على حزين - الأرملة والقطط.. قصة قصيرة

لما رأيتُ الأرملة الشابة.. تنظر للقطط.. ويدها قد يبست علي شيء ما تمسكه.. وكأن في الأمر ما يروقها, ويشدّ انتباهها، أيقنتُ أني بصدد أمرٍ ما سيحدث.. بلعت ريقي بصعوبة.. كتمت أنفاسي, حتى لا تراني، انزويت متخفياً.. أتابع المشهد عن قرب.. القطة تهز ذيلها, تموء, تثني رأسها.. القط يقترب منها ببطء, تنفر في وجهه.. تضربه بقبضتها الواهنة, الضعيفة, يتلافاها , يبتعد عنها , قليلاً, تموء, تهمُّ بالانصراف , يعترض طريقها .. تموء بصوتٍ هزيل .. متموج .. متقطع , مُتغَنِج .. والأرملة تضع ما في يدها للفِراخ .. تجلس في زاوية ما .. تنظر باهتمام تباعد ما بين رجليها .. يتمطى القطة النفور .. تتثاءب .. تمد قدميها .. حتى يلتصق بطنها بالأرض .. القط يجلس علي مؤخرته .. يفعل مثلها تماماً.. تتلوى .. تحك ظهرها.. تتثاءب .. تلعق بلسانها الخشن ذيلها.. وشيئاً ما أخر في جسدها.. تخزر للقط الأسود .. المتكور بعيداً .. بازدراء، والأرملة قد أغمضت عينيها .. وطأطأت رأسها , ابتسمت .. تأَوَّهَت .. وكأن المشهد قد أعجبها .. وراق لها .. تقعي في صمت مطبق .. تترقب عن كثب .. القطة تمد قدميها .. والقط في الهدوء الذي يسبق العاصفة .. كتمثالين من الحجر.. في أحد المعابد الفرعونية القديمة.. هكذا هُيَّئ لي , تتنهد الأرملة في حرقة .. يدها علي خدها .. والأخرى تمسك بعود من الحطب اليابس .. القط يصدر صوتا عشوائياً.. ممطوطاً كانسان بدائي.. فتحاكيه القطة البيضاء.. تُعدل الأرملة في جلستها.. وهي تحدق في صمت.. وحيطة, وحذر.. القطة تقترب من القط , المتكور مكانه بجوار كومة الخوص.. تقف أمامه في صمت.. تستدير حوله.. والأرملة تخط خطوطاً مستقيمة, وأخرى مستديرة, متداخلة.. ثم تغيب في زفرة, حامية, طويلة.. ويدها تحت صدغها.. الذي وردته الشمس....
" قبل أن يتوفى زوجها .. منذ ثلاثة أعوام تقريباً .. كنت أراها بالفساتين الملونة , القصيرة , اللاصقة , كعارضة ازياء .. كــ " مانيكان " بجسدها الممشوق , الطويل , عود فارع فرنساوي .. بشرتها البيضاء .. وشعرها الكثيف المتموج .. منهدل علي كتفيها , يزين قورتها , اللامعة .. وكانت لا تكف عن المعاكسات , والضحكات المثيرة , والنظرات المشعة كالليزر.. أما اليوم .. فقد تغير كل شيء .. البريق المشع من العينين , الواسعتين انطفأ .. والوجه الجميل الساحر فقد جاذبيته .. والعطر النافذ , اختفي .. والضحك توقف .. والفساتين , صارت سوداء .. حتى أصبحت كالغراب الناعق.. بائسة .. يائسة .. تعيسة .. مكتئبة.. حزينة.. ومنطوية علي نفسها.. ونادراً ما تسمعها وهي تضحك .. أو تتحدث مع أحد ."....
القطان يعتركان .. القطة تقفز .. تجري , تصعد جدارا , الخوص .. والقط النفور خلفها .. تلف .. تدور .. يتبعها .. يلحق بها .. يعتركا من جديد .. نظرت لساعة معصمي .. كانت تشير إلي الواحدة ظهراً .. أغلقت الكتاب الذي كنت اتصفحه.. وضعته علي الارض .. وتركت الأرملة .. والقطط .. نزلت صنعت كوباً من الشاي .." كشري".. ثم عدت إلي مكاني .. جلست حيث كنت .. دون أن تشعر الأرملة .. أشعلت سيجارة .. وظللت أتابع المشهد .. الأرملة , والقطط .. وأشعة الشمس الدافئة .. أشفط نفسا عميقاً من سيجارتي المشتعلة .. أعقبها برشفة شاي .. فجأة يثب القط علي القطة.. برهة يطبق فيها علي عنقها بأنيابه .. القطة ترمي رأسها.. تتلوى تحته .. وهي مستسلمة له تماماً.. تذكرت الارملة.. كانت جالسة بلا حركة وكأن حواسها قد تعطلت فجأة .. فأصبحت .. كحجر البهت .. ساهمة .. متسعة الحدقتين .. تنظر للقطة التي تحك رجليها الخلفية .. افتعلتُ السعال .. انتبهت .. تلفتت نحوي بسرعة , مندهشة.. وعيناها مليئتان بعلامات تعجب , واستفسار .. طوحت برأسي بعيداً .. صفرت .. ابتسمت .. فأطرقت في خجل ..
" أراها من زمنٍ ليس بالقريب .. تنزوي .. تجلس , القرفصاء في زاويتها .. المعروفة .. تحدث نفسها وقتاً.. ثم تنضي عنها ثيابها .. قطعة.. قطعة .. ثم تصنع مع نفسها ما تريد.. بعيداً عن عيون الصغار .. وهي تعلم جيداً انني أراها .. ولكنها تتجاهلني .."...
وحين شعرت بوجودي .. أنفلت هاربة .. تنزل علي مهلٍ .. وهي تنظر .. وأنا أتبعها ببصري .. تغيب الشمس الدافئة .. والقطط .. ولكن الأفكار من رأسي لم تغب .. فأمسكت الكتاب من جديد .. قرأت .... " وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله .."..." قل أعوذ برب الناس " .. و .....


على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ـــ مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى