نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

الجنس في الثقافة العربية أبو الفرج الأصبهاني - ملحق الأغاني (أخبار أبي نواس).. تحقيق علي مهنا وسمير جابر

نشر: نقوس المهدي · ‏9/1/19 ·
  1. أخبار أبي نواس
    الحسن بن هانئ
    هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح مولى الجراح بن عبد الله بن جعادة بن أفلح بن الحارث بن دوة بن حدقة بن مظة بن سلهم بن الحكم بن سعد العشيرة بن مالك ، وكنيته أبو نواس سئل عن كنيته ما أراد بها ومن كناه بها وهل هو نواس أو نواس فقال نواس وجدن ويزن وكلال وكلاع أسماء جبال لملوك حمير والجبل الذي لهم يقال له نواس
    قال
    وكان سبب كنيتي أن رجلا من جيراني بالبصرة دعا إخوانا له فأبطأ عليه واحد منهم فخرج من بابه يطلب من يبعثه إليه يستحثه على المجيء إليه فوجدني مع صبيان ألعب معهم وكان لي ذؤابة في وسط رأسي فصاح بي يا حسن امض إلى فلان جئني به فمضيت أعدو لأدعو الرجل وذؤابتي تتحرك فلما جئت بالرجل قال لي أحسنت يا أبا نواس لتحرك ذؤابتي فلزمتني هذه الكنية

    وسئل مرة أخرى فقيل له من كناك أبا نواس قال أنا كنيت نفسي بذلك لأني من قوم لا يشتهر منهم إلا من كان اسمه فردا وكانت كنيته سنيعة فتكنيت بأبي نواس
    ويروى بفتح النون والواو مخففة وأما النواس بن سمعان فهو مشدد
    وكانت كنيته الأصلية أبا علي وإنما هو كان يشتهي أن يلقب بأبي نواس لشهرته وأنه من أسماء ملوك اليمن ومن أسمائهم أيضا ذو نواس
    وكان هانئ أبو الحسن بن هانئ كاتبا لمسعود الماذرائي على ديوان الخراج وكان اسمه هني وكان راعي غنم ولم يكن له ولاء ولا حلف حتى مات فلما كبر أبو نواس وأدب قال لنفسه حسن بن هانئ وإنما كان حسن بن هني
    وقيل كان أبو أبي نواس حائكا
    وقيل كان من جند مروان بن محمد من أهل دمشق وكان فيمن قدم الأهواز في أيام مروان للرباط بها والشحنة فتزوج بجلبان وأولدها عدة أولاد منهم أبو نواس وأبو معاذ وأسمه أحمد
    وكان أبو معاذ أحمد مؤدب أولاد فرج الرخجي وكان أبو معاذ عطلا من مذاهب أبي نواس لا يحسن شيئا إلا أنه تعيش بأنه أخ لأبي نواس نقله إلى البصرة وهو ابن ست سنين
    فنقلت أبا نواس أمه إلى البصرة وهو ابن ست سنين
    وقيل
    إن أمه يقال لها شحمة من نهر تيرى قرية من قرى الأهواز تدعى بباب آذر وكانت تعمل الصوف وتنسج الجوارب والأخراج فتزوجها هني أبوه فولدت أبا نواس وكان هني قد رآها وعشقها على شط نهر من أنهار قرى الأهواز وهي تغسل الصوف وكان لها ابن آخر
    قيل وكانت تعمل الخيزران
    وكانت لأبي نواس أخت عند فرج القصار عبد كان لأحمد بن عصمة الباخرزي مولده ووفاته
    واختلف في مولد أبي نواس فقيل كان مولده في سنة ست وثلاثين ومائة وقيل سنة خمس وأربعين وقيل سنة ثمان وأربعين وقيل سنة تسع وأربعين
    واختلف في موته فقيل توفي سنة خمس وتسعين ومائة وقيل سنة ست وتسعين وقيل سنة سبع وتسعين وقيل سنة ثمان وتسعين وقيل سنة تسع وتسعين وقيل مات قبل دخول المأمون بغداد بثمان سنين وكان عمره تسعا وخمسين سنة
    وقيل
    كان اسم جده رباح وكان رباح هذا مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان من أهل البصرة
    وقيل
    كان أبو نواس من الخوز من باب شيركان
    وقيل من قرية من قرى الأهواز
    وقيل بل من أرض مناذر الصغرى
    والمجمع عليه أن أصله من خوز الأهواز وقيل من مناذر الكبرى من رستاق ما برثى من قرية يقال لها باسكنى
    وقيل
    كان أبو نواس مولى محمد بن عمر الحكمي من حاء وحكم قبيلتين من مذحج من اليمن
    ومحمد بن عمر هذا خال بشر بن المفضل اللاحقي الفقيه
    وكان أبو نواس يزعم أنه من العجم والذي صح مما ادعاه أبو نواس أنه مولى للحكميين وإنما ادعى ولاء حاء وحكم بالبصرة لأن بها قوما منهم وما كان في جميع عمل الأهواز رجل واحد من حاء وحكم يقال إنه يدعى فيهم نشأته وبعض من صفاته
    وكان أبو نواس قد نشأ بالبصرة وقرأ القرآن على يعقوب الحضرمي فلما حذق القراءة رمى إليه يعقوب بخاتمه وقال اذهب فأنت أقرأ أهل البصرة
    وكان أبو نواس حسن الوجه رقيق اللون أبيض حلو الشمائل حسن الجسم وكان في رأسه سماجة وتسفيط فكان دائم العمة والقلسة لذلك
    وكان ألثغ على الراء يجعلها غينا وهي كثيرة بالبصرة لا يخلو من العشرين اثنان أن يلثغا بها
    قال الجاحظ
    ما رأيت أحدا كان أعلم باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجة مع حلاوة ومجانبة للاستكراه
    وكان نحيفا في حلقة بحة لا تفارقه
    قال ولما شب أسلمته أمه براء يبري عود البخور وكبر وتأدب وصحب أهل المسجد والمجان
    واشتهى الكلام فقعد إلى أصحابه فتعلم منهم شيئا من الكلام ثم دعاه ذلك إلى الزندقة فكان ذلك يحسب منه على جهة العبث ثم مجن في شعره وشخص إلى مدينة السلام فأقام بها وعاشر الملوك فحط منه مجونه ووضعه خبث لسانه وحط منه تهتكه وكثرة سفهه وعبثه
    وكان ينادم ولد المهدي فلم يبق مع أحد من الناس ونادم القاسم ابن الرشيد هارون ولقي منه أشياء كرهها وكرهت له
    جلس أبو نواس إلى الناشئ الراوية فقرأ عليه شعر ذي الرمة فأقبل الناشئ على أبيه هانئ وقال له إن عاش ابنك هذا وقال الشعر ليقولنه بلسان مشقوق
    وكان ابتداء صلة أبي نواس بوالبة بن الحباب الأسدي أن والبة جاء من الأهواز إلى البصرة إلى سوق العطارين يشتري حوائج وبخورا فاشترى منها عودا هنديا وأبو نواس كان يبري العود وهو غلام فاحتيج إليه في بري ذلك العود وتنقيته فلما رآه والبة بن الحباب كاد عقله يذهب فلم يزل يختدعه حتى صار إليه فحمله إلى الأهواز وقدم به الكوفة بعد منصرفهم فشاهد معه أدباء أهل الكوفة في ذلك الوقت فتأدب بأدبهم أول شعر قاله بالكوفة
    وكان أول شعر قاله في الكوفة إذ دخل معه إلى منزل محمد بن سيار ابن مقرن وكان لمحمد ابن جميل وله قيان يخرجهن إلى ندمائه فاتفق أن أخرجهن وجلس ابن محمد في صفهن فقال أبو نواس حينئذ
    ( يا ظبي آل سيار ** وزين صف القيان )
    ( لينعتنك وهمي ** إن كل عنك لساني )
    ( خلقت في الحسن فردا ** فما لحسنك ثاني )
    ( كأنما أنت شيء ** حوى جميع المعاني )
    ( ويلي لقد كنت عنكم ** بمعزل ومكان )
    ( علقت من جل عني ** وشأنه عز شاني )
    ( من ليس يطمع فيه ** إلا فلان الفلاني ) اتصاله بوالبة بن الحباب
    وقيل في اجتماعه بوالبة غير ذلك وهو أن النجاشي الأسدي والي الأهواز للمنصور احتاج إلى عطر يعمل له فلم يجد في الأهواز من يعمله فبعث إلى البصرة فحمل عطارين فيهم أستاذ أبي نواس وأبو نواس معه فكانوا يعملون في دار النجاشي وقدم عليه والبة بن الحباب الأسدي الشاعر وهو ابن عمه فرأى أبا نواس فاستحلى قده وأعجب بظرفه فقال له إني أرى فيك مخايل فلاح وأرى لك ألا تضيعها وستقول الشعر وتعلو فيه فاصحبني حتى أخرجك قال ومن أنت قال أبو أسامة قال والبة قال نعم قال أنا والله جعلت فداك في طلبك وقد أردت الخروج إلى الكوفة وإلى بغداد من أجلك قال ولماذا قال شهوة للقائك ولأبيات سمعتها لك قال وما هي فأنشده
    ( ولها ولا ذنب لها ** حب كأطراف الرماح )
    ( جرحت فؤادك بالهوى ** فالقلب مجروح النواحي )
    ( سل الخليفة صارما ** هو للفساد وللصلاح )
    ( أحذته كف أبي الوليد ** يدا مبارية الرياح )
    ( ألقى بجانب خصره ** أمضى من الأجل المتاح )
    ( وكأنما ذر الهباء ** عليه أنفاس الرياح )
    فمضى معه فلما صار إلى منزله وأكلا وشربا أراده وألبة فلما كشف عنه رأى حسن بدنه فلم يتمالك أن قبل آسته فحبق أبو نواس فقال له يا خبيث ما هذا قال كرهت يا سيدي أن يضيع المثل ولا أحققه في قولهم جزاء من قبل الاست ضرطة فازداد به حبا وعجبا ومضى معه إلى الكوفة
    وروي أنه قال له يا حبيبي أقبلك وتجازيني بهذا فقال كرهت أن يضيع المثل
    قال والبة بن الحباب
    رأيت فيما يرى النائم كأن إبليس أتاني فقال ترى غلامك الحسن بن هانئ قلت ما شأنه قال إن له لشأنا ووالله لاغوين به أمة محمد ثم لا أرضى حتى ألقي محبته في قلوب المرائين من أمته وقلوب العاشقين لحلاوة شعره
    ولما اشتد أبو نواس وكبر وعرف قدره وفضله قال واعجبا من شاعر مفلق ينيكه والبة بن الحباب
    وكان أبو نواس متهتكا أيضا في مؤاجرته وبعد كبره فإنه ذكر عنه لما كان بمصر وورد على الخصيب أنه جمش غلاما من أهل مصر فنفر منه وتتايه عليه وتجنى فقال
    ( تتيه علينا أن رزقت ملاحة ** فمهلا علينا بعض تيهك يا بدر )
    ( فقد طال ما كنا ملاحا وربما ** صددنا وتهنا ثم غيرنا الدهر )
    ( وكم من صديق قد ترهزت تحته ** فأعجبه مني الترهز والعصر )
    ( فطبت له نفسا بما لا يضرني ** وبادرت إمكاني فعاد له شكر )
    قال أبو العشنزر
    قلت الشعر وأنا غلام وأبو نواس غلام وكنا جميعا نبري العود وكنت أحسن وجها من أبي نواس وأبو نواس أطبع مني فتفاخرنا بالشعر فقلت له خلقتي أحسن من خلقتك فقال بل أنا احسن منك وجها وافره فجعلنا بيننا شيخا من جيراننا معروفا باللواط فدخلنا إليه وهو يكتب كتابا وبين يديه دواة كبيرة فاحتكمنا إليه فقال الحكم على الغيب لا يجوز ولكن هذه دراهم فخذوها ودعوني أحكم عن علم فأخذناها منه فلما رأى حسن وجهي بدأ بي ثم ثنى بأبي نواس فأبطأ عليه وكان عظيم الرأس أصلع فقال له أبو نواس ما هذه الزيادة عذبتني فقال له اسكت فديتك فإني أريد أن أسجل لك قال فأخذ أبو نواس سوادا من الدواة فجعل يسود صلعته فقال ما هذا فقال أسود القمطر حتى يعلم أنك قاض فقال قم لعنك الله فإنك عضلة من العضل
    وروى أبو هفان أن أبا نواس لما نشأ وتأدب وظرف ورغب فيه فتيان البصرة للمصادقة قال لا أصادق إلا رجلا غريبا شاعرا يشرب الخمر ويصفها ويصف المجالس ويكون له سخاء وشجاعة فذكروا له جماع فلم يحب أن يكون الرجل من أهل بلده فهرب إلى الكوفة وذكر له بها رجل من بني أسد يقال له والبة بن الحباب يشرب الخمر ويقول الشعر ويجمع الخصال التي أرادها أبو نواس فصار إليه فسأل عنه فقيل له إنه بطيزناباذ يشرب الخمر عند خمار هناك فصار إلى منزله فسأل عنه فأخبر بأنه في مجلسه فاستأذن عليه فأذنت له جاريه لوالبة فدخل فإذا والبة نائم سكران فقال للجارية أعندك ما يؤكل ويشرب قالت نعم قال هاتيه فجاءته بطعام فأكل وجاءته بشراب فلم يزل يشرب ويغني حتى نام مكانه فانتبه والبة فقال من هذا الرجل النائم فأخبرته الجارية خبره فقال هاتي لنا طعاما فأكل ولم يزل يشرب وأبو نواس نائم حتى نام والبة فانتبه أبو نواس فسأل عنه وعما كان من خبره فأخبرته الجاريه فقال هاتي طعامك فأكل ولم يزل يشرب ووالبة نائم حتى نام أبو نواس ثم انتبه والبة فسأل عن خبره فأخبرته فقال هاتي طعامك فأكل ولم يزل يشرب وأبو نواس نائم حتى نام والبة وانتبه أبو نواس فسأل عن خبره فأخبرته بما كان من أمره فدعا بماء وتطهر ودعا بالطعام والشراب ولم يزل كل واحد منهما على هذه الحال سبعة أيام لا يلتقيان وهما في مجلس واحد
    ثم إن والبة أمر الجارية أن تحبس عنه الشراب إلى وقت قيامه فلما انتبه أبو نواس قال للجارية أصلحت طعامك قالت الآن يصلح قال لا قد عرفت ما أراد لعله قال لك دافعيه حتى أنتبه فقالت الجارية ما أحسبك إلا من الجن وما رأيت إنسيا على حالك فانتبه والبة فسأله عن خبره وحاله فأخبره بما قصد إليه فسر والبة به ووجه إلى أصحابه وندمائه فجعل لهم مجلسا وأخبرهم خبر أبي نواس وما قصد له فلبثوا على ذلك أياما في صبوح وغبوق
    ثم إن والبة مد يده إلى أبي نواس على سكر فلما عراه رأى بدنا حسنا وكان جميل الوجه حسن البدن فأطار عقله ولم يتمالك أن قبل استه فضرط أبو نواس في وجهه فغضب والبة من ذلك واستشاط وقبض على سكينة وهم به فقال له أبو نواس جعلني الله فداك هل تعلم ما حملني على ما فعلت قال لا قال المثل المضروب جزاء من قبل الاست ضرطة فضحك والبة منه وعرف أنه أحد المجان فلم يزل مقيما عنده
    ثم سأله أن يخرج إلى البادية مع وفد بني أسد ليتعلم العربية والغريب فأخرجه مع قوم منهم فأقام بالبادية سنة ثم قدم ففارق والبة ورجع إلى بغداد
    قال أبو السمح
    قلت لوالبة وكنت أرى أبا نواس عنده وهو غلام حسن الوجه أنا والله أشتهي حسنا غلامك فقال لي ويلك ما تستحي هو غلامي فقلت له أحدث في متاع الشطار قال فلا تبرح حتى يجئ فجاء أبو نواس فقال له والبة إن أبا السمح يشتهيك فقال له أبو نواس جعلت فداك تأمرني بحسن التبغل وتقضي بي حوائج الإخوان قال أبو السمح له ويلك احذر هذا الغلام فإنه إن بقي كان داهية راوية بشار يتحدث عنه
    حدث يحيى بن الجون راوية بشار قال
    جاء أبو نواس إلى بشار فأنشده قصيدته اللامية التي يصف فيها النخل فاستحسنها فلما خرج قال بشار لقد حسدت هذا الغلام على هذا الكلام وماذا أخرج منه غرمول شاعر الكوفة يعني والبة بن الحباب
    وكان أبو نواس متكلما جدلا راوية فحلا رقيق الطبع ثابت الفهم في الكلام اللطيف ويدل على معرفته بالكلام أشياء من شعره منها قوله
    ( وذات خد مورد ** قوهية المتجرد )
    ( تأمل العين منها ** محاسنا ليس تنفد )
    ( والحسن في كل شيء ** منها معاد مردد )
    ( فبعضه قد تناهى ** وبعضه يتولد )
    ومنها قوله
    ( يا عاقد القلب مني ** هلا تذكرت حلا )
    ( تركت مني قليلا ** من القليل أقلا )
    ( يكاد لا يتجزا ** أقل في اللفظ من لا )
    ومنها قوله في امرأة اسمها حسن
    ( إن اسم حسن لوجهها صفة ** ولا أرى ذا في غيرها اجتمعا )
    ( فهي إذا سميت فقد وصفت ** فيجمع الاسم معنيين معا )
    ومنها قوله فيما يتعلق بالحكمة
    ( قل لزهير إذا حدا وشدا ** أقلل وأكثر فأنت مهذار )
    ( سخنت من شدة البرودة حتى ** صرت عندي كأنك النار )
    ( لا يعجب السامعون من صفتي ** كذلك الثلج بارد حار )
    هذا شيء أخذه أبو نواس من مذهب حكماء الهند فإنهم يقولون إن الشيء إذا أفرط في البرد انقلب حارا وقالوا إن الصندل يحك منه اليسير فيبرد فإذا أكثر منه سخن
    وله من هذا الجنس أشياء كثيرة توضع في مواضعها من هذه الترجمة الأصمعي يحدث قعنب عن أبي نواس
    قال أبو عمرو قعنب
    خرجت مع الأصمعي من المسجد الجامع فلما صرنا على الدرب الذي يخرج من سكة المربد إلى بني أصمع وقف بي على دار مبنية بالآجر والجص هناك فقال أترى هذه الدار عهدي بها مرة من قصب وكان فيها طراز حائك وكان فيها إنسان فارسي تزوج امرأة فولدت غلاما فأرضعت بلبانه غلاما من ثقيف فتعلم الصبي من الحائك القرآن ثم قال الشعر وخرج إلى بغداد وبلغني أنه قال
    ( واهج نزارا وأفر جلدتها ** وهتك الستر عن مثالبها )
    وادعى اليمن وتولاهم فسألته عنه فقال هو أبو نواس
    وإنما ادعى حاء وحكم في آخر أمره وذكر أنه مولى لهم لأن منهم بالبصرة قوما فذكر أن جده مولى أولئك
    وكان دعيا يخلط في دعوته فمن ذلك قوله
    ( فإن أك بصريا فإن مهاجري ** دمشق ولكن الحديث فنون )
    ثم هجا اليمن في هذه القصيدة بقوله
    ( لأزد عمان بالمهلب نزوة ** إذا ذكر الأقوام ثم تلين )
    وإنما نشأ بالبصرة وليس له بدمشق قبل ولا بعد
    ومما هجا به اليمن قوله لهاشم بن حديج
    ( وتختم ذاك بفخر عليه ** بكندة فاسلح على كنده )
    وقوله
    ( بحديج فخرت يا بن حديج ** وحديج به تسمى العبيد )
    وقوله
    ( يا هاشم بن حديج لو عددت أبا ** مثل القلمس لم يعلق بك الدنس)
    فانظر إليه كيف قدم نزارا
    والقلمس أحد بني كنانة وهو الذي نسأ النسيء في الشهر الحرام فأطاعته العرب وقال الله جل وعلا { إنما النسيء زيادة في الكفر }
    ومنه قوله في هاشم بن حديج
    ( يا هاشم بن حديج ليس فخركم ** بقتل صهر رسول الله بالسدد )
    ( إن تقتلوا ابن أبي بكر فقد قتلت ** حجرا بدارة ملحوب بنو أسد)
    ( فكل كندية قالت لجارتها ** والدمع ينهل من مثنى ومنفرد )
    ( ألهى أمرأ القيس تشبيب بغانية ** عن ثأره وصفات النؤي والوتد)
    وإنما عير ابن حديج لأن جده قتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما وهو عامل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على مصر
    وقوله بدارة ملحوب أراد قتل بني أسد حجر بن عمرو آكل المرار الكندي جد امرئ القيس فما أدرك بثأره عود حرمل واشتغل بالنساء والغزل إلى أن قتله ملك الروم ادعاؤه أنه من ولد عبيد الله بن زياد
    وكان أو نواس في أول دعوته ادعى أنه من ولد عبيد الله بن زياد بن ظبيان من بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة وعبيد الله بن زياد هو الذي قتل مصعب بن الزبير فقيل لأبي نواس إن الرجل الذي تدعي له لا عقب له لأنه فلج ومات ولا ولد له فلو أنك قلت إنك ولد النابئ بن زياد أخي عبيد الله قبلنا منك وكان النابئ خارجيا قتله مصعب فقتل عبيد الله مصعبا بأخيه فاستحى أبو نواس وهرب من بني تيم الله بن ثعلبة وقد كان يرى بينهم اختلافه إلى خلف الأحمر وأبي زيد
    ثم طلب الأخبار والأشعار ونفر عن المثالب والأنساب لمكان هذه القصة وأقام لهذه الغلطة بالبصرة في العطارين فإذا كان العشي أتى أبا عبيدة يسأله عن أخبار العرب وأيام الناس ثم اختلف إلى أبي محرز خلف الأحمر مولى الأشعريين فكان يسأله عن الشعر ومعانيه ثم رثى خلفا بعد موته بشعره
    ( أودى جميع العلم مذ أودى خلف ** )
    واختلف إلى أبي زيد فكتب الغريب والألفاظ ثم نظر في نحو سيبويه ثم طلب الحديث فكتب عن عبد الواحد بن زياد ويحيى القطان وأزهر السمان وغيرهم فلم يتخلف عن أحد وأدرك الناس فعلم ثم قدم بغداد بعد ذلك
    وكان أيضا يتنزر ويدعي للفرزدق
    حدث أبو يحيى الثقفي صاحب أبو نواس ونديمه قال
    قدم علينا أبو نواس بغداد وكان يكنى بأبي فراس فقلنا له ممن الرجل فقال من ولد الفرزق أبو نواس والحكم بن قنبر
    ثم وقع بينه وبين الحكم بن قنبر بن رزام التميمي الذي كان يهاجي مسلم بن الوليد فهجاه الحكم بن قنبر بن رزام التميمي وذكر بريه العود وبغى عليه وثلبه وعارضه في قوله
    ( ألم تربع على الطلل الطماس ** )
    بقوله
    ( دع الأطلال عنك أبا نواس ** عفاها كل أسحم ذي ارتجاس )
    ( فما ذكراك من رسم محيل ** ومن نؤي ومن طلل طماس )
    ( وبالأهواز أمك فاذكرنها ** مطية كل علج في كناس )
    ( وهني من الأخواز وغد ** وراعي البهم في كنفي هساس )
    ( وبري العود ما لا تدفعنه ** فما دعواك صلب أبي فراس )
    ( سألت الخوز عنك فما أساؤوا ** وقالوا ثابت فينا المراسي )
    ( عهدنا شيخة ترعى رماما ** ونساجا بدور أبي جلاس )
    ( بخوزستان أنسج من رأينا ** ولا سيما لجلباب خماسي )
    ( ككندة في الحياكة بل علاها ** بحذق طم في فن القياس
    ويقال إن هذا الشعر مصنوع على الحكم بن قنبر لانه من رديء الكلام وكلام الحكم فوق هذا
    وقيل
    كانت أم أبي نواس عجمية نباذة في الفرات
    وقيل كانت سندية يقال لها جلبان وفيها يقول اللاحقي
    ( أبو نواس ابن هاني ** وأمه جلبان )
    ( والناس أفطن شيء ** إلى دقيق المعاني )
    ( إن زدت حرفا على ذا ** يا صاح فاقطع لساني )
    يريد أنه ليس لجلبان أب يعرف
    قال وتفسير جلبان أب يعرف
    قال وتفسير جلبان بالعربية وردة على أذن
    كانت عنان جارية الناطفي لا تبالي ما قالت فوقع بينها وبين أبي نواس شر فدست إليه سفهاء الكرخ والعيارين فقالت إذا مر بكم أبو نواس فصيحوا به وعطعطوا عليه
    ( أبو نواس اليماني ** وأمه جلبان )
    ( والنغل أفطن شيء ** إلى حروف المعاني )
    وأرادت بقولها النغل أبا نواس
    جلبان امرأة موسرة بالبصرة كانت تجمع أولاد الزنا وتربيهم ففعلوا ذلك وشاعت القضية
    فقال له الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح بالله عليك إلا أخجلتها وإن أخجلتها فلك عندنا ما تحب فأتاها أبو نواس وعندها جماعة فسلم عليها ثم تحدثوا ساعة ثم قال لها يا عنان ما هجاء أير
    فصاحت بأعلى صوتها أير ومدت صوتها فقال لها لم رفعت صوتك ومددته به قالت لعظم حقه علينا فخرج أبو نواس يجر رجله خجلا نفاه ابن قنبر فانقلب على النزارية
    فلما نفاه ابن قنبر وفضحه بأبياته السينية انقلب على النزارية وادعى أنه من حاء وحكم فزجره آل يزيد بن منصور الحميري خال المهدي وقالوا له أنت خوزي فمالك ولحاء وحكم قال أنا مولى لهم فتركوه وقال بعضهم لبعض إنه لظريف اللسان غزير العلم فدعوه وهذا الولاء يتعصب لنا ويكايد عنا ويهجو النزارية فكان كما قالوا وكما ظنوا فانقلب إلى اليمن ونزل عن كنيته بأبي فراس واكتنى بأبي نواس تشبها بكنية ذي نواس كما كانت اليمن تكتني وندم على هجاء اليمن ووجدهم له أنصر ولدعوته أقبل فاعتذر إلى هاشم بن حديج فقال
    ( أهاشم خذ مني رضاك وإن أتى ** رضاك على نفسي فغير ملوم)
    ( فأقسم ما جاوزت بالشتم والدي ** وعرضي وما مزقت غير أديمي)
    ( وما كنت إلا كالذي كشف استه ** بمرأى عيون من عدا وحميم)
    ( فعذت بحقوي هاشم فأعاذني ** كريم أراه فوق كل كريم )
    ( وإن امرأ عفى على مثل زلتي ** وإن جرحت فيه لجد حليم )
    ( تطاول فوق الناس حتى كأنما ** يرون به نجما أمام نجوم )
    ( إذا سارت الأحساب يوما بأهلها ** أناخ إلى عادية وصميم )
    ( إلى كل معصوب به التاج مقول ** إليه أتاوى عامر وتميم )
    وكان قبل أن يتولى اليمن ويدعي أنه من نزار يتعاجم في شعره فمن ذلك قوله
    ( فاسقنيها وغن صوتا ** لك الخير أعجما )
    ( ليس في نعت دمنة ** لا ولا زجر أشأما )
    وقوله
    ( تدار علينا الكأس في عسجدية ** حبتها بأنواع التصاوير فارس)
    ( قرارتها كسرى وفي جنباتها ** مها تدريها بالقسي الفوارس )
    وقوله
    ( تراث أبي ساسان كسرى ولم يكن ** مواريث ما أبقت تميم ولا بكر ) رأي الجاحظ في شعره
    كان الجاحظ يقول
    ما أعرف لأبي نواس شعرا يفضل هذه القصيدة
    ( ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ** بها أثر منهم جديد ودارس )
    ( مساحب من جر الزقاق على الثرى ** وأضعاث ريحان جني ويابس )
    ( حبست بها صحبي فجددت عهدهم ** وإني على أمثال تلك لحابس )
    ( ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ** بشرقي ساباط الديار البسابس )
    ( أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ** ويوما له يوم الترحل خامس )
    ( تدار علينا الكأس في عسجدية ** حبتها بأنواع التصاوير فارس )
    ( قرارتها كسرى وفي جنباتها ** مها تدريها بالقسي الفوارس )
    ( فللخمر ما زرت عليه جيوبها ** وللماء ما دارت عليه القلانس )
    ليس في الشعراء من تقدمه إلى هذا المعنى ولا من شاركه فيه ومعناه أن كسرى مصور في سفل الكأس وقرارها وفي جوانبها بقر ترميها الفوارس وقوله
    ( فللخمر ما زرت عليه جيوبها ** )
    يعني أن الخمر مصبوب فيها إلى حلوق الصور صرفا
    ( وللماء ما دارت عليه القلانس ** )
    يعني أنهم صبوا الماء في مزجها حتى علا رؤوسها
    قال الجاحظ
    أنشدت هذه الأبيات أبا شعيب القلال وكان عالما شاعرا فقال يا أبا عثمان هذا شعر لو نقر لطن فقلت له ويلك ما تفارق الجرار والخزف حيث كنت
    وقال الجاحظ
    نظرنا في الشعر القديم والمحدث فوجدنا المعاني تقلب وبعض يأخذ من بعض وقل معنى من معاني الشعر القديم تفرد بإبداعه شاعر إلا ورأيت من الشعراء من زاحمه فيه واشتق منه شيئا غير عنترة يصف ذبابا خلا في دار عبلة وذلك قوله
    ( وخلا الذباب بها فليس ببارح ** غردا كفعل الشارب المترنم )
    ( هزجا يحك ذراعه بذراعه ** فعل المكب على الزناد الأجذم )
    وقول أبي نواس من المحدثين
    ( قرارتها كسرى وفي جنباتها ** مها تدريها بالقسي الفوارس )
    ( فللخمر ما زرت عليه جيوبها ** وللماء ما دارت عليه القلانس )
    وقال يصف كرما
    ( لنا هجمة لا يدري الذئب سخلها ** ولا راعها رز الفحالة والخطر )
    كنى عن الكرم بالإبل وهو يعني الدنان
    ولا راعها رز الفحالة صوت الفحالة
    ( إذا امتحنت ألوانها مال صفرها ** إلى الكمت إلا إن أوبارها خضر )
    الكمت لون العنب والخضر ورق الكرم
    ( وإن قام فيها الحالبون اتقتهم ** بنجلاء ثقب الخرت درتها الخمر)
    اتقتهم يعني الدنان ونجلاء يعني سعة البزال
    ( مسارحها الغربي من نهر صرصر ** فقطريل فالصالحية فالعقر)
    ( قصرت بها ليلي وليل ابن حرة ** له حسب زاك وليس له وفر )
    ( تراث أبي ساسان كسرى ولم تكن ** مواريث ما أبقث تميم ولا بكر ) أبو نواس والرقاشي
    وفي تعاجم أبي نواس في شعره يقول الرقاشي يهجوه
    ( نبطي فإذا قيل له ** أنت مولى حكم قال أجل )
    ( هو مولى الله إن كان به ** لاحقا فالله أعلى وأجل )
    ( واضعا نسبته حيث اشتهى ** فإذا ما رابه ريب رحل )
    فقال أبو نواس يهجوه
    ( هجوت الفضل دهري وهو عندي ** رقاشي كما زعم المسول )
    ( فلما أن نصصناها إليه ** ليعلم ما يقال وما يقول )
    ( وجدنا الفضل أبعد من رقاش ** من الأتن ادعت فيها الفيول )
    ( وجدنا الفضل أكرم من رقاش ** لأن الفضل مولاه الرسول )
    يريد بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا مولى من لا مولى له
    وقوله
    ( من الأتن ادعت فيها الفيول ** )
    أراد بذلك قول يزيد بن مفرغ يخاطب معاوية
    ( ألا أبلغ معاوية بن حرب ** مغللة من الرجل اليماني )
    ( أتغضب أن يقال أبوك عف ** وترضى أن يقال أبوك زاني )
    ( وأشهد أن رحمك من زياد ** كرحم الفيل من ولد الأتان )
    وكان أبو نواس في دعاويه يتماجن ويعبث ويخفي نسبه واسم أمه لئلا يهجى وذلك مشهور عنه ولو غضب هو نفسه على أبيه لهجاه ولم يحتشم
    والمذكور من أمره أنه كان مولى الحكميين فيفخر باليمن ويمدحهم لذلك ويمدح العجم ويذكرهم لأنه منهم فلذلك قال في العجم ما قال
    وكان أكثر أستاذي أبي نواس تأديبا وتخريجا له خلف الأحمر وأقدمهم في أستاذيته والبة بن الحباب
    ولما رجع أبو نواس من الكوفة إلى البصرة وفارق والبة قيل له أرغبت عن والبة ومللت الكوفة قال هي أعذب وأطيب من أن تمل ووالبة ممن لا يرغب عنه ولكني نزعت إلى الأوطان واشتقت إلى الإخوان
    حدث أبو سعيد الجهني عن أخيه بدر البراء وكان يبري العود في السوق قال
    كان أخي صاحب غلمان ثم أقلع وتاب وتزوج وولد له أولاد وكان في أيام فتوته له غلمان أبو نواس من جملتهم
    قال
    قدمت بغداد ومعي ثلاثة أولاد لي قريبة أسنانهم بعضهم من بعض فبينا أنا أمشي في بغداد إذا أنا برجل أشيب على برذون فاره ومعه شاكري فلما رآني عرفني ولم أعرفه فأقبل نحوي فسلم علي وبرني فأنكرته
    فقال ويحك يا بدر ألا تعرفني قلت لا قال أنا أبو نواس فعرفته فسألته عن حاله وألطفته فقال لي يا بدر من هؤلاء الغلمان معك قلت هم أولادي فقال لا إله إلا الله تزوجت وولد لك قال قلت نعم قال ويحك يا بدر كاد هؤلاء الأولاد أن يكونوا مني لو بقيت معك قال فنهرته وقلت له قبحك الله وقبح ما جئت به فقال هو ما قلت لك وقد أفلت ثم مضى وهو يضحك أبو نواس يؤاجر في البساتين والدور
    قال محمد بن عمر
    رأيت أبا نواس في البساتين يؤاجر وأسود مثل الحمار فوقه
    قال أبو الإصبع ذؤيب بن ربعي الهذلي
    طلبت أنا وصباح بن خاقان المنقري ويحيى الأرقط وعيسى بن غصين وابن الكهل مولى بني تميم وعبيد العاشقين وإنما سمي عبيد العاشقين لأنه كان في جواره رجلان أحدهما يعشق غلاما مملوكا والأخر يعشق مغنيه مملوكه فلم يزل يسعى له حتى ملكهما فسمي عبيد العاشقين
    قال أبو الإصبع
    فخرجنا نبتغي مؤاجرا فأتينا باب أبي عمرو بن العلاء فإذا نحن بغلام من أحسن الناس وجها وأحسنهم قدا وهو يتثنى قال فقلت له ما اسمك قال الحسن بن هانئ فقلنا له أبو من قال أبو نواس قال فشارطناه ثلاثة أيام بدينار في شارعة الصباح وهي على نهر بالابلة وأخذناه ومضينا وطبنا أطيب يوم وليلة حتى إذا كان اليوم الثاني وطبنا كانت حمالة في بني تميم فأعطى من أعطى وجاء أعرابي عليه عمامة كأنها فسطاط إلى صباح فظن أبو نواس أنه يحمل عليه فانحدر إلى البصرة هاربا وانحدر القوم بعده فجلسوا إلى باب أبي عمرو بن العلاء إذ أقبل أبو نواس فقالوا ويحك ما حسن ما صنعت بنا فقال رأيت عندكم من لم تسمح نفسي بمعاشرته ولا عيني بالنظر إليه ففررت منكم وقد قلت شعرا فيكم وما قلت قبل ذلك شعرا وأنتم علماء هذا الباب فقلنا له ما قلت فقال
    ( كنت في قرة عين ** مع عيسى بن غصين )
    ( وابن كهل وابن خاقان ** النجيب الأبوين )
    ( والفتى الأرقط يحيى ** وعبيد العاشقين )
    ( وابن ربعي الفتى السمح ** الجواد الراحتين )
    ( عندنا الصهباء صرفا ** في قوارير اللجين )
    ( وندامى سادة ** كلهم زين لزين )
    ( وحديث كان أشهى ** من إياب بعد بين )
    ( ونغني حين نلهو ** لغريض وحنين )
    ( إذ أتى الله بأحد ** أو كأحد مرتين )
    ( بفتى فظ غليظ ** ساقه الله لحيني )
    ( حال من شقوة جدي ** بين إخواني وبيني )
    قال فاتخذناه صديقا لا نفارقه آراء الرواة في شعر أبي نواس
    كان أبو عبيدة يقول
    ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله امرؤ القيس بجده وأبو نواس بهزله
    وكان يقول
    ذهبت اليمن بجيد الشعر في قديمه وحديثه امرؤ القيس في الأوائل وأبو نواس في المحدثين
    وكان يقال
    شعراء اليمن ثلاثة امرؤ القيس وحسان بن ثابت وأبو نواس
    وقال أبو عبيدة أبو نواس في المحدثين مثل امرئ القيس في المتقدمين فتح لهم هذه الفطن ودلهم على المعاني وأرشدهم إلى الطريق والتصرف في فنونه
    قال ميمون بن هارون
    سألت يعقوب بن السكيت عما يختار لي روايته من أشعار الشعراء فقال إذا رويت من الجاهليين لإمرئ القيس والأعشى ومن الإسلاميين لجرير والفرزدق ومن المحدثين لأبي نواس فحسبك
    قيل للعتبي من أشعر الناس قال أعند الناس أم عندي قال قلت عند الناس قال امرؤ القيس قال قلت فعندك قال أبو نواس
    قال عبيد الله بن محمد بن عائشة من طلب الأدب فلم يرو شعر أبي نواس فليس بتام الأدب
    قال إبراهيم بن العباس الصولي إذا رأيت الرجل يحفظ شعر أبي نواس علمت أن ذلك عنوان أدبه ورائد ظرفه
    سئل حبيب بن أوس عن شعر أبي نواس كيف هو عنده فقال ابو نواس ومسلم اللات والعزى وأنا أعبدهما
    وكان أبو نواس يقول عن نفسه سفلت عن طبقة من تقدمني من الشعراء وعلوت عن طبقة من معي ومن يجيء بعدي فأنا نسيج وحدي
    حدث جماعة من الرواة ممن شاهد أبا نواس قالوا كان أقل ما في أبي نواس الشعر وكان فحلا راوية عالما
    قال سليمان بن أبي سهل
    قلت لأبي نواس ما الذي أستجيد من أجناس شعرك فقال أشعاري في الخمر لم يقل مثلها وأشعاري في الغزل فوق أشعار الناس وأجود شعري إن لم يزاحم غزلي ما قلته في الطرد
    وكان أبو نواس يقول
    ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى فما ظنك بالرجال وإني لأروى سبعمائة أرجوزة ما تعرف
    وكان قد أستأذن خلفا الأحمر في نظم الشعر فقال لا آذن لك في عمل الشعر إلى أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ومائة أرجوزة قصيد ومقطوع فغاب عنه مدة وحضر إليه فقال له قد حفظتها فقال أنشدها فانشده أكثرها في عدة أيام ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر فقال له لا آذن لك إلى أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها فقال له هذا أمر يصعب علي فإني قد أتقنت حفظها فقال لا آذن لك أو تنساها فذهب إلى بعض الديرة وخلا بنفسه وأقام مدة حتى نسيها ثم حضر إليه فقال قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط فقال الان فانظم الشعر حديثه عن نظمه للشعر
    كان أبو نواس يقول
    لا أكاد أقول شعرا جيدا حتى تكون نفسي طيبة وأكون في بستان مونق وعلى حال أرتضيها من صلة أوصل بها أو وعد بصلة وقد قلت وأنا على غير هذه الحال أشعارا لا أرضاها
    وكان يعمل القصيدة ثم يتركها أياما ثم يعرضها على نفسه فيسقط كثيرا منها ويترك صافيها ولا يسره كل ما يقذف به خاطره وكان نهمه للشعر في الخمر فلا يعمله إلا في وقت نشاطه ولم يكن في الشعراء لا بالبطيء ولا بالسريع بل كان في منزلة وسطى
    سئل ابن عائشة
    من أشعر المحدثين فقال الذي يقول
    ( كأن ثيابه أطلعن ** من أزراره قمرا )
    ( يزيدك وجهه حسنا ** إذ ما زدته نظرا )
    ( بعين خالط التفتير ** من أجفانها الحورا )
    ( ووجه سابري لو ** تصوب ماؤه قطرا )
    ( وقد خطت حواضنه ** له من عنبر طررا )
    كان الأصمعي يقول
    يعجبني من شعر الشاطر بيت واحد قد أجاد قائله وهو
    ( ضعيفة كر الطرف تحسب أنها ** قريبة عهد بالإفاقة من سقم )
    ( وإني لآتي الأمر من حيث يتقى ** ويعلم سهمي حين أنزع من أرمي )
    وهذا شعر أبي نواس
    قال أبو ثابت حبيب بن النعمان بن حبيب الحميري
    سمعت كلثوم بن عمرو العتابي يقول لرجل وتناظرا في شعر ابي نواس والله لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فضل عليه أحد
    وكان أبو عبيدة يقول
    يعجبني من شعر ابي نواس قوله
    ( بنينا على كسرى سماء مدامة ** مكللة حافاتها بنجوم )
    ( فلورد في كسرى بن ساسان روحه ** إذا لاصطفاني دون كل نديم )
    كان أبو عمرو الشيباني يقول
    أشعر الناس في وصف الخمر ثلاثة الاعشى والاخطل وأبو نواس
    قال بعضهم
    كنت ألقى أبا عبد الله محمد بن زياد الأعرابي عند ولد سعيد بن مسلم وكانت مع ابن الأعرابي صحيفة لا تفارق كمه فكنا نحب أن نقف عليها فدخل يوما إلى المتهيأ وترك صحيفته تلك في مجلسه فنظرنا فيها فإذا فيها كثير من شعر ابي نواس في الخمر وقد كنا إذا ذكرنا أبا نواس استحفى به وبذكره فأعدنا عليه ذكره وعرف في وجوهنا وقوفنا على ما في الصحيفة فقال أو قد قرأتم الصحيفة قلنا اجل وعجبنا من ازدرائك بأبي نواس مع تدوينك شعره فقال انه لمن اشعر الناس وما يمنعنا من رواية شعره إلا تبذله وسخفه فكتبنا ما في الصحيفة لامرين أحدهما أن تكون رواية ابن الأعرابي والأخر لعلمنا أن ذلك من جيد شعره لأنه اختيار ابن الأعرابي لنفسه حسد شعراء عصره له
    قال محمد بن عمر
    لم يكن شاعر في عصر ابي نواس إلا وهو يحسده لميل الناس إليه وشهوتهم لمعاشرته ولبعد صوته وظرف لسانه
    قال ابو حاتم السجستاني سئل أبو نواس عن شعره فقال إذا أردت أن أجد قلت مثل قصيدي
    ( أيها المنتاب عن عفره ** )
    وإذا أردت العبث قلت مثل قصيدي
    ( طاب الهوى لعميده ** )
    فأما الذي لعبي فيه وحدي جد فإذا وصفت الخمر
    قال أبو ذكوان
    كنا عند الثوري فذكرت عنده أبا نواس فوضع بعض الحاضرين منه فقال له الثوري أتقول هذا لرجل يقول
    ( تخافه الناس ويرجونه ** كأنه الجنة والنار )
    والذي يقول
    ( فما فاته جود ولا حل دونه ** ولكن يصير الجود حيث يصير )
    والذي يقول
    ( فتمشت في مفاصلهم ** كتمشي البرء في السقم )
    إلى ما سوى ذلك والله لقد لحق من قبله وفات من بعده
    قال ابن الأعرابي يوما لجلسائه ما اشعر ما قال أبو نواس في الخمر
    فقال بعضهم قوله
    ( إذا عب فيها شارب القوم خلته ** يقبل في داج من الليل كوكبا )
    وقال آخر بل قوله
    ( كأن كبرى وصغرى من فواقعها ** حصباء ذر على أرض من الذهب )
    وقال آخر بل قوله
    ( ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ** وما لم تكن فيه من البيت مغربا )
    وقال آخر بل قوله
    ( فكأن الكؤوس فينا نجوم ** دائرات بروجها أيدينا )
    وقال آخر بل قوله
    ( صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ** لو مسها حجر مسته سراء )
    فقال ابن الأعرابي أن هذا كله لشاعر قد انفرد بالإحسان فيه وتقدم من سبقه ومن تأخر عنه ولكنه أشعر من هذا كله في قوله
    ( لا ينزل الليل حيث حلت ** فدهر شرابها نهار ) رأي ابي العتاهية في شعره
    قال مسلمة بن مهزم
    لقيت أبا العتاهية فقلت من أشعر الناس قال تريد جاهليا أو
    إسلاميا أو مولدا قلت كلا أريد قال الذي يقول في المديح
    ( إذا نحن أثنينا عليك بصالح ** فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني )
    ( وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ** لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني )
    والذي يقول في الهجاء
    ( وما أبقيت من عيلان إلا ** كما أبقت من البظر المواسي )
    ( وما حامت عن الأحساب إلا ** لترفع ذكرها بأبي نواس )
    والذي يقول في الزهد
    ( وما الناس إلا هالك وابن هالك ** وذو نسب في الهالكين عريق )
    فقلت هذا كله لأبى نواس قال هو هو ثم لقيت العتابي فسألته عن هذا السؤال فأجابني بهذا الجواب كأنهما كانا اتفقا عليه
    قال الجاحظ سمعت النظام يقول وقد انشد شعرا لأبى نواس في الخمر كأن هذا الفتى جمع له الكلام فاختار أحسنه
    وقال بعضهم كأن المعاني حبست عليه فأخذ منها حاجته وفض الباقي على الناس
    كان أبو العتاهية يقول
    سبقني أبو نواس إلى ثلاثة وددت أني سبقته إليها بكل ما قلته فإنه اشعر الناس فيها منها قوله
    ( يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر ** )
    وقوله
    ( من لم يكن لله متهما ** لم يمس محتاجا إلى أحد )
    وقوله
    ( إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ** له عن عدو في ثياب صديق )
    ثم قال
    قلت في الزهد ستة عشر ألف بيت وددت أن أبا نواس له ثلثها بهذه الأبيات وهذه الأبيات لأبي نواس وأولها
    ( ألا رب وجه في التراب عتيق ** ويا رب حسن في التراب رقيق )
    ( ويا رب حزم في التراب ونجدة ** ويا رب رأي في التراب وثيق )
    ( فقل للقريب اليوم إنك راحل ** إلى منزل داني المحل سحيق )
    ( وما الناس إلا هالك وابن هالك ** وذو نسب في الهالكين عريق )
    ( إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ** له عن عدو في ثياب صديق )
    والمأمون يقول رأيه فيه
    كان المأمون يقول
    لو سئلت الدنيا عن نفسها فنطقت لما وصفت نفسها كما وصفها أبو نواس في قوله
    ( إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ** له عن عدو في ثياب صديق )
    وكان أبو نواس يقول لو أن شعري يملأ الفم ما تقدمني أحد
    قال أبو حاتم
    كانت المعاني مدفونة حتى أثارها أبو نواس
    وقال المكي
    ما زالت المعاني مكنوزة في الأرض حتى جاء أبو نواس فاستخرجها
    قال احمد بن يوسف الكاتب
    كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون وهو مستلق على قفاه فقال لعبد الله بن طاهر يا أبا العباس من اشعر الناس في خلافة بني هاشم فقال أمير المؤمنين أعلى عينا واعرف بهذا فقال على ذلك فقل وتكلم أنت أيضا يا احمد بن يوسف فقال عبد الله بن طاهر أشعرهم الذي يقول
    ( ويا قبر معن كنت أول حفرة ** من الأرض خطت للسماحة موضعا )
    قال فقلت بل أشعرهم الذي يقول
    ( أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ** إذ كان حظي منك حظي منهم )
    فقال المأمون يا احمد أبيت إلا غزلا أين انتم عن الذي يقول
    ( يا شفيق النفس من حكم ** نمت عن ليلى ولم أنم )
    فقلنا صدقت يا أمير المؤمنين
    ورد على العتابي بحلب عدة من الكتاب من أهل قنسرين فدخلوا وسلموا وكان في يده رقعة ينظر إليها فقال لهم لقد سلك صاحب هذه الرقعة واديا ما سلكه أحد قبله لله دره فنظروا فإذا هو شعر ابي نواس
    ( ربع الكرى بين الجفون محيل ** عفى عليه بكا عليك طويل )
    ( يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ** حتى تشحط بينهن قتيل )
    ( أحللت من قلبي هواك محلة ** ما حلها المشروب والمأكول )
    ( بكمال صورتك التي من دونها ** يتحير التشبيه والتمثيل )
    اجتمع أبو نواس وأبو العتاهية يوما عند إسحاق بن إبراهيم بن ميمون وكل واحد منهما لا يعرف صاحبه قال إسحاق فأخبرت أبا العتاهية بمكان أبي نواس فسلم عليه واستنشده وقال كنت أحب أن أراك فجعل أبو نواس ينشده من سفساف شعره فلما رأى ذلك أبو العتاهية اندفع فأنشده من غير أن يسأله فقال أبو نواس هذا والله المطمع الممتنع فقال أبو العتاهية هذا القول خير من كل ما أنشدت اليوم ثم قال كيف قلت في اعتذارك إلى الرشيد أو قال إلى الفضل بن الربيع قال فأنشده الشعر الذي يقول فيه
    ( ما من يد في الناس واحدة ** كيد أبو العباس مولاها )
    ( قد كنت خفتك ثم أمنني ** من أن أخافك خوفك الله )
    فقال أبو العتاهية ما عليك ألا تقول بعد هذا شيئا قد كنت والله أحب أن أكون قد سبقتك إليه
    قال عبد الله بن سلمة بن عياش
    كنت أسير في طريق أصبهان فإذا أنا برجل عليه فرو جالس إلى عين في المنزل فقال لي ممن الرجل قلت من أهل البصرة قال أنشدني

    لأبي نواسكم شيئا فإنه لو كشف استه
    ومضى بين الناس كان أحسن من قوله
    ( وجه جنان سراة بستان ** جمع فيه كل ألوان )
    قلت فأنشدك له قال هات فأنشدته
    ( متتاية بجماله صلف ** ما يستطاع كلامه تيها )
    ( للحسن في وجناته بدع ** ما إن يمل الدرس قاريها )
    ( لو كانت الأشياء تعقله ** أجللنه إجلال باريها )
    ( أو تسطيع الأرض لا نقبضت ** حتى يصير جميعه فيها )
    قال أنشدني غير هذا فأنشدته
    ( إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ** إلى نداك فقاستة بما فيها )
    ( حتى تهم بإقلاع فيمنعها ** خوف من السخط من إجلال منشيها )
    قال أحسن وأجاد قلت من أنت قال كلثوم بن عمرو العتابي قلت أنشدني من شعرك فأنشدني
    ( طمع النفوس مطية الفقر ** ولباسها أدنى من الوفر )
    ( اصبر إذا بدهتك نازلة ** ما عال منقطع إلى الصبر )
    ( الصبر أمثل ما آعتصمت به ** ولنعم حشو جوانح الصدر )
    ويقال إن هذا الحديث مصنوع لأن هذا الشعر ليس من شعر العتابي في شيء وإنما هو لمخلد الطائي وإن الذي أنشد من شعر أبي نواس ليس بأجود شعره ولا مختاره الكلابي يتنشد بعض شعره
    قال محمد بن صالح بن بيهس الكلابي
    لما دخلت العراق صرت إلى مدينة السلام فسألت عمن بها من الشعراء المحسنين وذلك في أيام خلافة الأمين أو عند قتله قبل دخول المأمون بيسير فقيل لي قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يقال له الحسن بن هانئ ويعرف بابي نواس وقد كنت سمعت شيئا من شعره فأتاني فتى كان يألفني من أهل الأدب فقلت له هل تروي لأبي نواسكم هذا شيئا قال نعم أروي له أبياتا في الزهد وليس هو من طريقه فقلت أنشدنيها فأنشدني
    ( أخي ما بال قلبك ليس ينقى ** كأنك لا تظن الموت حقا )
    ( ألا يا بن الذين فنوا وبادوا ** أما والله ما ذهبوا لتبقى )
    ( وما للنفس عندك من مقام ** إذا ما استكملت أجلا ورزقا )
    ( وما أحد بزادك منك أحظى ** ولا أحد بذنبك منك أشقى )
    ( ولا لك غير تقوى الله زاد ** إذا جعلت إلى اللهوات ترقى )
    فقلت له أحسن والله قال أفلا أنشدك أحسن من هذا فقلت بلى فأنشدني
    ( طوى الموت ما بيني وبين محمد ** وليس لما تطوي المنية ناشر )
    ( ولا وصل إلا عبرة تستديمها ** أحاديث نفس مالها الدهر ذاكر )
    ( لئن عمرت دور بمن لا تحبه ** لقد عمرت ممن تحب المقابر )
    ( وكنت عليه أحذر الموت وحده ** فلم يبق لي شيء عليه أحاذر )
    قال قلت بحق ما غلب هذا على أهل الأدب وقدموه على غيره
    قال أبو مخلد
    جاء أبو العتاهية إلى عندي فقال لي إن أبا نواس لا يخالفك وقد أحببت أن تسأله ألا يقول في الزهد شيئا فإني قد تركت له المديح والهجاء والخمر والرقيق وما قالت فيه الشعراء والزهد سوقي فبعثت إلى أبي نواس فجاء وأخذنا في شأننا وأبو العتاهية لا يشرب النبيذ فقلت لأبي نواس إن أبا إسحاق من قد عرفت في جلالته وتقدمه وقد أحب أنك لا تقول في الزهد شيئا فوجم وقال يا أبا مخلد قطعت علي ما كنت أحب أن أبلغه من هذا ولقد كنت على عزم أن أقول فيه ما أتوب به كل خليع وقد فعلت ولا أخالف أبا إسحاق فيما رغب إليه
    قال محمد بن جعفر الأحمر
    كنا عند أبي نعيم فتذاكرنا قول عائشة حين ذكرت شعر لبيد يرثي أخاه أربد
    ( ذهب الذين يعاش في أكنافهم ** وبقيت في خلف كجلد الأجرب )
    قال
    ولقد أنشدني أبو نعيم أبياتا قلنا فأنشدناها فقال
    ( ذهب الناس فاستقلوا وصرنا ** خلفا في أراذل النسناس )
    ( في أناس نعدهم من عديد ** فإذا فتشوا فليسوا بناس )
    ( كلما جئت أبتغي الفضل منهم ** بدروني قبل السؤال بياس )
    ( وبكوا لي حتى تمنيت أني ** مفلت عند ذاك رأسا براس )
    ثم قال لنا أتدرون لمن الشعر قلنا لا قال للحسن بن هانئ الحسن بن هانئ مقدم عند البصريين
    قال أبو عبد الرحمن الضرير
    رأيت مسلم بن الوليد بجرجان وهو يتولاها مقدمي من مدينة السلام فسألني عمن خلفت بها من الشعراء فقلت له خلفت بها كوفيا وبصريا أما من الكوفيين فأبو العتاهية وهو مقدم عندهم فقال ويحك كيف يتقدم وهو يقول
    ( رويدك يا إنسان لا أنت تقفز ** )
    أرأيت تقفز خرجت من بين فكي شاعر محسن قط قلت وأما من البصريين فالحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس فإنه مقدم عندهم في فنون الشعر فقال ويلك وكيف يكون ذلك وهو يحيل ويتخطى في صفة المخلوق إلى صفة الخالق قلت مثل ماذا من قوله قال أما فيما أحال فكقوله
    ( وأخفت أهل الشرك حتى إنه ** لتخافك النطف التي لم تخلق )
    وهذا من الاغراق المستحيل في العقول ومما ليس على مذهب القوم وأما في تخطيه بصفة المخلوق إلى صفة الخالق فهو كقوله
    ( يجل أن تلحق الصفات به ** فكل خلق لخلقه مثل )
    وكقوله
    ( بريء من الأشباه ليس له مثل ** )
    لقي العتابي أبا نواس فقال له
    يا أبا علي أما خفت الله حيث تقول
    ( وأخفت أهل الشرك حتى إنه ** لتخافك النطف التي لم تخلق )
    فقال أبو نواس أما خفت أنت الله حيث تقول
    ( ما زلت في غمرات الموت مطرحا ** يضيق عني وسيع الرأي من حيلي )
    ( فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ** حتى اختلست حياتي من يدي أجلي )
    فقال العتابي قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك ولكنك قد أعددت لكل قائل جوابا ما قيل عن أبي نواس وما استجيد له
    ومما قيل عن أبي نواس
    إن الشعر إنما هو بين المدح والهجاء وأبو نواس لا يحسنهما وأجود شعره في الخمر والطرد وأحسن ما فيهما مأخوذ ليس له وإنما سرقة وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه فلا يحسن أن يقفي عليه حتى يجيء به قبيحا مثل قوله
    ( ودواني بالتي كانت هي الداء ** )
    أخذه من قول الأعشى
    ( وأخرى تداويت منها بها ** )
    والذي أخذ منه أحسن مما قال
    ومنه ايضا قوله
    ( كان الشباب مطية الجهل ** )
    أخذه من قول النابغة
    ( فإن مطية الجهل الشباب ** )
    وقوله
    ( كطلعة الأشمط من جلبابه ** )
    فإنه أخذه من قول ابي النجم
    ( كطلعة الأشمط من كسائه ** )
    ولكنه رزق في شعره أن سار وحمله الناس وقدمه أهل مصره وإن له على ذلك لاشياء حسانا لا يدفعها ولا يطرحها إلا جاهل بالكلام أو حاسد
    وان مما استجيد له قوله
    ( وما الناس إلا هالك وابن هالك ** وذو نسب في الهالكين عريق )
    وقوله في الخمر
    ( صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ** لو مسها حجر مسته سراء )
    وقوله أيضا
    ( إذا عب فيها شارب القوم خلته ** يقبل في داج من الليل كوكبا )
    قال أبو عبد الله احمد بن صالح بن ابي فنن
    كان أبو بحر عبد الرحمن بن ابي الهداد شاعرا مجيدا وكان لا يكاد يقول شيئا الا نسب لأبي نواس وكذلك الحسين بن الضحاك وقد غلب على كثير من شعرهما
    فمما هو لأبي بحر وقد نسب إلى ابي نواس
    ( وشاطر ماجن الشمائل قد ** خالط منه المجون تخنيثا )
    ( تراه طورا مذكرا فإذا ** عاقر راحا رأيت تأنيثا )
    ( يميل للمشي في معصفرة ** يحكي لنا الجلنار والتوثا )
    ( أغر يحكي بحسن منطقه ** درا بقطع الجمان مبثوثا )
    ( خص بردف كأن مئزره ** على ركام من النقا ليثا )
    ( ألثغ إن قلت يا فديتك قل ** موسى يقل في رطانة موثى )
    ( ما زال حتى الصباح معتنقي ** مطارحي في الدجى الأحاديثا )
    قال أبو عبد الله أنشدنيها أبو بحر لنفسه فقلت له إنهم يزعمون أنها لأبي نواس فقال لي فأبو نواس بيني وبينك فوالله لقد غلبني على غير شعر وما يدعيه ولكنه قد حظي أن ينسب إليه كل إجادة وملاحة أبو نواس ومسلم يتلاحيان على نبيذ
    اجتمع أبو نواس ومسلم في مجلس فتلاحيا على نبيذ فقال مسلم لأبي نواس والله ما تحسن الأوصاف فقال لا والله ما أحسن أن أقول
    ( سلت فسلت ثم سل سليلها ** فأتى سليل سليلها مسلولا )
    والله لو رجمت الناس في الطرق لكان أحسن من هذا
    قال أبو عبد الله الحسن بن المنذر كنت وأبو نواس في منزل صديق لي فوقعت مني عربدة فأخذ بيدي وأخرجني إلى منزله على نهر الدجاج قال فدخلت فإذا في جوانب البيت على كل حائط سطر ممدود قال ودخل معنا غلام من أبناء التجار جاء ليكتب من شعره فقرأت أنا والغلام الكتاب فإذا في صدر البيت
    ( أما المكاس فشيء لست أعرفه ** والحمد لله في نيك وفي راح )
    وثاني هذا البيت
    ( هاتيك أنفي بها همي وذا أملي ** فلست عن ذا ولا عن تلك بالصاحي )
    وفي جانب البيت الأيمن
    ( من دخل البيت فهو آمن ** من كل شيء ما خلا النيكا )
    وثاني هذا البيت
    ( فقال قد جئنا على خبرة ** فقلت لبيك وسعديكا )
    وفي الجانب الآخر
    ( خلعت العذار وألقيته ** فلم يبق في الرأس إلا الرسن )
    قال فقلت للغلام ألق علي نفسك بما قد قرأت فأعطى بيده وقضى حاجتي قصيدته الرائية في مدح الفضل بن الربيع
    ولأبي نواس يمدح الفضل بن الربيع
    ( وبلدة فيها زور ** صعراء تخطى في صعر )
    ( مرت إذا الذئب اقتفر ** بها من القوم أثر )
    ( كان له من الجزر ** كل جنين ما اشتكر )
    ( ولا تعلاه شعر ** ميت النسا حي الشفر )
    ( عسفتها على خطر ** وغرر من الغرر )
    ( ببازل حين فطر ** تهزه جن الأشر )
    ( لا متشك من سدر ** ولا قريب من خور )
    ( كأنه بعد الضمر ** وبعد ما جال الضفر )
    ( وامح ني فحسر ** جأب رباعي المتغر )
    ( يحدو بحقب كالأكر ** ترمي بأثباج القصر )
    ( منهن توشيم الجدر ** رعين أبكار الخضر )
    ( شهري ربيع وصفر ** حتى إذا الفحل جفر )
    ( وشبه السفا الإبر ** ونش إذخار النقر )
    ( قلن له ما تأتمر ** وهن إذ قلن أشر )
    ( غير عواص ما أمر ** كأنها لمن نظر )
    ( ركب يشيمون مطر ** حتى إذا الظل قصر )
    ( يممن من جنبي هجر ** أخضر طمام العكر )
    ( وبين أحقاف القتر ** سار وليس لسمر )
    ( ولا تلاوات السور ** يمسح مرنانا يسر )
    ( زمت بمشزور المرر ** لام كحلقوم النغر )
    ( حتى إذا اصطف السطر ** أهدى لها لو لم يجر )
    ( دهياء يحدوها القدر ** فتلك عنسى لم تذر )
    ( شبها إذا الال مهر ** إليك كلفنا السفر )
    ( خوصا يجاذين الجرر ** قد انطوت منها السرر )
    ( طي القراري الحبر ** لم يتقعدها الطير )
    ( ولا السنيح المزدجر ** يا فضل للقوم البطر )
    ( إذ ليس في الناس عصر ** ولا من الخوف وزر )
    ( ونزلت إحدى الكبر ** وقيل صماء الغير )
    ( فالناس أبناء الحدر ** فرجت هاتيك الغمر )
    ( عنا وقد صابت بقر ** كالشمس في شخص بشر )
    ( أعلى مجاريك الخطر ** أبوك جلى عن مضر )
    ( يوم الرواق المحتضر ** والخوف يقري ويذر )
    ( لما رأى الأمر اقمطر ** قام كريما فانتصر )
    ( كهزة العضب الذكر ** ما مس من شيء هبر )
    ( وأنت تقتاف الأثر ** من ذي حجول وغرر )
    ( معيد ورد وصدر ** وإن علا الأمر اقتدر )
    ( فأين أصحاب الغمر ** إذ شربوا كأس المقر )
    ( وقسروا فيمن قسر ** هيهات لا يخفى القمر )
    ( أصحرت إذ دبوا الخمر ** شكرا وحر من شكر )
    ( فالله يعطيك الشبر ** وفي أعاديك الظفر )
    ( والله من شاء نصر ** وأنت إن خفنا الحصر )
    ( وهر دهر وكشر ** عن ناجذيه وبسر )
    ( أغنيت ما أغنى المطر ** وفيك أخلاق اليسر )
    ( فإن أبوا إلا العسر ** أمررت حبلا فاستمر )
    ( حتى ترى تيك الزمر ** تهوى لأذقان الثغر )
    ( من جذب ألوى لو نتر ** إليه طودا لانأطر )
    ( صعبا إذا لاقى أبر ** وإن هفا القوم وقر )
    ( أو رهبوا الأمر جسر ** ثم تسامى ففغر )
    ( عن شقشق ثم هدر ** ثم تفاجى فخطر )
    ( بذي سبيب وعذر ** يمصع أعراف الوبر )
    ( هل لك والهل خير ** فيمن إذا غبت حضر )
    ( أو نالك القوم ثأر ** وإن رأى خيرا شكر )
    ( أو كان تقصير عذر ** )
    وقال في آل الربيع وأجاد
    ( ساد الملوك ثلاثة ما منهم ** إن حصلوا إلا أغر قريع )
    ( ساد الربيع وساد فضل بعده ** وعلت بعباس الكريم فروع )
    ( عباس عباس إذا احتدم الوغي ** والفضل فضل والربيع ربيع )
    وقال يمتدح الفضل بن الربيع لما قدم بغداد على محمد بالأموال والقضيب والخاتم وقد مات الرشيد وقد اشتد فرح الأمين وقربه وألطفه وقلده الامور وفوض إليه ما وراء بابه فهو الذي يولي ويعزل ويحل ويعقد عن محمد واحتجب فلم يكن يقعد إلا في الفينة
    ( لعمرك ما غاب الأمين محمد ** عن الأمر يعنيه إذا شهد الفضل )
    ( ولولا مواريث الخلافة أنها ** له دونه ما كان بينهما فضل )
    ( فإن كانت الأجساد منهم تباينت ** فقولهما قول وفعلهما فعل )
    ( أتى الفضل للدنيا وللدين جامعا ** كما السهم فيه الريش والفوق والنصل )
    ومن شعره في مناسبات مختلفة
    وله
    ( من كان تعجبه الأنثى ويعجبها ** من الرجال فإني شفني الذكر )
    ( فوق الخماسي لما طر شاربه ** رخص البنان خلا من جلده الشعر )
    ( لم يجف من كبر عما يراد به ** من الأمور ولا أزرى به صغر )
    وقال
    ( ل قلب ويحك جد منك ذا الكلف ** ومن كلفت به جاف كما تصف )
    ( وكان في الحق أن يهواك مجتهدا ** كذاك خبر منا الغابر السلف )
    ( قل للمليح أما تروي الحديث بما ** خالفت فيه وقد جاءت به الصحف )
    ( إن القلوب لأجناد مجندة ** لله في الأرض بالأهواء تختلف )
    ( فما تعارف منها فهو مؤتلف ** وما تناكر منها فهو مختلف )
    وقال
    ( مر بنا والعيون ترمقه ** تجرح منه مواضع القبل )
    ( أفرغ في قالب الجمال فما ** يصلح إلا لذلك العمل )
    وقال ملغزا في طريف ويروي لعبد الله بن طاهر
    ( اسم من أهواه إسم حسن ** فإذا صحفته فهو حسن )
    ( وإذا أسقطت منه فاءه ** صار معنى لهواه المختزن )
    ( وإذا أسقطت منه ياءه ** صار فيه بعض أسباب الفتن )
    ( وإذا ألقيت منه راءه ** صار شيئا يعتري عند الوسن )
    ( وإذا ألقيت عنه طاءه ** صار فيه عيش سكان المدن )
    ( فسروا هذا ولن يعرفه ** غير من يسبح في بحر الفطن )
    وقال
    ( رسولي قال أوصلت الكتابا ** فما ردوا عليك له جوابا )
    ( فقلت أليس قد قرؤوا كتابي ** فقال بلي فقلت الان طابا )
    ( فأرجو أن يكون هم جوابي ** بلا شك إذا عرفوا الخطابا )
    ( أجد لك المنى يا قلب كيلا ** تموت علي غما واكتئابا )
    وقال متغزلا في رحمة بن نجاح
    ( إذا ابتهلت سألت الله رحمته ** كنيت عنك وما يعدوك إضماري )
    ( أحببت من شعر بشار لحبكم ** بيتا لهجت به من شعر بشار )
    ( يا رحمة الله حلي في منازلنا ** وجاورينا فدتك النفس من جار )
    وقال
    ( للطمة يلطمني أمرد ** تأخذ مني العين والفكا )
    ( أطيب من تفاحة من يدي ** ذي لحية قد حشيت مسكا )
    وقال وقد أفطر يوما من شهر رمضان وشرب ولاط وزنا فعذله إخوانه في ذلك
    ( دع عنك ما جدوا به وتبطل ** وإذا لقيت أخا الحقيقة فاهزل )
    ( لا تركبن من الذنوب صغيرها ** واعمد إذ قارفتها للأنبل )
    ( وخطيئة تغلو على مستامها ** يأتيك آخرها بطعم الأول )
    ( ليست من اللاتي يقول لها الفتى ** عند التذكر ليتني لم أفعل )
    ( حللت لا حرجا علي حرامها ** ولربما حللت غير محلل )
    وقال
    ( أزاحمه إذا صلى ** لتمسح رجله رجلي )
    ( وأطلب تحته نعلي ** وما إن تحته نعلي )
    ( فهل أحد بما جمشت ** جمش شادنا قبلي )
    وله
    ( ومستعبد إخوانه بثرائه ** لبست له كبرا أبر على الكبر )
    ( إذا ضمني يوما وإياه محفل ** رأى جانبي وعرا يزيد على الوعر )
    ( أخالفه في شكله وأجره ** على المنطق المنزور والنظر الشزر )
    ( وقد زادني تيها على الناس أنني ** أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر )
    ( فوالله لا يبدي لساني لجاجة ** إلى أحد حتى أغيب في قبري )
    ( فلا يطمعن في ذاك مني طامع ** ولا صاحب التاج المحجب في القصر )
    ( فلو لم أرث فخرا لكانت صيانتي ** فمي عن سؤال الناس حسبي من الفخر )
    وقال
    ( يا من جفاني وملا ** نسيت أهلا وسهلا )
    ( ومات مرحب لما ** رأيت مالي قلا )
    ( إني أظنك تحكي ** فيما فعلت القرلي )
    ( تلقاه في الشر ينأى ** وفي الرخا يتدلى )
    القرلي مولي كان لحمير وكان لا يسمع بأحد يأخذ شيئا إلا جاء إليه وداخله ولا يتخلف عن طعام لأحد وإذا سمع بخصومة لم يقرب ذلك الطريق ضرب به المثل حتى قيل لطير من طيور الماء يرف عليه القرلي
    وقال يخاطب أبان بن عبد الحميد اللاحقي قبل أن يتهاجيا
    ( أبان نكب عن عداوتنا ** لك غير قرع صفاتنا لهو )
    ( إني نذيرك أن تصير لي ** شغلا هجاءك إنني خلو )
    وقال
    ( أخي ما بال قلبك ليس ينقي ** كأنك لا تظن الموت حقا )
    ( ألا يا بن الذين فنوا وبادوا ** أما والله ما ماتوا لتبقى )
    ( وما للنفس عندك من مقام ** إذا ما استكملت أجلا ورزقا )
    ( وما لك غير ما قدمت زاد ** إذا جعلت إلى اللهوات ترقى )
    ( وما أحد بزادك منك أحظى ** ولا أحد بذنبك منك أشقى )
    وقال
    ( ومستطيل على الصهباء باكرها ** في عصبة باصطباح الراح حذاق )
    ( فكل كف رآها ظنها قدحا ** وكل شخص رآه ظنه الساقي )
    ( حتى حساها فلم يلبث وما لبثت ** أن خر ميتا صريعا ما له واقي )
    وقال
    ( ليس لي في الحر حاجه ** نيكه عندي لجاجه )
    ( ما يريد الحر إلا ** كل ذي فقر وحاجه )
    ( أدخلوا بالله يا قوم ** مكان الأير ساجه )
    ( وإذا نكتم فنيكوا ** أمردا في لون عاجه )
    ولما عمل أبو نواس قصيدته
    ( ومستعبد إخوانه بثرائه ** ) الأمين لأبي نواس يا ابن اللخناء
    بلغت الأمين فبعث إليه وعنده سليمان بن ابي جعفر فلما دخل عليه قال له يا عاض بظر أمه العاهرة ويا مدعي ولاء حاء وحكم أتدرى يا ابن اللخناء من تواليت والى من ادعيت إلى الام قبيلتين في اليمن علوج باغين أنت تكتسب بشعرك أوساخ أيدي الناس اللئام وتقول
    ( ولا صاحب التاج المحجب في القصر ** )
    أما والله لا نلت مني شيئا ابدا فقال له سليمان بن أبي جعفر إي والله ثم هو مع هذا من كبار الثنوية وكان يرمي بذلك فقال محمد هل يشهد عليه شاهد بشيء فأتاه سليمان بعدة نفر فشهدوا عليه انه شرب في يوم مطير فوضع قدحه تحت السماء في المطر فوقع فيه المطر فقالوا ما تصنع ويحك قال أنتم تزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ملك فكم تراني أشرب الساعة من الملائكة ثم شرب ما في القدح فغضب محمد وأمر به إلى السجن فذلك قول أبي نواس
    ( يا رب إن القوم قد ظلموني ** وبلا اقتراف تعطل حبسوني )
    ( وإلى الجحود بما عرفت خلافه ** ربي إليه بكذبهم نسبوني )
    ( ما كان إلا الجري في ميدانهم ** في كل خزي والمجانة ديني )
    ( لا العذر يقبل لي فيفرق شاهدي ** منهم ولا يرضون حلف يميني )
    ( ولكان كوثر كان أولى محبسا ** في دار منقصة ومنزل هون )
    ( أما الأمين فلست أرجو دفعه ** عني فمن لي اليوم بالمأمون )
    فبلغت أبياته المأمون فقال والله لئن لحقته لاغنينه غنى لا يؤمله فمات قبل دخول المأمون بغداد أبو نواس والسجستاني
    كنت وأنا غلام في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة فبينا أنا كذلك إذ دخل أبو نواس فجاء حتى جلس إلي وجعل يعبث بي وينشدني الشعر فقلت اللهم خلصني منه ومن يديه كيف شئت قال فدخل غلام ثقفي من أجمل الناس فلما بصر به قال ها هنا ها هنا فتحلحل عن مكانه فاجلسه بيني وبينه وجعل يحدثه وينشده إلى أن أقاموا الصلاة فالتفت إلى وقال اسمع
    ( أتيح لي يا سهل مستظرف ** تسحر عيني عينه الساحره )
    ثم التفت إليه وقد قام الغلام فنظر إلى مؤخره وهو أرسح فقال
    ( ما شئت من دنيا ولكنه ** منافق ليست له آخره )
    قال فقلت له على عمد قد سمعت هذا الشعر منك مرة فقال والله ما قلته إلا الساعة
    قال سليمان بن أبي سهل دعوت أبا نواس يوما وكان عندي غلام قد ربيته عجيب الحسن وهو يسقينا يومئذ فوضع أبو نواس عينه عليه فما زال يعبث به ثم قال أحب أن تهبه لي فإنه ما دام في ملكك لن اعرض له فقلت له ويحك صبي قد ربيته وهو عندي مثل ولدي كيف أفارقه قال والله لا بد منه فقد فتنتني عيناه قلت انظر في ذلك فلم يزل يشرب إلى أن أخذت منه الأقداح مأخذها فأراد الانصراف فقال انصرف وقد سألتك حاجة فلم تقضها لي فتذممت منه أن يسأل حاجة وارده عنها وخفت مع ذلك لسانه فإنه لم يكن يبالي ما قال فقلت له صفة بديها فإن أجدت وصفه واستحسنته فخذ بيده وانصرف فكأنه والله كان قد علم ما أردت من قبل أن أقول فهيأ له شعرا وقال على المكان اسمع وأنشد
    ( وغرير الشباب محتبك الحسن ** علي جيده مناط التميم )
    ( قد غذاه النعيم فاحمررت الوجنة ** منه على فساد الحلوم )
    ( فهو عف الجفون في النظر العمد ** حذارا على فؤاد النديم )
    ( يتثنى إذا مشى فهو لدن ** في اعتدال بجودة التقويم )
    ( أندبت كفه الزجاجة وهنا ** فهي فيها جراح تلك الكلوم )
    ( فهو الراحل المطي إلينا ** من أباريق قهوة الخرطوم )
    ( بنت دهر أباحها كرم الجوهر ** منه ورقة في الأديم )
    ( تلحق الظبي والظليم من الجري ** وتزري بكربة المغموم )
    ثم قال من لا يعجبه هذا الوصف فأمه زانية وأم من يرجع في هبته زانية واخذ بيده الغلام وخرج فلم اقدر أن أكلمه بنطقة الأمين يصطبح وأبو نواس في مجلسه
    كان محمد الأمين شديد المحبة للشراب فاصطبح يوما مع ندمائه وابو نواس عنده فقال محمد نشرب اليوم كلنا لننظر أينا أجود شربا ولأجود القوم شربا حكمه فلم يزالوا يشربون إلى نصف الليل ثم هوم القوم سكرا وبقي محمد وأبو نواس وكوثر يشربون ثم قام محمد وكوثر وبقي أبو نواس وحده فلما لم ير له مساعدا أغفى غفوة ثم انتبه ووضع الشراب بين يديه ثم قام إلى الندماء يحرك واحدا واحدا ليشرب معه فوجدهم موتى لا حراك بهم فقال ليس لي إلا محمد فجاء إلى مرقده فصاح يا سيدي يا أمير المؤمنين ليس هذا من الإنصاف نحن نشرب وأنت نائم فانتبه وقعد يشرب معه فقال له محمد ويلك ألست أنت من الناس لا تنام مع من قد شربت فقال له يا سيدي لذة الشراب تقوم مقام لذة النوم فشربا باقي ليلتهما ثم أراد محمد أن ينام بعد أن اصبح سكرا فقال أبو نواس يا سيدي على رسلك ثم قال
    ( وندمان يرى غبنا عليه ** بأن يلفى وليس به انتشاء )
    ( إذا ناديته من نوم سكر ** كفاه مرة منك النداء )
    ( فليس بقائل لك إيه دعني ** ولا مستخبر لك ما تشاء )
    ( ولكن سقني ويقول أيضا ** عليك الصرف إن اعياك ماء )
    ( إذا ما أدركته الظهر صلى ** ولا عصر عليه ولا عشاء )
    ( يصلي هذه في وقت هذي ** فكل صلاته أبدا قضاء )
    ( وذاك محمد تفديه نفسي ** وحق له وقل له الفداء )
    فقال محمد أحسنت والله يا كوثر أعطه بحياتي لكل بيت ألف درهم فقال أبو نواس هذا حق الأبيات فأين حقي عليكم في الشرب قال قل ما شئت قال مثل حق الأبيات قال وتعمل ماذا قال يا سيدي أبكر في هذه الغداة الطيبة إلى الفرك فإني قد هجرتها منذ أيام فاتنزه وأشرب وافسق وأرجع قال يا كوثر أعطه لا بارك الله له شعره في بعض الغلمان
    نظر أبو نواس إلى غلام قد ابتدأ عارضه فقال
    ( بدا الشعر في خديه فازددت صبوة ** إليه ولم يهدا الجوى والتشوق )
    ( وأحسن ما كان القضيب نضارة ** إلى العين في أزمانه حين يورق )
    وقال
    ( أنضيت أحرف لا مما لهجت بها ** فحولي رحلها عنها إلى نعم )
    ( أو حوليها إلى ما فهي تعدلها ** إن كنت حاولت في لا قلة الكلم )
    ( قستم علينا فحاولنا قياسكم ** بمن تباعد عن جود وعن كرم )
    ( ولست تفديكم نفسي أحملكم ** ثقلي بعين ولا كف ولا قدم )
    قال يوسف بن الداية
    نظر أبو نواس إلى غلام مقنع قد اخرج فرد عين وإذا هو احسن الناس في تلك الهيئة فمازحه فرآه ظريفا حلو النغمة فقال لي عليك به فتأملت وجهه فإذا في عينه كوكب فقلت له يا ويلك أنت أعمى تتعشق العميان أما ترى الكوكب في عينه اعظم من كوكب الذنب فأراد أن ينصر هواه وخطأه ويغايظني فقال
    ( أحور المقلة من غير دعج ** لو عداه عور العين سمج )
    ( تحسب النكتة في ناظره ** درة بيضاء في فص سبج )
    فقلت قاتلك الله حببت والله بشعرك وظرفك العور إلى البشر
    قال الجماز
    أنشدني أبو نواس
    ( يا واضعا بيض القطا ** تحت الزمامج للفراخ )
    ( لو أيقنت ما تحتها ** لم تأل من نقر السماخ )
    ( يا غارسا بيمينه ** شجر الحفاظ على السباخ )
    ( فسد الخلائق كلهم ** فانظر لنفسك من تؤاخي )

    أبو نواس في ضيافة عيسى بن المنصور
    عزم عيسى بن أبي جعفر المنصور على أبي نواس أن يقيم معه بالقفص أسبوعا وحمله وخلع عليه ووصله فلما أقاموا الأسبوع وأرادوا الانصراف قال له بحياتي عليك صف مجلسنا هذه الأيام كلها التي أقمناها فأنشأ يقول
    ( يا طيبنا بقصور القفص مشرقة ** فيها الدساكر والأنهار تطرد )
    ( لما أخذنا بها الصهباء صافية ** كأنها النار وسط الكأس تتقد )
    ( جاءتك من بيت خمار بطينتها ** صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد )
    ( فقام كالغصن قد شدت قراطقه ** ظبي يكاد من التهييف ينعقد )
    ( فاستلها من فم الإبريق فانبعثت ** مثل اللسان جرى واستمسك الجسد )
    ( فلم نزل في صباح السبت نأخذها ** والليل أجمعه حتى بدا الأحد )
    ( ثم ابتدأنا كلانا اللهو من أمم ** في نعمة غاب عنها الضيق والنكد )
    ( حتى بدت غرة الإثنين واضحة ** والسعد معترض والطالع الأسد )
    ( وفي الثلاثاء اعملنا المطي بها ** صهباء ما قرعتها بالمزاج يد )
    ( والأربعاء كسرنا حد شرته ** والكأس يضحك في تيجانها الزبد )
    ( ثم الخميس وصلناه بليلته ** قصفا وتم لنا بالجمعة العدد )
    ( يا حسننا وبحار القصف تغمرنا ** في لجة الليل والأوتار تغترد )
    ( في مجلس حوله الأشجار محدقة ** وفي جوانبه الأنهار تطرد )
    ( لا نستخف بساقينا لغرته ** ولا يرد عليه حكمه أحد )
    ( عند الأمير أبي عيسى الذي كملت ** أخلاقه فهي كالأوراق تنتقد )
    قدم على أبي نواس أهله من البصرة يعذلونه على فعله ويقولون له يا هذا إنه قد نفد عمرك وساء عملك فلو تزوجت امرأة من أهل بيتك رجونا أن تقصر عن بعض ما أنت فيه فأبى عليهم فما زالوا به حتى زوجوه جارية جميلة من أهل بيته فلما دخل بها أعرض عنها وخرج إلى غلمان كانوا يأتونه فجمعهم وألبسهم الازر المعصفرة وخلى بهم يومه فلما أمسى طلقها وأنشأ يقول
    ( صاحبة القرقر قومي ارحلي ** تنقبي صاغرة واذهبي )
    ( مري فكم مثلك من حرة ** رائقة لم تك من مطلبي )
    ( لا أبتغي بالطمث مطمومة ** ولا أبيع الظبي بالأرنب )
    ( لا أدخل الجحر يدي طائعا ** أخشى من الحية والعقرب )
    وروي أنه لم يتزوجها وأنهم دسوا إليه امرأة وقالوا لها كلميه فجعلت تقول قد وجدت لك امرأة جميلة موسرة ولها دار سرية كبيرة تجعلها لك فقال ويحك لست أنت أدعى إلى الرشد من الله عز وجل وقد دعاني إليه وأبيت وليست المرأة التي تصفينها بأحسن من الحور العين ولا الدار التي تذكرينها بأحسن من الجنة وكل هذا قد بذله لي من هو أصدق منك إن ارعويت فلم أقبل فكيف أقبل منك أنت ثم قال
    ( أقول لها لما أتينى تدلني ** على امرأة موصوفة بجمال )
    ( أصبت لها يا أخت فحلا كما اشتهت ** إن اغتفرت مني ثلاث خصال )
    ( فمنهن فسق لا ينادى وليده ** ورقة إسلام وقلة مال )
    ( ولو أنها في الحسن كانت كيوسف ** وبلقيس أو كانت كخط مثال )
    ( وقالت تزوجني فمهري درهم ** لقلت اذهبي عني فمهرك غالي )
    فقال أهله والله لا أفلح هذا أبدا ويئسوا منه
    وقال أيضا في ذلك
    ( طمعت في قحبة ** رب راج مخيب )
    ( لست والله مدخلا ** إصبعي جحر عقرب )
    ( ابتغي لي مؤاجرا ** واذهبي أنت قحبي )
    روي أن صديقا لأبي نواس استأثر عليه بغلام واحتجب عنه فوقف على الباب وقال
    ( اتق الله ربكا ** لا تنيكن وحدكا )
    ( إن من ناك وحده ** كان في الله مشركا )
    فصاح به ادخل عليك لعنة الله
    ويقال إن هذه الحكاية كانت مع الأمين وأنه أهدي إليه مملوك فأخذ بيده إلى بعض المراقد وأن أبا نواس أنشده
    ( أتق الله ربكا ** لا تنيكن وحدكا ** )
    رافعا صوته فارتاع الأمين لذلك وهاله الصوت فخرج إليه وقال سمعت يا حسن ما سمعت قال وما ذلك يا أمير المؤمنين قال سمعت هاتفا يقول
    ( اتق الله ربكا ** )
    قال نعم يا أمير المؤمنين
    ( لا تنيكن حدكا )
    ( إن من ناك وحده ** كان في اللوم مثلكا )
    فقال له الأمين خذ بيده لا بارك الله لك فيه رواية عنه وهو في سجن الرشيد
    لما حبس الرشيد أبا نواس لشربه الخمر كان كثيرا ما يلعب الشطرنج والنرد في رحل رجل آخر معه في الحبس فجاءه أبو نواس يوما فوقف على بابه فسمع نفسا عاليا فتوهم أن عنده غلاما فوقف بالباب ينتظر فراغه فلما سكن نفسه دفع الباب ودخل فإذا ليس عنده أحد فعلم أنه يجلد عميرة فضحك وأنشأ يقول
    ( إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤها ** فأنكح خنيسا راحة ابنة ساعد )
    ( وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ** لها ساحة حفت بخمس ولائد )
    ( تعففة ما دام في السجن ثاويا ** ووما حالفته مصمتات الحدائد )
    ( فإن جرت الأقدار يوما بفرقة ** تبدل منها كل بيضاء ناهد ) أبو نواس وسهل بن نوبخت
    قال سهل بن أبي سهل بن نوبخت
    سألت أبا نواس أن يشرب عندي أياما متتابعة لا يمضي فيها إلى أحد فأجابني فأعددت ما أحتجنا إليه من سماع وغيره وأخذنا في الشرب فلما كان في آخر النهار وعمل فيه الشراب جعل يشكو وجده بجارية قد أحبها ويقول إنه ما تهنئه لذة بسببها فقلت له ويلك أتعشق النساء قد انتكست فقال لي بل هو ما قلت لك فقلت سمها لي وعرفني خبرها لاعاونك عليها وأعمل لك في أمرها فاستحيا مني وطوى عني شأنها وجعل يقول لست تعرفها ولا أعرف أنا اسمها فقلت له صف لي خلقها فعلي أقع عليها فأبي ثم أنشأ يقول
    ( كفاك ما مر على راسي ** من شادن قطع أنفاسي )
    ( أكثر ما أبلغ من وصفه ** تحدثي عن قلبه القاسي )
    ( أغار أن أنعت منه الذي ** ينعته الناس من الناس )
    ( ولم أر العشاق قبلي رأوا ** بوصف من يهوون من باس )
    ( كل أحاديثي سوى نعتها ** منكشف مني لجلاسي )
    ( لا حبذا الشركة في حبها ** وحبذا الشركة في الكاس )
    فلما رأيت أنه لا يحب أن يعلمني سكت عنه فلما كان في الليل سكر ونام ونام كل من عندنا فغفوت غفوة ثم انتبهت فإذا هو قاعد وحده فقلت أبا علي مالي أراك ساهرا لعله فكرة في ذلك الرجل قال إي والله ثم قال لي اسمع قلت هات فأنشدني
    ( رسم الكرى بين الجفون محيل ** عفى عليه بكا عليك طويل )
    ( يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ** حتى تشحط بينهن قتيل )
    ( أحللت من قلبي هواك محلة ** ما حلها المشروب والمأكول )
    ( بكمال صورتك التي في مثلها ** يتحير التشبيه والتمثيل )
    ( فوق القصيرة والطويلة فوقها ** دون السمين ودونها المهزول )
    فقلت له ذكرت قدها وأحسبني وقعت عليها فقال هيهات يؤيسني بذلك أن أعرفها وقد كنت أراه يحد النظر إلى جارية لبعض أهلنا يقال لها نرجس تجيئنا بالطرفة بعد الطرفة من عند مولاتها مرارا فقلت ما عنى غيرها ثم أمسكت فلما كان بالغد قلت للساقي حف عليه في السقي فحاف عليه فسكر سكرا ما رأيته قط سكر مثله فبينا هو في سكره إذ قال
    ( أحرف أربع سبين فؤادي ** لم أذق بعدهن طعم الرقاد )
    ( غير أني أحتال فيهن معنى ** وأعادي به جميع العباد )
    فاستيقنت أن نرجس صاحبته فوجهت إلى مولاتها أن تبيعنيها فوجهت إلي قد وهبتها لك فلما أفاق أبو نواس اصطبحنا فقلت له بعد أن شربنا أرطالا أتحب أن تشرب اليوم مع حبيبتك قال خذ فيما يكون قلت يا غلام أحضر ذلك الرجل فدخلت نرجس فلما رآها بهت ناظرا إليها فقلت لا تطول هي لك فضحك ثم قال وتملكها حتى تهبها لي قلت نعم البارحة وأنت سكران قلت كذا وكذا وتيقنت أنها طلبتك فأردت شراءها لك فوهبتها لي مولاتها وهي لك فوالله لقد رأيت وجهه أشرق وأنار وقام فقبل رأسي ثم أقعدها إلى جانبه وجعل كلما شرب كأسا قبلها ثم أنشأ يقول
    ( ما لي في الناس كلهم مثل ** مائي خمر ونقلي القبل )
    ( قومي حتى إذا العيون هدت ** وحان نومي فعرسي ثعل )
    ( يا أيها الناس فاسمعوا عظتي ** فكل نفس وراءها أجل )
    ( ليحمد الله منكم رجل ** ساعده في حبيبه الأمل )
    فلما أمسى قال قد جدت بالمنى والتمام الإذن في الانصراف قلت معافى مصحوبا مكلوءا الأمين يحسن جائزته
    لما وصلت الخلافة إلى محمد الأمين وولى الفضل وتفرغ محمد للهو الصيد والنزهة فكان لا يخرج إلا لصيد أو لنزهة فخرج ذات يوم وقد أمر الجند والقواد فركبوا ولبس ثيابه وتقلد سيفه وأعدت الحراقات والزلالات في دجلة فقال له إسماعيل بن صبيح و كان كاتب سره يا أمير المؤمنين إن قوادك وجندك وعامة رعيتك قد خبثت نفوسهم وساءت ظنونهم وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك فإن في ذلك تسكينا لهم ومراجعة لامالهم فجلس في مجلسه وأذن للناس عامة فدخلوا على مراتبهم ومنازلهم وقام الخطباء فخطبوا والشعراء فأنشدوا فلم يكون أحد منهم يتعدى إلى الاطناب والتطويل إلا أمر بالسكوت ومنع من القول وقام فيمن قام أبو نواس فقال يا أمير المؤمنين هؤلاء الشعراء أهل حجر ومدر وإبل ووصف البعر وبيوت الشعر قد جفت ألفاظهم وغلظت معانيهم ليس لهم بصر بمدح الخلفاء ونشر مكارمهم فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده فليفعل فأذن له فأنشده
    ( ألا دارها بالماء حتى تلينها ** فلن تكرم الصبهاء حتى تهينها )
    ( أغالي بها حتى إذا ما ملكتها ** أهنت لإكرام الخليل مصونها )
    ( وصفراء قبل المزج بيضاء بعده ** كأن شعاع الشمس يلقاك دونها )
    ( ترى العين تستفيك من لمعانها ** وتحسر حتى ما تقل جفونها )
    ( تروغ بنفس المرء عما يسوءه ** وتجدله ألا يزال قرينها )
    ( كأن يواقيتا رواكد حولها ** وزرق سنانير تدير عيونها )
    ( وشمطاء حل الدهر منها بنجوة ** دلفت إليها فاستللت جنينها )
    والشمطاء الخابية
    وبنجوة أي بناحية وتروغ النفس روي فيه تريع أي ترجع
    ( كأنا حلول بين أكناف روضة ** إذا ما سلبناها مع الليل طينها )
    إلى أن أكمل القصيدة فقال له محمد الم أنهك عن شرب الخمر قال بلى يا أمير المؤمنين والله ما شربتها منذ نهيتني عنها ومنعتني من شربها وأنا الذي أقول
    ( أيها الرائحان باللوم لوما ** لا أذوق المدام إلا شميما )
    ( نالني بالملام فيها إمام ** لا أرى لي خلافه مستقيما )
    ( فاصرفاها إلى سواي فإني ** لست إلا على الحديث نديما )
    ( كبر حظي منها إذا هي دارت ** أن أراها وأن أشم النسيما )
    ( فكأني وما أزين منها ** قعدي يزين التحكيما )
    ( كل عن حمله السلاح إلى الحرب ** فأوصى المطيق ألا يقيما )
    فتبسم محمد وقام بعض الشعراء فأنشده
    ( ترقى في فضائله الأمين ** وزايله المشاكل والقرين )
    ( وأورق زهره التقوى وعزت ** خلافته وصدقت الظنون )
    ( تمس منابر الخلفاء منه ** يد بخلاف طاعتها المنون )
    ( يخاف الخوف صولته ويرجو ** نداه الجود فهو له خدين )
    فقال عدة ممن حضر قد أوجز وأجاد أكرم الله أمير المؤمنين فقال أبو نواس أشعر منه يا أمير المؤمنين الذي يقول
    ( ألا يا خير من رأت العيون ** نظيرك لا يحس ولا يكون )
    ( وفضلك لا يحد ولا يجاري ** ولا تحوي حيازته الظنون )
    ( فأنت نسيج وحدك لا شبيه ** نحاشيه عليك ولا خدين )
    ( خلقت بلا مشاكلة لشيء ** فأنت الفوق والثقلان دون )
    ( كأن الملك لم يك كان شيئا ** إلى أن قام بالملك الأمين )
    قال ففضله محمد وأحسن جائزته ويقال إنه قالها بديها
    ثم نهض محمد من مجلسه ذلك فركب الحراقة إلى الشماسية واصطفت له الخيل والرجال على شاطئ دجلة وحملت معه المطابخ والخزائن وكان ركوبه حراقة على مثال الأسد فما رأى الناس منظرا كان أبهى ولا سيدا كان أحسن من ذلك المنظر والسيد وركب أبو نواس معه يومئذ وهو ينادمه فقال
    ( سخر الله للأمين مطايا ** لم تسخر لصاحب المحراب )
    ( فإذا ما ركانه سار بحرا ** سلر في الماء راكبا ليث غاب )
    ( أسدا باسطا ذراعيه يعدو ** أهرت الشدق كالح الأنياب )
    ( لا يعانيه باللجام ولا السوط ** ولا غمز رجله في الركاب )
    ( عجب الناس إذ رأوك على صورة ** ليث تمر مر السحاب )
    ( سبحوا إذ رأوك سرت عليه ** كيف لو أبصروك فوق العقاب )
    ( ذات زور ومنسر وجناحين ** تشق العباب بعد العباب )
    ( تسبق الطير في السماء إذا ما اس ** تعجلوها بجيئة وذهاب )
    ( بارك الله للأمين وأبقا ** هـ وأبقى له رداء الشباب )
    ( ملك تقصر المدائح عنه ** هاشمي موفق للصواب )
    ويقال إن هذا الشعر قاله أبو نواس في محمد وقد ركب حراقته الدلفين فقال له شيخ إلى جانبه اتق الله يا هذا فقال له أبو نواس يا شيخ إن الله لم يسخر لصاحب المحراب الدلفين وقد سخر له ما هو خير من الدلفين فأي شيء تنكر من هذا
    قال الحسن بن علي الرياحي
    قال لي الرياشي ذات يوم وقد خلا مجلسه أنشدني
    ( ألا دارها بالماء حتى تلينها ** )
    فقلت له ما أحفظها فقال ويحك بصري شاب متأدب متغزل يسأل عن شعر شاعر مصره ورئيس عصره فيذهب عنه والله إني لفي سن جدك وإني لأفكه نفسي في اليوم مرات بها وبأشباهها من شعره فقلت تقصير وقع وشغل شغل وإغفال للفائدة في ذلك ولكن تفضل علي بإملائها فأملاها علي وكتبتها ثم قلت له ما معنى
    ( فلن تكرم الصهباء حتى تهينها ** )
    فقال حتى تبذلها لإخوانك وتبتذلها بالشرب للناس فيمدحونها لأنها ما دامت في دنها فهي غير معلوم فضلها فإذا أهنتها وبذلتها لهم فشربوها عرفوا فضلها فمدحوها ولا إكرام أكرم من المدح فإهانتها بذلها لشاربيها أو تهينها بالمزج أي حتى تلين شدتها بالماء فتزول سطوتها التي تمنع من شربها وتطيب ويمكنك شربها فتشربها طيبة لينة فتعرف كرامتها وهذا نحو ما قال الأخطل
    ( فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ** فأطيب بها مقتولة حين تقتل )
    وقول الاخطل من قول حسان بن ثابت
    ( إن التي ناولتني فرددتها ** قتلت قتلت فهاتها لم تقتل ) أبو نواس والرشيد
    قال الحسن بن ابي المنذر
    لما قال أبو نواس
    ( ديار نوار ما ديار نوار ** كسونك شجوا هن منه عواري )
    يمدح بها العباس بن عبد الله بن جعفر أنشدت الرشيد إلى ان سمع قوله
    ( يقولون في الشيب الوقار لأهله ** وشيبتي بحمد الله غير وقار )
    فأمر الرشيد بإحضاره وقال له ويلك أتخالف الإسلام في كل شيء من أمرك قال وما ذاك يا أمير المؤمنين قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشيب الرجل المؤمن شيبة في الإسلام إلا كانت له حجابا من النار وتقول أنت كذا وكذا وما أظنك إلا على غير دين الإسلام فمن أين زعمت أنه غير وقار فقال يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك انظر إلى البيت الذي بعده فقال وما هو قال
    ( إذا كنت لا أنفك عن أريحية ** إلي رشإ تسعى بكأس عقار )
    إنما قلت وشيبي غير وقار إذا كنت على هذا الحالة وأشباهها لما أجاوزه من تعجيل الذنوب وتأخير التوبة فأقررت بالذنب ولم أجحد أن يكون هو وقارا قال أنت أعلم بخبث سريرتك وقبح عملك فمن ثم شهدت بما شهدت به على نفسك
    شرب أبو نواس الخمر فانتهى ذلك إلى محمد بن زبيدة فأمر به فحبس ثلاثة أشهر ثم دعا به وحوله بنو هاشم وغيرهم ودعا بالنطع والسيف وأراد قتله فأنشأ يقول
    ( تذكر أمين الله والعهد يذكر ** مقامي وإنشاديك والناس حضر )
    ( ونثري عليك الدريا در هاشم ** فيا من رأى درا على الدر ينثر )
    ( أبوك الذي لم يملك الأرض مثله ** وعمك موسى صنوة المتخير )
    ( وجداك مهدي الورى وشقيقه ** أبو أمك الأدني أبو الفضل جعفر )
    ( ومن مثل منصوريك منصور هاشم ** ومنصور قحطان إذا عد مفخر )
    ( فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا ** وعبد مناف والداك وحمير )
    ( تحسنت الدنيا بحسن خليفة ** هو البدر إلا أنه الدهر مقمر )
    ( أيا خير مأمول يرجى أنا امرؤ ** أسير رهين في سجونك مقبر )
    ( مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة ** كأني قد أذنبت ما ليس يغفر )
    ( فإن كنت لم أذنب ففيم حبستني ** وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر )
    قال فإن شربتها قال دمي لك يا أمير المؤمنين فخلى سبيله أبو نواس والأمين
    دخل أبو نواس على محمد الأمين فأنشده من أبيات
    ( قد ينقص القمر المنير إذا استوى ** وبهاء نور محمد لا ينقص )
    ( وإذا بنو المنصور عد حصاهم ** فمحمد ياقوتها المتخلص )
    ( صدق الثناء على الأمين محمد ** ومن الثناء تكذب وتخرص )

    أبو نواس والأمين
    فأراد إعناته فقال وهل تركت لي شيئا من ثنائك بعد قولك في الفضل
    ( أوجده الله فما مثله ** لطالب ذاك ولا واجد )
    ( وليس لله بمستنكر ** أن يجمع العالم في واحد )
    فجعلته واحد الناس وجعلت العالم كلهم فيه ثم تقول في آل الربيع
    ( آل الربيع فضلتم ** فضل الخميس على العشير )
    ( من قاس غيركم بكم ** قاس الثماد إلى البحور )
    فقال يا سيدي قد سبق من قولي في أمير المؤمنين أكرمه الله ما لو استحضرته الآن لاكتفيت به من عذري قال وأي شيء قلت حتى أستحضره قال قولي
    ( إذا نحن أثنينا عليك بصالح ** فأنت كما نثني وفوق الذي نثني )
    ( وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ** لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني )
    وإنما هو شيء صدر في وقت فاستحسن الأمين ذلك منه وقدمه وكان ذلك سبب صلته به
    كان أبو نواس قد هجا سليمان بن أبي جعفر وأجنف عليه وكان إذا هجا رجلا لم يكد يمدحه ولا يرجع عن مكروهه فشكاه سليمان إلى محمد بعد خلافته فقال يا أمير المؤمنين حسن بن هانئ هجاني ومن هجاني فغير مادح لك قال فما يرضيك قال حبسه في المطبق فقال يا عم أنحبسه بعد قوله
    ( قد أصبح الملك بالمنى ظفرا ** كأنما كان عاشقا قدرا )
    ( قيد بأشطانه إلى ملك ** لم يعشق الملك قبله بشرا )
    ( خليفة يعتني بأمته ** وإن أتته ذنوبها غفرا )
    ( حتى لو اسطاع من تحننه ** دافع عنها القضاء والقدرا )
    وبعد قوله يا عم
    ( تضحك الدنيا إلى ملك ** قام بالإسلام والسنن )
    ( يا أمين الله عش أبدا ** عش على الأيام والزمن )
    ( أنت تبقى والفناء لنا ** فإذا أفنيتنا فكن )
    ( كيف تسخو النفس عنك وقد ** قمت بالغالي من الثمن )
    ( سن للناس الندى فندوا ** فكأن البخل لم يكن )
    ولكن يا عم نجيء به صاغرا فيعتذر سامعا مطيعا وترضى يا عم إن شاء الله تعالى ثم دعا به فاحضر فقال له الأمين ويلك تهجو عمي وشيخي فقال يا أمير المؤمنين وإمام المسلمين إن أبا أيوب متحامل على عبدك فتكلم سليمان وقال وما أنت وهجاؤك وما قلت إلا ما يشبه قدرك وما قدرت على أكثر من قولك في كلب مثلك يعني إسماعيل بن أبي سهل
    ( خبز إسماعيل كالوشي ** إذا ما انشق يرفا )
    فحمي أبو نواس عند ذلك وقال يا أمير المؤمنين إن كنت قلت هذا فأنا الذي اقول
    ( يلاحظهم وهم يأكلون ** طورا فرادى وطورا معا )
    ( فيمنعهم ذاك أن يشبعوا ** ويمنعه الغيظ أن يشبعا )
    فقال سليمان يا أمير المؤمنين يقال في شيخك مثل هذا وتمسك فامر بحبسه فبقي في الحبس دهرا وكتب منه إلى الفضل بن الربيع ابياته التي يقول فيها
    ( أنت يا بن الربيع علمتني الخير ** وعودتنيه والخير عاده )
    فعرض الأبيات على محمد وقال يا أمير المؤمنين لقد انقطعت المادة من هذه الاداب بحبس هذا الشاعر فلم يسمع منه ولم يطلقه فكتب إلى الأمين من المطبق
    ( تذكر أمين الله والعهد يذكر ** مقامي وإنشاديك والناس حضر )
    فأطلقه وتقدم إليه ألا يهجو أحدا من الناس يصطبح مع إسماعيل بن أبي سهل ويقول شعرا
    قال الحسن بن محمد ضربت لإسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت طارمة في صحن داره فاصطبحنا أربعين يوما ومعنا أبو نواس فأنفق إسماعيل أربعين ألف درهم فقال أبو نواس بعد ذلك فيه
    ( خبر إسماعيل كالوشي ** إذا ما انشق يرفا )
    ( عجبا من أثر الصنعة ** فيه كيف يخفى )
    ( إن رفاءك هذا ** ألطف الأمة كفا )
    ( فإذا قابل النصف ** من الخبزة نصفا )
    ( يلصق النصف بنصف ** فإذا قد صار ألفا )
    ( ألطف الصنعة حتى ** لا ترى مطعن إشفى )
    ( مثل ما جاء من التنور ** ما غادر حرفا )
    ( وله في الماء أيضا ** عمل أبدع ظرفا )
    ( مزجه العذب بماء البير ** حتى عاد ضعفا )
    ( فهو لا يشرب منه ** مثل ما يسقيك صرفا )
    ولأبي نواس وربما نسبت إلى غيره
    ( فأول شربك طرح الرداء ** وآخر شربك حل الإزار )
    ( وما هنأتك الملاهي بمثل ** إماتة مجد وإحياء عار )
    ( ولا جاد دهر بلذاته ** على من يضن بخلع العذار )
    اجتمع أبو نواس وعلي بن الخليل مولى يزيد بن مزيد الشيباني وإسماعيل القراطيسي وزرزر الكاتب ومضوا إلى سوق الكرخ فتذاكروا ضروب الأدب وتفننوا في أفانين العلم فلما اشتد الحر قالوا فأين نحن يومنا هذا فكل قال أنتم عندي فقالوا ليقل كل واحد شعرا يصف ما هو فيه وما عنده يجتمع عليه فمن أجاده صرنا إليه فقال أبو نواس
    ( ألا قوموا إلى الكرخ ** إلى منزل خمار )
    ( إلى صهباء كالمسك ** لدى جونة عطار )
    ( وبستان له نهر ** لدى نخل وأشجار )
    ( فأطعمكم به لحما ** من الوحش وأطيار )
    ( وان احببتم لهوا ** اتيناكم بزمار )
    ( وإن أحببتم نيكا ** فنيكوا ربة الدار )
    وقال علي بن الخليل
    ( ألا قوموا جماعتكم ** أخلاي فحيوني )
    ( إلى صهباء كالمسك ** وأبكار من العين )
    ( وإن أحببتم نيكا ** فها إستي فنيكوني )
    ( ألا سخركم ربي ** جميعا أن تواتوني )
    وقال إسماعيل القراطيسي
    ( ألا قوموا جماعتكم ** إلى بيت القراطيسي )
    ( فقد هيئ لنا البيت ** بظبي امرد طوسي )
    ( وقينات من الحور ** كأمثال الطواويس )
    ( وألوان من الطير ** وألوان من العيس )
    ( وقد هيئ التي جاء ** بها من أرض بلقيس )
    ( فنيكوهن يا قوم ** على رغم من ابليس )
    وقال زرزر
    ( ألا قوموا جماعتكم ** لعندي لا إلى غيري )
    ( فعندي مجلس حلو ** كثير الورد والخيري )
    ( وعندي من إذا غنى ** تهم الأرض بالسير )
    ( فحثوا بعضكم بعضا ** فما في ذاك من خير )
    ( وإن كنتم تناكون ** فهذا بينكم أيري )
    قال فضحكوا منه وقالوا أنت أظرف القوم نجيئك ولا نحتاج إلى أيرك واليوم يومك فقم بنا فصاروا إليه جميعا ولع حمدان بن زكريا بهجاء أبي نواس
    كان حمدان بن زكريا مولعا بهجاء أبي نواس ومعارضته في البرز أي في الطرد وكان حمدان عالما بصفات الطير برزيا فقيل لأبي نواس وقد مر حمدان يوما هذا حمدان بن زكريا فسلم عليه وقال له ويلك لم تهجوني قال رأيتك كثيرا في الناس فأحببت ان اضع منك لعلك تقل فاكثر عليك فقال ابو نواس ما نلت من ذلك إلا الحظ الخسيس وأنشأ يقول
    ( قولوا لحمدان وما شيمتي ** أن أظهر الود له مخلصا )
    ( ما أنت بالحر فتلحى ولا ** بالعبد نستعتبه بالعصا )
    ( فرحمة الله على آدم ** رحمة من عم ومن خصصا )
    ( لو كان يدري أنه خارج ** مثلك من جردانه لا حتصى )
    فقال له حمدان والله لا أهجوك بعدها أبدا فقال أبو نواس ولا أنا إن لم تعد كان مولعا بالغلمان
    كان بالكوفة فتى من أهلها يقال له جمال من بني دارم وقدم بغداد أيام هارون الرشيد وكان جميلا حديث السن وكان لا يشرب الخمر وله شطارة وجلد وقوة وكان يقرض الشعر فوصف من مردان بغداد خمسين غلاما وقرض فيهم خمسين قصيدة يذكر هزله فيهم وجده فاجاد القول فيهم وقرئ من شعره على أبي نواس شئ فسأل عنه فقالوا لجمال الكوفي فاستظرفه واستحسن معانيه وكان جمال صاحب جراحات وآفات ولم يستوف العشرين سنة فعظم في عين أبي نواس وتمنى أن يراه وكان خبره فشا في الكرخ وعظم ذكره فبينا أبو نواس في أصحاب القراطيس وكان له مجلس ببغداد في الكرخ في درب القراطيس ومجلس بعسكر المهدي في الوراقين إذ مر به غلام في قد الفتيان فاستحسن قده واستحلى وجهه وراعه منظره ففطن له أصحاب القراطيس فاخذوا بطرف ردائه وقالوا أتدري من هذا قال لا قالوا هذا جمال الكوفي فقال قاتله الله هو والله كما سمي قالوا إن له باسا وجلدا وكرهنا أن يعالجك بالحديد فيأتي على نفسك فقال أما من رسول يبلغه شعري فاتوه بغلام كتب معه رقعة فيها
    ( يا واصف الخمسين لو تعدل ** لكان فيهم اسمك الأول )
    ( وصفت خمسين فميزتهم ** وأنت أنت الظبية المغزل )
    ( جمال دعهم عنك أو صفهم ** أنت وربي منهم أجمل )
    ( لن يبرح اللوطي مما يرى ** بحسن أردافك أو ينزل )
    ( يا حوتة تأكل حيتانها ** وقد تلاها اللحم الأجدل )
    ( ركبت والقصة لا تنقضي ** ارفق حبيبي أنت مستعجل )
    فأتاه الغلام بالشعر فلما قرأه قال قل له يا دعي يا شارب الخمر والله لأنتزعن نفسك يا ابن الزانية فرجع الغلام فأخبره بقوله
    فقال أبو نواس في ذلك
    ( قد يخضع الحر للغلام فما ينقص ** ذاك الخضوع من شرفه )
    ( فسب ما شئت سيدي أبدا ** هذا خضوعي له على سرفه )
    ثم بعث بالبيتين فقال للغلام أترى خنجري هذا وأخرجه من كمه أبلغه عني أني والله قاتله به
    فقال أبو نواس
    ( يا موعدي بالقتل قد حالف الخنجر ** في قتلي كفيكا )
    ( ما خنجر يقتلني سيدي ** أقتل من تفتير عينيكا )
    ( يا من دعا قلبي إلى حبه ** فقال لبيك وسعديكا )
    ( أعر ولا تبخل يا سيدي ** سويعة ما بين فخذيكا )
    وبعث بها إليه فازداد جمال غيظا وغلظة وتوعده فما صنع شيئا فلم يزل أبو نواس يداريه وينادمه حتى لطف موقعه منه وأنس به ودب إليه ليلة وقد سكر وقال
    ( يختال في مشيته ** كالغصن في قامته )
    ( والورد في وجنته ** والطيب في عكنته )
    ( والمسك في نكهته ** والدر في لثغته )
    ( والفتك من همته ** والبأس في قبضته )
    ( نازعته مشمولة ** كالبرق في لمعته )
    ( فقلت خذها واسقني ** والشأن في غفلته )
    ( سقيا لها من دعوة ** قادت إلى نيكته )
    كان بالكرخ غلام يقال له حمدان الرفاء وكان جميلا حاذقا بعمله وله أب متدين فكان يلقى في ابنه كل بلاء من الفساق فجعله في غرفة فوق دكانه فكان إذا صعد الى غرفته شال السلم وتركه يعمل وحده عمله فذكر في مجلس قد حضره أبو نواس فحفظ صفة الدكان فقصد قصد الغلام وجعل يصرف الحيل في أمره فتهيأ له أن اخذ خلعة من خلع محمد بن زبيدة فيها مواضع أرفاء فحلق شاربه وشمر ثيابه واظهر سمتا ووقارا وقصد الشيخ وجلس إليه وحدثه حتى أنس الشيخ به ثم عرض عليه الحال وأظهر الخلعة وقال أنا رجل شاعر من أهل البصرة متصل بأمير المؤمنين وقد وقع في هذه الخلعة مواضع خرق وقد احتجت إلى من يرفوها فدللت عليك فاخذ الخلعة وقلبها وصاح بابنه فأشرف عليه فقال خذ هذه الخلعه فارف ما فيها وجودها واترك ما في يديك من العمل وعجلها فأخذها الغلام وقعد أبو نواس فلما أبطأ في القعود قال أبو نواس للشيخ أحتاج أن أصعد إلى هذا الفتى لأقفه على ما يعمل فأمره أن يصعد إليه ووثق به فصعد إلى الغلام فقال أبو نواس لأبيه عرف هذا الفتى أعزك الله ما جئناك له وائذن في التعجيل بقضاء حاجتي فقال افعل يا بني فنال منه مراده وقال فيه
    ( وظبي هممت بتعليقه ** وقد مر يخطر في سوقه )
    ( تقي الأديم بطاريقه ** وصافي الحرائر في زيقه )
    ( حسدت الخيوط وقد بلها ** بعذب المباحة من ريقه )
    ( أعان القميص على نيكه ** ونلت مناي بتخريقه )
    دخل أبو نواس إلى ديوان الخراج فرأى غلاما من الكتاب في مجلس سلمة بن نجاح فضرب به عينيه فجمشه فإذا امجن غلام وأظرفه فاخذ قلمه وكتب إليه تحبني كما أحبك فكتب الغلام لا وفطن صاحب المجلس له فزاد الصبي في كتابته إله إلا هو ثم قال للذي نظر إليهما إنه قال لي أرني خطك فعجب أبو نواس من فطنته وقال
    ( ومستمد من الدواة وما ** يشغله القوم بالذي فاهوا )
    ( يكتب لي لا فإن هم فطنوا ** زاد عليها إله إلا هو )
    قال سليمان بن أبي سهل بن نوبخت
    بات عندي أبو نواس ليلة فلما كان في السحر أيقظني ثم قال اسمع
    ( يا سليمان غنني ** ومن الراح فاسقني )
    ( فإذا دارت الزجاجة ** خذها وعاطني )
    ( ما ترى الصبح قد بدا ** في إزار متبن )
    ( اسقني الخمر جهرة ** وألطني وأزنني )
    قال فدعوت غلاما لي جميل الصورة فقلت شأنك به ودعوت جارية لي أحسن من الغلام فقلت عليك بها وأصبح فأراد ان ينصرف فقال لي يا سليمان { وفديناه بذبح عظيم }
    قال وكنت يومئذ من أحسن الناس وجها
    قال أبو هفان حدثني عمي
    كنت أمشي مع أبي نواس في الميدان ببغداد إذ رأى غلاما حسنا فاستحسنه ثم قال لي أما ترى الجنة تزف في الارض قد كدت والله

    قال أبو هفان حدثني عمي
    كنت أمشي مع أبي نواس في الميدان ببغداد إذ رأى غلاما حسنا فاستحسنه ثم قال لي أما ترى الجنة تزف في الارض قد كدت والله أفرغ أو أفرغت في سراويلي فقلت له فهل قلت في ذلك شيئا قال نعم وأنشدني
    ( إن لي أيرا خبيثا ** لست أدري ما عقابه )
    ( كلما أبصر وجها ** حسنا سال لعابه )
    كان لأبي نواس صديق من الكتاب يقال له أيوب بن محمد فتعشق غلاما من الهاشميين فكان لا يقدر عليه فإذا تشوق إليه خط اسمه في كفه ودلك عليه فقال أبو نواس
    ( رأيت المحبين الصحيح هواهم ** إذا ذكر الشوق استراحوا إلى البكا )
    ( ولكن أيوبا إذا ما فؤاده ** بذكر الذي لسنا نسمي تحركا )
    ( دعا بدواة عند ذاك ملاقة ** فخط اسمه في كفه ثم دلكا )
    ( فلو كان يرضى العاشقون بمثل ما ** رضيت به ما حن صب ولا اشتكى )
    عاتب أبو العتاهية أبا نواس وقال قد بلغت من السن والعلم ما في دونه يتعظ اللبيب وينزجر العاقل الأريب وأنت تجالس الفتيان وتلعب بالغلمان وتصبو صبوة الشبان قال فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه إليه وقال
    ( أتراني يا عتاهي ** تاركا تلك الملاهي )
    ( أتراني مفسدا بالنسك ** عند المرد جاهي )
    فقال له اذهب لا تاب الله عليك
    ولأبي نواس في غلام سامري
    ( ومن حيني بليت بسامري ** يكلمني بمه وبلا مساس )
    ( وآلى لا يكلمني ثلاثا ** يرددهن إلا وهو ناسي )
    ( فيا من يبلغ النسيان عني ** يقول له فداك أبو نواس )
    ( ألم به فأنسينيه علي ** أنال وصاله عند التناسي )
    أراد أبو نواس أن يكتب ورقة إلى آل عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي فحلق رأس غلامه وكتب إليهم فيه بحاجته وكتب إذا قرأتم الكتاب فشقوا الرقعة قال فضحكوا وصفعوا غلامه وردوه بلا جلدة رأس فشتمهم فقالوا ما ذنبنا مولاك أمرنا
    كان أبو نواس يتعشق أحمد بن أبي صالح فكان يلازم دار علي بن معاذ لموضع أبي صالح وأحمد بن أبي صالح هذا هو الذي يقول فيه أبو نواس
    ( يا أحمد المرتجى في كل نائبة ** قم سيدي نعص جبار السماوات )
    وهذا البيت من قصيدة أولها
    ( ما أستزيد حبيبي في مواتاتي ** وإن عنفت عليه في الشكايات )
    ( هو المواصل لي لكن ينغضه ** بطول فترة ما بين الزيارات )
    ( قالوا ظفرت بمن تهوى فقلت لهم ** الآن أبرح ما كانت صباباتي )
    ( لا عذر للصب أن تهوى جوارحه ** وقد تطعم فوه بالمواتاة )
    ( وداهري سما في فرع مكرمة ** من معشر خلقوا في الجود غايات )
    ( رقت كتابة نعليه ذرى شرف ** من العلا فعلا محض الضرببات )
    ( ناديته بعد ما مال النجوم وقد ** صاح الدجاج ببشرى الصبح مرات )
    ( فقلت والليل يجلوه الصباح كما ** جلا التبسم عن غر الثنيات )
    ( يا أحمد المرتجى في كل نائبة ** قم سيدي نعص جبار السماوات )
    ( وهاكها قهوة صفراء صافية ** منسوبة لقرى هيت وعانات )
    ( صدمته بحمياها لأبسطه ** باللين طورا وبالتشديد تارات )
    ( حتى تغنى وما تم الثلاث له ** حلو الشمائل محمود السجيات )
    ( يا ليت حظي من مال ومن ولد ** أني أجالس لبنى بالعشيات )

    الأمين يأمر بقتله والفضل يتوسط
    لما وقع الخلف بين الأمين والمأمون كان ذو الرياستين يخطب بمساوي الأمين وقد أعد رجلا يحفظ شعر ابي نواس فيقوم بين يديه فيقول ومن جلسائه رجل ماجن كافر مستهتر متهكم يقول كذا وكذا وينشد
    ( ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ** )
    وينشد
    ( يا أحمد المرتجي في كل نائبة ** قم سيدي نعص جبار السماوات )
    وغير ذلك من قبائح شعره ومجونه ويذكر أهل العراق فيقول اهل فسق وفجور وخمور وماخور ويلعنهم من يحضر المجلس من أهل خراسان فكتب بذلك إلى محمد الأمين عيونه فجزع له وأمر بقتل أبي نواس فكلمه فيه الفضل وغيره فأطلقه
    ولما أحضره للقتل أحضر الفقهاء وبعد أن جمعوا له كل من يحسده من الشعراء والفضلاء وغيرهم ثم قيل له ألست القائل
    ( يا أحمد المرتجى في كل نائبة ** قم سيدي نعص جبار السماوات )
    قال بلى يا أمير المؤمنين قال كافر ثم قال للفقهاء ما تقولون يا معشر الفقهاء والشعراء قالوا كفر يا أمير المؤمنين فقال أبو نواس يا أمير المؤمنين إن كانوا قالوا هذا بعقولهم فما أنقصها وإن كانوا قالوه بآرائهم فما أجهلهم أيكون زنديق مقرا بأن للسماوات جبارا قال لا والله ولقد صدقت قم فقام وأطلقه
    وقيل إنه قال له يا أمير المؤمنين اجمع كل زنديق في الأرض فإن زعموا أن في السماء إلها واحدا فاضرب عنقي ولكني أصحب قوما جهالا لا يعرفون المزح من الجد وأنا الذي أقول
    ( قد كنت خفتك ثم آمنني ** من أن أخافك خوفك الله )
    كان أبو نواس يألف أل نوبخت ولا يفارقهم فحدث بعض أصحابهم قال
    كان أبو نواس يألفني ولا يصبر عني فأخذ بيدي مرة ونحن في أول يوم من رجب فمضينا إلى قطربل فلم نزل بها حتى إذا كان أول يوم من شعبان صرنا إلى القفص فأقمنا إلى أخر يوم منه فقال لي ويلك قد أظلنا هذا الشهر ونحن في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة والناس في شك من يومهم هذا فما ترى قلت ويحك إنه لا عوض لنا من يومنا هذا ثم لقينا جماعة فخبروا أن الهلال لم ير فرجعنا فشربنا ثم أصبحنا فقلت قم بنا فقد أخذنا بأوفر الحظوظ من يومنا الماضي فقال اسمع وأطع
    ( لو شئت لم نبرح من القفص ** نأخذها صفراء كالحص )
    ( نسرق هذا اليوم من شهرنا ** فربما يعفى عن اللص )
    قال الحاكي
    فقلت قد أنشدت هذا الشعر لغير أبي نواس ولعله كان مما يضاف إليه
    قال الراوي إن الذي حدثني بذلك كان أظرف من أن يكذب في مثل هذا
    حدث بعض آل نوبخت قال
    جاء النظام يوما فسألنا عن منزل ابي نواس فقلنا تلك الغرفة وأومأنا إلى غرفة كان ينزلها وله غلام أسود وحمار أسود قال فأتاه فاستأذن عليه وقال أنشدني قولك
    ( يا عاقد القلب مني ** هلا تذكرت حلا )
    ( تركت مني قليلا ** من القليل أقلا )
    ( يكاد لا يتجزا ** أقل في اللفظ من لا )
    فأنشده فقال له النظام أنت أشعر الناس في هذا المعنى والجزء الذي لا يتجزأ منذ دهرنا الأطول نخوض فيه ما خرج لنا فيه من القول ما جمعته أنت فيه في بيت واحد أبو نواس في مجلس عبد الواحد بن زياد
    أقبل أبو نواس إلى مجلس عبد الواحد بن زياد بالبصرة وقد كثر عليه أصحاب الأحاديث فقال ليسأل كل رجل عن ثلاثة أحاديث وليمض ففعل الناس ذلك حتى انتهى إلى أبي نواس فقال يا غلام سل أنت فقعد بين يديه وقال هاك الحديث فقال هات فأنشده
    ( ولقد كنا روينا ** عن سعيد عن قتاده )
    ( عن زرارة بن أوفى ** أن سعد بن عباده )
    ( قال من ناك حبيبا ** فاز منه بالسعاده )
    ( وإذا مات محبا ** فله أجر الشهاده )
    ( والذي يجمع إلفين ** على حسن الإراده )
    ( بوقار وسكون ** وتأت للمرادة )
    ( هو في ذاك حكيم ** زعمت ذاك جراده )
    جرادة التي عناها قوادة كانت بالبصرة ينتابها الفساق
    ( نية العاشق فاعلم ** هي خير من عبادة )
    ( إنما الدنيا ثلاث ** ليس فيهن زيادة )
    ( فحبيب ومحب ** ثم ثلث بالقياده )
    ( أترى ذاك صوابا ** نتبع منه سداده )
    ( قد روى ذاك هشام ** وأبان عن جناده )
    فقال له عبد الواحد قم عليك لعنة الله والله لا أحدثك وأنا أعرف وجهك فقام أبو نواس وقال والله لا أتيت مجلسك وأنت ترد الصحيح من الأحاديث
    قال ابن عائشة دخلت بغداد أريد السماع من عبد الله بن المبارك فلما صرت إلى واسط قلت لو دخلت إلى هذا الشيخ إسحاق الأزرق فسلمت عليه فصرت إليه فلما رآني أجهش باكيا فقلت ما الذي يبكيك قال ألم تر إلى هذا الفاسق قلت أي فاسق قال الحسن بن هانئ قلت مالك وله قال كذب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أني حدثته بحديث عن عبد الله بن مسعود ولا والله ما حدثته به ولا تكلمت به قلت وما هو قال يا جارية هاتي القرطاس الذي دفعته إليك بالأمس فجاءت به فإذا فيه
    ( يا حسن المقلتين والجيد ** وقاتلي منه بالمواعيد )
    ( توعدني الوعد ثم تخلفه ** فيا بلاي من خلف موعودي )
    ( حدثني الأزرق المحدث عن ** عمرو بن شمر عن ابن مسعود )
    ( لا تخلف الوعد غير كافرة ** أو كافر في الجحيم مصفود )
    ( وحابس الدور بالحديث عن القوم ** وتسويف صاحب العود ) المرد والشبان يزورونه في حبسه
    حكى عن خليفة صاحب الشرطة قال
    لما حبس أبو نواس كان أكثر من يزوره في حبسه المرد والشبان والخمارون وأصحاب الريب فعرفت منهم من لم أكن أعرف فجعلت عليهم الضرائب فلما أطلق فقدت ذلك وتفرقوا
    قال محمد بن هشام
    كنا عند أبي عبيدة في المسجد الجامع ونحن نتحدث ومعنا أبو نواس إذ كتب إنسان على دفتره شيئا وقد لحظ الأسطوانة فقال له أبو عبيدة ما هذا الذي تكتب فنظرنا فإذا بيت قد قاله أبو نواس
    ( صلى الإله على لوط وشيعته ** أبا عبيدة قل بالله آمينا )
    فقال هذا عمل الخبيث يعني أبا نواس وكنا أربعة أو خمسة فقال أبو عبيدة لكيسان أيما أحب إليك أن تطب لي فأمحوه أو أطب لك فتمحوه أنت قال طب أنت لي فأنحنى أبو عبيدة وحمل كيسان على ظهره وقال له حكه قال كيسان فجعلت أحكه وهو يقول لي ويحك عجل لا نفتضح عند الناس ثم قال لي قد فرغت قلت قد بقي لوط وحده قال ويحك وهل نهرب إلا من لوط حكه قال فحككته
    وقيل إن هذا البيت وجد في رقعة في مجلس ابي عبيدة وبعده بيت آخر وهو
    ( فأنت عندي بلا شك بقيتهم ** منذ احتلمت وقد جاوزت سبعينا )
    فاتهم بذلك أبا محمد اليزيدي وأبا نواس فاعتذر إليه أبو نواس فقبل عذره ولم يعتذر اليزيدي فقال أبو عبيدة والله لا فخرت عدي الرباب بأني ذكرتها أبدا فكيف اذكر عبيدها وكان اليزيدي مولى لعدي الرباب قصصه مع أبي عبيدة والأصمعي
    وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويصفه ويشنا الأصمعي ويهجوه
    وقيل له ما تقول في الأصمعي قال بلبل في قفص قيل فما تقول في خلف الأحمر قال جمع علم الناس وفهمه قيل فما تقول في أبي عبيدة قال ذاك أديم طوي على علم
    جاء أبو نواس في يوم شديد الحر بناطف فألقاه على سارية أبي عبيدة وجاء أبو عبيدة فاتكأ على قفاه إلى السارية فلما انتصف النهار واشتد الحر ذاب الناطف فسال على وجه أبي عبيدة وعينيه ولحيته وثيابه فقال قبح الله الماجن الخبيث أبا نواس فإن هذا من عمله
    جاء أبو نواس يوما إلى أبي عبيدة وهو يصف المعادن ويقول معدن بني سليم ينبت القطعة من الذهب مثل عنق البعير ومعدن كذا ينبت كذا وجعل يصف المعادن وما تنبت فأخرج أبو نواس أيره ثم قال في أي معدن ينبت هذا يا أبا عبيدة فقال قم قبحك الله فما نفلت منك على حال فقال له أبو نواس يا جلف وما عليك لو قلت في حر أمك
    قال الجماز
    كنا في حلقه أبي عبيدة فوجدنا فيها رقاعا في كل رقعة منها مكتوب
    ( أمر الأمير بأخذ أولاد الزنا ** فتفرقوا لا تؤخذوا فتعاقبوا )
    فقال أبو عبيدة من فعل هذا لعنه الله فقال أبو نواس لو علمت من فعل هذا لأهجونه فضحك أبو عبيدة وقال
    ( ومحترس من مثله وهو حارس ** )
    قال سليمان بن أبي سهل بن نوبخت
    جاءني أبو نواس في غداة يوم من أيام الربيع وقد طشت السماء ساعة فلما دخل علي أنشأ يقول
    ( ما مثل هذا اليوم ف طيبه ** عطل من لهو ولا ضيعا )
    ( فما ترى فيه وما ذا الذي ** تحب في ذا اليوم أن تصنعا )
    ( هل لك أن تغدو على قهوة ** تسرع في المرء إذا أسرعا )
    ( ما وجد الناس ولا جربوا ** للهم شيئا مثلها مدفعا )
    قال فقلت له ما كان يساعدني في هذا اليوم غيرك أقم فها هنا ما يصلحك فأقام يومه ذلك عندي
    سئل علي ابن إسحاق بن إسماعيل عن قول أبي نواس
    ( داو يحيى من خماره ** )
    من يحيى هذا قال لا أعرفه أنا وإنما أنا أروي هذا الشعر
    ( داو باري من خماره ** )
    وباري خمار نصراني كان في نهر الطابق نازلا وكان أبو نواس يغشاه كثيرا فجاءه مرة فوجده مخمورا فقال هذا الشعر فقلبه الناس فقالوا يحيى
    قال يحيى الثقفي
    قول أبي نواس
    ( داو يحيى من خماره ** )
    في قالها
    والقصيدة المذكورة هي
    ( داو يحيى من خماره ** بابنة الدن وقاره )
    ( من شراب كسروي ** ما تعنى باعتصاره )
    ( طبخته الشمس لما ** بخل العلج بناره )
    ( فاتى الدهر عليه ** غير شيء في قراره )
    ( فتجلت عن شهاب ** يترامى بشراره )
    ( ركد الليل عليه ** فكفى ضوء نهاره )
    ( ونديمي كل خرق ** زانه عتق نجاره )
    ( وغزال تشره النفس ** إلى حل إزاره )
    ( بسطته سورة الكأس ** لنا بعد ازوراره )
    ( فأطفنا بنواحيه ** ولم نعرض لداره )
    ولأبي نواس
    ( أنا أمرؤ أبغض النعاج وقد ** يعجبني من نتاجها الحمل )
    ( يعجبني الأمرد الطرير إذا ** أبصرته مخطفا له كفل )
    ( حتى إذا ما رأيت لحيته ** فليس بيني وبينه عمل )
    ( إلا سليمان إنه رجل ** يحل بيني وبينه القبل ) من عرائس قصائده
    ومن عرائس قصائد ابي نواس هذه القصيدة
    قال المازني سمعت رجلا يقرأ على أبي عبيدة شعر بشار فمرت قصيدته الميمية التي أولها
    ( أبا جعفر ما طول عيش بدائم ** ولا سالم عما قليل بسالم )
    فقال له هاتها فهي أوزن من ميميتي جرير والفرزدق ولقصيدة مروان بن أبي حفصة
    ( طرقتك زائرة فحي خيالها ** )
    أجود من قصيدة الأعشى
    ( رحلت سمية غدوة أجمالها ** )
    ولقصيدة أبي نواس
    ( أيها المنتاب عن عفره ** )
    خير من قصيدة امرئ القيس
    ( رب رام من بني ثعل ** مخرج كفيه من ستره )
    قال أبو نواس
    ( أيها المنتاب عن عفره ** لست من ليلي ولا سمره )
    ( لا أذود الطير عن شجر ** قد بلوت المر من ثمره )
    ( فامض لا تمنن علي يدا ** منك المعروف من كدره )
    ( فاتصل إن كنت متصلا ** بقوى من أنت من وطره )
    ( خفت مأثور الحديث غدا ** وغد دان لمنتظره )
    ( خاب من أسرى إلى ملك ** غير معلوم مدى سفره )
    ( وسدته ثني ساعده ** سنة حلت إلى شفره )
    ( رب فتيان ربأتهم ** مسقط العيوق في سحره )
    ( فاتقوا بي ما يريبهم ** إن تقوى الشيء من حذره )
    ( وابن عم لا يكاشفنا ** قد لبسناه على غمره )
    ( كمن الشنآن فيه لنا ** ككمون النار في حجره )
    ( ورضاب بت أرشفه ** ينقع الظمان من خصره )
    ( علنيه خوط إسحلة ** لان متناه لمهتصره )
    ( ذا ومغبر مخارمه ** تحسر الأبصار عن قطره )
    ( لا ترى عين المبين به ** ما خلا الآجال من بقره )
    ( خاض في لجيه ذو جرز ** مقفر الصقلين من ضمره )
    ( يكتسي عثنونه زبدا ** فنصيلاه إلى نخره )
    ( ثم يعتم الحجاج به ** كاعتمام الفوف في عشره )
    ( ثم تذروه الرياح كما ** طار قطن الندف عن وتره )
    ( كل حاجاتي تناولها ** وهو لم ينقص قوى أشره )
    ( ثم أدناني إلى ملك ** يأمن الجاني لدى حجره )
    ( تأخذ الأيدي مظالمها ** ثم تستدري ذرى عصره )
    ( كيف لا يدنيك من أمل ** من رسول الله من نفره )
    ( فاسل عن نوء تؤمله ** حسبك العباس من مطره )
    ( ملك قل الشبيه له ** لم تقع عين على خطره )
    ( لا تغطى عنه مكرمة ** بربا واد ولا خمره )
    ( ذللت تلك الفجاج له ** فهو مختار على بصره )
    ( سبق التفريط رائده ** فكفاه العين من أثره )
    ( وإذا مج القنا علقا ** وتراءى الموت في صوره )
    ( راح في ثنييي مفاضته ** أسدا يدمى شبا ظفره )
    ( تتأيا الطير غدوته ** ثقة بالشبع من جزره )
    ( وترى السادات ماثلة ** لسليل الشمس من قمره )
    ( فهم شتى ظنونهم ** حذر المكنون من فكره )
    ( وكريم الخال من يمن ** وكريم العم من مضره )
    ( قد لبست الدهر لبس فتى ** أحكم الآداب عن عبره )
    ( فادخر خيرا تثاب به ** كل مذخور لمدخره )
    لما أنشد أبو عبد الله بن الأعرابي هذه القصيدة قال أحسن والله لو تقدم هذا الشعر في صدر الإسلام لكان في صدر الأمثال السائرة
    قال أبو علي الأصفر وكان من رواة أبي نواس أنشدني أبو نواس هذه القصيدة فلما بلغ إلى قوله
    ( وإذا مج القنا علقا ** وتراءى الموت في صوره )
    ( راح في ثنيي مفاضته ** أسدا يدمى شبا ظفره )
    ( تتأيا الطير غدوته ** ثقة بالشبع من جزره )
    قلت له أحسنت والله وجاوزت الإحسان هذا والله ما لا يحسنه أحد ولم يبلغه متقدم ولا يلحقه متأخر
    فلما أنشدني
    ( كيف لا يدنيك من أمل ** من رسول الله من نفره )
    علمت أنه كلام رديء موضوع في غير موضعه وأنه مما يعاب به لأن حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجدر أن يضاف إليه ولا يضاف هو إلى أحد فرأى ذلك في وجهي فقال لي ويلك إنما أردت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من القبيل الذي هو منه كما قال حسان بن ثابت
    ( وما زال في الإسلام من آل هاشم ** دعائم عز لا ترام ومفخر )
    ( بهاليل منهم جعفر وابن أمه ** علي ومنهم أحمد المتخير )
    فقال منهم كما قلت من نفره أي من النفر الذين العباس منهم فما تعيب من هذا قال فعلمت انه ضرب من الاحتيال ولكن قد احسن المخرج منه قال فقلت له أرأيت قولك
    ( كمن الشنآن فيه لنا ** ككمون النار في حجره )
    قال رددت التذكير إلى النور ومثل هذا في أشعارهم كثير أن فتشته قال فعلمت انه لا يقول شيئا إلا عن علم وحجة بما يقوله
    وقال الكسائي إنما أراد في حجرها فغلط
    وقال أبو العباس إنما أراد في حجره رده إلى القادح وجودوا هذا التأويل
    وقال قوم إنما رد الحجر الى الكمون وكيف كان فقد أحسن فيه
    ومثل هذا ما أنشده الفراء
    ( لكل دهر قد لبست أثوبا ** من ريطة واليمنة المعصبا )
    فجعل المعصبا نعتا لليمنة وهي مؤنثة في اللفظ لان يمنة ضرب وصنف من الثياب الوشي فذهب إليه ومثل ذلك قراءة يحيى بن وثاب { ذو القوة المتين } بالكسر صفة للقوة ومعناه الحبل
    قال محمد بن شبيب
    قلت لأبي نواس ما معنى قولك
    ( لا أذود الطير عن شجر ** قد بلوت المر من ثمره )
    فقال كانت لي صديقة من أهل الحيرة وكنت أحبها فبلغني أنها تختلف إلى رجل من أهل البصرة فلم أصدق ذلك فتبعتها يوما حتى دخلت منزله فرجعت إلى منزلي وأنا مغموم فرميت بنفسي فجاءت فرمت بنفسها إلى جانبي فحولت وجهي إلى الحائط وتناومت فنمت فرأيت كان قائلا يقول لي قل
    ( لا أذود الطير عن شجر ** قد بلوت المر من ثمره )
    فقمت فأخرجتها عني وأدخلت البيت في قصيدتي
    وفي هذه القصيدة
    ( تتأيا الطير غدوته ** ثقة بالشبع من جزره )
    أخذ هذا المعنى مسلم فقال
    ( قد عود الطير عادات وثقن بها ** فهن يتبعنه في كل مرتحل )
    وإنما أخذه من قول حميد يصف الذئب بأنه يقبل والطير تتبعه
    ( إذا ما غدا يوما رأيت غمامة ** من الطير ينظرن الذي هو صانع )
    وأول من افتض هذا المعنى النابغة فقال
    ( إذا ما غدا بالجيش حلق فوقهم ** عصائب طير تهتدي بعصائب )
    ( جوانح قد أيقن أن قبيله ** إذا ما التقى الجمعان أول غالب )
    وفي قصيدة أبي نواس هذه ( خاب من أسرى إلى ملك ** غير معلوم مدى سفره )
    يقول خاب من ركب الغرر ولا يعرف مقدار سفره إلي من يقصده يقول لست كذلك لكني أقصد من أثق بإحسانه إلى وأعلم تعجيل أوبتي بما أحب منه
    وفي هذه القصيدة
    ( لا أذود الطير عن شجر ** قد بلوت المر من ثمره )
    هذا مثل يقول أنت جاف فأنا أتركك ولا أمنع من يريد مواصلتك لأني قد ذقت مودتك وجربتها فوجدتك غدارا جافيا لمن يريد ودك
    قال عباد بن أسلم قلت لأبي نواس أي شعرك أشعر قال إذا أردت الجد قلت
    ( أيها المنتاب عن عفره ** )
    وإذا أردت الهزل قلت
    ( طاب الهوى لعميده ** لولا اعتراض صدوده )
    وله في أحمد بن الحسين
    ( أقول للدهر وقد عضني ** منه بأنياب وأضراس )
    ( يا دهر إن أبقيت لي أحمدا ** فاذهب بمن شئت من الناس )
    ( ما الناس إلا أحمد وحده ** غير خشارات ونسناس )
    وله في امرأة اسمها دنيا
    ( إن دنيا التي على ** مهجة النفس قادره )
    ( ظلموها نصف إسمها ** هي دنيا وآخره ) أبو نواس ووصيفه لأسماء بنت المهدي
    قال يوسف بن الداية
    كانت الشعراء تجتمع في كل يوم بباب أسماء بنت المهدي وكان لهم مجلس يجتمع عليهم فيه أهل الأدب فكان يحضر ذلك المجلس أبو نواس فنظر يوما إلى وصيفه قد خرجت من قصر أسماء غلامية شاطة عجزاء مطمومة ناهد وعليها أقبية ومنطقة وفي رجلها نعل فاشتد عجبه بها ومازحها فلم يزل على ذلك دهرا إذا خرجت لحاجة إلى ما يلي باب القصر عبث بها وداعبها وأنشدها أشعارا يخبرها فيها بحبه لها ولا ينكر ذلك عليه أحد لما كان معه من العبث بالناس والمجون ولأنه لم يكن يعتد بالنساء فقال لي يوما امض بنا إلى باب أسماء للنظر إلى من يحضر اليوم من الشعراء ونتعرف خبرا إن كان حدث فمضينا فبينا نحن على باب أسماء إذا الجارية قد خرجت وعليها قباء وشي منسوج بالذهب وعلى رأسها محبسة منسوجة بالذهب إبريسمية وفي رجلها نعل مغشاة بديباج وعليها منطقة ذهب مفوفة على زنار حرير عريض وقد غابت في خصرها من انهضامه فما تكاد تبين وفي يدها قضيب خيزران تعبث به فدهشت وكل من حضر ننظر إليها وبهتنا إلى براعة جمالها وحلاوتها وحسن زيها فقال لي مثل هذه يا نخاس فاشتر لا مثل رقيقك فقلت دعني فما رأيت مثل هذه قط على كثرة ما يمر على يدي وما تصلح هذه إلا للخليفة فأقبلت تخرج وتغيب وتتهادى وتتثنى في مشيها حتى وقفت حيالنا ونظرت إليه نظرا دلني على أن في قلبها منه شيئا فانشأ يقول وهي تسمعه وكان اسمها معشوق
    ( لقد صبحت بالخير عين تصبحت ** بوجهك يا معشوق في كل شارق )
    ( مقرطقة لم يخزها سحب ذيلها ** ولا نازعتها الريح فضل البنائق ) تشارك في الصنع النساء وسلمت ** لهن صنوف الحلي غير المناطق )
    ( ومطمومة لم تتصل بذؤابة ** ولم تعتقد بالتاج فوق المفارق )
    ( كأن مخط الصدغ في حر وجهها ** بقية أنقاس بإصبع لائق )
    ( ندته بماء المسك حتى أجابها ** إلى مستقر بين أذن وعاتق )
    ( غلام وإلا فالغلام شبيهها ** وريحان دنيا لذة للمعانق )
    ( فطانة زنديق ولحظة قينة ** بغير الذي يخفي ومنية عاشق )
    ( لقد كسبت عين عليك بلية ** لصاحبها يا فتنة للخلائق )
    فلما فرغ من إنشادها ضحكت وولت راجعة فإذا احسن الناس قدا ومؤخرا وحلاوة فانصرفنا وقد أخذت بمجامع قلبي فمكثنا أياما فلم أشعر إلا بابي نواس قد غدا إلي فقال ويلك أتدرى ما كان من حالي قلت لا فعرفني قال كنت أمس كسلان فلم أنشط للشرب فبينا أنا قاعد في وقت صلاة العصر إذ دخلت علي وصيفة أسماء بغير إذن فقالت تقبل الطفيلية فوثبت وقبلت رأسها وعينيها وثدييها ورجليها وقلت يا سيدتي الحمد لله الذي ألان لي قلبك وسخرك لعبدك ومتعني بقربك فأعلميني كيف تخلصت قالت خرجت لأداء رسالة فكنت أهم إلي في نفسي فوضعنا الشراب وقالت أبو نواس يكون عنده الأحمر صرفا فقلت هو مطبوخ صحيح وإن يكن فيه إثم فأنا أحمله عنك فشربنا حتى طابت نفسها وانبسطت وعبثت وكانت بكرا فجزعت وقالت والله ما مسني بشر وإنما خلبتني بظرفك وحلاوتك وشعرك وما فكرت في رجل فلم أزل أداريها وأحمل عليها في الشراب حتى أمكنتني فمن إدماني في العمل طول الليل صيرتها غلاما فلما أصبحت غدوت وجئتك قلت فصف هذا الآن في شعرك قال قد فعلت في طريقي إليك وأنشد
    ( وناهدة الثديين من خدم القصر ** سبتني بحسن الجيد والوجه والنحر )
    ومضينا غير مرة في طلبها فما رأينا لها أثرا ولا سمعنا لها خبرا أبو نواس والهيثم بن عدي
    صار أبو نواس في حداثته إلى مجلس الهيثم بن عدي فجلس والهيثم لا يعرفه فلما يستدنه ولم يقرب مجلسه فقام مغضبا وتبين الهيثم في وثبته الغضب فسأل عنه فخبر باسمه فقال إنا لله هذه والله بلية لم أجنها على نفسي قوموا إليه لنعتذر فصار إليه فدق الباب عليه وتسمى له فقال ادخل فدخل وإذا هو قاعد يصفي نبيذا له وقد اصلح بيته بما يصلح به مثله فقال المعذرة إلى الله ثم إليك لا والله ما عرفتك وما الذنب إلا لك حين لم تعرفنا نفسك فنقضي حقك ونبلغ الواجب من برك فأظهر له قبول العذر فقال له الهيثم ما أستعهدك من قول يسبق منك في فقال ما قد مضى فلا حيلة فيه ولكن لك الأمان فيما يستانف قال وما الذي مضى جعلت فداك قال بيت مر وأنا فيما ترى قال فتنشدنيه فدافعه وألح عليه فانشده
    ( إذا نسبت عديا في بني ثعل ** فقدم الدال قبل العين في النسب )
    وأنشد أبو شبل لأبي نواس في الهيثم تمام هذه الأبيات
    ( الهيثم بن عدي في تلونه ** في كل يوم له رحل على خشب )
    ( فما يزال أخا رحل ومر تحلا ** إلى الموالي وأحيانا إلى العرب )
    ( له لسان يزجيه بجهوره ** كأنه لم يزل بعدي على قتب )
    ( لله أنت فما قربى تهم بها ** إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب )
    ( إذا نسبت عديا في بني ثعل ** فقدم الدال قبل العين في النسب )
    فعاد إليه الهيثم حين بلغته الأبيات فقال يا سبحان الله أليس قد لقيتني وجعلت لي عهدا ألا تهجوني فقال { وأنهم يقولون ما لا يفعلون }
    قال يوسف بن الداية كنت عند أبي نواس نتحدث إذا جاءه فتى قد التحى فلما طلع من الباب قال لي يا يوسف قم فاقعد على الباب ساعة حتى أفرغ من أمر هذا فقلت ويلك بهذه اللحية قال نعم يا فضولي فخرجت فدرت دورة ثم رجعت فقال أتدري من هذا قلت لا والله غير أني أرى صاحب لحية تامة فقال هذا غلام كنت أحبه وكان معي فلما التحى صار في السراجين فربما رآني في الاحايين فآخذه على طيبه الأول وقد كاد أن يمتنع الساعة ولكن كانت الغلبة لي ثم قام فاغتسل ورجع إلى موضعه وأنشأ يقول
    ( رأى بخديه نابتا زغبا ** فضن عني هناك بالقبل )
    ( وقال قد صرت يا فتى فتى رجلا ** وذا قبيح أراه بالرجل )
    ( قد كان ما كان في صباي فلا ** تعرض لوصلي ولج في عذلي )
    ( فقلت يا من زها بلحيته ** الآن والله طبت للعمل )
    ( ذا زعفران والمسك تربته ** ينبت من تحت صدغك الرجل )
    ( تراك لو قد خضبت من كبر ** وسحر عينيك فيك لم يحل )
    ( صبرت عن عض وجنتيك وعن ** مص رضاب بفيك كالعسل )
    ( هيهات هيهات فانثنى حصرا ** يقرع أسنانه من الخجل )
    ( فقمت أسعى إليه مبتدرا ** والقلب من سخطه على وجل )
    ( حتى اعتنقنا على الفراش وقد ** غيض مهري الجموح في الكفل )
    وقال في هذا المعنى
    ( قال الوشاة بدت في الخد لحيته ** فقلت لا تكثروا ما ذاك عائبة )
    ( الحسن منه على ما كنت أعهده ** والشعر حرز له ممن يطالبه )
    ( أبهى وأكثر ما كانت محاسنه ** إذ سال عارضه واخضر شاربه )
    ( وصار من كان يلحى في محبته ** إن سيل عني وعنه قال صاحبه )
    روى جماعة أن أبا نواس غري بغلام من ثقيف وقد كان الغلام قد نسك فكان لا يدخل المسجد إلا للقرآن أو للفرائض ولا يتشاغل بغيرهما مخافة أن يحتال عليه أبو نواس فما زال يحتال عليه حتى قاعد أهل النحو ثم مال به إلى أهل العروض فما زال ينقله من علم إلى علم حتى أقعده في حلقة الشعراء وكان لهم بالبصرة موضعان موضع بالمربد وموضع بالمسجد ثم قال له يوما يا سيدي أي ذنب لك فتتوب منه ومن أي شيء تنسكك أنت تنسك الناس أيرى الله عز وجل حسن وجهك وهو يسيء إليك أو يسيء إلى أحد بك فلما صار طوعه لعب به وأنشأ يقول
    ( إذا ما وطىء الأمرد ** للعلم حصا المسجد )
    ( فقد حل لنا عقدا ** من التكة واستسفد )
    ( فإن كان عروضيا ** فقولوا سجد الهدهد )
    ( وإن أعجبه النحو ** فها ذاك له أجود )
    ( وإن مال إلى الفقه ** فللفقه له أفسد )
    ( وإن كان كلاميا ** فحرك طرف المقود )
    ( وميله إلى الجبر ** ففيه قرب ما يبعد )
    ( وخذه كيفما شئت اقتضابا ** أو على موعد )
    ( وقل هذا قضاء الله ** هل يدفع أو يجحد )
    ( فيا من وطىء المسجد ** من ذي بهجة أغيد )
    ( أنا قست على نفستي ** في ذا الأمر لا أجحد )
    ولأبي نواس يهجو الرقاشي
    ( قل للرقاشي إذا جئته ** لو مت يا أحمق لم أهجكا )
    ( دونك عرضي فاستبح شتمه ** لا تدنس الأعراض من شعركا )
    ( والله لو كنت جريرا لما ** كنت بأهجى لك من وجهكا )
    كان أبو نواس جالسا عند عطار وامرأة تشتري منه عطرا فقرقر بطنها قرقرة شديدة بقوة فأراد أبو نواس أن يتنادر عليها فقال لها يا ست أتبيعيني هذا الزاغب فقالت له أما البيع فلا ولكن إذا افرخ أطعمناك من فراخه
    وكان أبو نواس يعشق جنان جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي المحدث الذي كان ابن مناذر يصحب ابنه عبد المجيد وكانت جنان حلوه جميلة المنظر بديعة الحسن أديبة عاقلة ظريفة تعرف الأخبار وتروي الأشعار وكانت مقدودة حسنة القوام ويقال إن أبا نواس لم يصدق في حب امرأة غيرها وكان أول كلفه بها أنها مرت وهو جالس في المربد مع فتيان من أهلها يتنزهون وينشدهم فأبرزت عن وجه بارع الجمال فجعل ينظر إليها فقال له أصحابه خرجت من حدك الذي كنت تنتسب إليه يعني من حب الغلمان إلى حب النسوان فأنشأ يقول
    ( إني صرفت الهوى إلى قمر ** لم تبتذله العيون بالنظر )
    ( إذا تأملته تعاظمك الإقرار ** في أنه من البشر )
    ( ثم يعود الإنكار معرفة ** منك إذا قسته إلى الصور )
    ( مباحة ساحة القلوب له ** يأخذ منها أطايب الثمر )
    وشغف بها حبا وهام بها وقال فيها اشعارا كثيرة وشكا وجده بحبها وهو لا يعرفها وسأل عنها فلم يقع على خبر منها بعد اليوم الذي رآها فيه فقال
    ( كما لا ينقضى الأرب ** كذا لا يفتر الطلب )
    وتناقل أهل البصرة شكايته من حبها وشعره فيها وأكثروا ذكره في كل محفل وجمع جنان تعبث به والنساء يمازحنه
    وكانت جنان تحب النساء وتميل إليهن فذكرته امرأة لها وأنشدتها بعض شعره فقالت جنان قد والله رأيته بالمربد ينشد وما زال يتبعني نظره إلى أن غبت عنه فتواعدن أن يخرجن ويعبثن به ويمازحنه فخرجن يوما وأبو نواس على غفلة من ذلك حتى وافينه فلما رآها كاد عقله يذهب وتحير وأقبل وأدبر فدنت منهن واحدة إليه فقالت يا فتى أنت أبو نواس فقال
    ( أنا المعنى بمن لآ ** ترثي لطول شكاتي )
    فقالت له بالله أنت عاشق قال إي والله قالت لمن قال لمن لا يعلم ما بي ولا أعلم من هو قالت فاجعلني رسولا إليه فلعل الله أن يمن علي وعليك قال هي والله التي معك وأومأ إلى جنان فانصرفت عنه إلى جنان وهي تضحك فاعلمتها ما دار بينها وبينه فانكرت ذلك عليها وقالت مثل هذا الكلب تطمعينه في وانصرفت واتبعها حتى عرف منزلها ومولاها وسأل عن اسمها فأخبروه فانصرف وقال
    ( تراءت لنا كالبدر وسط الكواكب ** )
    ثم لم يزل يشبب باسمها ويظهره حتى عرف بها واشتهر وأرسل إليها فانتهرت رسوله وشتمته وقال فيها أشعارا
    قال أبو نواس ثم سمعت بعد ذلك أنها للثقفيين فعاشرتهم ونادمتهم حتى اشتهرت بها ثم راسلتها فجعلت تشتمني وتشتم رسلي دهرا
    فمما قال في سبها له
    ( أتاني عنك سبك لي فسبي ** أليس جرى بفيك اسمي فحسبي )
    ( وقولي ما بدالك أن تقولي ** فما ذا كله إلا لحبي )
    ( قصاراك الرجوع إلى وصالي ** فما تهوين من تعذيب قلبي )
    ( تشابهت الظنون عليك عندي ** وعلم الغيب فيها عند ربي )
    قال أبو نواس
    ثم واصلتني بعد ذلك بحين وخرجت إلى بغداد وفي نفسي بقايا ما فارقتني ولا تفارقني إلا مع خروج روحي
    وأرسلت إليها رسولا مرة فقالت لها واضياعاه لم يبق لي غير أن أحب هذا الكلب قال فجاءتني رسولي متغيرة فأبلغتني ما قالت فقلت
    ( كسر الحب نشاطي ** ولقد كنت نشيطا )
    قال أبو نواس
    شكتني جنان يوما إلى مولاها فشتمني ثم ندم على شتمي فشكاني إلى بعض إخواني وخاف ان أهجوه فذكر لي ذلك فقلت
    ( من سبني من ثقيف ** فإنني لن أسبه )
    فكان ذلك مما عطفها ورقق قلبها وكان أول الأسباب إلى وصلها
    ولما بلغه سبها له قال للرسول حين أخبره بسبها له أبياتا منها
    ( ما غضبي من شتم أحبابي ** أعظم من شتمهم ما بي )
    ومما بلغه عنها أن جنان قالت فعل الله بالمخنث الكاذب في حبه فقال
    ( جنان تسبني ذكرت بخير ** وتزعم أنني مذق خنيث )
    ( وأن مودتي كذب ومين ** وأني للذي أهوى بثوث )
    ( وما صدقت ولا رد عليها ** ولكن الملول هو النكوث )
    ( ولي قلب ينازعني إليها ** وشوق بين أضلاعي حثيث )
    ( رأت كلفي بها ودوام عهدي ** فملتني كذا كان الحديث )
    وكان أبو نواس يحب أيضا جارية لجعفر بن سليمان اسمها حسن وحرم صحبتها كما حرم صحبة جنان وعنان وكأنه لم يكن مجدودا منهن كما كان من الغلمان
    قيل لأبي نواس إن جنان قد عزمت على الحج فكان هذا سبب حجه وقال أما والله ما يفوتني الحج والمسير معها عامي هذا إن أقامت على عزيمتها فظن مازحا فسبقها إلى الخروج بعد أن علم أن جنان خارجة وما كان ينوي الحج ولا أحدث عزمه إلا خروجها
    وقال وقد عاد من حجه
    ( ألم تر أنني أفنيت عمري ** بمطلبها ومطلبها عسير )
    ( فلما لم أجد سببا إليها ** يقربني وأعيتني الأمور )
    ( حججت وقلت قد حجت جنان ** فيجمعني وإياها المسير )
    حدث من شاهد أبا نواس لما حج مع جنان وقد أحرم فلما جنه الليل جعل يلبي بشعر ويحدو ويطرب في صوته حتى فتن به كل من سمعه وهو يقول
    ( إلهنا ما أعدلك ** مليك كل من ملك )
    ( لبيك قد لبيت لك ** لبيك إن الحمد لك )
    ( والملك لا شريك لك ** ما خاب عبد سألك )
    ( أنت له حيث سلك ** لولاك يا رب هلك )
    ( لبيك إن الحمد لك ** والملك لا شريك لك )
    ( والليل لما أن حلك ** والسابحات في الفلك )
    ( على مجاري المنسلك ** كل نبي وملك )
    ( وكل من أهل لك ** سبح أو لبى فلك )
    ( يا مخطئا ما أغفلك ** عجل وبادر أجلك )
    ( واختم بخير عملك ** لبيك إن الحمد لك )
    ( والعز لا شريك لك ** والحمد والنعمة لك )
    وفي جنان يقول أبو نواس
    ( جفن عيني قد كاد يسقط ** من طول ما اختلج )
    ( خبريني فدتك نفسي ** وأهلي متى الفرج )
    ( كان ميعادنا خروج ** زياد وقد خرج )
    ( أنت من قتل عائذ ** بك في أضيق الحرج )
    زياد هذا الذي أشار إليه هو زياد بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وكان يتعشق امرأة أبيه بانة بنت أبي العاص وولدت من عبد الوهاب أبا العاص وزيادا وعثمان وعبد المجيد صاحب ابن مناذر الذي رثاه ابن مناذر بقوله
    ( إن عبد المجيد يوم تولى ** هد ركنا ما كان بالمهدود )
    شهدت جنان عرسا في جوار أبي نواس فانصرفت منه وهو جالس فلما رآها امتقع لونه وقال
    ( شهدت جلوة العروس جنان ** فاستمالت بحسنها النظاره )
    ( حسبوها العروس حين رأوها ** فإليها دون العروس الإشاره )
    ( قال أهل العروس حين رأوها ** ما دهانا بها سوى عماره )
    عماره مولاة جنان وهي زوجة عبد الرحمن الثقفي فلما قال ذلك قالت له جنان كأنك كنت معنا هكذا كانت والله الصفة
    وكان أبو نواس على حبه لها وصدقه فيها دون من كان يشبب بهن من النساء لم تكن تحبه فمما عاتبها به حتى استمالها بصحة حبه لها فصارت تحبه بعد نبوها عنه قوله
    ( جنان إن جدت يا مناي بما ** آمل لم تقطر السماء دما )
    ( وإن تمادي ولا تماديت في ** منعك أصبح في قفرة رمما )
    ( علقت من لو أتى على أنفس الماضين ** والغابرين ما ندما )
    ( لو نظرت عينه إلى حجر ** ولد فيه فتورها سقما )
    قال الجماز كنت جالسا عند أبي نواس إذ مرت بنا امرأة ممن تداخل الثقفيين فسألها عن جنان والحف في المسألة واستقصى فأخبرته خبرها وقالت قد سمعتها تقول لصاحبة لها من غير أن تعلم أني أسمع ويحك قد آذاني هذا الفتى وأبرمني وضيق علي الطرق بحدة نظره وتهتكه ومن كثرة فعله لذلك قد لهج قلبي بذكره والفكرة فيه حتى رحمته ثم التفتت فرأتني فأمسكت عن الكلام فسر أبو نواس بذلك ولما قامت المرأة أنشأ يقول
    ( يا ذا الذي عن جنان ظل يخبرني ** بالله قل وأعد يا طيب الخبر )
    ( قال اشتكتك وقالت ما ابتليت به ** أراه من حيثما أقبلت في أثري )
    ( ويعمل الطرف نحوي إن مررت به ** حتى يخجلني من حدة النظر )
    ( وإن وقفت له كيما يكلمني ** في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر )
    ( ما زال يفعل بي هذا ويدمنه ** حتى لقد صار من همي ومن وطري ) أبو نواس ومحمد بن حفص التيمي
    انصرف محمد بن حفص بن عمر التيمي وهو أبو ابن عائشة وكان يتولى القضاء فانصرف من المسجد فرأى فيما بين دار أبان ودار حمران بالبصرة فتى لبقا دمثا حسن الثياب وعلى رأسه قلنسوة مضربة واقفا مع امرأة يكلمها قال فدنوت منه وقلت له يا هذا إن كانت هذه المرأة منك بسبب لقد عرضتها للتهمة ووقفتها موقف سوء وإن كانت غريبة منك فحقيق عليك اتقاء الله وألا ترضى لغيرك إلا بما رضيته لنفسك فالتفت إلي وقال لي القول ما قلت وأنا قابل نصيحتك وغير عائد إن شاء الله تعالى فوليت وأنا مفكر في أمره فلا أدري أستحسن سرعة جوابه أم حسن مراجعته إياي بقلة الخلاف ام ظرف لسانه فدخلت المسجد الجامع وجلست ساعة فلم أشعر إلا برقعة قد رفعها إلي غلام وإذا فيها يقول لك أبو نواس
    ( إن التي أبصرتها ** سحرا تكلمني رسول )
    ( ليست هي القصد الذي ** يومى إليه ولا السبيل )
    ( أدت إلي رسالة ** كادت لها نفسي تسيل )
    ( من ساحر العينينن يجذب ** خصره ردف ثقيل )
    ( متقلد قوس الصبا ** يرمي وليس له رسيل )
    ( فلو ان أذنك بيننا ** حتى تسمع ما نقول )
    ( لرأيت ما استقبحته ** من أمرنا وهو الجميل )
    ( وعلمت أني في نعيم ** لا يحول ولا يزول )
    فلما أثبته معرفة خفت لسانه وكان شريرا فكتبت إليه عزيز علي ما نالك من غرب لساني وبادرة لائمتي وأنت أحد إخواني فاعذر فإن ذاك مني على غير معرفة ولا اعتماد ولست تسمع مني بعدها شيئا إن شاء الله تعالى
    كان أبو أمية زوجا لعمارة مولاة جنان وكانت له ضيعة بحكمان يقدمها هو وابن عمه وأخوه أبو عثمان فغابت بحكمان وأرادت مولاتها ان تغيبها عنه لينساها وظنت أن ذكره لها عبث منه فكان يقصد الجبل بالبصرة فيسأل كل من اقبل من تلك الناحية إلى أن جاء يوما فرأى بعض من يعرف فقال أبو نواس
    ( أسأل القادمين من حكمان ** كيف خلفتما أبا عثمان )
    ( وأبا مية المهذب والمأمول ** والمرتجى لريب الزمان )
    ( فيقولان لي جنان كما سرك ** في حالها فسل عن جنان )
    ( ما لهم لا يبارك الله فيهم ** كيف لم يغن عندهم كتماني )
    ( صرت كالثن يشرب الماء فيما ** قال كسرى بعلة الريحان )
    ( أو كما قيل قبل إياك أعني ** واسمعوا يا معاشر الجيران )
    فلما بلغت مولاتها هذه الآبيات بعثت إليه إن أردت وهبتها لك فقال أريد ذلك إن أرادته هي فأخبرت جنان بذلك فقالت نعم لكن على شرط ألا يلوط فقال ليس إلى هذا سبيل ولم أكن لأضمن لها شيئا لا أفي به وقال
    ( يشارطني الحبيب على الشروط ** ولست لما يشارط بالسخوط )
    ( أرى ترك اللواط علي عارا ** لأني واحد من قوم لوط )
    قال محمد بن عبد الملك بن مروان الكاتب
    كنت جالسا بسر من رأى في شارع أبي احمد فانشدت قول أبي نواس
    ( أسأل القادمين من حكمان ** كيف خلفتما أبا عثمان )
    وكان إلى جانبي شيخ جالس فضحك فقلت له لقد ضحكت من أمر قال أجل أنا أبو عثمان الذي قال فيه أبو نواس هذا الشعر وأبو أمية ابن عمي وجنان جارية أخي ولم يكن في موضع عشق ولا عشرة ولا كان مذهب أبي نواس النساء ولكنه كان عبثا منه
    قال أبو العباس محمد بن يزيد
    قال النابغة الجعدي
    ( أكني يغير اسمها وقد علم الله خفيات كل مكتتم ** )
    وهو سبق الناس إلى هذا المعنى وأخذوه جميعا منه فزادوا ونقصوا وأحسن من أخذه أبو نواس حيث يقول
    ( أسأل القادمين من حكمان ** ) قصصه مع جنان
    أشرف أبو نواس من دار على منزل عبد الوهاب الثقفي وقد مات بعض أهله وعندهم مأتم وجنان واقفة مع النساء تلطم وفي يدها خضاب فقال
    ( يا قمرا أبرزه مأتم ** يندب شجوا بين أتراب )
    ( يبكي فيذري الدر من نرجس ** ويلطم الورد بعناب )
    ( لا تبك ميتا حل في حفرة ** وأبك قتيلا لك بالباب )
    ( أبرزه المأتم لي كارها ** برغم دايات وحجاب )
    ( لا زال موتا دأب أصحابه ** وذاك أن أبصره دابي )
    كان سفيان بن عيينة يقول لقد أحسن بصريكم هذا أبو نواس وفتح النون وشدد الواو حيث يقول
    ( يا قمرا أبرزه مأتم ** يندب شجوا بين أتراب )
    ويتعجب من قوله
    ( ويلطم الورد بعناب ** )
    وقيل إن أبا نواس قال هذا الشعر في غير جنان وذلك انه كان بدرب عون حارس يقال له مبارك وكان يلبس ثيابا نظيفة سرية ويركب حمارا فيطوف عليه السوق بالليل ويكريه نهارا فإذا رآه من لا يعرفه ظن انه من التجار وكان يصل إليه في كل شهر من السوق ما يسعه ويفضل عنه وكانت له بنت من أحسن النساء فمات مبارك وحضره الناس فلما خرجت جنازته خرجت بنته حاسرة بين يديه فقال أبو نواس فيها
    ( يا قمرا أبرزه مأتم ** يندب شجوا بين أتراب )
    خرج أبو نواس يوما فلقي جنان خارجة الى بعض المآتم بالبصرة وعليها قناع وشي فاتبعها وكلمها وقال أين تريدين قالت مأتم آل فلان أعزيهم عن ميت لهم قال فأنا والله أتنقب وأجيء معك حتى أراك حاسرة قالت شأنك قال فتنقب ومضى معها في هيئة النساء حتى إذا رآها حاسرة قال فيها
    ( يا منسي المأتم أشجانهم ** لما أتاهم في المعزينا )
    ( حلت قناع الوشي عن صورة ** ألبسها الله التحاسينا )
    ( فاستفتنهن بتمثالها ** فهن للتكليف يبكينا )
    ( حق لذاك الوجه أن يزدهي ** عن حزنه من كان محزونا )
    قيل لأبي نواس إن امرأة ذكرت لجنان عشقه لها فشتمته جنان وتنقصته وذكرته أقبح الذكر فقال
    ( وابأبي من إذا ذكرت له ** وطول وجدي به تنقصني )
    ( لو سألوه عن وجه حجته ** في سبه لي لقال يعشقني )
    ( نعم إلى الحشر والتناد نعم ** أعشقه أو ألف في كفني )
    ( لا أنثني ويك عن محبته ** ما دام روحي مصاحبا بدني )
    ( أصيح جهرا لا أستسر به ** عنفني فيه من يعنفني )
    ( يا معشر الناس فاسمعوه وعوا ** إن جنانا صديقة الحسن )
    فبلغها ذلك فغضبت عليه غضبا شديدا وهجرته وأطالت هجره فرآها ذات ليلة في منامه وأنها قد صالحته فاهتاج شوقا إليها وكتب إليها
    ( إذا التقى في المنام طيفانا ** عاد لنا الوصل كما كانا )
    ( يا قرة العينين ما بالنا ** نشقى ويلتذ خيالانا )
    ( لو شئت إذ أحسنت لي في الكرى ** أتممت إحسانك يقظانا )
    ( يا عاشقين اصطلحا في الكرى ** وأصبحا غضبي وغضبانا )
    ( كذلك الأحلام غرارة ** وربما تصدق أحيانا )
    ورآها يوما في ديار ثقيف فتجهمته بما يكره فغضب وهجرها مدة فأرسلت إليه رسولا لتصالحه فرده ولم يصالحها ورآها في النوم تطلب صلحه فقال
    ( دست له طيفها كيما تصالحه ** في النوم حين تأبى الصلح يقظانا )
    ( فلم يجد عند طيفي طيفها فرجا ** ولا رثى لتشكيه ولا لانا )
    ( حسبت أن خيالي لا يكون كما ** أكون من أجله غضبان غضبانا )
    ( جنان لا تسأليني الصلح سرعة ذا ** فلم يكن هينا منك الذي كانا )
    كتب أبو نواس إلى جنان وقد عتب عليها من أجل كتاب
    ( أكثري السهو في كتابك وأمحيه ** إذا ما محوته باللسان )
    ( وامري المسحات بين ثناياك ** العذاب المفلجات الحسان )
    ( إنني كلما مررت بسطر ** فيه محو لطعته بلساني )
    ( تلك تقبيلة لكم من بعيد ** قربت لي وما برحت مكاني مع جارية للقاسم بن الرشيد وأخرى من جواري آل المهلب
    مرت جارية للقاسم بن الرشيد جميلة وفي كفها نرجس فجمشها أبو نواس فلم تكلمه فقال ما أقبح الهجر بك يا سيدتي فقالت له أقبح من هجري إفلاسك فأنشأ يقول
    ( قلت لها يوما ومرت بنا ** رعبوبة في كفها نرجس )
    ( ما أقبح الهجر فقالت لنا ** أقبح منه عاشق مفلس )
    قال أبو نواس
    تعشقت جارية مغنية من جواري آل المهلب فكانت تراسلني وأرأسلها فأرسلت إلى يوما وصيفة لها لطيفة فعبثت بها فأخبرت بذلك سيدتها فكتبت إلي تقول
    ( ليس الفتى الحر المحب مجمشا ** لرسول حبة قلبه المرتاح )
    ( ذاك الخلي من الهوى وعذابه ** وحليف كل إرادة ومزاح )
    فكتب إليها
    ( زعم الرسول بأنني جمشته ** كذب الرسول وفالق الإصباح )
    ( إن كنت جمشت الرسول فغافصت ** روحي أنامل قابض الأرواح )
    ( شغلي بحبك عن سواك وليس لي ** قلبان مشغول وآخر صاحي )
    ( قلبي الذي لم يبق فيه هواكم ** فضلا لتجميش ولا لمزاح )
    قال الجماز حججنا في السنة التي حج فيها أبو نواس فالتقينا في الطواف جميعا ثم تقدمني فكنت أراه خلف امرأة ولا أكاد أراه إلا خلفها وهما أمامي فلم أدر من هي ثم صرت إلى الحجر الأسود فإذا أنا بالمرأة تلثم الحجر وإذا هو قد لثمه معها حتى ألصق خده بخدها فقلت هذا أفسق الناس ثم تفطنت فإذا هي جنان فلما انصرفا لقيته فقلت له ويحك في هذا الموضع لا يزجرك زاجر ولا يمنعك خوف الله عز وجل ولا يردك حياء من الناس قد رايتك وما صنعت اليوم فقال يا أحمق وحسبت قطع المهامه والسباسب والرمال إلا للذي حججت له وإليه قصدت ثم أنشأ يقول
    ( وعاشقين التف خداهما ** عند التثام الحجر الأسود )
    ( فاشتفيا من غير أن يأثما ** كأنما كانا على موعد )
    ( لولا دفاع الناس إياهما ** لما استفاقا آخر المسند )
    ( ظلنا كلانا ساتر وجهه ** مما يلي جانبه باليد )
    ( نفعل بالمسجد ما لم يكن ** يفعله الأبرار في المسجد )
    قال هارون بن سعد بن الحارث
    كنت أسمع في الكوفة بذكر ابي نواس فسألت أبي أن يجهزني إلى بغداد بتجارة ففعل فوصلت بغداد ولزمت دار أبي نواس وخدمته حتى قربت من قلبه فإني معه ذات يوم في بعض الطرق إذ أقبل غلام ما رأيت قبله أحسن منه بطرة على جبينه شعره حسن ولباسه حسن وكان أبو نواس في يومه ذاك واجما كثير الفكر فوقف الغلام وسلم عليه فرد أبو نواس وجعل الغلام يمازحه فلا ينبسط أبو نواس له فحمل عليه الغلام في المزاح والكياد فلما أضجره قال لي معك ألواح قلت نعم قال هاتها فاخذها وكتب فيها
    ( اذهب نجوت من الهجاء ولذعه ** وأما ولثغة رحمة بن نجاح )
    ( لولا فتور في كلامك يشتهى ** وترفقي لك بعد واستملاحي )
    ( وتكسر في مقلتيك هو الذي ** عطف الفؤاد إليك بعد جماح )
    ( لعلمت أنك لا تمازح شاعرا ** في ساعة ليست بحين مزاح )
    ورحمة هذا هو عم نجاح بن سليمان الكاتب وهو الذي يقول فيه أبو نواس
    ( إني حممت فلم أشعر بحماكا ** حتى تحدث عوداي بشكواكا )
    ( فقلت ما كانت الحمى لتعهدني ** عن غير ما علة إلا لحماكا )
    ( وخصلة هي أيضا يستدل بها ** عافاني الله منها حين عافاكا )
    ( أما إذا اتفقت نفسي ونفسك في ** هذا وذاك وفي هذا وهاذاكا )
    ( فكن لنا رحمة نفسي فداؤك لا ** تكن خلافا لما ذو العرش سماكا )
    ( فقد علمت يقينا أو ستعلمه ** صنيع حبك في قلبي وذكراكا )
    وفيه يقول أبو نواس
    ( رحمة يا نفسي الفدا ** ويا غزال الكتبه )
    ( قد شفني حبك حتى ** صرت مثل القصبه )
    ( فليت حظي قبلة ** منك شراء أو هبه )
    ( فقال لي مستهزئا ** ألا تمنى حدبه )
    ( قلت بلى يا سيدي ** وسلعة في الرقبه ) يهجو عبيد الله بن أبي سهل
    وقال أبو نواس يهجو عبيد الله بن ابي سهل بن نوبخت
    ( ثقيل يطالعنا من أمم ** إذا سره رغم أنفي ألم )
    ( لطلعته وخزة في الحشا ** كوقع المشارط في المحتجم )
    ( كأن الفؤاد إذا ما بدا ** بإشفى إلى كبدي منتظم )
    ( أقول له إذ أتى لا أتى ** ولا حملته إلينا قدم )
    ( فقدت خيالك لا من عمى ** وصوت كلامك لا من صمم )
    ( تغظ بما شئت عن ناظري ** ولو بحر امك لا تحتشم )
    فلما بلغ ذلك أخاه سليمان بن أبي سهل بن نوبخت اجابه عنه بقوله
    ( وذي ثروة من قبيح الشيم ** صريح الدناءة مولى الكرم )
    ( بعينيه عن كل حسن عمى ** وأذنيه عن كل خير صمم )
    ( خفي على أعين المكرمات ** وأشهر في ريبة من علم )
    ( إذا رفعت للخنا راية ** ألح على ساقه واعتزم )
    ( وإن نهض الناس للمكرمات ** فما تحمل الساق منه القدم )
    ( ويغدو بحرفته للصديق ** وإن حصنته دروع النعم )
    ( أقد لنعماه من شفرة ** وأقطع في عمره من حلم )
    ( وينمي إلي حكم دعوة ** وما إن له نسب في حكم )
    ( كأن الوقاحة قدت له ** على وجهه رقعة من أدم )
    ( أحب إلى الناس من قربه ** حلول المشيب بهم والسقم )
    ( وأشهى إلى العين من شخصه ** سفا بين أجفانها تنتظم )
    ( وأسعد ما تجتنيه الأنوف ** إذا ما تكلم داء الخشم )
    ( أشد الأماكن من نتنه ** مناسبة بين دبر وفم )
    ( ولما تطرق أعراضنا ** ولم يك في عرضه منتقم )
    ( كتبت الهجاء على أخدعيه ** بمزدوج من أكف الخدم )
    فلما سمع أبو نواس هذا الشعر وغيره مما هجوه به قال
    ( لقد نسلت رزين نسلا من استها ** عليهن سيما في العيون تلوح)
    ( فعشواء مفحاش وأعشى مضلل ** وأعور دجال عليه قبوح )
    ( إذا استنطقت رزين يوما تعاجمت ** وفو فرجها بالفاحشات فصيح )
    ( سيبقى بقاء الدهر ما قلت فيكم ** وأما الذي قد قلتموه فريح )
    خرج أبو نواس مع أصحاب له إلى منزه بالبصرة فلما صاروا بدجلتها انشق زق لهم فيه شراب فقالوا لأبي نواس ما لنا غيرك اكتب إلى عبد الملك بن إبراهيم بن قبيصة في نبيذ وكان في ضيعة فكتب إليه
    ( يابن إبراهيم يا عبد الملك ** واثقا أقبلت بالله وبك )
    ( أنت للمال إذا أصلحته ** فإذا أفسدته فالمال لك )
    ( إن زقا كان يروي شربنا ** عصف الدهر عليه فهلك )
    فأمر لهم بما أرواهم من النبيذ وبدنانير وقال هذه نفقة هذا
    وكتب أبو نواس إلى صديق له يستهديه نبيذا
    ( يومنا يوم لذيذ ** مالنا فيه نبيذ )
    ( أنا من تعطيل يومي ** بك فيه أستعيذ )
    شرب يحيى بن زكريا دواء فاهدى إليه الناس هدايا وتباروا فيها فكتب إليه أبو نواس
    ( تنوق في الهدية كل قوم ** إليك غداة شربك للدواء )
    ( فلما أن هممت بها مدلا ** إليك بحرمتي بك والإخاء )
    ( رأيت كثير ما أهدوا قليلا ** لمثلك فاقتصرت على الدعاء )
    قال بعضهم
    صار إلي الحسن بن هانئ في ليلة من الليالي وهو مرعوب فنزع ما كان عليه من الثياب وأخذ قميصا وسراويل وإزارا من ثيابي ثم تطهر ولبسها وما زال يصلي باقي ليلته إلى الصبح ثم اصبح صائما فسألته عن السبب في ذلك فقال كنت منصرفا من بعض المواخير فاجتزت في مقبرة فبينا أنا ماش فيها إذ أنشدت قول ذي الرمة
    ( بطيزناباذ كرم ما مررت به ** إلا تعجبت ممن يشرب الماء )
    فأجابني مجيب من المقبرة أسمع صوته ولا أرى شخصه
    ( وفي جهنم ماء ما تجرعه ** حلق فأبقى له في الجوف أمعاء )
    فراعني ذلك فكان مني ما رأيت وصفه للأشربة
    قال يحيى
    دخلت على أبي نواس في عدة من الظرفاء فقلنا له صف لنا الأشربة فقد عرفنا تمكنها من شهوتك ونشو محبتها في طبيعتك فقال أما الماء فيعظم خطره بقدر تعذره وأما السويق فبلغة العجلان وتعلة المريض والسكنجبين دواء المرضى ويشاركهم فيه الأصحاء والجلاب شراب الصبيان وأما اللبن فيشبع الجائع الغرثان ويروي الظمآن وأما الداذي فكالبياض في الدثار والنرسي في الشعار وأما العسل فنبيل المنظر سخيف المخبر وعن الخمرة تنفرون وهي شقيقة الروح وصديقة النفس ما ارتضعت ممزوجة وصرفها غير مأمون على إنهاك البدن بعاجل الألم وآجل السقم مع غرس سقم يؤدي إلى عطب ثم قال
    ( لائمي في المدام غير نصوح ** لا تلمني على شقيقة روحي )
    ( لا تلمني على التي فتنتني ** وأرتني القبيح غير قبيح )
    ( قهوة تترك الصحيح سقيما ** وتعير السقيم ثوب الصحيح )
    ( إن بذلي لها لبذل جواد ** واقتنائي لها اقتناء شحيح )
    ومن جيد شعر ابي نواس
    ( لا تعرج بدارس الأطلال ** واسقنيها رقيقة السربال )
    ( عتقت في الدنان حتى استفادت ** نور شمس الضحى وبرد الظلال )
    ( فهي بكر كأنها كل شيء ** حسن طيب لذيذ زلال )
    ( ولعمر المدام إن قلت فيها ** إن فيها لموضعا للمقال )
    كان الجاحظ يزعم أن عمرا أرشق الأسماء وأخفها وأظرفها وأسهلها مخرجا وكان يسميه الاسم المظلوم لالزامهم به الواو التي ليست منه ولا فيه دليل عليها ولا إشارة إليها ويزعم أن هذا الاسم لم يقع في الجاهليه إلا على فارس مذكور أو ملك مشهور أورئيس مطاع أو سيد متبوع ويعد جماعة من ذلك وأنشد على ذلك لأبي نواس يهجو أشجع السلمي
    ( أيها المدعي ولاء سليم ** لست منها ولا قلامة ظفر )
    ( أنت فيها مستلحق مثل واو ** ألحقت في الكتاب ظلما بعمرو )
    وأنشد لأبي نواس أيضا في ذلك من قصيدة
    ( فقلت له ما الاسم قال سموأل ** على أنني أكنى بعمرو ولا عمرا )
    ( وما شرفتني كنية عربية ** ولا أكسبتني لا سناء ولا فخرا )
    ( ولكنها خفت وقلت حروفها ** وليست كأخرى إنما جعلت وقرا )
    ( فقلنا له عجبا بظرف لسانه ** أجدت أبا عمرو فجود لنا الخمرا )
    فاستدل بقوله
    ( وما شرفتني كنية عربية ** )
    على أنها كنية الأشراف والملوك والأكابر وقوله ولا عمرا أي لا ولد لي لأنني صبي
    وبقية هذه القصيدة
    ( فأدبر كالمزور يقسم طرفه ** لأرجلنا شطرا وأوجهنا شطرا )
    ( وقال لعمري لو أحطتم بوصفها ** للمناكم لكن سنوسعكم عذرا )
    ( فجاء بها زيتية ذهبية ** فلم نستطع دون السجود لها صبرا )
    ( خرجنا على أن المقام ثلاثة ** فطابت لنا حتى أقمنا بها عشرا )
    ( عصابة سوء لا يرى الدهر مثلهم ** وإن كنت منهم لابريئا ولا صفرا )
    ( إذا ما دنا وقت الصلاة رأيتهم ** يتحونها حتى تفوتهم سكرا ) شعره في آداب المنادمة
    ولأبي نواس في آداب المنادمة
    ( ولست بقائل لنديم صدق ** وقد أخذ الشراب بمقلتيه )
    ( تناولها وإلا لم أذقها ** فيأخذها وقد ثقلت عليه )
    ( ولكني أدير الكأس عنه ** وأصرفها بغمزة حاجبيه )
    ( وإن مد الوساد لنوم سكر ** دفعت بموسدي أيضا إليه )
    ( فذلك ما حييت له وإني ** أبر بمثله من والديه )
    وقال أبو نواس
    ( وبكر سلافة في بيت حان ** لها درعان من قار وطين )
    ( تحكم علجها إذ قلت سمني ** علي غير البخيل ولا الضنين )
    ( فضضت ختامها والليل داج ** فدرت درة الودج الطعين )
    ( بكف أغر مختضب بنانا ** مذال الصدغ مضفور القرون )
    ( لنا منه بعينيه عدات ** يخاطبنا بها كسر الجفون )
    ( كأن الشمس مقبلة إلينا ** تمشي في قلائد ياسمين )
    ( أقول لناقتي إذ بلغتني ** لقد أصبحت عندي باليمين )
    ( فلم أجعلك للقربان نحلا ** ولا قلت اشرقي بدم الوتين )
    ( حرمت على الأزمة والولايا ** وأعلاق الرحالة والوضين )
    الولايا البرادع
    أعلاق الرحال ما عليها من العهون وغيرها الوضين حزام الرحل يفضل الفرزدق على الشماخ
    كان أبو نواس يقول ما أحسن الشماخ في قوله
    ( إذا بلغتني وحملت رحلي ** عرابة فاشرقي بدم الوتين ) أولا قال كما قال الفرزدق
    ( علام تلفتين وأنت تحتي ** وخير الناس كلهم أمامي )
    ( متى تأت الرصافة تستريحي ** من الإنساع والدبر الدوامي )
    وقال أبو نواس
    ( اسقني يا بن أذين ** من سلاف الزرجون )
    ( اسقني حتى ترى بي ** جنة غير جنون )
    ( عتقت في الدن حتى ** هي في رقة ديني )
    ( قهوة غيب عنها ** ناظرا ريب المنون )
    ( ثم شجت فأدارت ** حولنا مثل العيون )
    ( حدقا ترنو إلينا ** لم تحجر بجفون )
    ( ذهبا يثمر درا ** كل إبان وحين )
    ( بيدي ساق عليه ** حلة من ياسمين )
    ( وعلى الأذنين منه ** وردتا آذريون )
    ( غاية في الظرف والشكل ** وفرد في المجون )
    ( غنني يابن أذين ** ولها بالماطرون )
    قال أبو نواس
    قلت يوما لابي دعامة امض بنا إلى عنان قال هي تكره مجيئك إليها وعبثك بها قلت ليس عليها مني بأس قال فجئنا وكان الظهر وهي غير ظاهرة ثم تطلعت فسلمت وسلم عليها ولم تقل له في الصعود شيئا فقال
    ( عنان يا منيتي ويا سكني ** أما تريني أجول في سككك )
    ( ملكتني اليوم يا معذبتي ** فصيريني الغداة من فككك )
    ( وعجلي ذاك وارحمي قلقي ** واثبتي لي البراة في صككك )
    فضحكت وقالت
    ( لم يبق مما نطقت قافية ** يقولها قائل سوى عككك )
    ( بلى وأخرى إن قالها فطن ** يقولها في قريض ذي تككك )
    ثم سكتت فقلت
    ( بلى وإن شئت قلت فيشلة ** تسكن الهائجات من حككك )
    فأغلقت باب الخوخة وقالت لا بارك الله فيك الم اقل لك لا تجئني به أبو نواس ومروان بن ابي حفصة والذلفاء
    قال أبو عبد الله احمد بن أبي فنن دخل مروان بن أبي حفصة على الذلفاء جارية ابن طرخان وعندها أبو نواس فأعظمه مولاها وأجله وقرب مجلسه فوجد أبو نواس من ذلك في نفسه فقال قل لها فلتجز بيت الحبيب جرير
    ( غيضن من عبراتهن وقلن لي ** ماذا لقيت من الهوى ولقينا )
    فقالت وكانت تشبب بالرشيد
    ( قد هجت بالبيت الذي أنشدتني ** حبا بقلبي للإمام دفينا )
    فقام أبو نواس وهو يقول
    عجبا من حماقة الذلفاء ** تتشهى فياشل الخلفاء )
    قال أبو عبدالله وزدت أنا على بيت أبي نواس
    ( لو تشهيت غيرها كان أحرى ** من أيور الدناة والضعفاء )
    ( إن أحرى الأمور عندي منالا ** شهوات الأكفاء للأعفاء )
    قال وألحقت ذلك بشعره فنسب إليه دوني ورواه الناس له
    قال أبو نواس
    أول اتصالي بالخلفاء أن الرشيد قال ذات ليلة لهرئمة بن أعين اطلب لي رجلا يصلح للحديث والسمر فخرج فسأل فدل علي فادخلني عليه فسألني عن اسمي واسم أبي ثم قال أرقت في هذه الليلة فخطر ببالي هذان البيتان وهما
    ( وقهوة كالعقيق صافية ** يطير من حسنها لها شرر )
    ( زوجتها الماء كي تذل له ** فامتنعت حين مسها ذكر )
    قال فقلت بديها
    ( كذلك البكر عند خلوتها ** يظهر منها الحياء والخفر )
    ( حتى إذا ساسها مملكها ** فما لها فيه ثم مزدجر )
    ( عادت له ثيبا تفاكهه ** قد غاب عنها بالرقة الأشر )
    ( ترضيعه تارة وتتبعه ** صريع كرم بعينه حور )
    فقال أحسنت والله وأمر لي بمال وكان سبب اتصالي به الرشيد يتأمل عارية ويقول علي بأبي نواس
    صعد الرشيد يوما على بعض سطوح قصره فرأى جارية عريانة فلم يزل يديم النظر إليها وهي تغتسل حتى التفتت فنظرت إليه فلما رأته سترت فرجها بيدها ونزلت عن السطح الذي كانت عليه ونزل الرشيد فقال علي بأبي نواس فجيء به فلما دخل قال له قل على بيت قلته قال قل يا أمير المؤمنين كيف قلت فقال الرشيد
    ( نظرت عيني لحيني ** نظرا وافق شيني )
    فقال أبو نواس
    ( سترته إذ رأتني ** بين طي العكنتين )
    ( فبدت منه فضول ** ما توارى باليدين )
    فقال عرفت القصة يا بن الخبيثة فحلف ما عرفها ولكن شيء وافق شيئا فأمر له بعشرين ألف درهم قال وأمر بجواري القصر يعرضن فلم يظفر بالجارية فيهن فصعد ومعه مسرور الخادم فأومى إلى الحجرة التي رآها وإذا هي طباخة فحظيت عنده وولدت منه
    قال بعض النوبختيين ممن يحيط علما بأحوال أبي نواس
    إن هذه الحكايات عن ابي نواس والرشيد موضوعات وإن أبا نواس ما دخل على الرشيد قط ولا رآه وإنما دخل على محمد الأمين وما ملك أبو نواس عشرين ألف نواة فكيف عشرين ألف درهم كوثر يجمع بين الأمين وأبي نواس
    كان محمد الأمين يعربد إذا سكر وأراد كوثر أن يطرف الأمين بابي نواس فجمع بينهما فقال أبو نواس لكوثر إن السقي إليك فارفق به يعني محمدا فإنه إذا سكر عربد وقتل قال فجعل كوثر يسقيهما ثم إن محمدا غلب عليه السكر فقال لكوثر جئني برأس ابي نواس فأخذه كوثر فقال له قد أمرت بقتلك ولا بد من إمضاء الأمر فيك فقال له أبو نواس أنا والله اصحى من أبي حنيفة والرجل سكران وليس يحب قتلي ولكنه مغلوب قال وما يدريك لا بد من إنفاذ أمره فقال أغلق علي أي المجالس شئت وأقفل وأنا فيه حتى يصبح ففعل ذلك واستوثق منه فلما نهض من سكره قال أين أبو نواس فقال له كوثر قتلته يا سيدي البارحة بأمرك فزبر كوثرا وصاح عليه وقال والله لو قتلته قتلتك فأتى كوثر ففتح عليه وجعل يضاحكه ويلاعبه ويقول له انت ساحر أنت شيطان ثم قال دعني وإياه يا بن الفاعلة والله لأفعلن به ولاصنعن فلما نظر إليه قال له ابو نواس إنما أنت عربيد فجعل لا يدع بليه إلا قالها ومحمد يضحك فمما قال
    ( نديمي ليس منسوبا ** إلى شيء من الحيف )
    ( سقاني ثم حياني ** كفعل الضيف للضيف )
    ( فلما دارت الكأس ** دعا بالنطع والسيف )
    ( كذا من يشرب الماء ** مع التنين في الصيف )
    فأمر له بجائزة ومركب وقال الزم المنادمة
    وروي في هذه الأبيات غير هذا وهو أن القاسم بن الرشيد كان ماجنا وكان أجمل أهل زمانه فقال يوما لأبي نواس سألتك بالله لما صدقتني عما أسألك قال إي وحياتك يا سيدي قال أتشتهيني قال ما خطر ببالي هذا قط فقال القاسم بلى قد رأيتك تنظر إلي بشهوة فبحياتي عليك إلا صدقتني فقال يا سيدي ما أظن أحدا من العباد يراك فيعافك فقال يا بن الفاعله ثم أمر به أن يشد ويضرب عنقه فأنشأ يقول
    ( نديمي غير منسوب ** إلى شيء من الحيف )
    وتروى هذه الأبيات للحسين بن الضحاك يقولها لإبراهيم بن المهدي وكان أبو نواس قد تعشق كوثرا هذا فقال له أصحابه لم لا تقول الشعر فيه قال فالتفت فقال يا مجانين أما وأنا أروي بيتا واحدا للنابغة فلا ثم أنشأ يقول
    ( أصبحت صبا ولا أقول بمن ** من خوف من لا يخاف من أحد )
    ( إن أنا فكرت في هو اي له ** مسست رأسي هل طار عن جسدي )
    ( إني على ما ذكرت من فرق ** لآمل أن أناله بيدي )
    وبيت النابغة الذي غناه أبو نواس هو
    ( نبئت أن أبا قابوس أوعدني ** ولا قرار على زأر من الأسد )
    وقيل إن هذه الابيات التي هي
    ( أصبحت صبا ولا أقول بمن ** )
    إنما قالها أبو نواس في محمد الأمين
    وقالوا إن أبا نواس كان يشرب يوما مع الأمين فنشط للسباحة فلبس ثياب ملحم ولبس كوثر مثل ذلك ووقعا في البركة فنظر أبو نواس إلى بدن محمد فرأى شيئا لم ير مثله قط فلما كان من غد جاءه الحسين بن أبي المنذر مسلما عليه قال الحسين فسألته عن خبره مع محمد فقال ويلك رأيت الفتنة ثم حدثني بخبره معه وأنشد هذا الشعر في محمد الأمين
    ( أصبحت صبا ولا أقول بمن ** )
    قال الحسين فقلت له ويحك اتق الله في رأسك فإنه إن بلغه قتلك فأمسك الأبيات التي أباح بها الأمين قتله
    وقيل إن الأبيات التي أباح بها الأمين قتل أبي نواس هي
    ( ياقاتل الرجل البريء ** وغاصبا عز الملوك )
    ( كيف السبيل للثم سالفتيك ** أو تقبيل فيك )
    ( الله يعلم أنني ** أهوى هواك وأشتهيك )
    ( وأصد عنك حذار أن ** تقع الظنون علي فيك )
    ( إني أهابك أن أبوح ** بما أجن وأتقيك )
    قالوا الصحيح أن هذه الآبيات إنما قالها أبو نواس في كوثر خادم الأمين
    وكان الأمين معجبا بشعر أبي نواس فلما سمع محمد قول أبي نواس
    ( اسقنيها يا ذفافه ** مرة الطعم سلافه )
    ( هاتها جهرا ودعني ** من أحاديث خرافه )
    ( قهوة ذات اختيال ** سلمت من كل آفه )
    ( إن غيري من قلاها ** لرجاء أو مخافه )
    ( ذل بل ضاع الذي يعذل ** فيها يا ذفافه )
    ( مثلما ذلت وضاعت ** بعد هارون الخلافه )
    حقد عليه الأمين ذلك فلما أنشد قوله
    ( وفتيان صدق قد صرفن مطيهم ** إلى بيت خمار نزلنا به ظهرا )
    ( فلما حكى الزنار أن ليس مسلما ** ظننا به خيرا فصيره شرا )
    ( فقلنا على دين المسيح بن مريم ** فأعرض مزورا وقال لنا كفرا )
    ( ولكن يهودي يحبك ظاهرا ** ويضمر في المكنون منه لك الغدرا )
    ( فجاء بها زيتية ذهبية ** فلم نستطع دون السجود لها صبرا )
    ( إذا ما دنا وقت الصلاة رأيتهم ** يحثونها حتى تفوتهم سكرا )
    سمع أيضا قوله في مواضع أخرى من كفره حبسه وقال أنت زنديق
    ولما أحضره وقرره على الزندقة قال لا والله يا سيدي ثم أنشد بديها
    ( أصلي صلاة الخمس في حين وقتها ** وأشهد بالتوحيد لله خاضعا )
    ( وأحسن غسلا إن ركبت جنابة ** وإن جاءني المسكين لم أك مانعا )
    ( وإني وإن حانت من الكأس دعوة ** إلى بيعة الساقي أجئه مسارعا )
    ( وأشربها صرفا على جنب ماعز ** وجدي كثير اللحم أصبح راضعا )
    ( بجوذاب حوارى وخبز وسكر ** وما زال للمخمور مذ كان نافعا )
    ( وأجعل تخليط الروافض كلهم ** لفقحة بختيشوع في النار طابعا )
    قال فضحك وقال ويلك كيف اختصرت على بختيشوع فقال يا سيدي لم تستقم القافيه إلا به فأمر له بجائزة وأطلقه بعد اتهامه بالزندقة الأمين علي بالسيف والنطع
    قال عاصم بن حميد بن تميم الوراق
    رأيت أبا نواس وهو في سراويل والناس يجرونه ويضربونه في قفاه بالنعال ويقولون زنديق ويرمونه بالحجارة حتى أدخلوه إلى محمد بن زبيدة فقال ما هذا قالوا زنديق فقال السيف والنطع فقال أبو نواس أصلي ركعتين فأفرجوا عنه فتهيأ للصلاة ثم رفع رأسه إلى السماء وكبر وصلى ركعتين وقال
    ( سبحان من خلق الخلق ** من ضعيف مهين )
    ( فساقه من قرار ** إلى قرار مكين )
    ( في الحجب شيئا فشيئا ** يحار دون العيون )
    ( حتى بدت حركات ** مخلوقة من سكون )
    فقال محمد ما هذا زنديق أعطوه ألف درهم واخلعوا عليه فخرج تحت الخلع وطردوا الناس عنه وقال أجروها عليه فلم يزل يجريها عليه حتى مات
    قال النظام
    لما سمعت هذه الأبيات نبهتني لشيء كنت غافلا عنه حتى وضعت كتابا في الحركة والسكون قال ابن حبيب
    كنت مع مؤنس بن عمران ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد فقال لي مؤنس لو دخلنا على أبي نواس في السجن فسلمنا عليه ففعلنا فقال أبو نواس لمؤنس أين تريد قال أردت أبا العباس الفضل بن الربيع قال فتبلغه رقعة أعطيكها قال نعم فأعطاه رقعة فيها
    ( ما من يد في الناس واحدة ** كيد أبو العباس مولاها نام الثقات على مضاجعهم ** وسرى إلى نفسي فأحياها )
    ( قد كنت خفتك ثم آمنني ** من أن أخافك خوفك الله )
    ( فعفوت عني عفو مقتدر ** وجبت له نقم فألغاها )
    فكانت هذه الأبيات سبب خروجه من السجن الرشيد يتهمه بالكفر
    انصرف أبو نواس من بعض المواخير سكران فمر بمسجد قد حضرت فيه الصلاة فدخل فقام في الصف الأول فقرأ الإمام { قل يا أيها الكافرون } فقال أبو نواس من خلفه لبيك فلما قضيت الصلاة لببوه وقالوا له يا كافر نشهد عليك بالكفر ورفعوه فبلغ خبره الرشيد فدعا له حمدويه صاحب الزنادقة وأحضره فقال له يا أمير المؤمنين إن هذا ما جن وليس هو بحيث يظن أمير المؤمنين فقال له الرشيد ويحك إنه وقع في نفسي منه شيء فامتحنه قال فخط له صورة ماني وقال له ابصق عليها فأهوى أبو نواس يده إلى فيه ليقيء عليها فقال له حمدويه قد قلت لك يا أمير المؤمنين إنه ماجن قال ودعا برجل من الزنادقة مشهور فقال له ابصق عليها فقال وما معنى البصاق إنه ليس من أخلاق السراة ولا أفعالهم وأبى أن يفعل فقال الرشيد لبعض خدم القصر امض بهذا يعني أبا نواس إلى السندي فقل له أدبه وأطلقه وبهذا يعني الزنديق فقل له احبسك قبلك إلى أن تستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه فمضى بهما الخادم فلما صار في آخر الصحن قال أبو نواس للخادم إلى أين تذهب بنا قال إلى السندي قال ما تقول له قال أقول له يحبسك قبله حتى تستتاب أو تقتل ويؤدب هذا ويطلقه قال فرفع أبو نواس يده ولطمه وقال يا بن الزانية أمن الساعة نسيت وبصر بهم الرشيد فقال ردوهم فردوهم فقال لأبي نواس ما هذا الذي رأيت منك قال أراد والله أن يهلكني ويطرحني بحيث أنسى أبدا وأبقى مخلدا سله يا أمير المؤمنين عن الرسالة فسأله فإذا هو قد غيرها فضحك من أبي نواس وأطلقه تعقيب للمؤلف
    قال محمد بن المكرم
    هذا والله من المجون البارد الغث الخارج عن حد العقل والأدب والاستحسان ولعمري إن الماجن ليتأدب مع مخلوق مثله إذا كانت له أدنى صورة فكيف لا يتأدب مع القدرة الربانية ولأبي نواس فيما عدا ذلك من المجون مجال متسع ولقد أذكرتني هذه الصورة حكاية عجيبة سمعتها وذلك أني مررت في بلاد الغور على سدوم ومدائن قوم لوط والبحيرة فرأيت فيها من العبرة ما ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم في قلبها ورأيت عاليها سافلها وسافلها عاليها وهي في غاية ما يكون من الظلام والقتام والخراب تقشعر منها الجلود حتى كأن النار في أرجائها والدخان يتصعد من أنحائها فتعجبت من ذلك وتعوذت من عذاب الله تعالى فقال لي شخص من أهل زغر أطرفك باعجوبة ما يحكى أعجب منها فسألته عنها فقال مر رجل في هذا المكان فرأى ما رأيت من هذه المدائن فتعجب منها وسأل عنها فقيل له هذه مدائن قوم لوط فقال هاه هذه مدائن أصحابنا فما استتم كلامه حتى غاصت به الأرض وابتلعته فكأن لم يكن في موضعه أحد فليت شعري ما الحامل لأبي نواس على هذا المجون المملوء من التهكم بالربوبية نعوذ بالله من خذلانه ونستغفر الله رب العالمين
    قال رزين الكاتب
    اجتمعنا يوما أنا وأبو نواس وعلي بن الخليل والقراطيسي في سوق الكرخ وكنا نجتمع ونتناشد ونتذاكر ونتحدث فقال أبو نواس يا قوم جفاني أوثر من كان في نفسي وكان أسرع الخلق إلى طاعتي فما أدري ما أحتال له فقال علي بن الخليل يمازحه يا أبا علي سل شيخك وأستاذك يعطفه عليك قال من تعني قلت من أنت في طاعته ليلك ونهارك يعني إبليس فإن لم يقض لك هذه الحاجة فما ينبغي أن تسأله مسألة ولا أن تقر عينه بمعصية فقال هو أشد كرامة من أن يخل بي ويخذلني وانفض مجلسنا ذلك فلما كان بعد أيام اجتمعنا في ذلك الموضع وأخذنا في أحاديثنا فضحك أبو نواس فقلنا ما أضحكك فقال ذكرت قول علي بن الخليل يومئذ سل شيخك يعطف عليك حبيبك قد سأله يا أبا الحسن فقضى الحاجة وما مضت والله ثالثه حتى أتاني من غير أن أبعث إليه ومن غير أن استزيره فعاتبني واسترضاني وكان الغضب منه والتجني وأحسب الشيخ كان يتسمع علينا في وقت كلامنا وقد قلت أبياتا في ذلك فقلنا له هاتها فأنشد
    ( لما جفاني الحبيب وامتنعت ** عني الرسالات منه والخبر )
    ( اشتد شوقي فكاد يقتلني ** ذكر حبيبي والهم والفكر )
    ( دعوت إبليس ثم قلت له ** في خلوة والدموع تنحدر )
    ( أما ترى كيف قد بليت وقد ** أقرح جفني البكاء والسهر )
    ( إن أنت لم تلق لي المودة في ** صدر حبيبي وأنت مقتدر )
    ( لا قلت شعرا ولا سمعت شعرا غنا ** ولا جرى في مفاصلي السكر )
    ( ولا أزال القرآن أدرسه ** أروح في درسه وأبتكر )
    ( وألزم الصوم والصلاة ولا ** أزال دهري بالخير آتمر )
    ( فما مضت بعد ذاك ثالثة ** حتى اتاني الحبيب يعتذر )
    ( ويطلب الود والوصال على ** أفضل ما كان قبل يهتجر )
    ( فيا لها منة لقد عظمت ** عندي لإبليس ما لها خطر ) يشرب عند عبيد بن أبي المنذر
    قال الحسين بن المنذر
    كان أبو نواس يشرب عند عبيد بن أبي المنذر وبات ليلته ثم قال لا بد من غمى فقوموا بنا فأتيناها ودخلنا حانة خمار قد كان يعرفه ومعه غلام كان قد أفسده على أبويه وغيبه عنهما زمانا ونحن في أطيب موضع فذكرنا ما نحن فيه من الطيبة والنعيم نعيم الجنة وطيبها والمعاصي وما يحول عنه منها وهو ساكت فقال
    ( يا ناظرا في الدين ما الأمر ** لا قدر صح ولا جبر )
    ( ما صح عندي من جميع الذي ** يذكر إلا الموت والقبر )
    فامتعضنا من قوله وأطلنا توبيخه وأعلمناه أنا نتخوف من صحبته فقال ويلكم والله إني لأعلم ما تقولون ولكن المجون يفرط علي وأرجو أن أتوب فيرحمني الله تعالى ثم قال
    ( أية نار قدح القادح ** وأي جد بلغ المازح )
    ( لله در الشيب من واعظ ** وناصح لو حذر الناصح )
    ( يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ** ومنهج الحق له واضح )
    ( فاعمد بعينك إلى نسوة ** مهورهن العمل الصالح )
    ( لا يجتلي العذراء في خدرها ** إلا امرؤ ميزانه راجح )
    ( من اتقى الله فذاك الذي ** سيق إليه المتجر الرابح )
    ( فاغد فيما في الدين أغلوطة ** ورح بما أنت له رائح )
    ثم قال هذا هو عمل الشيطان ألقى الزهد في الكلام ليفسد يومكم فلم نزل في أطيب موضع فلما أردنا الانصراف قال أمهلوا ثم أنشدنا
    ( يا رب مجلس فتيان لهوت به ** والليل مستخلس في ثوب ظلماء )
    ( نشتف صافية من صدر خابية ** تعشي عيون نداماها بلألاء )
    كان الجاحظ يقول
    لا أعرف من كلام الشعراء كلاما هو أرفع ولا أحسن من قول أبي نواس
    ( أية نار قدح القادح ** )
    قال سليمان بن أبي سهل
    مر بي أبي نواس في يوم من أيام الربيع وقد طشت السماء فلما دخل من الباب لم يكلمني حتى قال
    ( ما مثل هذا اليوم في طيبه ** عطل من لهو ولا ضييعا )
    ( فما ترى فيه وما ذا الذي ** تحب في ذا اليوم أن تصنعا )
    ( هل لك أن نغدو على قهوة ** تسرع في المرء إذا أسرعا )
    ( ما وجد الناس وما جربوا ** للهم شيئا منلها مدفعا )
    قال فقلت له ما كان يسعدني على هذا اليوم غيرك أقم فعندنا كل ما نحتاج إليه فأقام عندي يومه فلما كان في السحر وقد أفرط عليه السكر حتى ظننته لا يطيق إنشاد بيت قال يا سليمان اسمع وأنشد
    ( باح لساني بمضمر السر ** وذاك أني أقول بالدهر )
    ( وليس بعد الممات مرتجع ** وإنما الموت بيضة العقر )
    ثم قال اكتم عني فالمجالس بالامانة الأمين لأبي نواس اهج خادم الرشيد ابن الفاعلة
    قال إبراهيم بن محمد الكرخي
    أرسل إلي سليمان بن أبي سهل بن نوبخت أن أبا نواس عندنا فصر إلينا فإني أحسبك لا تراه بعد اليوم فلم ألبث أن جاء أبو نواس فدخل وعليه دراعة وشي كوفي وقلنسوة ما رأيت أحسن منها وإذا العلة قد بلغت به فهو في آخر رمقه فلم يجد أوسع من الموضع الذي أنا فيه فجلس إلى جانبي فقلت له يا أبا علي ما رأيتك لبست مثل هذا اليوم فقال لي وما تعرف قصته قلت لا والله وما هي قال أمر الرشيد الكسائي أن يختلف إلى محمد بعد ما ولاه العهد وأمره أن يلزمه وأن يحضرني إذا حضر لأنشد محمدا الشعر النادر وأحدثه الغريب فكنت أفعل وكان خادم من قبل الرشيد موكل بمحمد فجرى بين الخادم وبين محمد يوما كلام وأنا حاضر فقال محمد يا أبا نواس اهج هذا الخادم ابن الفاعلة قال فقلت نعم يا سيدي وقلت في نفسي قد وقعت في بلية إن هجوت الخادم خفت أن يغتابني عند الرشيد فيقتلني وإن لم أفعل خفت محمدا أن يقتلني فانصرفت على أن أهجو الخادم فلم أرجع أياما فما علمت إلا والكسائي قد وافاني فقال لي ويلك إن محمدا الأمين يتهددك بالقتل إن لم تهج الخادم فقلت يا أبا الحسن ما يحتال لي في هذا غيرك فقال أنا صائر إليه ومصلح بين الخادم وبينه فإذا فعلت أخبرته أنني لقيتك الساعة منصرفا من دار العباس بن موسى الهادي وأنك عند خروجك من عندنا لقيك فأخذك أسيرا فمضى بك إلى منزله فلم يدعك إلا في هذا اليوم فإنه سيبعث إليك فيحضرك فلا تبرح من منزلك فمضى الكسائي فأصلح بينه وبين الخادم وخبره بما قال لي فبعث إلي محمد فصرت إليه وقلت له مثل ما قال الكسائي قلت وبلغني أنك تهددني بالقتل فقال نعم فلما بلغك أني تهددتك بالقتل ما قلت في ذلك فحضرني على المكان
    ( بك أستجير من الردى ** وأعوذ من سطوات باسك )
    ( وحياة رأسك لا أعود ** لمثلها وحياة راسك )
    ( فإذا قتلت أبانواسك ** من يكون أبا نواسك )
    فتبسم ثم قال لا يكون يا غلام اذهب إلى فلان الخادم فقل له ابعث بالتخت الذي بعثت به البارحة سيدتي أم جعفر فذهب الغلام فجاء بالتخت فدفعه لي وانصرفت فكان فيه ثوبا وشي هذا أحدهما والاخر احتجت إلى ثمنه فبعته وقطعت هذه الدراعة والقلنسوة واحتجت إلى أن رهنت الدراعة فلما بلغت من العلة إلى ما ترى قلت أنعم نفسي بلبس هذه الدراعة فافتككتها ولبستها وفارقته في ذلك اليوم فما رأيته بعده ومما قاله في هذا المعنى يعاتب الأمين به
    ( قل للخليفة إنني ** حسن أراك بكل ناس )
    ( من ذا يكون أبا نواسك ** إن حبست أبا نواس )
    ( أقصيته ونسيته ** ولعهده بك غير ناسي )
    ( قد كنت آمل غير ذا ** لو كنت تنصف في القياس )
    ( إن أنت لم ترفع به ** رأسا هديت فنصف راس )
    فلما سمع العتابي بذلك قال له يا بن كذا وكذا ما أحسن نصف رأس خليفة يرفع فقال جعلني الله فداك يا أبا عمرو لا تنبهن على ذنبي فتهلكني
    هذا عندي من الشعر الذي لا يخاطب به الخلفاء ولا يخاطب به إلا من لا أستحسن ذكره فإن عليه أمائر الفسق والتخانث يريد تقبيل الأمين بأية وسيلة
    كان أبو نواس يختلف إلى محمد بن زبيدة وكان الكسائي يعلمه النحو فقال أبو نواس للكسائي إني أريد ان أقبل محمدا فقال له الكسائي إن علي في هذا وصمة وأكره أن يبلغ هذا أمير المؤمنين فقال له أبو نواس إنك إن تركتني أقبله وإلا قلت فيك أبياتا ورفعتها إلى الرشيد فأبى عليه الكسائي وظن أنه لا يفعل فكتب أبو نواس في رقعة
    ( قل للأمير جزاك الله صالحة ** لا تجمع الدهر بين السخل والذيب )
    ( السخل غر وهم الذئب غفلته ** والذئب يعلم ما في السخل من طيب )
    ويروى
    ( السخل يعلم أن الذئب آكله ** )
    ورفعها إلى بعض الخدم ليوصلها إلى الرشيد فجاء بها الخادم إلى الكسائي فلما قرأها علم أنه شعر أبي نواس وأنه لا يقلع عنه إلا بقضاء حاجته فلما جاء أبو نواس في الغد وهو لا يشك في وصول رقعته إلى الرشيد قال له الكسائي ويحك هذا أمر عظيم وأخاف أن يلحقني منه مكروه ولكن سأتلطف لك فغب عنا أياما ثم أحضر كأنك قادم من غيبة وسلم علي وعلى محمد فأني أسلم عليك وأعانقك ويسلم عليك محمد ويعانقك فتكون قد قبلته ولم ينكر عليك ولا علي وتبلغ حاجتك فغاب وتحدث الكسائي أن أبا نواس غائب ثم جاء فقام إليه الكسائي وسلم عليه وعانقه وسلم أبو نواس على محمد وقبله وقال أبو نواس
    ( قد أحدث الناس ظرفا ** يعلو على كل ظرف )
    ( كانوا إذا ما تلاقوا ** تصافحوا بالأكف )
    ( فأحدثوا اليوم رشف الخدود ** والرشف يشفي )
    ( فصرت تلثم من شئت ** من طريق التحفي )
    ( فصار رشف وبوس ** وذاك يشفي ويكفي )
    ( والحمد لله هذا ** من بعض لهوي وقصفي )
    قال الصولي من هذا أخذ ابن المعتز قوله
    ( قف لنافي الطريق إن لم تزرنا ** وقفة في الطريق نصف الزيارة )
    قال ابن طاهر
    وهذا الحديث مصنوع باطل لان ابناء الخلفاء في مثل حال المخلوع أجل مكانا أن يعانقوا أحدا من الرعية
    وقد ذكر هذا الشعر لعبد الصمد بن المعذل وأخبرني أبو علي الفضل بن جعفر بن الفضل بن يونس المعروف بالبصير أنه له وأنه قاله وهو في الكوفة في حداثة من سنه قدوم أبي نواس على الخصيب بمصر
    لما قدم أبو نواس على الخصيب بمصر أذن له وعنده جماعة من الشعراء فاستنشده فقال له ها هنا جماعة من الشعراء هم أقدم مني وأسن فأذن لهم في الإنشاد فإن كان شعر نظيري أشعارهم أنشدت وإلا أمسكت فاستنشدهم فأنشدوا مديحا في الخصيب فلم تكن أشعارهم مقاربة لشعر أبي نواس فتبسم ثم قال أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يأفكون قال هات فأنشده
    ( أجارة بيتينا أبوك غيور ** وميسور ما يرجى لديك عسير )
    حتى أتى على آخرها فانفض الشعراء من حوله
    ويقال
    إن أبا نواس كان خرج إلى مصر في زي الشطار وتقطيعهم بطرة قد صففها وكمين واسعين وذيل مجررة ونعل مطبقة وكان خروجه مع سليمان بن أبي سهل فلما دخل على الخصيب بهذه الصورة ازدراه واستخف به وكان أورد عليه كتب الجلة ممن بباب السلطان فقرأ كتبه ولم يستنشده فانصرف مهموما
    وجاء أهل الأدب فاستمعوا شعره وكتبوه وأنشدوه للخصيب فاستحضره فأنشده
    ( أجارة بيتينا أبوك غيور ** وميسور ما يرجى لديك عسير )
    فلما بلغ الى قوله
    ( تقول التي من بيتها خف مركبي ** عزيز علينا أن نراك تسير )
    ( أما دون مصر للغنى متطلب ** بلى إن أسباب الغنى لكثير )
    ( فقلت لها واستعجلتها بوادر ** جرت فجرى في جريهن عبير )
    ( ذريني أكثر حاسديك برحلة ** إلى بلد فيها الخصي الخصيب أمير )
    فقال له الخصيب إذا يكثر حسادها وتبلغ أملها وأمر له بآلف دينار
    ومن هذه القصيدة
    ( إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ** فأي فتى بعد الخصيب نزور )
    ( فما جازه جود ولا حل دونه ** ولكن يصير الجود حيث يصير )
    ( فتى يشتري حسن الثناء بماله ** ويعلم أن الدائرات تدور )
    ( ولم تر عيني سؤددا مثل سؤدد ** يحل أبو نصر به ويسير )
    ( وإني جدير إذ بلغتك بالمنى ** وأنت بما أملت منك جدير )
    ( فإن تولني منك الجميل فأهله ** وإلا فإني عاذر وشكور )
    فلما كان من غد ذلك اليوم الذي دخل فيه أبو نواس دخل إليه أيضا واستنشده فأنشده
    ( يا منة إمتنها السكر ** ما ينقضي مني لها الشكر )
    ( أعطاك فوق مناك من قبل ** قد كان قبل مرامها وعر )
    ( يثني إليك بها سوالفه ** رشأ صناعة عينه السحر )
    ( ظلت حميا الكأس تبسطنا ** حتى تهتك بيننا الستر )
    ( في مجلس ضحك السرور به ** عن ناجذيه وحلت الخمر )
    قوله وحلت الخمر كان قد حلف ألا يشرب حتى يواصله الذي شبب به فواصله فقال وحلت الخمر إلى أن انتهى إلى قوله
    ( أنت الخصيب وهذه مصر ** فتدفقا فكلاكما بحر )
    ( لا تقعدا بي عن مدى أملي ** شيئا فما لكما به عذر )
    ( ويحق لي إذ صرت بينكما ** ألا يحل بساحتي فقر )
    فقال له الخصيب إذا لا يخيب أملك ولا ينقطع مرادك ثم أمر له بألف دينار أخرى فقبض الألفين ثم بكر عليه في اليوم الثالث فأنشده
    ( محضتكم يا أهل مصر نصيحة ** فدونكم من ناصح بنصيب )
    ( ولا تثبوا وثب السفاه فتحملوا ** على حد حامي الظهر غير ركوب )
    ( فإن يك باقي إفك فرعون فيكم ** فإن عصا موسى بكف خصيب )
    ( رماكم أمير المؤمنين بحية ** أكول لحيات البلاد شروب ) أهل مصر يشغبون على الخصيب وأبو نواس يفرقهم بشعره
    وكان أهل مصر قد شغبوا على الخصيب لزيادة في أسعارهم وكان على شربه وعنده أبو نواس فوثب أبو نواس وقال دعني أيها الأمير أكلمهم فقال ذاك إليك فخرج حتى وافى المسجد الجامع وقد تواعدوا أن يجتمعوا فيه فأنشد هذه الأبيات ويقال إنه ارتجلها على المنبر فلما سمعها من اجتمع تفرقوا فلم يبق أحد منهم وعاد إلى مجلس الخصيب فأمر له بألف دينار أخرى وقال له ارتحل فما لك عندنا مقام فزوده من طرائف ما بمصر ووهب له جارية حسناء ووصيفا نظيفا وقال له ارتحلهما في طريقك وتزود منهما في مقامك
    قدم بعض التجار من الروم بغلمان فعرضوا على الخصيب فإذا فيهم غلام بديع الحسن فريد الجمال حين بلغ فقال الخصيب علي بأبي نواس فحضر فأراه الغلام وقال أرأيت في من وصفت من الغلمان مثل هذا قط قال لا قال فهو لك فأخذه ثم مكث يسيرا فأتى بعض التجار أيضا ومعه جوار روميات بديعات الحسن غريبات الجمال فعرضن عليه وإذا فيهن وصيفة غلامية عجيبة أحسن من فيهن فدعا أبا نواس فقال أرأيت في الغلاميات التي وصفتهن مثل هذه قط قال لا قال فهي لك فمضى بها
    وكان الناس يتعجبون من جمالهما فكان إذا خرج من منزله أخرجهما معه وإذا دخل أدخلهما معه فطال عليه ذلك فدعا غلامه وقال له قد زوجتك بها فعذله أصحابه وعنفوه وقالوا قد ضيعتها وكنت أحق بها منه مع كثرة ثمنها فقال إني قد دبرت أمرهما فأحسنت التدبير لأني لا أعف عنهما وهذان إذا نظر أحدهما إلى الأخر لم يصبرا أن يجتمعا فأردت أن أزوجه بها لتكون امرأته وأكشخنه أنا فيها وذلك أحب إلي من أن تكون جاريتي ويكشخنني هو فيها
    قال الرشيد يوما لابي نواس انشدني قولك في الخصيب
    ( منحتكم يا أهل مصر مودتي ** )
    فأنشده إياها فلما بلغ إلى قوله
    ( فإن يك باقي إفك فرعون فيكم ** فإن عصا موسى بكف خصيب )
    فقال له الرشيد ألا قلت
    ( فباقي عصا موسى بكف خصيب ** )
    فقال له هذا يا أمير المؤمنين أحسن ولكنه لم يقع لي القصيدة التي مدح بها الخصيب
    وقيل
    ( إن أبا نواس إنما كان امتدح الخصيب بقصيدته التي هي
    ( لم تدر جارتنا ولا تدري ** أن الملامة ربما تغري )
    ( هبت تلومك غير عاذرة ** ولقد ترى لك واضح العذر )
    ( واستبعدت مصرا وما بعدت ** أرض يكون بها أبو نصر )
    ( ولقد وصلت بك الرجاء ولي ** مندوحة لو شئت عن مصر )
    ( فيما تنافسه الملوك من الحور ** الحسان وعاتق الخمر )
    ( ومحدث كثرت طرائفه ** عان لدي لقلة الوفر )
    ( إني لآمل يا خصيب على ** يدك السعادة آخر الدهر )
    ( وكذاك نعم السوق أنت لمن ** كسدت عليه تجارة الشعر )
    ( أنت المبرز يوم سبقهم ** إن الجواد بعرقه يجري )
    ( عرف الخليفة أن نعمته ** حلت بساحة طيب النشر )
    ( كاف إذا عصب الأمور به ** ماضي العزيمة طيب الذكر )
    ( فانقع بسيبك غلة نزحت ** بي عن بلادي وارتهن شكري )
    فلما انشده إياها بكمالها أمره أن يقيم عنده فلم تطب نفسه بالمقام
    وقيل
    إنه سئل كم وهب لك الخصيب مع مدائحك فيه وقصدك من العراق إليه فقال لا والله لم يهب لي إلا مائة دينار والناس يكثرون في ذلك قال البطين بن أمية الحمصي الشاعر
    لما خرج أبو نواس إلى مصر كتب الناس إلينا بذلك فلم نزل نترقبه حتى قيل لنا قد قدم فجئت الخان لأسأل عن خبره فإذا إنسان قاعد على درجة متشح بخلوقية يستاك فدنوت منه فقلت يا فتى إنسان قدم من العراق يقال له ابو نواس ومعي ابن لي حسن الوجه جدا فقال ما تجعل لمن يدلك عليه قلت حكمه قال قبلة من هذا الغزال الذي معك قلت له ويحك هذا ابني قال آدم خير منك والناس يقبلون بنيه ويلاعبونهم قال قلت له أنت أبو نواس قال أنا هو فمن أين عرفتني قلت بنور الإيمان قال لا والله ولكن بظلمة الكفر مرحبا بك فما زلت أنادمه وما فارقته حتى ارتحل عن حمص وشيعته أبو نواس يهجو معاوية بن حديج
    كان معاوية بن حديج من أهل مصر وكان عالما فيلسوفا فقال له أبو نواس يهجوه
    ( كلنا يا بن حديج ** لك في العلم خول )
    ( غير أن الطب أولى ** بك من كل عمل )
    ( أنت عندي فيلسوف ** وبصير بالعلل )
    ( فلم الأير خفيف ** فإذا قام ثقل )
    ( فإذا أفرغ ما فيه ** تدلى وذبل )
    ( أحديث ذاك فيه ** أم قديم لم يزل )
    وقيل
    إن أبا نواس اكتسب من مال الخصيب بمدحه وقصائده الف دينار واكتسب بجاهه آلفي دينار فتفرغ لغلمان مصر وشرب الخمر واحب أن يتلذذ بمصر وانفق مما نال قطعة صالحة بمصر وأقام بها سنة بعد قضاء حوائجه في لهوه وباطله
    فبينا هو يدور في أسواق مصر وبها يومئذ ثلاثة غلمان أقران اخدان حسان الوجوه كأنهم الأقمار أصحاب ظرف وأدب ومروءة وحالة حسنة ولم يكن بمصر أحد يتقدم عليهم في صباحة الوجوه أحدهم من ولد شبيب ابن ربعي التميمي والآخر من ولد عطية بن الأسود الخارجي والآخر من أولاد الدهاقين فرآهم أبو نواس فأعجبته هيأتهم وجمالهم فقال في نفسه إن أنا لم أعمل على الفرص من هؤلاء فلم أعمل بمصر شيئا وإن أنا قضيت الغرض منهم فلا خير في مقامي في مصر بعد ذلك
    فدخلوا يوما سوق الجداء والحملان والريحان فاشتروا من ذلك شيئا كثيرا فسأل عنهم وعن أخبارهم فأخبر أنهم ورثوا مالا جليلا وقد انفردوا في غرفة لهم لها روشن يأوون إليها ولا ينادمون احدا حذرا على أنفسهم وشغلا بما هم عليه ونفقتهم واسعة وأمرهم جميل فلا يطمع احد نفسه فيهم
    فلما أعيته الحيل فيهم سمع أحدهم يوما يقول للآخر إذا كان يوم الأحد اصطبحنا
    فلما سمع أبو نواس ذلك اشترى جبة صوف وكساء مهنة وغير ذلك وجعل نفسه حمالا ولبس ذلك القماش وأخذ ثيابه وجعلها كرزنا على رأسه وجلس لهم في السوق بين الحمالين فإذا هم قد أقبلوا فاتبعهم إلى الموضع الذي يشترون حوائجهم منه فخف بين أيديهم وتعرض لحملهم فقالوا يا شيخ نحن نستحي أن نحمل على مثلك لسنك فقال إني غريب مضطر تؤجرون في فحملوا عليه فلما صاروا إلى المنزل ووضعوا الحمل عنه فرق كل شيء على حدته ورتبه وخف إلى البيت فكنسه وغسله ونفضه ونظفه ثم نظر إلى زجاج لهم فغسله وصيره من جودة الغسل كالجديد الزاهر ثم أصلح مكانهم وصف أوانيهم ونضد ريحانهم فأعجبوا به جميعا وقالوا له يا حمال أقم اليوم معنا فاخدمنا ونحن نحسن إليك فاقام فلما تغدوا قام إلى شراب مطين ففتح بزاله ثم سكب منه وسقى القوم ولم يزل يسقيهم ويشرب معهم الى أن سكروا وناموا وهم لا يعقلون سكرا فقام حين علم انه قد امكن أمكنه ما يريد منهم فقضى حاجته منهم جميعا وترك كل واحد منهم مسطوحا على وجهه محلول السراويل والبلل بين فخذيه ثم حل سراويله ونام على وجهه وجعل بين فخذيه من بزاقه على مثل حالهم فلما انتبه أولهم نظر إلى حاله فاتهم أبا نواس وقال هذا عمل الحمال فنظر فإذا أبو نواس أيضا على مثل حاله فأنبهه وقال قم يا شيخ فقام مرتاعا وتفازع لما رأى من حاله وأنبه الآخرين وقال انظروا ويحكم ما هذا فلم يتهموا غير أبي نواس إلا أنهم قد رأوه على مثل حالهم فقال بعضهم لبعض ليس الرأي أن يشيع هذا الأمر ولا أن نفضح أنفسنا فقام كل واحد منهم فاغتسل ثم قال لهم أبو نواس يا فتيان كل واحد منا قد أصبح عروسا فاصطبحوا بنا وباكروا اللذة كمباكرة العروس وأهلها اللذة قالوا صدقت فتغدوا جميعا ثم وضعوا الشراب فلما دار الشراب بينهم وفي رؤوسهم قام أبو نواس كأنه يقضي حاجة فخرج فلبس ثيابه التي من خلع الخصيب ورجع فلما دخل عليهم من الباب انكروه وقالوا يا هذا من انت فلما دنا منهم وعاد إلى موضعه قال أنا الحمال الذي صيركم البارحة عرائس قالوا أنت أبو نواس قال أنا أبو نواس فصفق كل واحد منهم على جبهته وتشاجروا فقال لهم قد وقع الأمر الآن موقعه ونحن على الشراب فإن ساعدتموني كان عندي أوفق لكم فشربوا معه على كره منهم وحياء فلما أمسى انصرف وهو يقول
    ( وفتية فتنة قد اجتمعوا ** مثل الدنانير حين تنتقد )
    ( ساقني الدهر نحوهم فإذا ** هم يقولون إن دنا الأحد )
    ( فباكروا الراح فاقطعوه بها ** غدوت للموعد الذي اتعدوا )
    ( علي إكليلة ومشملة ** وميهة لي حبالها مسد )
    ( عمدا تنكرت وارتصدتهم ** حتى أتوا سحرة كما وعدوا )
    ( حتى إذا ما اشتروا حوائجهم ** والحاج ترجى لهم وترتصد )
    ( ملت إليهم فقلت أحمله ** فإن عندي لحمله العدد )
    ( حبل وثيق وميهة وأنا ** بحمله عالم ومتئد )
    ( قالوا فخذه فأنت أنت له ** سوف نكافيك عند ما ترد )
    ( سرت وساروا إلى مشيدة ** فقيل لي اصعد هناك إذ صعدوا )
    ( إذا الأباريق والزجاج بها ** يطرب فيها المطرب الغرد )
    ( فثرت نحو الزجاج أغسله ** حتى تلالا كأنه البرد )
    ( فأعجب المرد خفتي لهم ** وليس في خفتي لهم رشد )
    ( قالوا لي اقعد وهات صف لنا ** وباكر الليل قبل يفتقد )
    ( قلعت إذ ذاك هامة وضعت ** على ضئيل كأنه وتد )
    ( فمر يهوي كأنه رجل ** يشخب منه الدماء مفتصد )
    ( ما زلت أسقيهم مشعشعة ** يخدر من وقع كأسها الجسد )
    ( حتى رأيت الرؤوس مائلة ** ولم يكن في رقابها أود )
    ( واعتقلت أسوق وألسنة ** فممسك رأسه ومستند )
    ( قمت إلى نيكهم على طرب ** وكل من دب فهو يرتعد )
    ( فبطأت بي عن لذتي تكك ** حتى إذا ما حللت ما عقدوا )
    ( عن كل ردف حسرت منتفج ** أبيض كالورد فيه يطرد )
    ( يا ليلة بت أجتني ثمر اللذات ** بين المردان إذ هجدوا )
    ( من ذا إلى ذا وقد أمرت بأن ** أعفج هذا وكل من أحد )
    ( حتى إذا أفاق أولهم ** قام وفخذاه بينها خضد )
    ( كأنما للبيض رض بينهما ** فهو ندي بجلده لبد )
    ( أيقظ إذ ذاك تربه فزعا ** أهل تحس مثل ما أجد )
    ( أو إنما ذاك الذي بنا عرق ** أما نراه كأنه زبد )
    ( والصمت والحلم عن كلامهم ** أحسن بي والكؤوس تطرد )
    ( علي قوهية وأقمصة ** أزدية الحوك كلها جدد )
    ( ثم تغنيت وامقا فرحا ** يا ليت سعدي وفت بما تعد )
    دخل الجماز على أبي نواس وبين يديه خمر وعنب وزبيب فقال له ما هذا ويحك فقال الأب والابن والروح القدس قال رجل لأبي نواس ما رأيت أكثر عشقا منك فقال جوارحي صحيحة وخواطري سليمة وذهني نقي وأنا مهيأ للعشق فلم لا أعشق ولي في كل مليح أرب فقلت له ليس على هذه الحال ينقضي عشقك أبدا فقال لا انقضى أبدا أبو نواس يحتال على ابن لصيرفي ويقول شعرا
    قال ابن ابي خلصة
    كان في سوق يحيى نصراني صيرفي وله ابن يتحدث عن حسنه أهل بغداد ويضرب به المثل فيما بينهم وكانت دكانه على باب داره فلم يكن يبرح ولا يدعه أبوه ينصرف ولا يمكنه أن يتجاوز دكانه فاشتد على أبي نواس ولم يدر كيف يحتال في أمره فعمد إلى جبة صوف قصيرة فلبسها وسراويل قصير ونعل رقيقة وتزيا بزي الزهاد وحلق شاربه وأخذ شعره وسرح لحيته وأخذ بيده دفترا ومحبرة ثم جاء يمشي بخشوع وتؤدة حتى سلم على الصيرفي وقعد على دكانه فيما بين العصر والمغرب وأخرج دينارا ودفعه إليه وقال له أعطني به دراهم فرأى الصيرفي سيماء حسنة ووقارا وزي القراء فأعظمه ورفعه ثم وزن بقيمة الدينار دراهم فدفعها إليه فاخذ ما أعطاه ولم يسأل عن السعر ولا ماكسه وأقبل يسائله عن بغداد وعن سيرة السلطان بها ومن يعرف من المحدثين كأنه رجل غريب وجعل كلما مر مسكين تصدق عليه بالنصف والدرهم والقطعة فعظم في عين الصيرفي فلما كان المغرب قال أبو نواس في حديثه للصيرفي إن لي قرابة بقرب الكناس وعليه أنزل والطريق بعيد جدا فقال له الصيرفي فلا تتجشم بعد الطريق في هذا الوقت الضيق وبت عندي الليلة فإذا اصبحت مضيت مصاحبا فشكره وقال ما أكره ذلك وكان للصيرفي غرفة على دكانه فأصعده وحانت صلاة المغرب فصف أبو نواس قدميه وأقبل على الصلاة فجاءه الصيرفي بطعام طيب وسأله أن يتحرم به فانفتل من صلاته وتناول شيئا يسيرا وقال هذا إفطاري ولا أفطر إلا من الليل إلى الليل وجاء بنبيذ فتنافر منه أبو نواس وقال لست من أهله ولا ممن يستعمله ولا ذقته إلا في أوائل العمر والحداثة وحملني على ذلك حينئذ غرة الشباب إذ كان مسكرا والسكر حامل على كل معصية مذموم عند أهل كل ملة فأتاه بحلوى فأكل منها وقعد النصراني وابنه واخوه يشربون وأبو نواس يحدثهم بأحاديث الزهاد والنساك والقراء والصالحين والسياح على عهد عيسى عليه الصلاة والسلام حتى ذهب الليل وكاد الصبح ان يسفر وعمل النبيذ فيهم وناموا في الغرفة معه نوما مستثقلا بالسكر والسهر فامهلهم حتى علم أن قد استغرقوا في النوم ثم قام إلى الغلام فقضى منه أربه فانتبه الغلام فزعا مذعورا فلما رأى ما فعل به اقبل يشتمه ويسبه ووثب عليه فقال ترفق يا حبيبي فالطيش والحرد بحمد الله تعالى لا يشبهانك وانت بحمد الله تعقل واشتغل الغلام بالنظر إلى ما جرى عليه ونجس من ثيابه فنزل أبو نواس من الغرفة وقد مر أوائل الناس في الطريق حتى أتى منزله بباب الطاق فلما أصبح غير ثيابه وحضر باب أسماء بنت المهدي وكان يجتمع عنده الشعراء فجئت فقعدت إلى جانبه فحدثني الحديث
    وقال في المجون يصف ما جرى له معه
    ( إذا هجع النيام فخل عني ** وعمن كان يصلح للدبيب )
    ( فإني عالم فطن أريب ** ولا يخبرك مثل فتى أريب )
    ( ألذ النيك ما كان اغتصابا ** بمنع الحب أو منع الرقيب )
    ( بليت بشادن أحوى ربيب ** بعيد في مودته قريب )
    ( كأن تعطف الأغصان منه ** قضيب مال في أعلى كثيب )
    ( ظفرت بمعقد الزنار منه ** وما ارتابت ظنون المستريب )
    ( فجلت بخفة في الردف أجري ** على ما شئت من لين وطيب )
    ( فلما اشتد للشبق اضطربي ** ورفع من ذلاذله قضيبي )
    ( تنبه حين أمطره سحابي ** وأنكر حالتي ورأى وثوبي )
    ( فقام يسبني ويحط قدري ** فقلت له ترفق يا حبيبى )
    فعجبت مما يتأتى له وقلت له إن كان لإبليس خليفة في الإنس فأنت هو فقال لي لا تشك فإني أنا ذلك . شعره في المجون
    وقال في المجون أيضا
    ( ومنتبه من نومه بعد هجعة ** وقد دب رب البيت شوقا إلى الساقي )
    ( فأولج فيه مثل أسود سالخ ** أصم من الحيات ليس له راقي )
    ( أشق لزيق الإست من حد شفرة ** وأنفذ في الخصيين من زج مزراق )
    ( فقلت له لما تورك فوقه ** وأطرق عند النوم أية إطراق )
    ( نشدتك ألا تلفين مقصرا ** ولا مشفقا في غير موضع إشفاق )
    ( أجد وجأ خصييه فإن سكوته ** وإطراقه للنيك إطراق مشتاق )
    ( فلو لم يكن يقظان ما قام أيره ** ولا لف عند النيك ساقا على ساق )
    وقال
    ( نادم الغر الكراما ** وخذ اللهو اصطلاما )
    ( واركب الاثام حتى ** يبعث الله الاناما )
    ( فلقد نكنا بدينار ** قمرناه غلاما )
    ( وشربنا يومنا ذلك ** بالباقي مداما )
    ( وكذا فعلى لعمري ** أبدا كي لا ألاما )
    ( لست أعطي في حرام ** أبدا إلا حراما )
    وقال
    ( حلفت برا يمينا ** علي حقا يقينا )
    ( أن لا أكون لأنثى ** حتى الممات قرينا )
    ( ولا أريد بنات ** ولا أريد بنينا )
    ( بلى أريد ظهورا ** ولا أريد بطونا )
    ( وقد فطنت لشيء ** يخفى على العالمينا )
    ( به أنيك حبيبي ** في ليلة عشرينا )
    أخبر اليؤيؤ قال
    قال لي أبو نواس خلوت يوما فقلت
    ( لا لا تنك من أنت صب به ** فالحب لا يصفو لمن ناكا )
    فأجابني إبليس
    ( إن لم تنك من أنت صب به ** ضرطك الحب وخراكا )
    جرى في مجلس سفيان نب عيينه حديث يروى عن مالك بن دينار أنه ذكر إبليس فقال وما إبليس والله لقد عصى فما ضر ولقد أطيع فما نفع فقال رجل لسفيان يا أبا محمد أنشدك للحسن بن هانئ الشاعر في هجاء إبليس شيئا مطبوعا قال هات فانشده
    ( عجبت من إبليس في كبره ** وخبث ما أظهر من نيته )
    ( تاه على آدم في سجدة ** وصار قوادا لذريته )
    فاستضحك سفيان ثم قال وأبيك لقد ذهب مذهبا وقال قولا ما ننفك من ملحة تأتينا عن هذا الشاعر يتعشق غلاما من اصحاب النرسي
    كان أبو نواس يتعشق غلاما من أصحاب النرسي يقال له يعقوب مشهورا بالجمال فكان يتبعه ويشكو إليه وجده به فلا يكلمه فكان أبو نواس يأخذ بيد الحسين بن المنذر في كل وقت فيقف في أصحاب النرسي ليراه فمكث بذلك حينا إلى أن وعده أن يزوره مرة بعد أخرى فلم يف له فوقف له يوما فكلمه وشكا إليه وجده به وطول عشقه له وأنه قد وعده مرة بعد أخرى فغدر به فقال له ويحك قد فضحتنى وشهرتني فما الذي تريد قال يا سيدي تفي لعبدك بوعدك قال ويلك لو عزمت على ذلك وكنت ادخل منزلك خفت الشهرة فقال يا سيدي تخرج كأنك تتنزه في الكرخ فنجتمع هناك في حانة اختارها لك لا يكون معنا فيها أحد من خلق الله إلا الخمار فقال أما بالنهار فلا أقدر ولكن إذا حان انصرافي من السوق فقف لي فقال نعم واشتد فرحه بذلك واستطال ذلك اليوم وقال فيه شعرا فلما كان وقت انصرافه وقف له فجاءة فقال تقدمني فتقدمه حتى صار إلى حانة نظيفة وقد أعد له فيها طعاما طيبا وأصناف الرياحين والفاكهة فقعدا ليس معهما إلا الخمار يخدمهما فظل في كل ما يتمنى إلى ان أصبح فادلج الغلام إلى سوقه وأقام أبو نواس هناك مصطبحا وقال
    ( قلبي على ما كان من شقوته ** صب بمن يهوى على جفوته )
    ( يختلق السخطة لي ظالما ** أحوج ما كنت إلى رحمته )
    ( وكلما جدد لي موعدا ** أخلفه التنغيص من علته )
    ( أضمر في القلب عتابا له ** فإن بدا أنسيت من هيبته )
    ( ينتسب الحسن إلى وجهه ** والطيب منسوب إلى نكهته )
    ( وليلة قصرها طولها ** بالكرخ أن متعت من رؤيته )
    ( أشرب من ريقته مرة ** ومرة أشرب من فضلته )
    ( في مجلس يضحك تفاحه ** من الرياحين إلى حضرته )
    ( ليس يرى خلوتنا ثالث ** إلا الذي نشرب من قهوته )
    ( فكلما عضض تفاحة ** قبلت ما يخرج من عضته )
    ( حتى إذا ألقى قناع الحيا ** ودبت الخمرة في وجنته )
    ( ملكني حل سراويله ** وكان لا يأذن في قبلته )
    ( دب له إبليس فاقتاده ** والشيخ نفاع على لعنته )
    ( عجبت من إبليس في تيهه ** وخبث ما أظهر من نيته )
    ( تاه على آدم في سجده ** وصار قوادا لذريته )
    تمشى أبو نواس يوم عيد فطر إلى المصلى لصلاة العيد ومعه الحسين بن قرة النوفلي فأنشد أبو نواس
    ( أوصي حسينا بما نفسي أخص به ** من الوصية محضا دون من نصحا )
    ( لا ترفع لأير في شوال عن أحد ** فقد أعقك شهر الصوم ما صلحا )
    ( خذ للمعاصي إذا أفطرت أهبتها ** وانزع قناع الحيا واستعمل الفرحا )
    قال الحسين فخفت والله أن نحصب
    قال الجماز
    كان أبو نواس يعشق رحمة بن نجاح وكان يغشى ديوان الخراج بنفسه وكان رحمة قد علم بذلك فكان يتقبض منه ويتحرز منه قال فأتاه يوما واغتفله وذهب ليعانقه فاختلس قبلة من خده فعجل إلى مكانها فمسحه بكمه وخجل من حيلة أبي نواس عليه وأنشأ أبو نواس يقول
    ( يا ما سح القبلة من خده ** من بعد ما قد كان أعطاها )
    ( أخفت أن يعرف إعجامها ** أبوك في الخد فيقراها )
    ( لو كنت لما خفت ذا قلته ** كنا إذا بسنا محوناها )
    ( أو لتركنا شكل إعجامها ** ولامها منها حذفناها )
    ( فصار في موضعها قبة ** للحسن في وجهك صغناها )
    دخل أبو نواس بعد ما نسك على قوم من إخوانه وعندهم شراب ومغن فعرضوا عليه الجلوس فأبى وأخذ الدواة والقرطاس وكتب
    ( أيا من بين باطية ودن ** وعود في يدي غاو مغني )
    ( إذا لم تنه نفسك عن هواها ** وتحسن صونها فإليك عني )
    ( فإني قد شبعت من المعاصي ** ومن إدمانها وشبعن مني )
    ( ومن أسوا وأقبح من لبيب ** يرى متطربا في مثل سني ) الرشيد يتمثل بقوله في اختيار وصيفة
    قال اسماعيل بن صبيح
    قال الرشيد يا اسماعيل ابغني وصيفة مليحة فطنة مقدودة شكلة حلوة ظريفة عالمة تسقيني فإن الشرب يطيب من يد مثلها قال فقلت يا سيدي على الجهد فقال اجعل قول هذا العيار أمامك يريد أبا نواس وامتثل فيها ما حد في مثلها لك قلت يا سيدي وما قوله قال
    ( من كف ساقية ناهيك ساقية ** في حسن قد وفي ظرف وفي أدب )
    ( كانت لرب قيان ذي معالنة ** بالفسق محترف بالكشخ مكتسب )
    ( فقد رأت ووعت عنهن واختلفت ** ما بينهن ومن يهوين بالكتب )
    ( حتى إذا ما غلى ماء الشباب بها ** وأفعمت في تمام الجسم والقصب )
    ( وجمشت بخفي اللحظ فأنجمشت ** وجوب الوعد بين الصدق والكذب )
    ( تمت فلم ير إنسان لها شبها ** فيمن برى الله من عجم ومن عرب )
    ( تلك التي لو خلت من عين قيمها ** لم أقض منها ولا من حبها أربي )
    قال اسماعيل
    فوالله ما قدرت على جارية فيها بعض ذلك
    وقوله
    ( تلك التي لو خلت من عين قيمها ** )
    معناه لو قدرت عليها لم اشبع منها أبدا وأول هذه القصيدة البائية
    ( ساع بكأس إلى ناش على طرب ** كلاهما عجب في منظر عجب )
    لا يعرف ناش بمعنى منتش على أن أبا نواس في ذلك حجة وقيل ان من رواه بالسين المهملة فقد غلط فيه والرواية بالشين المعجمة
    ( قامت تريك وأمر الليل مجتمع ** صبحا تولد بين الماء والعنب )
    ( كأن تركا صفوفا في جوانبها ** تراشقوا الرمي بالنشاب من كثب )
    ( كأن صغرى وكبرى من فواقعها ** حصباء در على أرض من الذهب )
    كان المأمون لما عقد على بوران ابنة الحسن بن سهل اهتم الحسن بن سهل بذلك همة مثله لمثل المأمون وكان من اعجب ما سمع النثار الذي نثر في الاملاك عليها وذلك انه عمد إلى الضياع والعقارات والبساتين والأملاك والحمامات وغير ذلك فكتب أسماءها كل اسم في رقعة ودرجها وجعلها في بنادق من عنبر معجون بمسك ونثرت تلك البنادق على الناس في الأملاك والتقطها الحاضرون فكل من التقط شيئا فتحه واخذ الرقعة واحضرها إلى الحسن بن سهل فيشهد له بذلك الذي التقطه ويكتب إلى وكيله بتسليم ذلك المكان إليه مع بذوره وقوته وغلاته وجميع ما فيه وسلم اليه كتب أصوله
    ولما دخل المأمون عليها اجلس على حصير من ذهب وقد نسج في الحرير كما فعل في الحصر وجعل قضبان الذهب ممدودة بدلا من الاسل والابريسم مكان الخيوط وجيء بمكتل من ذهب مرصع بالجوهر فيه جواهر مختلفات الاصناف والألوان والأثمان ونثر منه كبار الجوهر من الدر الفاخر واللؤلؤ والياقوت الذي كل حبة منه بألوف على تلك الحصير
    وكان أهل المأمون من الهاشميات قياما وفيهن أم جعفر زبيدة واسمها أمة العزيز بنت جعفر بن ابي المنصور وانما رقصها المنصور وهي صبية وكانت بيضاء سمينة فجعل يقول انت زبيدة انت زبيده فاستمر ذلك اسمها وفيهن حمدونة بنت الرشيد وغيرهما فتكبرن أن يلتقطن فقال المأمون ما هذا الوجوم أكرمنها بالتقاطكن من نثارها ثم بدأ فأخذ واحدة فالتقطن كل واحدة واحدة واثنتين تطرفا وامتثالا لامره وبقي اكثر الجوهر على الحصير فقال المأمون لله در ابن هانئ حيث يقول
    ( كأن صغرى وكبرى من فواقعها ** حصباء در على أرض من الذهب )

    192
    .../...
    أعجب بهذه المنشور ماجد احمد الجراح
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..