نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

علي الصوافي - حمدون أو حديقة الشّمس.. قصة قصيرة

  1. بعد قليل سوف يرتفع هلال الشمس عن الشاطئ الرملي الموصول بلسان مائي ينحشر تحت الشارع المعبد الذي يمتد بمحاذاة البحر كالمسطرة .

    في أعلى الخور والذي يشكل المدخل البحري للمدينة التي تقع في ذيل العاصمه تتناثر مجموعة من المقاهي الخشبية تأخذ أشكالا مختلفة ولكنها بنفس الدهان الأبيض، والسقف الخوصي الذي يشبه سقف العرشان.
    أثناء مرور حمدون على جسر الخور كانت الكراسي مقلوبة على الطاولات في المقاهي على المساحة التي بين اللسان المائي والشارع بعد أن أكمل المرتادون ما تبقى من علب "المعسل" تاركين الخراطيم تتدلى كالأفاعى على رؤوس الكراسي بينما تظهر على المساحة المعشبة أمام المقاهي الخشبية أشكالا مختلفة رسمتها أكواب الشاي المدلوقة على الطاولات البلاستيكية البيضاء.

    السماكة يصلون الآن ، عائدين من مراميهم الصباحية فاتحين صدورهم في جو الشاطئ الرطب للهواء الذي يمر أو يتوزع بالقطارة قبل أن ترتفع كرة الشمس الملتهبة ويختلط العرق بروائح الأسماك المنشورة على رمل الشاطئ على أكياس بلاستيكية شفافة تصف كما اتفق. يتجمع بخار السمك على القوارب فيجمع حوله التجار القادمين بثلاجاتهم وكروشهم ونواياهم المبيته ليستلموا القوارب وفقا لما تتسع له حيلهم المالية قبل أن تصل إليها أيادي المنتظرين على السطح الأسمنتي بالقرب من سوق السمك .

    عند التهاب كرة الشمس كان حمدون يمر في المساحة الفاصلة بين سوق السمك والمحلات التجارية الموصولة بسوق خضار ينفتح على الجهة الأخرى من الشاطئ في يده مفاتيح سيارته ومسبحة زجاجية بطربوش أزرق كان يدليها من بين أصابعه، سيجلس بعد خمس دقائق على مصطبة في الذراع الأيسر من السوق يراقب الطفل الذي كان يجر عربة خضار صغيرة ثم سيخرج نحو الشاطئ.
    وهو يترك مدخل السوق سيصطدم" بالشايب" الذي كان يحمل على رأسه ثلاث ربطات من البرسيم :
    " ود أم الصروم كسرتلي ضلوعي وطيحت القت خاطف تقرز برجولك "
    يقفز حمدون فوق ظهر الشيبة المغطى بربطات البرسيم ويواصل خروجه نحو الشاطئ.


    في محلات الدواجن المحاذية لسوق السمك يتقافز الدجاج داخل الأقفاص الحديدية المحكمة بينما يشحذ الباعة الهنود سكاكينهم على شريط جلدي مربوط بمسار مثبت خلف الأقفاص وكلما تطايرت شرارة من تحت شفرة السكين رقصت دجاجة في القفص وكلما رقصت دجاجة انتفض قلب الزبون الواقف أمام القفص كالمارد فيشير إليها ليمغطها الهندي بعد ذلك على طبل معدني يختلط فيه الدم والماء وشهادات الذبح وأختام البلدية التي تلمع وسط بركة من الأرواح المتكدسة في قاع الطبل .

    كان حمدون يمر أمام المحل حينما بدأت الشمس تصعد بين أكتاف الدكاكين وأثناء عبوره سمع زبونا يطلب أربعين دجاجه ويشير الى الهندي:

    " صلح ، قطع ، خلي سيم سيم عشره كيس "
    هز الهندي رأسه وشرع في سحب الدجاج من داخل الأقفاص وعزل أربعين دجاجه في قفص خاص وبدأ يسحبها واحدة واحده يجزرها بالسكين ثم يرمي بها في الطبل ، الدجاجة الأولى ، الدجاجة الحادية عشره ، الدجاج يتراقص ويرتعش في الأقفاص والهندي يهز السكين في يده كالسيف ، الدجاجة الثامنة والثلاثون ، الدجاجة التاسعة والثلاثون وقبل أن تصل يده إلى داخل القفص كانت الدجاجة الأخيرة قد نفقت من الخوف
    " يالله سرعه ، سرعه ، يشحي كلش دجاج ..... انا يجي بعدين " صرخ الزبون وهو يغادر بوابة المحل .

    تناثر رماد السجائر التي كان يحملها حمدون بين أصابعه على الدشداشة فانتبه حمدون ورمي السيجارة بجمرتها المشتعلة على الأرضية وقبل أن يضع قدمه عليها سبقته قدم الزبون وهو خارج من محل الدواجن مسرعا فسحقت السيجارة وقدم حمدون معا. هز الهندي رأسه في الداخل وهز حمدون قدمه في الخارج وواصل سيره وهو يشعر أن الشمس تهطل على الأرضية.

    في الجهة الأخرى القريبة من المدرسة التي لايفصلها عن سوق السمك سوى رصيف عريض من " الانترلوك " المزين وأحواض حشرت فيها بعض الشتلات التي تبدو الآن متغضنة من رطوبة البحر ودوران قرص الشمس في درجات مئوية عاليه، في تلك الجهة تصطف حافلات الطلبة متلاصقة على طول الشارع البحري باتجاه المدرسة فتبدوا أشبه بعربات قطار متراصة. بمحاذاة رتل الباصات كانت ثمة خيول بأعراف بيضاء جملية منتشرة على الخط الرملي للشاطئ ذارعة المسافة بين المقاهي وانكسار الأمواج جهة الخور حيث تمتزج روائح السمك برائحة الخيول ورائحة عوادم الحافلات مكونة رائحة رابعة تفوح مع رطوبة البحر يعرفها الساكنون بالقرب من الشاطئ وتعرفها المدرسات اللاتي يتبارزن بفساتينهن المطرزة ووجوههن التي تتكدس عليها طبقات الماكياج والنظارات الشمسية بماركاتها المختارة من الإعلانات التلفزيونية وهن يدخلن بأقدام متاكسله المدرسة القريبة من شاطئ الكورنيش الجديد على امتداد سوق السمك حيث بعد قليل ستفض أحاديث السهرات مع أكياس وطناجرالوجبات المحمولة التي ستفرش في غرفة المعلمات قبل بدء طابور الصباح .

    الأولاد بدشاديشهم البيضاء وعيونهم التي ما زالت مليئة بالنعاس وأجسادهم المرتخية ينتشرون أمام المدرسة الملاصقة لشارع الكورنيش ويتقافزون وسط الضباب المتكوم الذي يربط المدرسة بالمساكن المتراصة في الخلف على طول الشاطئ.
    الطالبات بتنوراتهن الضيقة وظفائرئهن المتدلية من خلف المناديل وصدورهن الصغيرة الشبيهة بالليمون البلدي المكتنز يتسارعن في الدخول إلى المدرسة قبل جرس طابور الصباح بينما يبقى الأولاد في انتشارهم خارج حوش المدرسة ولا يدخلون إلا على صراخ مدرسة الرياضة الذي ينفجر كالمدفع في مكبر الصوت ثاقبا صداه التجمعات الطلابية مرورا بجلبة المحلات التجارية ليصل إلى آخر بيت في المساكن المحاذية للبحر.

    يختلط صياح المدربات في طابور الصباح بأصوات السماكة في السوق القريب ، الأولاد الذين كانوا يتقافزون حول سور المدرسة يتثائبون الآن في الطابور بينما ينظر حمدون إلى الألوان المتراكمة على فستان المدرسة المنقوش بلون فستقي والتي كانت تعبر الشارع متأخرة باتجاه المدرسة.


    تختلط جلبة الباعة بروائح السمك والعرق الذي يمسحه السماكه من جباههم العريضة وزنودهم المبللة ويرشقونه بأصابعهم في الهواء فيتساقط على الأقدام المتكومة فوق بعضها في انتظار القوارب القادمة وقد يتطاير بعضه على الوجوه المتكلسة من ملوحة البحر , ولأن المشهد يبدو في تلك اللحظة استثنائيا ومتشابكا لا يشعر أحد بشيء ولا يلتفت أحد إلى شيء سوى إلى السمكات الممدة على القوارب التي بدأت تلامس رمل الشاطئ .

    اقتربت سيارات التبريد , اقتربت القوارب أكثر ، تدافع الجميع باتجاه الشاطئ ومن بينهم صرخ رجل:
    ( تواحيوله الهسس ) ثم قفز فوق رؤوس الجميع ليحتضن القوارب المتراصة على الشاطئ : ( وينكم بياعة , فلوسكم جاهزة؟ ) .

    تراجع الجميع , اشترى الرجل القافز بكرشه الذي يشبه حوضا من الأسماك جميع الأسماك التي في القوارب وصرخ من جديد :
    ( وين الشرايه وين البرادات ) وقبل أن يكمل قفزت قطة على أحد القوارب وسحبت سمكة صغيرة قريبة من أقدام الرجل الذي ترك القارب وركض وراء القطة التي أخذته بين الأزقة المنحنية للمنازل المطلة على الشاطئ تراكض الجميع على القوارب , دق جرس الحصة الأولى في المدارس المجاورة ، ذبح الهندي دجاجة أخرى كانت ترقص داخل القفص ،انتشرت أشعة الشمس ،على طول الشاطئ ذهب أصحاب القوارب باتجاه عرشانهم, عاد الرجل ذو الكرش العريضة بسمكته الوحيدة المفتته .

    وبينما كانت أقدام الموج المتسارعه تصطك على حاجز الشاطئ والشمس تخنق اسمنت الرصيف كنت أنا اجلس على أحد الكراسي الاسمنتية أرقب انحدار الصباح منذ أوله.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..