.. وعن سبب المجيء إلي هذا المكان المشؤم ..؟.. وعملي قبل أن أتي إلي هنا ..؟.. و ... " ..
    فأجبته , وأنا أحاول أن أخفض من صوتي , حتى لا أزعج أحدا , أو أيقظه وتجاذبنا إطراف الحديث , واستفسرت عن بعض الأشياء عن هذا المكان حتى يمكنني أن أتعايش مع الجميع بسلام , لأني سوف اقضي معهم مدة عقوبتي , في نفس الزنزانة , وأردت أن أعرف بعض الأمور , فوجدتني أسأل , لأتعرف عليهم..
    ــ ما أسمك
    ــ حسين تأبيدة
    ــ .........
    ــ خمسة وعشرين سنه بالتمام والكمال , بعيد عنك ... ههههه ههههه ....
    سكت برهة من الوقت , وقد لاحظ سكوتي , وكأنه أحس اني اخجل , أن اسأل عن تهمته .. فوجدته يبتسم .. وهو يحاول أن يجيبني عن سؤالي الذي لم أسأله بعدما جلس نصف جلسه , واتكأ بعدما كور فرشته تحت جنبه .. وراح يروي لي حكاية عم "حسين ".. وهو يشير إليه برأسه ...
    ــ عم حسين كان شغال في الداخلية .. وتسجن عشان قتل مراتة .. ؟!!..
    ثم سكت فجأة , وفي عينيه شيء من الغموض .. وسكت أنا أيضا بدوري عن السؤال .. لماذا سكت ولم تكمل الحكاية ..؟! .. وأكتفيت بالنظر اليه فقط .. وأنا مولع بحب الفضول .. والبحث عن التفصيل .. واصل الحكاية فطأطأ رأسه , برهة من الزمن , ونظر إلي الأرض , وخيم الصمت على الزنزانة , طلب فيها " أبو أحمد " مني سيجارة .. فوجدتني , ومن دون تردد .. أطرح سؤالا أخرا , على هذا الكائن الذي يقبع امامي ..
    ــ وأنت يا " أبو أحمد" قتلت مين .؟
    ــ انا أخذت تار اخويه الله يرحمه ويحسن اليه .. وسألني ..
    ــ أسمك إيه ..؟ .. وتهمتك إيه ..؟ .. وآخد كام سنة .؟
    ــ تهمتي قتل دفاعا عن الشرف , والعقوبة عامان " قتل أفضي إلي موت
    ــ بس عامان فقط , دانت فسحه علي كده .. جاي عشان تسلم علينا وتمشي طاب نام نام والصباح رباح عوزين ننام ..
    ــ وهو فيه حد بيجيله نوم هنا
    ــ امال هنفضلوا صحيين علي طول كده .. اه كل واحد تحت الغطاء وتلقيه صاحي ومش نايم عمال يتململ يمين وشمال ..
    قليل من الوقت ينقطع فيه الصوت , أفرد جسدي المنهك المتعب قليلا , في محاولة يائسة , حتى أريح عقلي من التفكير, أغمض عيني في محاولة بائسة لاستدعاء النوم .. ولكن هيهات , هيهات .. فمن يأتيه النوم في تلك الليلة الأولي , التي لا ولم ولن انساها ابداً ما حييت , تلك الليلة الأولي . التي أقضيها في السجن العمومي , وفي زنزانة مغلقة , ومكتوب علي بابها , زنزانة قتل , ظلت صاحي حتى الصباح , وأنا في شرود , ووجوم تام .. أدير كل شيء في رأسي من أوله , وأعيد ترتيب الأشياء من بدايتها أشعل سيجارة من عقب سيجارة أخري , وأنا في شبه غيبوبة , وعقلي " يودي ويجيب".. وكنت أتابع كل شيء عن كثب .. أسمع أنين المساجين من تحت أغطيتهم .. الكل صاحي وإن أدعي انه نائم .. ومنهم من يدندن , ينعي بخته وحاله , ومنهم من يقول مواويل .. ومنهم من يغط في نومه ... ومنهم ... ومنهم ... وكان المشهد صعب وقاسي ..
    المكان تنبعث منه رائحة كريهة.. تزيد وتختفي من حين لأخر .. والزنزانة ضيقة جدا .. ثلاثة أمتار ونصف طول .. في مترين عرض تقريباً .. وبها سبعة عشر فرداً , مرصوصين علي الأرض .. كما لو كانوا طوب.. أو جثث لأحدي حوادث الطريق المروعة مغطيين وكل علي قدر حاله.. وكل جثة قد علقت فوقها حاجياتها في أكياس ..أو شكارة في مسامير دقت في الحائط .. من أجل هذا الغرض .. وأما عن الشبابيك فهي نصف متر , في نصف متر .. مخللة بالأسلاك والقضبان الحديدية .. تطل علي فضاء مترامي الأطراف .. يدخل منها الليل , والبرد , والصقيع القارص .. مع أصوات الخدمة الخلفية للسجن ..
    " واحد تمام " فيرد عليه صوت أخر " أتنين تمام " ويرد أخر " ثلاثة تمام " .. وهكذا يزعقون حتى الصباح ...
    استرخيت ,أغمضت عيني , لاستجلاب النوم من جديد , وقبل أن أستغرق في النوم جاءني وجه القاضي .. وهو ينطق بالحكم .....
    " حكمت المحكمة حضوريا على المتهم بالسجن عامين مع الشغل والنفاذ لما اسند اليه من اتهام ... رفعت الجلسة "
    وجاءني وجه أبي , وقد وضع رأسه بين يديه , وأمي وهي تبكي علي .. فقمت من نومي فزعاً ... و.....

    ***************
    على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..