محمد جبريل - روائح القرب..

ربما تختلط المرئيات، تتشابك فى المخيلة، دوائر ومثلثات ومربعات ومستطيلات، خيوط تتداخل، تحيل ما يبدو فى المخيلة جزئيات مبعثرة، يصعب مشاهدتها. يختلط ما أراه، وما أتخيله، تتحول المرئيات إلى أشباح متحركة، وثابتة. ثمة ملامح تظل ماثلة فى الذاكرة، يصعب نسيانها. أقيم علاقات بين من أعرفهم ومن يختلقهم الخيال. أعرف أن ما يجرى فى الواقع لا يتطابق مع صور المخيلة.

وأنا صغير، أقمت علاقة فى الخيال بينى وبين المدرسة. تأملت يدها، تضعها فوق الدرج، أصابعها الطويلة، وأظافرها المطلية بالمانيكير الأحمر. ظلت الصورة فى بالى، خلوت إليها، جعلت من البلى جنودًا يتقاتلون، يتطاير الدم من أجسادهم.

أذكر تحديقى فى القمر من نافذة القطار، أصيح فى السائق - الذى لا أراه فى القاطرة الأمامية - كى لا يجعل القمر يسبقه.

اختلطت وقائع طفولتى بالتخيل الذى فرضه انقضاء السنين، اختلط ما حدث، وما اخترعه الذهن، ما تخيله، ربما تغلب المتخيل على الذاكرة الحقيقية.

مارست التخيل كثيرًا فى طفولتي: تمددت تحت السرير النحاسى الكبير فى غرفة نوم أبى، وضعت صندوقًا فارغًاً مقلوبًا عليه حلوى اشتريتها بمصروفى، أبيعها - بالأجل – لإخوتى وأقاربنا. قرأت على فاترينة عم طلعت البقال لافتة صغيرة تقول «إن نطق الديك، شكك أديك». أزمعت أن أفعل الفعل نفسه، أدليت من طرف السرير ورقة عليها كلمات تشترط الدفع الفورى.

يأخذنى الفصال، أجده مشابها لما أراه فى دكاكين شارع الميدان. اخترعت ألعابًا بأدوات البيت: الملاعق والشوك والأوعية والأكواب.

أسلم نفسى للنوم على حواديت أمى، يا ست يا ستنا، يا اللى قصرك أعلى من قصرنا، ما تدنيش عنقود عنب، للمريض اللى عندنا؟.. ايه اللى غير شكلك يا جدتي؟.. يا بير يا بير اديها صراصير كتير. أجدنى روبنسون كروزو، يخضع حيوانات الجزيرة وطيورها، تضيف إلى الحكايات حواشى وهوامش وزيادات بما يجذب انتباهى، أحثها على الزيادة.

ظلت حياتى مقتصرة على القراءة، لا أنزل إلى اللعب فى شارع التمرازية، لا أذهب إلى الشاطئ، لا أقود دراجة. أقرأ قصة أو رواية، ما أتخيله ينتقل من صفحات الكتب والمجلات إلى رأسى، شخصيات، عرفتها فى تشابك القراءات، أحوالها مشابهة لما أعيشه، أو أتمنى العيش فيها. تتشكل – فى توالى الأيام – ملامح وقسمات ومواقف، أنسج من الحكايات حكايات أخرى، أتصور نفسى فيها، أختار الشخصية التى تثيرنى، قد تكون فلانًا بقدرته على نسج المكائد، وليس فلانًا الذى يتلقى الضربات فى صمت، وبلا مبالاة.

تخيلت شهرزاد تلجأ إلى ذكاء تودد، ولؤم شواهى ذات الدواهى، وألاعيب على الزيبق، ومؤامرات على الكلبانى، وميل السندباد لتحدى الخطر، تلجأ إلى كل هؤلاء فى مواجهة أفعال شهريار: إعداماته المتوالية لبنات فى سنها، ما قضى به جرائم لابد من محاسبته عليها، يغيثونها فيعاقبونه على ما فعل، لا تحنى الرأس بالتذلل، وتطلب الإشفاق.

لم تترك شخصيات الجريمة والعقاب بالى بعد أن قرأتها: رسكولينكوف والمرابية العجوز ومفتش الشرطة، أستعيدها فى جلستى على القهوة، وأنا أرنو إلى أفق البحر. تخيلت نفسى رسكولينكوف، أقتل المرابية العجوز، لكننى لا أخلف أثراً، ولا أعود – كما فعل الشاب المسكين – إلى موضع جريمته، أحقق الجريمة الكاملة.

أنظر إلى السيدة البدينة ذات الوجه المستدير، والشعر المجعد، والأصباغ الفاقعة، هى عنايات، فى رواية نجيب محفوظ «السراب»، أتوق لعلاقة معها، العلاقة نفسها التى وجد فيها «كامل رؤبة لاظ» حلًا لأزمته الجنسية، الجنس فى بالى يرتبط بالقسوة والعنف، تقتحمنى الغابة بتعدد وحوشها.

أنفض توعد محجوب عبد الدايم فى «القاهرة الجديدة» أن يدمر المدينة الهائلة، هو ما توعد به الشاب راستينيال باريس فى رواية بلزاك «الأب جوريو».

التقيت دون كيخوتة فى بحرى، يخوض معاركه ضد العساكر عند تصديهم للمتظاهرين فى قدومهم من رأس التين. سرت فى طريق غسان كنفانى إلى حيفا، توزعت الطرق، لم أعرف أيها يمضى إلى أين.

أحببت البنت فى البيت المقابل، تخيلت أنها تحبنى، الأيام القليلة التى مضت على سكناهم لم تتح لى معرفة اسمها، ولا الصلة بينها وبين الرجل الأربعينى الذى يقاسمها الحياة فى الشقة. هل هى ابنته، أو زوجته، أو قريبة تؤنس أيامه؟

اخترت لها اسم مريم، جارة أسرة أحمد عبد الجواد، رسمت فى بالى عشة طيور تعلو السطح، أصعد إلى مريم وهى تطعمها الحبوب، أهمس لها بكلمات الغزل، تمامًا كما كان فهمى يفعل فى وقفته خلف الجدار الفاصل.

لم أعد أستطيع تخيل الدنيا بدون أسرة بين القصرين: أحمد عبد الجواد وأمينة وياسين وخديجة وفهمى وعائشة وكمال وأم حنفى، نظرات السطح الممتدة إلى مآذن القاهرة وقبابها، ثقوب المشربية المطلة على بين القصرين والنحاسين وخروج الزوج والأبناء إلى أعمالهم، خيمة عساكر الإنجليز فى الساحة الصغيرة، تناهى رفع الأذان – عبر خصاص المشربية – من الحسين أو الأزهر، نداء الجرسون فى القهوة القريبة، قعقعة عربات الكارو على مستطيلات البازلت. أطل من سطح قصر بشتاك، الموضع الذى اختاره نجيب محفوظ لأسرة أحمد عبد الجواد، أشرد فى المآذن والقباب، تتخلل البيوت إلى نهايات الأفق. يتقمصنى كمال، فأطيل التوقف أمام قبو قرمز، تختفى سحن المارة وتكويناتهم الجسدية، يتقافز فى مساحة الظلمة - وسط القبو - عفاريت وجان ومخلوقات شائهة، أتلفت بالارتباك والخوف، حتى أجد يدًا تعيننى على السير إلى الناحية الأخرى. أجدنى ياسين فى جلسته على القهوة، أرفع نظراتى الملهوفة إلى نافذة زنوبة، أرقب إيماءة الموافقة، أتلفت فى جوانب المكان، أحدس أين تمضى خطواتنا. تشحب ملامح فتاة النافذة المقابلة، تغيب تمامًا، تحل مريم واضحة الملامح، أذكر حب فهمى لها، وغضبة أمينة من طلب ياسين أن يتزوجها، أكتم مشاعرى نحوها، أطرد الهواجس اللعينة، فلا أسىء إلى ذكرى فهمى الذى استشهد فى الثورة. تمضى خطواتى فى طريق ضابط قسم الجمالية، أفعل ما لم يكن يقوى على فعله، أرقب استجابة عائشة، أدندن بما تغنيه خديجة: يابو الشريط الاحمر.. ياللى أسرتنى ارحم ذلى!

هللت – بتخيل حب بنت الجيران – لوقفتها أمام الباب، بدا جسدها أقرب إلى الامتلاء مما أراه من داخل النافذة، والعينان الساجيتان تنطقان بمعان يصعب تفسيرها.

حين أغلقت البنت نافذة البيت، بدت لى مفتوحة بدلًا من النافذة المغلقة، رأيتها تطالعنى فى إطارها. ناوشتنى أمنية كأنها حلم: أن أراها عارية، أستأذن فى دخول الحمام، أفرغ ما أختزنه من انفعالات التصور والبنت تتحرك، وتتكلم، وتعبر بعينيها ويديها، أشرد فى آفاق لا تنتهى، فسرت حرصها على إبقاء النور مضاء، بأنى أجد فى الرؤية ما يثيرنى ويرضينى، نزعت قميص النوم الأسود، وألقته بعيداً. ظللت صامتًاً، وإن اتجهت عيناى إلى البنت التى أحتضنها فى الخيال.

ألتقط من الشارع، أو الجريدة، أو شاشة التليفزيون، وجهًا يثير فى داخلى ما يدفعنى إلى استعادته، ربما فى حجرة النوم، أو داخل الحمام، أو حتى وأنا أشرد فى الفراغ أمام النافذة، يغيب تمام الاستعادة ما لم أكن بمفردى، للتخيل صلته بالنساء، أتخيل – من وراء الفستان – تكوينات جسد الفتاة الواقفة فى زنقة الستات: الاستدارات والتكويرات والانبعاجات، التفصيلات الغائبة.

أخلو إلى نفسى، وإلى من احتضنتها النظرات، أستعيد ما استقر عليه تصورى، لا ألتفت إلى ما ترتديه، أو أعريها، أغمس وجهى فى شعرها، أحاورها بصوت هامس، ملتذ، يتصاعد بتصاعد النشوة، تأتى الرجفة، فتشحب الصورة، وتبهت المرئيات، يتبدل الحال بما يصعب فهمه.

المشهد الذى أراه على الشاشة، تتحول شخصياته إلى مشاهد كثيرة، أوضاع يصنعها الخيال، يضيف إليها ما قد يباعد بينها وبين المشاهد التى بقيت فى الذاكرة. أغمض عينيّ، أترك لخيالى تجسيد الرؤى فى الظلمة، ما تمنيته، وما لم أعد له نفسى.

يعجز الخيال عن تصور أشياء كثيرة.

الظلمة تعيننى على التخيل، أختلق المشاهد التى أتصورها، أبدّل، أضيف، أحذف، أمارس الفعل الذى أختاره، بالكيفية التى أريدها.

أمتلك قدرة على رؤية أشياء لم تحدث أمامى، ولم ألتق بناسها، ولا كلمنى عنها أحد، يستغرقنى الشرود وأنا أتذكر الوقائع والتفاصيل، حتى تعبيرات الوجوه والأيدى، أستعيدها كأنى رأيت، وليس بالتوقع أو التخمين.

أقاوم التشوش الذى أعانيه فى بدء محاولة التصور، ساحات وخلاءات وميادين وقهاوى وحدائق وأعمدة نور ونوافذ وشرفات وشواهد قبور ومآذن وقباب وأبراج وناس باهتى القسمات، أشيد من الذاكرة ما غيبه الزمن، ربما جرنى الخيال إلى أشياء غير موجودة، تبينت أنى أنسى ما أتخيله، ولا أنسى ما حدث بالفعل.

لا أتخيل ما مضى، أحاول الشرود فى صور قديمة، كيف كانت، لا يسعفنى تخيلى، صور ما أعيشه يجتذبها التخيل بلا إبطاء، يتسع المشهد بألوانه وظلاله وعمقه، حتى المنمنمات الصغيرة لا تفلتها المخيلة.

الخيال - وحده - هو الذى يسد فجوات الذاكرة، وغياب الواقع. أحدق فى تقاطيع محدثى، يغيب فى كلماته ما كنت أتوقعه أو أرجوه. أميل بنظراتى، أغمض العينين، أتخيل الشخص فى صورة أجسد ملامحها، تعكس الملامح - التى أتخيلها - ماعبرت عنه كلماته، اختلافى واتفاقى معه، ما إذا كان يستحق الود أم العداء.

تحولت إلى المغامر تاتارين فى رواية ألفونس دوديه. تمنيت أن أفعل مثل كيرك دوجلاس فى فيلم «سبارتاكوس»، شغل الأمر خيالى حتى بدأت فى محاكاة ما رأيته منه، تكررت المحاكاة فصرت الممثل الأمريكى نفسه.

إذا خلوت إلى نفسى، استعدت ما رواه أبى من حكايات، أتخيل الناس والوقائع. غاب التكوين الجسدى لسعد زغلول، ما رأيته فى الصحف وكتب التاريخ. أتخيل رجلًا آخر غير من تظهره الصور، يحل - بدلًا من الشيخ العجوز، ذى الشارب المتهدل، والتجاعيد، والوجنتين المتهدلتين - شاب له عينان يشع منهما بريق، يمشى بخطوات سريعة، يخطب بنبرات واثقة، تحرك الناس، تحرضهم على الثورة.

قلت لنفسى، وأنا أغالب الدمع لوفاة نعيمة فى ثلاثية نجيب محفوظ: حدد الطبيب سن الثامنة عشرة لرحيل البنت الجميلة، الطبيب والبنت صنعهما الفنان، كان يستطيع إطالة عمرها!

حاصرتنى الظروف، ذوى ما أتخيله، ما أستطيع تخيله، واجهنى العنف والقسوة وما لا أستطيع مغالبته. تبدو الطريق واحدة، يصعب أن يأخذنى الخيال بعيداً عن الماثل أمامى، وأدرك خطره.

جلست على حافة السور الحجرى الفاصل بين جامع أبو العباس والدحديرة الواصلة بين الميدان والموازينى، تتناهى – من ورائى – أصوات مريدى جلوة المولد فى وقفتهم أمام زاوية الست مدورة، يراجعون الأحزاب والأوراد، يعدون الأعلام والبيارق واللافتات للانطلاق.

أرقب – بالتوقع – قدوم «جودو»، هو من أنتظره، غاب التصور المحدد، وإن ثبتت فى بالى قامة بيكيت الطويلة، النحيلة، وخطواته المتباطئة، وبشرته المتغضنة.

عرفته دون أن يقدم أحدنا نفسه إلى الآخر، كأننا نصل ما هو قائم، أخذتنى الهيبة، فلم أحاول التدقيق فى ملامحه.

- تريدنى؟

هززت رأسى بإيماءة موافقة.

وهو يشير إلى نفسه:

- هذا أنا.

أحسست بارتباك لا أعرف بواعثه:

- كنت أنتظرك.

أعاد القول:

- هذا أنا.

لم يغادرنى الارتباك.

دون أن يجاوز لهجته الهادئة، المتباطئة:

- إذا انتظرت فلابد أن تعرف لماذا.

ثم وهو يهز أصبعه:

- لا تعد حكاية الراعى وتخويفه من الذئب.

أزمعت أن أدخل عالمى، أغلق الأبواب والنوافذ، لا أتيح لأحد رؤية ما أراه، أمنع نفسى من مراقبة تصرفات الآخرين.

أغلقت الباب بالمفتاح، استلقيت على ظهرى، فوق السرير المعدنى، أحدق فى السقف، أتخيل. الخيال يتيح لى الانفراد بنفسى، بما كنت أشعر بحاجتى إليه. تصورات كثيرة، شكلت العالم الذى أعيش فيه، أرتاح للبقاء داخله. كمن تلبست الروح ما أحيا فيه من أشياء جامدة، الباب، السرير، اللوحة على الجدار، اللمبة، أشكال كثيرة من نشع الجدران والسقف وقطع الأثاث المتناثرة حولى، تنشأ بينها علاقات، أرى فيها ملامح وقسمات، أرقب تحركها. تتحرك الأشكال على الجدار، أو أنى أتخيل تحركها. أصنع دنيا أجد فى التعامل معها ما يبعدنى عن الهواجس والمخاوف والمحاذير.

لا أنظر إلى المرآة بعينى الخيال، أتخيلنى فى وضع أختاره، ربما تختلف صورة الخيال عن الصورة الحقيقية.

أذكر «أفق البحر»، قصة لى عن المينا الشرقية، تحولت مساحة المياه بين السلسلة وقلعة قايتباى إلى بنايات ومآذن وأبراج وقباب وحدائق، تبدلت الصورة تمامًا، القصة حلم طفولة، وجد تطابقًاً فى حلم حمدى الشيمى فى «رباعية بحرى». سادت المخيلة، فصارت الدنيا غير الدنيا، غاب صيادو السنارة والطراحة والجرافة، وتناثر البلانسات والفلايك، ونداءات باعة الفشار والفريسكا، والمتأملون – فى جلستهم على الكورنيش الحجرى – أفق البحر. تحولت مساحة المياه إلى حى كامل، مدينة صغيرة، علت أسوارها، مقصورة على الملاك، والزائرين لهم، من يعبر الأبواب يخضع للتفتيش، بما يشعره بالغربة. جريت بالقلم على النوتة الصغيرة، أكتب أسماء سنتياجو فى العجوز والبحر، على فى ثلاثية غرناطة، زنوبة فى قصر الشوق، زوربا فى رواية كازنتزاكس، ريرى فى السمان والخريف، ليلى فى الباب المفتوح، مبروك فى عودة الروح، صالح ورفاقه فى لوحات «المعذبون فى الأرض»، سعيد مهران فى اللص والكلاب، أحمد منصور فى الخيط الأبيض، حوذى تشيخوف، مبروكة فى الرجل الذى فقد ظله، أحدب نوتردام، محمد أبو سويلم فى الأرض، عزيزة فى الحرام، ضحايا صهريج غسان كنفانى.. مئات الناس، شغلتنى أحوالهم، تملكنى الإشفاق والتعاطف، والرغبة فى المساندة، والتغلب على الإحباط والإملاء والقهر، هى الظروف نفسها، أو ظروف مشابهة، تعانيها المينا الشرقية، سجلت الأسماء فى النوتة الصغيرة، أراجعها بالقراءة، أهتف بطلب الغوث، يبدون استجابة، يعينون الخيال فى إزالة الأسوار، والعيش فيما يخصنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى