محمد المخزنجي - ضربة كوليرا.. قصة قصيرة

أيقظه صوته وهو يصرخ منفلتا من كابوس لاملامح له. رأى الظلمة، وكانت صفوف كتبه أول ما لفت نظره فى غرفته الصغيرة شبه المعتمة. كان هناك شىء ما يزهق صدره. شىء ثقيل آخذ فى التضخم وموشك على الانبثاق.

شىء أشبه ببئر تمتلئ وتوشك أن تطفح. تمتلئ بتسارع يخنق الروح فيسرع إلى الحمام ويطفح. وما يكاد يعود منهكا ويتمدد على السرير برهة ليستريح حتى يعود الامتلاء الخانق فيسرع إلى الحمام من جديد ليطفح. ويحاذر أن تستيقظ أمه وإخوته وهو يروح ويجيء فيمشى حافيا ويغلق باب الحمام عليه كلما دخله. يطفح فكأن بئرا سرية تفيض فى جوفه. يطفح وشعور بالمحنة الخاصة جدا، والمُخجِلة، يضاعف إحساسه بوحشة الليل وهوان نفسه.

تتدافع إلى ساحة روحه المرتعشة ذكرى طوق فل كان يتواثب على صدرها الحبيب فى نوبة من نوبات فرحها المجنون الجميل. اشترى لها طوق الفل وهما فى شارع الكورنيش فأصرت أن ترتديه وأن تمعن فى أرجحته على صدرها وهى تتمايل ضاحكة. تزغرد بالضحك وكأن الدنيا خلاء فرغ من البشر جميعا إلا هما. هى وهو يكادان يكونان وحدهما على الممشى فى الجهة الشرقية من الجسر القديم فوق النيل. لا أحد غير النجوم العالية ومويجات النهر الهادية يتكسر عليها ضوء النجوم. ثم كان طوق الفل ينسحق بين الصدرين المشتاقين وتنفرط بين جسميهما زهراته فيفوح الأريج. يشم عطر الفل من وراء السنين ووحشة الليل بينما طفحه يستحيل إلى اندفاق لا إرادى مذل وكاسح وبلا ألم. بلا أى ألم، فيشعر باقتراب الخطر. ويبرق فى ذهنه المرتعش خاطرٌ مخيف: كوليرا؟!

يهمس بالاسم المُنفِّر فيتعثر فى ملابسه وضعفه المباغت بينما يهم ويعود من غرفته إلى الحمام بوسيلة لليقين. يثبت بأقصى ما يستطيع أنبوب الاختبار الشفاف الصغير الفارغ فى يده المرتعشة فيمتلئ، ثم يرفعه أمام بصره فى مواجهة لمبة الحمام فيخفق قلبه بدهشة ورعب. لا يرى غير بياض متلألئ عجيب لا يمت للبشرية المعتادة بصلة. بياض لؤلؤى ألاَّق يكاد يكون خارق الجمال لولا ما يرتبط به مما درسه فى الكلية دون أن يراه. لا يصدق. ويسكب الأنبوب فى البالوعة التى يبلغها زاحفا على ركبتيه ويعود مرتجفا ليتلقى عينة جديدة. البياض المُتلألئ القاتل الجميل نفسه. تترجَّع فى ذهنه المصعوق تلك الجملة الصغيرة الباهتة فى كتب الطب التى تصف نزف المصابين بالكوليرا بأنه rice water diarrhea»، إسهال كماء الأرز، لا، هذا وصف ركيك لجمال مرعب. بل هو أقرب أن يكون «حليب اللؤلؤ» إذا كان للؤلؤ حليب. معجزة قاتلة فى جمال يخرق معتاد البشرية المُبتذل. جمالٌ أخَّاذ لميتة مهينة!

«أنا أموت».. عبرت الهمسة خاطره وعلى خيط آخر ضوء من استبصاره يضع الأنبوب جانبا باتئاد، باتئاد، حتى لا ينسكب. يغشى عليه فور تركه للأنبوب مرتكنا على الحائط، ويفيق دائخا زائغ البصر فيلملم عريه بشكل غريزى. يزحف على ركبتيه ويحكم غلق الباب حتى لا يتسرب صوت اغتساله الذى يريده أغزر ما يكون، أعنف ما يكون. عنف يُعبِّر عن عمق أساه مما أصابه. يتجرد تماما ويفتح الدوش وينهار متكوما على البلاط تحت انهمار الماء. يغتسل بالماء ومياه الحياة فى جسده تغادره. يتخيل جحافل ضمَّات بكتريا الكوليرا فى أمعائه وهى لا تكف عن الانقسام والتكاثر مطلقة سمومها المتلفة لبطانة الأمعاء فتتفجر المياه منها كما بئر جوفية تفيض. ينضح الجسد ماء الحياة الشفيف حاملا معه ملايين ملايين الضمات التى تسبح متزاحمة فيمنح تكاثفها الماءَ لونَ البياض، بينما حِراكها الدائب يهب البياض ألق التلألؤ.

يدهشه أن ذهنه محتفظ بكامل يقظته، وتحضره باستدعاءات جياشة، وصفاء باهر لعله صفاء الاقتراب من الموت أقصوصة الطيب صالح: «لك حتى الممات»:

«التقيا عشية سنة 1959، فى حفلة رقص نظمها معهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن. بدا صغير السن جدا وربما كان هذا مظهرا خادعا. وكان صوته عذبا، ورائقا للأذن. كانت أميل للامتلاء، فأعجبه ذلك. وأعطى كل منهما الآخر رقم تليفونه.

بعد ثمانية أشهر حصلت المعجزة. ومع هذا قالت: «لست أدرى». و قال: «أنا أيضا لست أدرى» فقالت: «عد إلى بلدك، وأنا سأسافر إلى كندا ربما».

كتبت له من كندا تقول إنها حصلت على وظيفة فى شركة الإذاعة الكندية وأن الحياة فى أوتاوا لا بأس بها. وكتب لها رسائل طويلة تلتهب عاطفة، وكان يختمها دائما بقوله: « لكٍ حتى الممات «.

وكتبت تقول:» الراتب جيد، وكندا ممتعة، لكن لماذا علينا أن نكون بعيدين هذا البعد واحدنا عن الآخر؟».

أجاب: « لأنه من جهة، ليس من العدل أن أجرجرك إلى هذا المكان، البالغ الحرارة والكثيف الغبار، ولأنى فقير لا أستطيع أن أثقل ضميرى بك».

كانت الرسائل تحمل الحب من إفريقيا إلى كندا، ومن كندا إلى إفريقيا بانتظام، وكان الحب يشتد، هكذا كانت تقول الرسائل، وأستطيع أنا أن أصدق ذلك.

مات بالالتهاب السحائى فى صيف 1961. ولم يخبرها أحد.

ظلت بعد هذا بأشهر تواصل الكتابة وتسأل:» لماذا لا تجيب؟ أم أنك لم تعد تحبنى؟»

ثم توقفت عن الكتابة».

ينهض متساندا على صنبور الحمام الخفيض، على المواسير، مفتاح الدوش، الحيطان، حواف الباب.. يكاد لا يرى ما حوله، وصوته يردد بحزن وسخرية، على نسق الأقصوصة: «مات بالكوليرا فى صيف 1980، ولم يخبرها أحد». وراح يمضى مسرعا بأقصى ما بقى لديه من قوة ليصل إلى غرفته ويرتدى هناك ما يستر عُريه ويُدثِّر وهنه المُرتعش. كلهم كانوا نائمين وهو يتساحب عاريا فى الصالة المظلمة، خجِلا من الظلمة، ويعتصره حنين للبكاء. يغلق باب حجرته ويضيء لمبة المكتب، يبحث ملهوفا مرتعشا فى الأدراج. لا شىء غير ورق وأقلام وتذكارات صغيرة عزيزة من حبه الذى كان.

يفكر أن عمله طبيبا بالحجر الصحى لم يأت كما تصوره خليطا من تجربة مع البحر وخبرة بالوبائيات وماجستير فى الحميات. أبعده هذا العمل عن الطب كثيرا. مجرد ملء أوراق على ظهور السفن العابرة للقناة أو الراسية فى الميناء. نادرا ما وجد مريضا يعاينه على ظهر واحدة من هذه السفن. وهم غالبا ما يخفون مرضاهم حتى لا تتعرض سفنهم للتوقيف ويتعرض ركابها لإجراءات الحجر الصحى الصارمة لو تم تنفيذها. يتتبع احتمالات نقل الأوبئة عبر مسارات السفن بين الموانئ لكن المسارات المعطاة غالبا ما تكون كاذبة. والأوبئة تتخفى فى تضليل القباطنة وقيعان السفن وقمراتها السرية. ينبش فى شعث الأدراج بحثا عن بقايا كبسولات تتراسيكلين يمكن أن تكون ملقاة هناك. لا يجد حتى أى مضاد حيوى آخر.

يركع مواصلا نبشه فى الأدراج وتصطدم أصابعه المرتعشة بأمبولى « كورتيجين أطفال «. مضاد للقيء بقى لديه منذ كان طبيب امتياز فى دورة طب الأطفال. أمبولان عمرهما سنوات. ماذا يفيدان حتى لو لم تكن صلاحيتهما منتهية؟ ومع ذلك، يمشى على ركبتيه إلى مكان غلاية الحقن الصغيرة على رف المكتبة الأوسط ليحقن نفسه بالأمبولين. يصل إليها ويشب لامسا برودتها بيده المرتجفة. لكنها تقع فى ضجيج يُفزع الليل ويُناثر الإبر والمحاقن على الأرض، وينكسر الأمبولان. يبتسم لنفسه بمرارة ويكتشف أنه عريان لايزال فينهض متساندا على المكتبة ليذهب إلى الدولاب. يمر ببطء فى مواجهة رفوف مكتبته: رف الدوريات، فالتراث، فالتاريخ المصرى، القصة والرواية ودواوين الشعر، كتب الأساطير، كتب الحيوانات والنباتات، كتب الطب والقواميس. هكذا هى دائما. كم مرة أخذوها كلما جاءوا لأخذه؟ يفكر: «ربما لن يأتوا لأخذى بعد الآن فأنا أموت».

يرتجف مُبترداً عطشان. «هل سأدخل فى صدمة؟» يهب فزعا متذكرا عريه. يفتح الدولاب ويلتقط قطع الملابس الأفضل لديه. يرتديها بتعثر. يتدفأ ويُحس بدبيبٍ خافتٍ لحيوية ما فى عروقه. ويشعر برغبة لاتُقاوَم فى أن يتعطر برغم اغتساله حتى العظام. يلتقط زجاجة اللافندر ويسكبها كلها على رأسه. تسيل على صدره. على ظهره. على ساقيه. لقد مكث عمره يحلم بميتة حارة فى معركة نبيلة. ومكثت مشاهد معاناة المرضى الذين يموتون بأمراض عضال تجعله يتمنى ميتة خاطفة. ويعود يمشطه الارتجاف والشعور بالوهن والتهاوى. لابد من محاليل بالوريد بسرعة أو لا نجاة. ينظر إلى المرآة بين صفين من الكتب. لقد صغر عشر سنوات وشحب كثيرا وعرقٌ بارد ينعقد على جبينه. من أين التقط العدوى ومتى؟

مدة الحضانة للميكروب حوالى أربعة أيام. قبل أربعة أيام كان فى المجرى الملاحى للقناة ببورسعيد. كان فى مناوبة عمل على لانش الحجر الصحى الذى يرفع الراية الصفراء المثلثة ويكاد يطير فوق الماء. يتعقب السفن القادمة من البوغاز لعبور القناة باتجاه السويس فور استقبال بياناتها عبر جهاز اللاسلكى الذى يحمله، وإذا باسمه يتردد عبر الجهاز. يطلبون منه الخروج من المناوبة والعودة إلى الإدارة على وجه السرعة! وعلى وجه السرعة يأتى لانش آخر ليأخذه ويترك بمكانه طبيبا بديلا. لم يكن المدير وحده هو من ينتظره عند مدخل مبنى الحجر العتيق بجوار الفنار القديم. كان معه وكيل الوزارة وآخرون لا يعرفهم. وكانت هناك سيارة بيجو سبعة راكب تقف خالية أمام المبنى. رآهم يُنزلون متعلقاته وكتبه من غرفته بسكن الأطباء فى الطابق الثانى ويضعونها فى السيارة. أخبروه بأنه قد نُقل إلى الحجر الصحى بميناء الإسكندرية وأنهم هناك ينتظرونه وقد أعدوا كل شيء وسيكون مرتاحا.

لماذا؟ سأل المدير الضخم وطيب السريرة فأغمض عينيه بأسف وزعم أنه لايعرف. لكن الخبر تسرب إليه من أحد زملائه وهو يعانقه بتأثر ويطيل العناق ليهمس بالسر فى أذنه.. «هُم جاءوا مع وكيل الوزارة واجتمعوا مع المدير على انفراد وأخبروه بضرورة خروجه من بورسعيد على الفور وأن نقله إلى الإسكندرية قد تم». كان اليوم 3 يونيو والسادات سيزور بورسعيد يوم 5 يونيو ليحتفل بإعادة افتتاح القناة فى كرنفال بحرى مُعتاد. لقد تحفَّظوا على كل من عدُّوه مشبوها سياسيا ويُحتمل تشويهه للزيارة. أما هو، وقد بات معنيا بالأدب لا السياسة، فلم يجدوا حلا لإبعاده عن المدينة وعن المجرى الملاحى الذى يحمل ترخيصا بدخوله إلا بنقله «من باب الاحتراز». كان يوم 3 يونيو هو آخر يوم عمل له ببورسعيد. يتذكر سفينة باكستانية كانت بين السفن التى صعد إليها وعاينها. كانت الكوليرا متوطنة فى باكستان وقتها، لكنه لم يأكل أو يشرب شيئا على هذه السفينة، فكيف انتقلت إليه الكوليرا؟ وماذا عن عشرات البمبوطية الذين صعدوا إلى السفينة بحقائب تجارتهم المتواضعة، وكانوا كعادتهم يجوسون فى السفينة بإلحاح وكثافة؟

هل كانت السفينة الباكستانية هى مصدر العدوى؟ ولماذا يتوقف عندها؟ هل لأنه يكره ضياء الحق قاتل «ذو الفقار على بوتو»، وينفر من ذلك السواد المقيت حول عينيه الميتتين، ولعبه على حبلى الإسلامويين والأمريكيين معا؟.. يتذكر أنه تفقَّد سفنا أخرى فى بورسعيد يومها. سفينة بضائع دنماركية، وأخرى ألمانية، وحاملة نفط كويتية، وسفينة ركاب مذهلة الترف كأنها فندق «7 نجوم» عائم يدور بالمليونيرات حول العالم. استقبله قبطانها فى غرفة القيادة التى تضارع مكتباً رئاسيا ودعاه هو ومساعديه إلى الغداء فى أحد مطاعم السفينة لكنه اكتفى بفنجان الشاى وقطعة الكيك المقدمين على سبيل الضيافة. لا يُعقَل أن يكون قد التقط العدوى منها. فهل حدث ذلك فى الإسكندرية؟

فى مساء 3 يونيو وصل إلى العنوان بالإسكندرية: «حى بحرى، شارع الجمرك القديم، مبنى الحجر الصحى داخل الميناء، قرب باب1». كانوا فى انتظاره، سلموه العمل وغرفة إقامته بالطابق العلوى. مبنى أنيق بحديقة داخلية شيده الإنجليز أيام كانوا يديرون الميناء وظل محتفظا برونقه القديم. غرفته كانت نظيفة وجيدة الأثاث وبها هاتف وثلاجة صغيرة وتطل بنافذة طويلة على «جونة» الميناء والسفن الراسية فيها. نام عميقا من شدة الانفعال والإجهاد ووجد فى انتظاره إفطارا طيبا فأقبل على أولى مناوباته أقل استياءً من نفيه إلى الإسكندرية بتلك الفجاجة. ظل لانش الحجر الصحى يطير به وبالمساعدين على مياه الميناء الكبير نحو السفن القادمة. واحتفى به بحارة اللانش سكندريو اللطافة فى فترة الراحة فطافوا به كل أرجاء الميناء، والواجهة البحرية لقصر رأس التين، وجعلوه يتفقد لانش «المحروسة» الملكى فى مرساه العتيق. ثم كانت فى انتظاره «جادل كاثد»؟!

فهل كانت «جادل كاثد» هى مصدر عدواه؟ بارجة أمريكية وجدها على رصيف الميناء تتزود بالمياه قبل أن تحصل على الإذن الصحى بالرسو. صعد إليها ليس كما على سلالم «جانج واى» المعلقة على جوانب السفن المعتادة بل على متدرج فولاذى عريض يخرج من جسم البارجة ليستقر على رصيف الميناء فيصير جسرا إلى البر. جسر يتحمل إنزال رتل دبابات وقول عربات مدرعة ومدفعية ثقيلة وفوج من المارينز ببنادق مشهرة السناكى. إضافة للطائرات المتأهبة على مصاعد داخلية ترفعها نحو السطح لتقلع وتقصف من الجو. جيش غزو مُركَّز رآه داخل هذه البارجة. رحب به مسئولها الصحى برتبة كولونيل ترحيب طبيب لطبيب. طلب الاطلاع على خط سير البارجة فاكتشف أنها آتية من ميناء «مومباسا» فى كينيا التى أوردتها آخر نشرات منظمة الصحة العالمية ضمن المناطق الموبوءة بالكوليرا حينها. أخبر الطبيب كولونيل أن البارجة خالفت القانون بالرسو قبل إتمام إجراءات الحجر الصحى وطلب مناظرة المرضى وسجلات العيادة، فكشف الأمريكى عن عجرفة «اليانكى» تحت معطف الأطباء الأبيض، وانتهت «الزيارة»!

عاد من المناوبة إلى مبنى إدارة الحجر ليخبر المدير أنه حرر مخالفة لسفينة تجاوزت إجراءات الحجْر وناوله إياها لاستكمال تفعيلها مع هيئة الميناء. شجعه المدير بابتسامة استحسان لكنه ما أن اكتشف كونها بارجة أمريكية حتى سحب ابتسامته ممتقعا ومزق المخالفة مرددا باهتزاز «هـ هـ تودينا فى داهية. تتـ تتـ تودينا فى داهية»، فطلب «إجازة» لأسبوع وافق عليها المدير فورا كأنه ينتظرها. وهاهو فى اليوم الثانى من تلك «الاجازة» يتذكر ذلك فيبتسم بمرارة بينما يكمل ارتداء ثيابه بوهن. يلتقط أنبوب البياض المتلألئ بعد إغلاق فوهته بفلينة محكمة ويضعه فى جيبه. ويفتح باب الشقة بضعف فتسفعه نسمة الفجر الندية. يهبط الدرج محترسا حتى لا ينكفئ، ويخرج إلى الشارع ورقةً ذابلةً على غصن، ترتعش فى ريح غير مرئية.

يودع بعينيه البيوت التى يعرفها. ويتوقف بنظرة طويلة على شرفة ذلك البيت على رأس الشارع حيث اعتاد رؤية الصبية وديعة الملامح التى تنتظر مروره وما أن يرفع وجهه إليها حتى تتوارى بخجل فيبتسم. ويبتسم بأسى بينما يسرع لعله يمسك بطرف خيط الحياة الرفيع. تبدو الشوارع فى ضوء الفجر الخفيف المزرق فسيحة أسيانة. ويتذكر قصيدة ناظم حكمت «أجمل أطفال العالم لم يولد بعد» فيجد نفسه يبكى بكاءً لم تعد له دموع. يبكى مهرولا فى الشوارع الخالية قريبا من جدران البيوت ليتشبث بها إن تعثر، وكلما مرت به سيارة يناديها دون أن يستطيع رفع يده. ويدرك أن صوته الذى وهن لم يعد مسموعا لغيره.

يبيَضُّ ضوء الفجر أكثر بينما عطشه يزداد. وتتماوج المرئيات أمامه كما لو كانت تتبدى من وراء بخارٍ شفيفٍ يتصاعد. تتقلص عضلة فى ساقه فيدرك أنه يقترب من النهاية. وتلوح بناية مستشفى الحميات البيضاء المصفرة غير بعيد. يفكر فى أنه لابد سيجد زميلا له بين الأطباء المناوبين يهتم بأمره. وينتبه فى نبضة قوية العاطفة أن صديقه «عامر» بين الأطباء النواب فيأمل أن يجده. عضلة أخرى فى كتفه تتقلص وجفنه يختلج. يحاول الجرى من جديد متذكرا مشاهد الرقص المميت الأخيرة فى فيلم «إنهم يقتلون الجياد أليس كذلك». ويجد نفسه مُرتطما بحديد البوابة الموصدة. يتشبث بقضبانها الباردة التى يبللها الندى ثم يضربها بكلتا يديه وبآخر ما لديه من قوة، وما من مُجيب. يتلفت حوله فيجد حجرا ينتعه بعسر ويضرب به البوابة فى جنون سرعان ما يُنهكه.

يسقط الحجر من بين يديه السائبتين فيشعر بدنو الموت وهو على أعتاب النجاة. يعرف أن ميكروب الكوليرا بالغ الضعف، تقتله جرعة من التتراسيكلين وتُعوِّض استنزافه محاليل فى الوريد بتنقيط متسارع، فلايرى نفسه إلا وقد قفز من فوق البوابة وراح يجرى فى الردهة. تنثنى ساقاه تحته وصدره المرمى إلى الأمام يقوده نحو سكن الأطباء فى ركن المستشفى. باب السكن مغلق.لا ضوء ولا صوت. استدار يدق بكلتا يديه زجاج نافذة خفيضة غير آبه بتهشيم زجاجها وإدماء يديه. والتقم حجرا من الفناء وعاد يضرب الباب الموصود. ثم كانت ساقاه لا تقويان على حمله فارتكن على جذع شجرة قريبة وأخذ يقرفص مُتداعيا.

يهبط رويدا رويدا كأنه مُخدَّرٌ يغرق فى بحر ساكن. ثم يهب ملسوعا رافعا يديه إذا يبصر وجه عامر الملتف بغلالة النعاس يطل مشرقا ببياضه من عتمة الباب الذى انفتح..

«ياعامر. أنا عندى كوليرا. لاتلمسنى. اهتم بتعقيمك وركِّب لى محاليل بسرعة». يزيل الاستغراب أثر النوم فى وجه عامر ويضحك متصورا أنها نوبة من نوبات هواجس الكُتَّاب التى يعرفها كواحد منهم. لكن عامر وقد أبصر شحوبه وضعفه راح يصعد به مُتحيراً نحو العنابر. كان يصر أن يسبقه عامر حتى يتحاشى لمسه.

وكان يتذكر مئات الليالى التى سهراها يتحدثان فى الأدب والحياة والسياسة والحب وكلية الطب التى كانا يُحبانها ويشتكيان منها فى آن. لم يعد يقوى على صعود الدرج بتواصل، فكان يتهاوى جالسا بين الدرجة والدرجة. يتوقف عامر وينحنى ليأخذ بيده فيهب ليبعده عنه ويُعاود الصعود.

«أريد غرفة قريبة من الحمام ياعامر». ويرتمى على سرير الغرفة ما أن يصل إليه. لم يكن صاحبه يصدق أنه يموت. حتى بعد أن أراه عينة البياض الألَّاق الغريب فى الأنبوبة الشفافة.

لكن عامر ما أن قاس ضغطه حتى راح يصرخ ليوقظ الممرضات، ومناوبى المعمل، والصيدلية. بل كان يصرخ ليوقظ نفسه والدنيا كلها فقد رآه يموت حقا. كان ضغطه بالغ الانخفاض يعلن عن صدمة. وراحت الصدمة تُفضى إلى تشوش يتكاثف. وقبل أن يغيب عن الوعى أحس ببرودة نقاط المحاليل تنساب متسارعة فى وريده بينما تحيط به حلقة من ثياب بيضاء لا يُميِّز مُرتديها. ويتذكر الآن بجلاء ساطع، أنه فيما راح يهوى غائبا عن الوعى كان يصعد من قاع الهوة دخانٌ فضىٌ مضىء، وأريجُ عطرٍ غامِر. رائحة فل لا شك فيها. وخايله وجه الصَبيَّة التى كانت تنتظر خروجه لتراه من شرفة ذلك البيت على رأس الشارع. لم تهرب خَجِلة هذه المرة عندما رفع وجهه إليها، ظلت حانيةً رقراقة.. تُطِلُّ عليه.




* د. محمد المخزنجي
جريدة الأهرام 4 يناير 2019م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى