نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

الطيب صالح - الرجل القبرصي ..

  1. دنيا لا يملكها من يملكها
    أغنى أهليها سادتها الفقراء
    العاقل من يأخذ منها ما تعطيه على استحياء
    والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء
    الفيتورى



    نيقوسيا في شهر يوليو كأن الخرطوم قامت مقام دمشق . الشوارع واسعة كما خططها الإنجليز ، والصحراء صحراء الخرطوم ، ولكن ذلك الصراع بين ريح الصبا وريح الدبور كما أذكره في دمشق .

    وهي إنجليزية من رأسها حتى أخمص قدميها رغم كل تلك الدماء . عجبت لأنني توقعت بلدا هيليني الطابع ، إلا أن الرجل لم يمهلني حتى أوصل الفكرة إلى نهايتها . جاء وجلس بجانبي على حافة حوض السباحة . وأومأ برأسه إيماءة خفيفة فأحضروا له فنجان قهوة . قال :-
    - سائح؟
    - نعم ..
    أحدث صوتا لم أتبين مغزاه ، كأنه يقول إن مثلي لا يستحق أن يكون سائحا في نيقوسيا ، أو أن نيقوسيا لا تستحق أن يكون مثلي سائحا فيها .

    انصرفت عنه بالتمعن في امرأة وجهها مثل ملائكة روفائيل ، وجسدها كنساء لوحات قوقان . هل هي الزوجة أم المرأة الأخرى ؟ أيضا قطع على حبل تفكيري :-
    - من أين ؟
    - من السودان ..
    - ماذا تعمل ؟
    - في الحكومة ..

    ضحكت لأنني في الحقيقة لا أعمل في الحكومة ، والحكومـات صـدرها
    واسع على أي حال :
    - أنا لا أعمل .. أملك مصنعا ..
    - صحيح ؟
    - لصنع أزياء النساء .
    - شئ جميل .
    - كونت ثروة كبيرة . اشتغلت مثل العبد . عملت ثروة . الآن لا أعمل . اقضي وقتي كله في الفراش .
    - تنام ؟
    - أنا أنت تمزح . ماذا يفعل الرجل في الفراش ؟
    - ألا تتعب ؟
    - أنت تمزح . أنظر إلى ، كم سني ؟
    - أحيانا خمسون ، وسبعون أحيانا ، لكنني لم أشأ أن أساعده ، قلت له :
    - سبعون .
    لم يؤلمه ذلك كما قدرت ، ولكن ضحك ضحكة مجلجلة وقال :-
    - خمسة وسبعون في الواقع ، ولكن ما من أحد يعطيني أكثر من خمسين ، قل الحق .
    - خمسون إذا شئت .
    - لماذا ؟
    - تتريض .
    - نعم ، في الفراش ، أطلع وأنزل . بيض وسود وحمر وصفر . كل الألوان . أوربيات وزنجيات وهنود وعرب ويهود ومسلمون ونصارى وبوذيون .
    جميع الأديان .
    - أنت رجل متحرر .
    - نعم في الفراش ..
    - وفي الخارج ؟
    - أكره اليهود .
    - لماذا تكره اليهود ؟
    - هكذا ، لوجه الله . ثم أنهم يلعبون بحذق .
    - ماذا ؟
    - لعبة الموت . مارسوها منذ قرون .
    - لماذا يغضبك هذا ؟
    - لأنني .. لأنني .. لا يهم .
    - ألا يغلبون ؟
    - كلهم يستسلمون في نهاية الأمر .
    - ونساؤهم ؟
    - ليس أحسن منهم في الفراش . كلما ازدادت كراهيتك لهم ازدادت متعتك مع نسائهم . أنهم شعبي المختار .
    - وزنوج أمريكا ؟
    - لم تصل علاقتي بهم إلى درجة الكراهية . يجب أن انتبه لهم أكثر .
    - والعرب ؟
    - يثيرون الضحك أو الرثاء ، ويستسلمون بسهولة ، في هذه الأيام على الأقل . اللعب معهم ليس ممتعا ، لأنه من طرف واحد ..
    فكرت ، لو أنهم قبلوا بقبرص ، لو أن بلفور وعدهم إياها .
    ضحك الرجل القبرصي ضحكته المجلجلة وقال :
    - المرأة تطيل العمر . يجب أن يبدو الرجل أصغر من سنة بعشرين سنة على الأقل ، هذه هي الشطارة .
    - هل تخدع الموت ؟
    - ما هو الموت ؟ شخص يلقاك صدفة ، يجلس معك . كما نجلس الآن ، ويتبسط معك في الحديث ، ربما عن الطقس أو النساء أو الأسهم في سوق المال . ثم يوصلك بأدب إلى الباب . يفتح الباب ويشير إليك أن تخرج . بعد ذلك لا تعلم .

    كأن غيمة رمادية ظللت برهة فوق هذا المـكان ، لكننـي فـي تـلك
    اللحظة لم أكن أعلم أن القداح تضرب وأن الرجل القبرصي يلعب معي لعبة خطرة .
    اتسعت موجة الضحك فشملتني . كانت عائلة عذبة أنست لها منذ جلست ، الأب طيب الوجه ، والأم صوتها الإنجليزي مثل لحن اليزابيثى من أوتار قيثارة عريقة . أربع بنات كبراهن لا تزيد عن الثانية عشرة . كن يدخلن حوض السباحة ويخرجن ، ويضحكن ، ويعابثن أبويهن ، ويضحكن . وكانوا يبتسمون لي ، ويوسعون دائرة سعادتهم حتى شملتني . وجاءت لحظة رأيت على وجه الأب أنه يوشك أن يدعوني أن أنضم إلى مجلسهم ، في تلك اللحظة دهمني الرجل القبرصـي . قامت البنت الكبرى وخطت برشاقة نحو حوض السباحة . قال الرجل القبرصي ، والبنت توقفت فجأة كأن قوة غامضة أوقفتها ، قال :
    - هذه أدفع فيها مائة جنيه إسترليني .
    قلت له مذعورا :
    - لماذا ؟
    أشار الرجل القبرصي بذراعه إشارة بشعة .

    في تلك اللحظة انكبت البنت على وجهها ، سقطت على الحجر ، وسال الدم من جبهتها . هبت العائلة الطيبة مثل طيور مذعورة واحاطوا بالبنت . فورا قمت من جنب الرجل ، وأنا اشعر نحوه بكراهية طاغية ، وجلست على مائدة بعيدا عنه . تذكرت بناتي وأمهن في بيروت وغضبت ، ورأيت أفراد العائلة الجميلة ينصرفون مبتئسين ، البنت يتشبثن بالأم ، والأم تتحامل على الأب ، فغضبت أكثر . ثم سكنت وسكنت الأشياء حولي . وانحسرت الضوضاء ، وجاء صديقي الطاهر " ود الرواسي " وجلس إلى جانبي ، على الكنبة ، أمام متجر سعيد . كان متهلل الوجه نشطا ممتلئا عافية ، قلت له :
    - صحيح ليش ما كبرت أو عجزت مع أنك أكبر منهم كلهم ؟
    قال :
    - من وعيت على الدنيا وأنا متحرك . ما أذكر أني وقفت من الحركة . اشتغل مثل الحصان وإذا كان مافي شغل ، اخلق أي حاجة اشغل نفسي بها . أنوم وقت ما أنوم ، بدري أو وخري ، شرط اصحي على المؤذن أول ما يقول " الله أكبر الله أكبر " لصلاة الفجر .
    - لكنك لا تصلى ؟
    - أتشهد واستغفر بعد ما المؤذن يخلص الآذان ، وقلبي يتطمن أن الدنيا ماشية زي ما كانت . آخذ غفوة مثل نص ساعة . العجيب غفوة ما بعد الآذان تسوى عندي نوم الليل كله . بعدما اصحي كأنه صحاني منبه . أعمل الشاي واصحي فاطمة . هي تصلى صلاة الصبح .. نشرب الشاي . أنا أنزل أقابل الشمس فوق صفحة النيل وأقول لصباح آه حبابك ومرحبابك . أغيب زي ما أغيب أرجع ألقى الفطور حاضر . نقعد أنا وفاطمة وأي إنسان من عباد الله تجئ به إلينا القسمة . أكثر من خمسين سنة على هذى الحالة .

    يوما ما سأسأل الطاهر ود الرواسي ، عـن قصـة زواجـه بفاطمـة
    بنت جبر الدار ، إحدى أخوات محجوب الأربعة . لم يكن ولادة لنفسه ، بل كان لمحجوب ، وكان يضحك على نفسه وعلى الدنيا . هل يصبح بطلا ؟ واضح أنه إذا وجد الجد فسوف يفدى محجوب بنفسه . هل أسأله الآن ؟ لكنه قال ، وحده ، جملة صغيرة مصنوعة من نسيج حياته كلها :

    " فاطمة بنت جبر الدار . هالله . الله " .
    - ومحجوب ؟
    ضحك الطاهر ود الرواسي ضحكة لها طعم تلك الأيام ، وذلك مدى حبه لمحجوب ، حتى ذكر اسمه يملؤه سعادة ، كأن وجود محجوب على وجه الأرض ، يجعلها أقل عدوانا ، وأكثر خيرا في نظر الطاهر ود الرواسي ضحك وقال وهو يضحك :

    - محجوب حاجة تانية . محجوب معمول من طينة غير . ثم سكت وكان واضحا لي أنه لا يريد وقتها أن يقول أكثر فـي ذلك الموضوع بالـذات . بعد مدة سألته :
    - عبد الحفيظ قال أنك ما دخلت الجامع في حياتك أبدا صحيح ؟
    - مرة واحدة بس دخلت الجامع .
    - ليش ؟ وعلشان ايش ؟
    - مرة واحدة فقط . كان شتاء من الشتوات . طوبة أو أمشير ، الله أعلـم .
    قلت له :
    - كان في أمشير ، بعد ما دفنتم مريم بالليل .
    - صحيح .. عرفت كيف ؟
    - كنت معاكم موجود .
    - وين ؟ ما شفتك داك الصباح ، مع أن البلد اجتمعت كلها يومداك في الجامع ؟
    - كنت عند الشباك اختفى وأبين لحد ما قلتم ولا الضالين آمين .
    - سبحان الله . محيميد المسكين كان يصرخ ويقول " الراجل الكان هنا راح وين ؟ "
    - وبعدين ؟

    فجأة طائر الأحلام طار . اختفى ود الرواسي ، واختفـت " ود حامـد "
    بكل تلك الاحتمالات . وحيث كان يجلس رأيت الرجل القبرصي ، سمعت صوته فأنقبض قلبي . سمعت الصراخ والضوضاء وارتطام الماء بجوانب المسبح ، وتشكلت الأشباح على هيئة نساء عاريات ورجال عراة وأطفال يتقافزون ويتصايحون . وكان الصوت يقول :

    " أدفع في هذه خمسين جنيها إسترلينيا فقط "

    ضغطت عيني لأصحو أكثر ، ونظرت إلى السلعة المعروضة في السوق . كانت تلك المرأة . كانت تشرب عصير برتقال ، في اللحظة التي قال فيها الرجل القبرصي ما قال ، شرقت ، واختنقت ، وهب إليها الرجل هبت المرأة ، وجاء الخدم والسعاة ، واجتمع الناس ، وحملوها مغشيا عليها . كأنما ساحر أشار بعصاه السحرية ، فإذا بالناس ، كما خيل لي ، قد اختفوا فجأة ، والظلام أيضا كأنه كان على مقربة ينتظر إشارة من أحد ، نزل دفعة واحدة . أنا والرجل القبرصي ، وحدنا ، والضوء يلعب ألاعيبه على صفحة الماء . قال لي ، بين النور والظلام :

    - بنتان أمريكيتان وصلتا هذا الصباح من نيويورك . جميلتان جدا وثريتان جدا . واحدة في الثامنة عشرة وهي لي ، والثانية في الخامسة والعشرين وهي لك . أختان ، تملكان فيلا في كايرينيا . عندي سيارة . لن تكلفك المغامرة شيئا . أسمع كلامي . لونك سيعجبهن جدا .
    كانت الظلمة والضوء يتصارعان حول المسبح وعلى سطح الماء ، وكان صوت الرجل القبرصي كأنما يزود جيوش الظلام بالسلاح ، لذلك أن أقول له فليكن ، ولكن صوتا آخر خرج من حلقي ، دون إرادتي ، قلت له ، وأنا أتابع الحرب الدائرة على صفحة الماء :
    - لا ، أشكرك . لم أحضر إلى نيقوسيا بحثا عن هذا . جئت لأتحدث إلى صديقي الطاهر ود الرواسي في هدوء ، لأنه رفض أن يزورني في لندن ، وأعياني لقاؤه في بيروت .

    ثم ألتفت إليه ويا هول ما رأيت . هل أنا واهم أو حالم أم مجنون ؟ جريـت ، جريت لائذا بالجمع في مشرب الفندق . طلبت شرابا ما ، وشربته ، لا أذكر مذاقه ، وشربته لا أعلم ماذا كان . هدأ روعي قليلا . ولكن الرجل القبرصي جاء وجلس معي . كان يقفز على عكازين . طلب كأسا من الويسكي ، دبل . قال أنه فقد ساقه اليمنى في الحرب . أية حرب ؟ حرب من الحروب ، ماذا يهم أية حرب ؟ تهشمت ساقه الخشبية هذا الصباح . صعد جبلا .. ينتظر ساقا جديدة من لندن . صوته إنجليزي أحيانا ، وتشوبه لكنة ألمانية أحيانا ، ويبدو لي فرنسيا أحيانا ، ويستعمل كلمات أمريكية :

    - هل أنت .. ؟
    - لا لست أنا .. بعض الناس يحسبونني إيطاليا وبعضهم يحسبونني روسيا ، وبعضهم ألمانيا .. أسبانيا .. ومرة سألني سائح أمريكي هل أنا من بسوتولاند . تصور . ماذا يهم من أين أنا ؟ وأنت يا صاحب السعادة ؟
    - لماذا تقول لي يا صاحب السعادة ؟
    - لأنك إنسان مهم جدا .
    - ما هي أهميتي ؟
    - أنك موجود اليوم ولن تكون موجودا غدا .. ولن تتكرر .
    - هذا يحدث لكل إنسان ما أهمية ذلك ؟
    - ليس كل إنسان مدركا . أنت يا صاحب السعادة تدرك موضعك في الزمان والمكان .
    - لا أعتقد ذلك .

    شرب الكأس دفعة واحدة ووقف على ساقين سليمتين ، إلا إذا كنت واهمـا
    أو حالما أو مجنونا ، وكان كأنه الرجل القبرصي . انحنى بأدب متصنع جدا، وكان وجهه كما رأيته على حافة البركة يجعلك تحس أن الحياة لا قيمة لها ، وقـال :

    - لا أقول وداعا ، ولكن إلى اللقاء يا صاحب السعادة .

    كانت الساعة العاشرة حين دخلت فراشي . تحايلت علـى النـوم بوسـائل
    شتى ، وكنت متعبا سبحت طوال اليوم . حاولت التحدث إلى الطاهر ود الرواسي .. سألته عن قصة زواجه من فاطمة بنت جبر الدار . سألته عن حضوره صلاة الفجر في ذلك اليوم المشهود . سألته عن ذلك الغناء الذي كان يعقد ما بين الضفتين بخيوط من حرير ، بينما كان محيميد المسكين يضرب في اليم ملاحقا طيف مريم ، لكنه لم يجب . لم تسعفني الموسيقى ، ولم تسعفني القراءة . وكان يمكن أن أخرج ، أذهب إلى ملهى ، أو أتمشي ، أو أجلس في مشرب الفندق . لا حيلة لي . ثم بدأ الألم . خدر خفيف في أطراف أصابع القدمين ، أخذ يزحف تدريجيا إلى أعلى حتى كأن مخالب رهيبة تنهش البطن والصدر والظهر والـرأس ، وكأن نيران الجحيم اشتعلت مرة واحدة .

    كنت أغيب عن الوعي ثم أدخل في دوامة رهيبة من الآلام والنيران ، والوجه المرعب يتراءى لي بين الغيبوبة وشبه الوعي ، ينط من مقعد إلى مقعد ، يختفي ويبين في أنحاء الغرفة . أصوات لا أفهمها تجئ من المجهول ، ووجوه لا أعرفها مكشرة ، قاتمة . ولم تكن لي حيلة . كنت واعيا بطريقة ما ، ولكن لم تكن لي حيلة أن أرفع سماعة التلفون أطلب طبيبا ، أو أنزل إلى الاستقبال في الفندق أو اصرخ مستغيثا . كانت حربا شرسة صامتة بيني وبين أقدار مجهولة . ولابد أنني انتصرت نوعا من الانتصار ، لأنني صحوت على دقات الساعة الرابعة صباحا ، والفندق والمدينة صامتين . اختفت الآلام إلا من إحساس بالإعياء واحساس بيأس شامل ، كأن الدنيا بخيرها وشرها لا تساوى جناح بعوضة . بعد ذلك نمت . في التاسعة صباحا ، حلقت الطائرة الذاهبة بي إلى بيروت فوق نيقوسيا فبدت لي مثل مقبرة قديمة .

    في مساء اليوم التالي في بيروت دق جرس الباب ، وإذا امرأة متشحة بالسواد تحمل طفلا . كانت تبكي وأول جملة قالتها :

    - أنا فلسطينية . ابنتي ماتت .
    وقفت برهة أنظر إليها لا أدرى ماذا أقول ، ولكنـها دخلـت وجلسـت
    وقالت :

    " هل تتركني أرتاح وأرضع الطفل ؟ " .

    بينما هي تحكى لي قصتها دق جرس الباب . أخذت البرقية وفتحتها ، وكانت المرأة الفلسطينية تحكى لي الفاجعة الكبرى ، وأنا مشغول عنها بفجيعتي . قطعت البحار والقفار ، وكنت أريد أن أعلم قبل أي شئ ، متى مات وكيف مات . أخبروني أنه عمل في الحديقة في حقله كعادته في الصباح ، وعمل الأشياء التي يعملها عادة في يومه . ولم يكن يشكو من شئ . دخل دور أقربائه ، وجلس مع أصدقائه هنا وهنا . أحضر بعض التمر في نصف نضجة وشرب به القهوة . ورد اسمي في حديثه عدة مرات ، وكان ينتظر قدومي بفارغ الصبر لأنني كتبت له أنني قادم . تعشى خفيفا كعادته ، وصلى صلاة العشاء ، ثم جاءته نذر الموت نحو الساعة العاشرة ، قبيل صلاة الفجر فاضت روحه ، وحين كانت الطائرة تحملني من نيقوسيا إلى بيروت ، كانوا قد فرقوا لتوهم من دفنه .

    وقفت على قبره وقت الضحى ، وكان الرجل القبرصي جالسا على طرف القبر ، في زيه الرسمي ، يستمع إلى وأنا أدعو وابتهل . قال لي بصوت كأنه ينبع من الأرض والسماء ، ويحيط بي من النواحي كافة :

    - لن تراني بعد على هذه الهيئة إلا في آخر لحظة ، حين أفتح لك الباب ، وأنحني لك بأدب ، وأقول لك " تفضل يا صاحب السعادة " . سوف تراني في أزياء أخرى مختلفة . قد تلقاني على هيئة فتاة جميلة ، تجيئـك ، وتقول لك أنها معجبة بأفكارك وآرائك ، وتحب أن تعمل معك مقابلة لصحيفة أو مجلة . أو على هيئة رئيس أو حاكم يعرض عليك وظيفة يخفق لها قلبك . أو على هيئة لعبة من ألاعيب الحياة تعطيك مالا كثيرا لم تبذل فيه جهدا . وربما على هيئة جمهور ضخم يصفق لك لسبب لا تعرفه . وربما تراني على هيئة بنت تصغرك بعشرين عاما ، تتشهاها ، تقول لك نذهب إلى كوخ منعزل في الجبل . أحترس . لن يكون أبوك موجودا في المرة القادمة ليفديك بروحه . أحترس . الأجل مسمى ، ولكننا نأخذ بعين الاعتبار المهارة في اللعب . أحترس فإنك الآن تصعد نحو قمة الجبل .

    الطيب صالح



    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *** نقلا عن مجلة الدوحة-يناير 1976

    عن الكاتب

    كاتب من السودان
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..