عمر الصايم - مشاهدات العارف بالوطن

الخروج:
وخرجْتُ عَنْ صَمْتِي، أَبْحَثُ عَنْ عَالَمٍ نَزِيهٍ وأَخْضَر، بَنَات لا يَسْرِقْن عُشَّاقَهِن عَنْ الآخرين، ولا يَرَين بِنَظَرِهن الثَّاقِب المَسْتُور فِي جَيْب البنطلون، وعكفْتُ أَعْشَقُ وَطَنَاً بِلا مُواطِنين، وكُتُبَاً مُغَبَّرَةً عَنْ شُيوخٍ حَلَّقُوا فِي الفَضَاء، وتُخُومٍ حَمَلَتْ ذِكْرَى مَعَارِكٍ، ونِسَاء ذَوات شِفَاهٍ مُخْضَّرَة، وشُلوخٍ مَطَارِق نَفَقْنَ مِثْل العَنْزَاتِ فِي سَنَةِ أُم لَحَم، وأَصْدِقَائي الفَنْتَازَويين، والآخرين الذين رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَنِ العَالَم، وسَلامِ العَالَمِ؛ وأَسِفُوا جِدَّاً لِمَا يَحْدُثُ.
الجلوس:
أَجْلَسَ النَّاقِدُ نَفْسَه قُبَالَة القَاص وَحَدَّثَهُ عَنْ كَيْفَ يَبْتَنِي قِصَّتَهُ، عَنْ فَضَاءَاتِ السَّردِ، وسُهُوبِ اللغَةِ. لَمْ يَكُنْ القَاص مُصْغِيَاً تَمَامَاً، إِذْ أَعْجَبَهُ البَنْبَر الذِي يَجْلِسُ عَلَيهِ النَّاقِد وأَسَرَتْهُ أَجْوَاءُ سُوقِ النَّاقَةِ، فَأَطْرَقَ يَنْظُرُ إِلي عَرَبَةِ كَارُو يَقُودُهَا صَبِيٌ يَسْعَلُ، وَحِمَارٌ هَزِيلٌ، وثَمَّة جِهَازُ تَسْجِيلٍ لِعَرَبَة مرسيدس فِي مُؤَخَّرَةِ الكَارُو تَنْبَعِثُ مِنْهُ أُغْنِيَةٌ مِنْ أَكْذَبِ الشِّعْرِ وأَعْذَبِهِ.
وإِذْ يُغَنِّي المُغَنِي تَعْبُرُ أَتَانٌ لَعُوبٌ، فَيَنْطَرِبُ الحِمَارُ؛ ويُحَرِّكُ أُذْنَيهِ ويَجْمَحُ. كَاَنَ النَّاقِدُ قَدْ خَلُصَ إِلى مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا نُقْطَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ؛ فانْسَحَبَ ذَاهِبَاً إِلى سُوق خَمْسَة دَقَايق، ووَقَفَ القَاصُ ذَاهِلَاً خَمْس دَقَائق.
العودة:
حِيْنَ عَاَدَ إِلي البَيْتِ وَجَدَ الحِلَّةَ فِي كَامِلِ قَرَفِهَا، وأَحْزَانِهَا السَّمِجَة:
- مَريم اطلقَتْ فِي الصَّبَاح طلقتها البائنة، بَعْدَ أَنْ أَرْجَعُوها لَيْلَةَ الأَمْس.
- حمار السُّرْة ــــ العائلُ الوحيدُ لَهَا ولأُسْرَتِهَا ــــ تُوفَّى بوباء السُّعْرِ.
- الدِّقيل زَوْج الجَارَة خَفِيفَة الظِّل والجَسَد، قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ فِي صَلَاةِ العِشَاء.
جاءَتْهُ أُمُّه، وأَخْبَرَتْهُ أَنْ يَخْرُجَ لِتَعْزِيَةِ ومُؤَاسَاةِ الجَمِيعِ. لَمْلَمَ أَعْضَاءَهُ الشَّائكَةُ، نَظَرَ إِلى عَيْنَيهَا عَمِيقَاً، وحَدَس أَنَّهَا وأَنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلى المُؤَاسِي الأَعْظَمِ. تُرَى كَيْفَ تَسْتَطْعِمُ الأُمُّ مَذَاقَ فَجِيعَتِهَا بِولدِها؟ رَقَدَ عَلَى مُلَاءَةٍ تَتْخِذُ شَكْلَ عَلامَة الاسْتِفْهَامِ، وفَجْأَةً هَجَسَ بِهِ خَاطِرٌ فَأَخَذَ يَكْتُبُ.
الأولى المشاهدة:
هَاَ قَدْ عَادَ صَدِيقُكً؛ مَصْقُولَاً بِالهَزَائمِ ومَغْسُولَاً بِأَحْزَانِ السِّنين، إِلاّكَ كُلَّ شَيء اعْتَرَاهُ التَّغْيِيرُ، أُنْمُوذَج الحَبِيبَة ارْتَحَلَ عَنْ الخَيالِ بِبُثُورِهِ ودَمَامِلِهِ التِي لَمْ تَنْدَمِلْ، السُّلْطَةُ صَارَتْ تَتَحَدَّثُ عَنِ الدِّيمقراطية مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهَا؛ فَتُغْوِي المُصَابِين بِالعِنَةِ السِّيَاسِيّةِ، مِنْ العَجَزَةِ وكِبَارِ السَّنِ. الحِزْبُ تَعَرَّى وانْغَمَطَ بَرِيقُهُ. الجَامِعَةُ اسْتَحَالتْ مَرْتَعَاً للعُشَّاقِ فَطِيرِي التَّجربةِ، والفِتْيَان المَمْسُوسِين بِنَزَقِ التَّطَلُع إِلى زَوجَاتٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا العَالَمِ.
هَاَ قَدْ عَاَدَ صَدِيقُكَ تُقِلُّه الطَّائرَاتُ، وتُلْقِيهِ الطَّائراتُ إِلى وَطَنِ البَاحِثين عَنْ اللوتري، عَائدَاً بِلَا إِعَادَةِ تَوْطِين، سَيُقْرِئُكَ الصُّحَفَ الأَولى؛ فَيَنْفَطِرُ قَلْبُكَ ــــ إِنْ وُجِدَ ــــ ويَسْتَحِي شَيْبُكَ البَائسُ، سَيَنْظُرُ إِلى كُلِّ شئٍ مُمْعِنَاً فِي دَهْشَتِهِ، وسَيْسَأَلُكَ كَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟ شَئٌ ما يَحْمِلُكَ إِلي سِيدْنَا الزَّغْرَات، وشيْخَنَا الهَمِيم. وتَذْكُرُ أَنَّكَ كُنْتَ شَخْصَا مَا فِي سَنَةِ أُمْ لَحَم، رُبَّمَا أُنْثَى بَائسَة. وتَذْكُرُ سَنَةَ سِتَّة، وَسَنَة الجَفَاف وَسَنة.... وأَخِيرَاً سَنَةَ لَمْ يَكُنْ وَطَن.
المشاهدة الثانية:
سَتَصْحَبُ صَدِيقَكَ إِلى غُرْفَتِكَ المَهِيضَة عَلَى هَامِشِ المَدِينَةِ، غُرْفَةٌ لا تَطَالَهَا البَرَامِجُ الانْتِخَابِيّة، والجَمَاعَاتُ القَاتِلَةُ بِلَا وِزْرٍ مِنْ حَبِيبَةٍ، أَو خَطِيئَةٍ، أَو رِجْسٍ مِنْ عَمَلِ الوَطَنِيّةِ.
حِيْنَ يَلْتَقِيكَ صَدِيقُكَ سَتَعْرِفُ الفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكْبَرَ الإِنْسَانُ بِسَبَبِ التَّغْذِيَةِ الجَيِّدَةِ، أَو بِسَبَبِ سُوءِ التَّغْذِيَةِ، وَسَتُوقِنُ أَنَّ ثَمَّةَ وَطَنٌ لَكَ لَمْ يَلِدْ أُمَّكَ. سَتَضُمُهِ إِلى صَدْرِكَ حَتَّى يَحِسُ بِسُخُونَةِ الطَّقْسِ المَدَارِيّ، ولُزُوجَةِ العِنَاقِ المَحَلِّيّ، تَذْكُرُ أَنَّهُ قَاَلَ لَكَ ذَات طُفُولَةٍ.
ــــ عَارِف الطَّير بيقول شِنُو؟
كُنْتُمَا فِي خَلَاءٍ تَرْعَيَان غَنَمَاً، وحَوْلَكُمَا عَصَافِيرٌ تُشَقْشِقُ، وأَمَامَكُمَا مُسْتَقْبَلٌ مُطَلْسَمٌ، قُلْتَ لَهُ
ــــــ بيقول وطني ولا مَلِي بَطْنِي.
سَأَلَكَ بِدَهْشَةٍ – الحَدَثَك منو؟!
- حبوبة
سَاعَتَذَاك كُنْتَ تَعْتَقِدُ فِي عِلْمِ جَدَّتِكَ؛ وأَنَّهَا تَعْلَمُ لُغَةَ الطَّيرِ والبَعَشومِ، فِيمَا بَعْد كُنْتَ تَتَهِمُ حَبِيبَتَكَ بِأَنَّهَا مَسْكُونَة بِشَخْصِية حَبوبَتِهَا. بَعْدَ أَنْ يَنْفَكَّ الصَّدِيقُ مِنْ حِمَاكَ وكَعَادَةِ المَشْهَدِ تَجْلِسَان، فَلَا يُبْدِي رَغْبَةً فِي الثَّرْثَرَةِ عَنْ مَهْجَرِهِ، يَكُون لُطْفَاً مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَكَ عَنْ تَفَاصِيلِكَ الخَاصَةِ، وكَالعَادَةِ يَنْحَدِرُ السُّؤَالُ نَحْوَ الطَرَفِ الطنْهَلأَكْثَر شَقَاءً مِثْلَمَا نَسْأَلُ مَرِيضَاً عَنْ حَالِهِ، يَسْأَلُكَ صَدِيقُكَ.
- كَيْفَ أَنْتَ؟ والَبَلَد؟ والنَّاس؟
تَبْتَسِمُ إِذْ لَمْ تَعُدْ تُدْرِك الفَرْقَ بَيْنَ الأَشْيَاء الثَّلَاثة. تَنْظُرُ إِلى عَيْنَيّ صَدِيقِكَ الصَّافِيَتَين، ودُوْنَمَا سَبَبٍ يَقْفِزُ التُّفَاحُ إِلى ذِهْنِكَ، تَحدس أَنَّ صَدِيقَكَ أَكَلَ أَطْنَانَاً مِنْهُ، وتُوسْوِسُ لَكَ نَفْسُكَ بِمَا هُوَ أَبْعَد مِنْ التُّفَاحِ، فَتَصْرِفُهَا عَنْهُ إِلى خَيَالِ عَائشَة وَقَّافِي، أَوْ كَلْتُوم حَرَام؛ وتَحْمُدُ لَهُنَّ الصُّمُودَ العَظِيمَ.
- أَنَا بِخَير كَالعَادَة، والبَلَد والنَّاس كالعادة بِخَير.
يُدْرِكُ صَدِيقُكَ مَا يَشِي بِهِ حَدِيثُكَ مِنْ مَرَارَةٍ، وأَنَّها سَنَواتٍ كَافِيَة لِدَمَارِ كُلَّ شَيءٍ، فَلَا يَسْأَلُ عَنْ مُعَارَضَةِ السُّلْطَةِ، وعَنْ حِزْبِهِ الأَثِيرِ، وعَنْ أوْطِانٍ إِنْ قَطَنْهَا سَاَءتْهُ.
المشاهدة الثالثة:
يَجْلِسُ صَدِيقُكَ عَلَى المَقْعَدِ، يَفْتَحُ حَقِيبَتَهُ لِيُخْرِجَ هَدِيتَهُ، تَعْبَثُ يَدُهُ بِالدَّاخِل ثُمَّ تُخْرِجُ قَمِيصَاً مِن الصُّوفِ، ذَلكَ النَّوْع الذِي صُنِعَ خِصِّيصَاً للاسكيمو، تَحْمِلُ عَنْهُ الهَدِيةَ، وتَشْكُرُهُ كَمَا هُوَ الوَاجِب، تَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَنْفَعُكَ رَغْم أَنْف المُنَاخ، ورُّبَمَا يَقِيكَ مِنْ ضَرَبَاتِ "أَبْ فَرَّار"، أَو تَجْلِسُ بِهِ فِي مَقْعَدٍ أَمَامِيّ فِي إِحْدَى النَّدَواتِ، مَعَ ذَوِي البِدَلِ العَتِيقَةِ، يُحَمَّي صَدِيقُكَ الصَّمْتَ بِسُؤَالِهِ
- مَا أَخْبَار مُصْطَفَى وخَالِد؟
- هَاجَرَا إِلى كَنَدَا وأَمريكا على التَّوالِي.
جَلَسْتَ حَزِينَاً، بُهِتَ الذِي عَاَدَ، وقَفَ وَقَدْ فُضَّ فُوهَهُ، جَلَسْتَ حَزِينَاً تُخَمِّنُ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ حَامِلَاً شَعْرَهُ الأَجْعَدَ، وعُيونَهُ العَسَلِيّة، وعَقْلِهِ السَّلِيم، سَيَخْرُجُ؛ ولَنْ يَعُودَ مَرَّةً أُخْرَى.
حاشية:
ثَمَّةَ صُوَرٍ لَمْ تُفَارِقْ مَخْيَلَةَ القَاص، الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ الكَارُو، الأُغْنَياتُ الكَاذِبَةُ فِي سُوقِ النَّاقَةِ. بَيْنَمَا أَطْبَقَ القِصَّةَ كَاَنَ يُفَكِّرُ أَيُّهُمَا سَيَقْرَأُهَا أَوَّلاً النَّاقِدُ أَمِ صَدِيقُهُ العَائدُ، أَمْ أَنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ.؟

هذا النص

ملف
عمر الصايم
المشاهدات
178
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى