آيفور إيفانز - الادب الانكليزي القديم – ترجمة د. زياد الحكيم

يوصف الادب الانكليزي غالبا بانه بدأ بالشاعر تشوسر. وهذا يعني ان لانكلترة ادبا يمتد ستة قرون. ولكن في الواقع ان لانكلترة ادبا يمتد اكثر من ستة قرون قبل ان يولد تشوسر. وبامكان القارئ ان يفهم المعنى العام لصفحة من اعمال تشوسر دون صعوبة، ولكنه اذا نظر الى الادب الانكليزي القديم فانه يجده وكأنه مكتوب بلغة اجنبية غير الانكليزية. وهذا هو السبب في اهمال الادب الانكليزي القديم. غير ان بامكاننا ان نطلع عليه من طريق الترجمة.

لقد وقع اهم حدثين في تاريخ انكلترة قبل الفتح النورماندي. ففي تلك الفترة غزت قبائل الانكلز والسكسون والجوت انكلترة وبدأ بذلك التاريخ الانكليزي. ولا شك ان الغزاة الوثنيين كانوا سادة في اوطانهم، ولكنهم اختلف سلوكهم فيما كانوا يبحثون عن "مجال حيوي". اما الحدث الكبير الثاني في تلك الفترة فكان اعتناق الانكليز الدين المسيحي. ففي عام 597 جاء اوغسطين من روما واخذ يدعو الجوت في مقاطعة (كنت) الى المسيحية، فيما كان رهبان من ايرلندة يقيمون الاديرة في نورثمبريا. ويرتبط معظم الشعر الانكليزي في بدايات العصر الانكلوسكسوني بهذين الحدثين. فالقصص اما احضرها الغزاة من البلاد الجرمانية الاوربية او انها تظهر اهتماما كبيرا بحكايات الكتاب المقدس والدين المسيحي.

وسُجل الادب في العصر الانكلوسكسوني في مخطوطات. وحياة المخطوطة حياة صعبة. وتعتمد معرفتنا بالشعر الانكلوسكسوني على اربع مجموعات من المخطوطات هي: 1. المخطوطات التي جمعها السير روبرت كوتون، وهي موجودة الان في المتحف البريطاني. و2. (كتاب اكستر) وقد قدمه لكاتدرائية اكستر الراهب ليوفريك بعد عام 1050 بقليل. و3. كتاب فيرسيلي الذي عثر عليه في فيرسيلي بالقرب من ميلانو عام 1822 (ولم يقدم احد تفسيرا مقبولا لكيفية وصول الكتاب الى هناك). واخيرا 4. مجموعة المخطوطات في مكتبة بودليان في اكسفورد، وقد تبرع بها العلامة الهولندي فرنسيس دوغون او جونيوس امين مكتبة ايرل اوف ارندل. وفي مجموعة السير روبرت كوتون توجد مخطوطة (بيوولف) وهي اهم قصيدة في العصر الانكلوسكسوني. ويظهر تاريخ المخطوطة كيف ان كل شيء يقاوم امكانية نجاة اي مخطوطة من الضياع والاندثار.

وعلى هذا فليس في وسع المرء ان يقيم الادب الانكلوسكسوني بالاعتماد على المخطوطات المتبقية وحدها. فالمجوهرات الانكلوسكسونية وغيرها من الاعمال الفنية تشهد باننا امام حضارة اكثر غنى وتقدما مما يشير اليه ما بقي من المخطوطات وحده. اما في ما يتعلق بالادب الوسيط فقد درسه دراسة وافية ر. م. ويلسون في كتابه (الادب المفقود في انكلترة العصور الوسطى) 1952. ويشير الكتاب الى عدد كبير من القصائد المفقودة، والى ابطال مجهولين، والى قصص لم تُسجل حتى الان. وبامكاننا ان نفترض انه كان ثمة تقليد من الشعر الغنائي بالرغم من اننا لا نقع على قصائد نظمت قبل القرن الثالث عشر. والواقع ان معظم الشعر الذي وصل الينا من القرن الثالث عشر هو شعر ديني لان الشعر الديني حُفظ في الاديرة فكان له حظ اوفر من الحماية مما كان للقصائد غير الدينية. ولا شك ان الشعر الغنائي كان موجودا. وهناك سجلات من القرن الثاني عشر في (إيلي) تشير الى ان الشعر الغنائي كان معروفا هناك في ذلك الوقت. وتعطي هذه السجلات الشاعر كانوت الامتياز بانه كان واحدا من اقدم شعراء العصور الوسطى، وتشير اشارة واضحة الى قصائد غنائية شعبية قديمة جدا بعضها كان اباحيا والبعض الاخر اقل اباحية. ونذكر مثالا واحدا من الادب الانكلوسكسوني الوسيط المفقود هو قصيدة للشاعر (بيد). ويشير الى هذه القصيدة كوثبيرت، احد اتباع بيد، في رسالة له عن وفاة الشاعر. ويقول انها تتحدث عن الانفصال الرهيب للروح عن الجسد.

وحملت قبائل الانكلز قصة بيوولف معها الى انكلترة في القرن السادس. وفي انكلترة بعد عام 700 نظمت القصيدة. كان ذلك بعد وفاة النبي محمد بسبعين سنة، وفي العصر الذي شهد نشوء الاسرة الامبراطورية العظيمة تانغ في الصين. وبعد ذلك بثلاثمئة سنة، في نحو عام 1000، كتبت المخطوطة التي بين ايدينا الان. و لا نعرف الظروف التي مرت بها المخطوطة في السنوات السبعمائة اللاحقة. وفي عام 1706 تبين انها موجودة في مكتبة السير روبرت كوتون. وبعد ستة وعشرين عاما شب حريق في المكتبة وانقذت المخطوطة بصعوبة. وبامكان المرء ان يرى حواف صفحاتها المحروفة في المتحف البريطاني. وهناك جزءان من قصيدة اخرى بعنوان والديري، ولعلها في الاصل كانت بطول قصيدة بيوولف، عثر عليها عام 1860 في غلاف احد الكتب في المكتبة الملكية في كوبنهاغن.

وتعتبر قصيدة بيوولف، وهي تتألف من حوالي ثلاثة الاف بيت، اول قصيدة طويلة باللغة الانكليزية. وبالرغم من ذلك فان البطل والبيئة في القصيدة لا يمتان بصلة الى انكلترة. ومع ان الانكلز هم الذين احضروا القصة الى انكلترة الا انها لا تصف حياتهم، ولكنها تصف حياة الاسكندنافيين. وقد تبادلت القبائل الجرمانية القصص دون قيود بالرغم من انها كانت تتقاتل فيما بينها وكانت تقاتل كل من كانوا قريبين منها. وآمن شعراؤها على الاقل بوجود شعب جرماني واحد هو شعب جرمانيا. وهكذا فان اول قصيدة انكليزية تروي قصة جرمانية جلبها الى انكلترة الانكلز، ونظمت في شكل قصيدة في انكلترة. وتتحدث قصة بيوولف عن وحش اسمه غرندل يقض مضجع غروثغار، ملك الدانماركيين، في قصره العظيم هيوروت. ويهب مقاتل شاب اسمه بيوولف مع جمهرة من اصحابه لمساعدة الملك، فيقهر غرندل ويصرع فيما بعد والدة غرندل، وهي وحش بحري، في وكر في قاع احدى البحيرات. وفي القسم الثاني من القصيدة نلقى بيوولف وقد اصبح ملكا. ويتعين عليه الان بعد ان اصبح طاعنا في السن ان يدافع عن بلاده ضد تنين ناري. وتختتم القصيدة بوصف لمراسم جنازته. ويرى بعض النقاد ان ضعف القصيدة يكمن في القصة. فهم يقولون انها قصة خيالية حول وحوش وتنانين. ولكن الوحش كان حقيقيا في تلك الايام من الممكن ان يلقاه اي رجل على طريق نائية في ليلة حالكة. وكان الوحش هناك ضخما وقاسيا وشريرا يتربص بالرجال. والبطل هو الذي يملك القوة والشجاعة لقتله. ويقترح النقد الحديث ان قصة بيوولف اكثر من مجرد قصة ساذجة. فهناك قيم رمزية ودينية واسطورية في صميم الموضوعات التي تطرقها. ولعل هذه القيم نفسها هي التي توحي بسذاجة القصة. وزعم بعض النقاد، على نحو مقنع، ان القصيدة تقدم رؤى بالغة الثراء. فبالاضافة الى القصة هناك صور للمجتمع في بلاط رجل مقاتل بكل ما فيه من تبادل للمجاملات والهدايا وبكل ما فيه من احتساء للشراب. والشاعر حاضر بين المقاتلين ينشد اشعاره حول مآثر الشجعان من الرجال. وفي بعض مقاطع القصيدة تظهر رصانة الاسلوب وجماله. وفي القصة الرئيسية اشارات الى عالم مأساوي كامل بحبكات تختلف عن حبكة بيوولف. وفي هذا كله جلال وسمو فكأنه ينتمي الى عالم ارستقراطي متمدن.

وقصيدة بيوولف مكتوبة ببيت طويل كما هو الحال في جميع القصائد الانكلوسكسونية، والقافية فيها معدومة، ولكن هناك جناس استهلالي في كل بيت. كما ان مفردات الشاعر فيها خاصة ومركزة. وهو يستخدم عبارات مجازية لوصف الاشياء والاشخاص. وعلى هذا فالبحر هو "طريق البجعة" والجسم هو "بيت العظام". وبالرغم من ان القصيدة تصور الحياة الوثنية للقبائل الجرمانية الا انها نظمت بعد ان اعتنقت انكلترة الدين المسيحي. ونجد الدين الجديد والقيم البطولية القديمة كلاهما في القصيدة. غير ان موضوعات الشعر عموما في هذه الفترة هي موضوعات العصر الوثني المبكر، ففيه تمجيد للمصابرة والشجاعة وفيه ايمان بالقدر. وهو يصور روحا لن يتسنى للشعر في اي مرحلة لاحقة ان يصورها على نحو مماثل. ويمكن الوقوف على قوة الروح البطولية القديمة في قصيدة بعنوان (مالدون) كتبت مباشرة بعد معركة مالدون عام 993:

لا بد ان يكون الفكر اكثر صلابة والقلب اكثر ذكاء
لا بد ان نزداد شجاعة عندما يدب الوهن في اوصالنا

وهنا اشارة الى قيم عصر بطولي اكثر قدما باسلوب ملحمي. ان الكتابة بهذا الاسلوب حول معركة معاصرة انجاز نادر في الشعر في اي عصر. وكتب و. ب. كير يقول: ليس هناك ما هو اكثر جزالة من بيوولف في اللغة الانكليزية قبل تشوسر، وليس هناك ما يماثلها في وصف البطولات قبل سامسون اغونستس.

لا شيء في الادب الانكليزي القديم يمكن ان يقارن بقصيدة بيوولف. فالقصيدة لها جلال ملحمة كلاسيكية. ويحتمل ان يكون مؤلفها قد قرأ اعمال فيرجل او بعضا من الملاحم اللاتينية التي جاءت بعد فيرجل. ويوجد بين ايدينا عدد من القصائد القصيرة التي تروي، مثل بيوولف، قصصا من الشعوب الجرمانية. فقصيدة (ويدست) او (الرحالة) تصف رحلات شاعر الى قصور الملوك الجرمانيين. وفي (كتاب اكستر) نجد سبع قصائد ذات اهمية انسانية عظيمة هي: (ديور) و(وولف وايدوسر) و(نواح الزوجة) و(رسالة الزوج) و(الحطام) و(الجوال) و(البحار). والحياة في هذه القصائد جميعا تتسم بالحزن، والمتكلمون فيها يؤمنون بالقدر بالرغم من انهم شجعان وعنيدون. وتعبر عن الجو العام لازمة قصيدة (ديور) التي يشعر فيها الشاعر بالتعاسة لانه اقصي عن سيده. ويذكر نفسه باحزان الماضي ويضيف:

عسى ان ينقضي هذا الحزن كما انقضت احزان قبله

والجو العام المأساوي في قصيدة (ديور) يبدو اكثر قوة في قصيدة (الجوال) التي يروي فيها الشاعر كيف ان قصر سيده قد نال منه الزمان، وكيف تعين عليه ان يمضي ليبحث عن سيد جديد. وفي قصيدة (البحار) جو عام مماثل، وفيها نقرأ عن الاخطار التي تواجه البحارة وعن افتتانهم بالبحر وعن احزانهم. وهذه موضوعات تتردد في الشعر الانكليزي حتى القرن التاسع عشر في اعمال سوينبيرن.

ويستخدم الشعر الديني الافكار والالفاظ ذاتها كما في شعر البطولات. فقد كانت الكنيسة تستعمل الشعر الوثني القديم في الدفاع عن الدين المسيحي الجديد. ورأى المبشرون المسيحيون انه ليس في مقدورهم ان يقضوا على القصص القديمة. ان كل ما كان في وسعهم ان يأملوا في تحقيقه هو ان يسردوا القصص الانجيلية الجديدة بالطريقة القديمة. اضف الى ذلك ان كثيرا من الرهبان المسيحيين انفسهم افتتنوا بالقصص الوثنية القديمة. وفي بعض الاحيان غالوا في افتتانهم.

وفي امكاننا ان نرى هذا المزيح من المسيحية والوثنية في قصيدة (اندرياس او القديس اندرو). وهي قصيدة ملحمية تشبه بيوولف في كثير من النواحي: يتعين على اندرو ان ينقذ القديس ماثيو كما انقذ بيوولف هروثغار، بالرغم من ان اندرو في بداية الامر لا يرغب في المحاولة. و(اندرياس) قصيدة دينية، وهي قصة مغامرة في الوقت نفسه. وفيها الجو القديم للحكايات البطولية للمحاربين.

ولم تُسجل اسماء الشعراء المرتبطين بهذا التقليد المسيحي الا نادرا. ولا نعرف من هؤلاء الشعراء في الحقيقة الا شاعرين اثنين: الشاعر الاول هو كيدمون. وبين ايدينا نبذة عن حياته، ولكن لا نجد شيئا مسجلا من شعره. والشاعر الثاني هو ساينوولف. ولا نعرف شيئا عن حياته، ولكن بامكاننا ان نتعرف الى بعض القصائد التي كتبها بوساطة توقيعه. وكان كيدمون يعمل في رعي الابقار. وكان رجلا ذكي القلب خجولا. وكان يقيم في الدير في ويتبي. ويقول الشاعر بيد ان كيدمون غدا شاعرا بعد زيارة احد الملائكة له. ويقال ان كيدمون نقل قصص العهدين القديم والجديد الى الشعر الانكليزي. وقد يكون هذا العمل قد ضاع، غير ان شخصا ما قد كتب قصائد استوحاها من (سفر التكوين) و(سفر الخروج) و(دانييل). اما الشاعر ساينوولف فقد كتب عنه الكثير، ولكننا لا نعرف عنه الا القليل. وقد ربط باسمه عدد من القصائد: قصيدة عن استشهاد القديسة جوليانا وقصيدة ايلين او قصة عثور القديسة هيلينا على الصليب، وقصيدة مصائر الرسل وقصيدة عن قيامة المسيح.

وبصرف النظر عمن كتب القصائد الدينية الاخرى حول موضوعات انجيلية او حول حياة القديسين فاننا نجد ثلاث قصائد ذات جودة عالية. احداها جزء من قصة التكوين، وهي تصف سقوط الملائكة المعروف باسم (التكوين ب). ولقد نقل الشاعر الانكليزي القصة نقلا حيا، مستعملا قصيدة سكسونية قديمة، وهي ذات القصة التي رواها فيما بعد ميلتون في (الفردوس المفقود). وقد اجاد الشاعر الانكلوسكسوني في وصف شخصية الشيطان وجعرافية الجحيم.

والقصيدة الثانية هي (حلم الصليب)، وهي اكثر ابتكارا بكثير من القصائد الانكليزية القديمة الاخرى. يتراءى الصليب للشاعر في الحلم ويصف الدور الذي لم يرغب في القيام به في صلب المسيح. اما القصيدة الثالثة فهي تروي قصة جوديث. وهي اروع قصة في الشعر الانكلوسكسوني. وقد تفنن الشاعر في روايتها. وتروي القصيدة كيف ان جوديث صرعت الطاغية هولوفيرنس. ولا شيء في الشعر الانكلوسكسوني يقارب جوديث من حيث جودتها الدرامية ومن حيث تصويرها للشخصيات الانسانية.

ويمكننا ان نتناول على نحو اوضح المؤلفين الذين كتبوا النثر في العصر الانكلوسكسوني. واقدم كاتب نثر معروف هو ألدهيلم الذي توفي عام 709. وهو اسقف شيربورن الذي كتب في مدح العذرية بلغة لاتينية منمقة. ولكن اهم كاتب نثر هو القس بيد (673-735) الذي امضى معظم حياته منكبا على الدرس بالدير في جارو. ولم يسافر من جارو الى ابعد من يورك. ولكن عقله تنقل في ارجاء الدراسات المعروفة عندئذ من تاريخ وفلك ومن تراجم للقديسين والشهداء. واهم اعماله هو كتابه العظيم (التاريخ الكنسي للشعب الانكليزي). وقد جعل من ديره في جارو مركزا مرموقا للعبادة والدرس في ذلك القرن المضطرب عندما كانت الحضارة المسيحية في اوربة مهددة بالانقراض. ويبدو ان حياته كان لها من الجمال والبساطة ما يماثل ما جلبه الرهبان الايرلنديون معهم الى انكلترة. ولكن هذه البساطة اقترنت بذكاء مذهل. وكتب (بيد) باللغة اللاتينية، كما ذكرنا، وهناك اشارة الى قصيدة كتبها باللغة الوطنية. واستطاع بفضل اعماله المتميزة ان يصيب شهرة في ارجاء اوربة دامت الى ما بعد وفاته بوقت طويل.

وفي القرن الذي اعقب وفاة بيد انهكت الغزوات الدانماركية حضارة وليدة في انكلترة. فلحق دمار بالاديرة العظيمة واحدا بعد واحد. ومن الغريب ان المحن التي تواجه امة من الامم تميط اللثام عن رجال عظام. هكذا كان الحال في انكلترة عام 871 عندما ارتقى العرش شاب في الثانية والعشرين من عمره اسمه ألفرد 849-899. ويستحق ألفرد ان يذكر بانه واحد من الرجال العظام في التاريخ الانكليزي. فقد كان جنديا متمرسا في فنون الحرب وعالما ومربيا واداريا. وقبل كل شيء كان قائدا محنكا استطاع ان يهدئ من ثائرة الدانماركيين الى ان اعد العدة لملاقاتهم. ولم يكن ألفرد المنقذ العسكري لشعبه فحسب، بل كان ايضا يتحلى بحب المعرفة والرغبة في نشرها. فترجم كثيرا من الاعمال واشرف على ترجمة الكثير من الاعمال الاخرى. ومن اجل تدريب رجال الدين اعد ترجمة لكتاب (القانون الرعوي) لغريغوري الكبير، ناقلا الاصل، كما يقول لنا، "احيانا كلمة مقابل كلمة، واحيانا معنى مقابل معنى". وترجم كتاب بيد (التاريخ الكنسي) ليتعرف شعبه ببلاده على نحو افضل. وهناك من يشك انه ترجم هذا العمل بنفسه. وكذلك ترجم ألفرد كتاب (تاريخ العالم) لاوروسيوس الذي كان يوازي في تلك الفترة هـ. ج. ويلز في عصرنا. وبالرغم من ان اوروسيوس لم يكن ممتعا مثل ويلز الا انه كان محبوبا الى درجة كبيرة. وحسن ألفرد كتاب اوروسيوس باضافة تقريرين حصل عليهما من رحالتين هما (أوهثيري) و(ولفستان) عن جرمانيا والبلاد الواقعة حولها. ولا ادل على حب ألفرد للبحث والتحقيق من الحاقه هذين التقريرين لرحالتين معاصرين بالتاريخ الممل للكوارث الذي سجله اوروسيوس. واذا كان ألفرد قد اعد مؤلف اوروسيوس لفائدة شعبه فانه نقل كتاب بوثيوس (سلوى الفلسفة) لمتعته الشخصية. كتب بوثيوس كتابه هذا في السجن، وتوصل فيه الى ان السعادة الحقيقية مصدرها صفاء الروح والنفس. ووجد ألفرد في نفسه ما انسجم مع هذه الفلسفة. وهناك عمل آخر يعود الفضل في انجازه الى ألفرد. فمن سجلات الاحداث التي كانت تحفظ في الاديرة نفهم التاريخ القومي. وتحقق ذلك في كتاب (التاريخ الانكلوسكسوني). واسهم في تأليف هذا العمل عدد من الكتاب ذوي المهارات المتفاوتة. ولكنه اول كتاب نثري عظيم باللغة الانكليزية. وهو يصف احداثا وقعت بعد وفاة ألفرد. وتحتوي نسخة بيتربورو من الكتاب على احداث حتى عام 1154. ويصف الكتاب الحرب مع الدانماركيين وما اورثته من محن للكثيرين في ذلك العصر. ويصف قسوة الحياة ومرارتها وانعدام الامان فيها. وعندما يفكر المرء في ألفرد وما انجزه فان مكانة هذا الملك تسمو حتى يغدو واحدا من اعظم اعلام التاريخ الانكليزي.

وفي القرن الذي تلا وفاة الملك ألفرد فقد كثير من الاعمال التي كان قد شرع في تأليفها. غير ان كاتبين من رهبان القديس بنديكت كتبا نثرا دينيا حفظ في الاديرة. ويُعد الكاتب (ألفريك) اعظم كاتب نثر انكليزي قبل الفتح النورماندي. واذا اخذنا بعين الاعتبار مسؤوليات الملك ألفريك الجسيمة وانجازاته فاننا نجد عمله الادبي اكثر روعة. ولكن الكاتب ألفريك يقف وحده من حيث غزارة انتاجه ومن حيث جودة نثره. كان ألفريك تلميذا في مدرسة تابعة للدير في ونشستر حيث كان التعلم يقدر حق التقدير. واصبح فيما بعد مدرسا في دير (كيرن اباس). كان يسعى دائما الى جعل المؤلفات المسيحية في متناول اولئك الذين لا يفهمون اللغة اللاتينية. فوضع كتابين في (العظات)، في كل منهما اربعون عظة مترجمة عن مؤلفين لاتين. ولكنه تصرف تصرفا كبيرا في المعالجة والتفسير. وكان في العظة عن القربان المقدس افكار اعتبرها المصلحون في ما بعد مؤيدة للتفسير الكاثوليكي غير الروماني للطقوس. وسجل النقاد المحدثون تقديرهم العالي لما حققه في كتابيه (العظات) واثنوا على رشاقة نثره. وكتب س. ل. رن في كتابه (الكلمة والرمز) 1967 يقول: "ما أقرب لغة ألفريك من الانسجام والنظامية. لقد كان ألفريك يكتب العظات لتلقى شفويا من المنابر في جميع ارجاء انكلترة المسيحية. ولغته بعيدة عن التعقيد ويستطيع فهمها الناس العاديون." وترجم ألفريك في ما بعد كتاب (حياة القديسين)، وركز على الافكار التي قال في مقدمته "انها جديرة بان يطلع عليها المصلون العاديون الذين يحضرون القداسات الكنسية." والاسلوب هنا اكثر تهذيبا من الاسلوب في كتاب (العظات). ويستخدم ألفريك الجناس الاستهلالي كما كان يستخدم في الشعر الانكليزي القديم. وقد تمت محاولات لاعادة كتابة بعض نصوصه النثرية شعرا. وكان النقاد الاقدمون يميلون الى الاعتقاد بان هذا مأخذ على ألفريك. غير ان دراسة مدققة كشفت اناقة اسلوبه، لكن هذه الاناقة ليست على حساب وضوح الاسلوب. انه الرجل الاول في انكلترة الذي كتب النثر بصورة واضحة وجعل منه فنا من الفنون. ومن بين الاعمال الاخرى التي ترجمها ألفريك الى اللغة الانكليزية الكتب السبعة الاولى من الكتاب المقدس. وقد طلب اليه رؤساؤه في الدير ان يقوم بهذه المهمة التي تولاها على غير رغبة منه اذ ضيقت نطاق ممارسته للتفكير المستقل الحر. ومع ذلك فلم ينس قط جمهور قرائه غير المتعلمين. فترجمته الحرة تحذف الصعب وتهدف الى الوصول الى الجمهور غير المثقف. ومن بين اعمال ألفريك الاخرى كتاب (النحو) الذي كشف عن حبه للتعليم. كان يريد ان يقهر الجهل حوله في الميادين الدينية والعلمانية على السواء. وحاول ان يوسع معرفة قرائه باللغتين الانكليزية واللاتينية كما تشير مقدمتاه، وقد كتب احداهما بالانكليزية والاخرى باللاتينية. وكان يعتقد ان انتشار الدين مرتبط بالتعليم. وكان يستغرب كيف كان رجال الدين في الايام السالفة لم يكتبوا اللاتينية ولم يقرأوها. وكان يأمل كذلك في ان يوسع عمله معرفة "ابناء انكلترة" باللغة الانكليزية نفسها. واضاف الى النحو مفردات لاتينية-انكليزية. وتبدو كتبه (العظات) و(حياة القديسين) وخاصة (النحو) مغرقة في القدم من وجهة نظر قراء القرن العشرين. ولكنها مثل اعماله الاخرى تقف شاهدا على تصميم الرجل على رفع مستوى التعليم والدين في زمانه. واذا كان الكثيرون يجهلون اسمه الان فحسبه ان يكون كاتب النثر الانكليزي الاول الذي قرر ان اللغة الوطنية يجب ان تزداد ثراء من اللغة اللاتينية التي تعتبر لغة العالم المسيحي بأسره.

والاسم الاخر الجدير بالتسجيل في هذه الفترة الصعبة هو ولفستان كبير اساقفة يورك الذي توفي عام 1023. وقد وجه كتابه (عظة الذئب) الى الشعب الانكليزي في الوقت الذي كان فيه الدانماركيون ينكلون بالبلاد في قسوة عام 1014. ويدين ولفستان ادانة كبرى الملك الضعيف والجبان إثيلرد ويحمله المسؤولية عن تدمير القرى وعن التفسخ الاخلاقي والوطني، ويؤكد التقارير التي وردت في كتابه (التاريخ) والتي تحكي عن القسوة واليأس اللذين سادا في اثناء الغزو الدانماركي.

وهذا كله اكثر واقعية وحيوية من حض المسيحيين "على الزحف الى المسيح والدعاء اليه باستمرار بقلوب خاشعة لاستحقاق رحمته." كان زمانا صعبا وقاسيا. ويستطيع المرء دون جهد كبير ان يدرك عظمة هؤلاء الرجال الذين كافحوا وكتبوا. لقد اخبر ألفريك قراءه في احدى مقدماته بان نهاية العالم امست وشيكة، والحقيقة ان الذي كان وشيكا هو نهاية العصر الانكلوسكسوني.

[email protected]
-----------------------------------------------
هذا هو الفصل الاول من كتاب (موجز تاريخ الادب الانكليزي) للبروفيسور آيفور ايفانز. وقد ترجمت الكتاب الى العربية ونشرته عام 1988.

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
183
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى