نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

إبراهيم خليل العلاف - جماعة كركوك (الأدبية).. فصل من تاريخ العراق الثقافي المعاصر

  1. لعل (جماعة كركوك) 1964 ـ 1968من أكثر الجماعات الأدبية التي ظهرت في العراق المعاصر شهرة، وإنتاجا، وتأثيرا .. وقد ضمت هذه الجماعة نخبة من ممثلي الحركة الثقافية العراقية شعرا ونقدا وقصة وفنا تشكيليا وترجمة ومقالة. ويكاد مؤرخو هذه الجماعة، ومنهم من عمل معها، يتفقون على أن الآباء المؤسسين الأوائل لهذه الجماعة هم جليل القيسي، وفاضل العزاوي، ومؤيد الراوي وسركون بولص، وجان دمو، ويوسف الحيدري، وصلاح فائق سعيد، وانور الغساني، ويوسف سعيد وفاروق مصطفى وكان القاسم المشترك الأعظم الذي جمع هؤلاء المثقفين تحت مظلة أدبية واحدة هو روحهم التجديدية، وتبرمهم من الأوضاع العامة التي كانت تسود العراق آنذاك، ونزوعهم الى التمرد ومعاناتهم من الإحباط واصرارهم على السياحة في ارض الله الواسعة وفوق هذا وذاك فان معظمهم كان من أهل مدينة كركوك. ويعلق الأستاذ فاروق مصطفى وهو من أرخ لهم في كتابه ـ الوثيقة الموسوم :((جماعة كركوك : الاستذكارات الناقصة)) والذي طبعه طبعة محدودة في كركوك سنة 2005، على سبب تسميتهم بجماعة كركوك بالقول ((إن جماعة كركوك لا تعني ان رابطة او جمعية جمعت أصحاب تلك الأسماء، إلا أن شيئا من هذا لم يحصل وشيوع مصطلح جماعة كركوك يعود الى أمرين رئيسيين : اولهما انهم ينتسبون الى مدينة كركوك وثمة وشائج ود وصحبة طيبة تجمعهم. وثانيهما يرجع الى محاولتهم تجديد الأدب العراقي وتحديثه وقد اثبت بعضهم الجدارة فـي هذا المضمار)).


    وللأستاذ شاكر لعيبي رأي في ذلك، اذ يعقب بقوله إن من أهم سمات جيل الستينيات (من القرن الماضي) العراقي، ومنهم على وجه الخصوص جماعة كركوك، هي قدرته على الإزعاج، وإقلاق الوسط الثقافي في لحظة كاد يتحجر بها نهائيا. وقد تم ذلك إما عبر نزعة تجريبية نصية .. او عبر فوضى من التعابير والمفاهيم الفكرية والفلسفية المستعارة من مصادر شتى.



    تعد سنة 1964، تاريخا رسميا لبواكير نشاط جماعة الستينيات من القرن العشرين، إلا أن البداية الحقيقية كانت في مقهى بمدينة كركوك يعرف بمقهى النصر والتي أصبحت تسمى بعد ذلك بالمدورة، فهناك كان يجلس جليل القيسي، ويوسف الحيدري، وجان دمو وفاروق مصطفى وقد تكررت الجلسات بين الجماعة في أماكن أخرى منها مقهى المجيدية او حتى في دور بعضهم وفي تلك الأماكن ،ومنها دكان للصياغة تعود لشقيق جليل القيسي، تتم قراءة ما تنتجه أقلامهم من قصص وقصائد ومقالات وسرعان ما اتسعت دائرة اللقاءات، وقد استطاع بعضهم ان يصل بغداد لينشر فيها نتاجاته، ومن هؤلاء سركون بولص، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ان عددا من انتاجات الجماعة اخذ يظهر على صفحات المجلات اللبنانية، ولما كان فاروق مصطفى يدرس في كلية الآداب بجامعة بغداد آنذاك، فقد تحمل عبأ حمل نتاجات زملائه وتسليمها الى القاص عبد الرحمن مجيد الربيعي، وكان آنذاك مسؤولا عن الصفحة الأدبية في جريدة (الأنباء الجديدة) البغدادية، وفي هذا الوقت بدأ خبر الجماعة يشيع في بغداد، وكان مؤيد الراوي من أكثر الجماعة قدرة على التجريب في كتاباته القصائد ذات المنحى الحداثوي، كما برز صلاح فائق سعيد كشاعر وكمترجم وكان فاضل العزاوي وأنور الغساني يقيمان في بغداد، حيث استطاع العزاوي ان يقتحم عالم الصحافة هناك وترك الغساني دراسته في اكاديمية الفنون ليعمل رساما وخطاطا. ويقول فاروق مصطفى انه كان يلتقيهما في بعض مقاهي بغداد الأدبية ومنها مقهى البرلمان، ومقهى البلدية. ويضيف ان هاجس التحديث كان مسيطرا عليهم، ولم يقتصر التحديث على الشعر، بل شمل القصة واللوحات التشكيلية. ومن خلال متابعة أدبيات الجماعة ووثائقها يمكن القول أن جليل القيسي يعد من أوائل الذين تجاوزوا حدود العراق في النشر، ففي سنة 1967 أصدرت له دار النهار في بيروت، مجموعته القصصية الاولى ( صهيل المارة حول العالم). ولم يكن عمر القيسي آنذاك يتــجاوز الـ( 30) عاما، لهذا كانت المجموعة، على حد قول الناقد الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي، مثار إعجاب وجدل كبيرين، ويرى حمودي ان سبب شهرة القيسي وزملائه هو أنهم خرجوا عن المألوف، فقد كانوا يكتبون بحرارة ودم مثقل بالعاطفة والأمل في تغيير العالم وتشظية تاريخ العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها.



    يقول جليل القيسي في حوار نشره الأستاذ نوزاد أسود سنة 2002 واطلعت عليه منشورا للمرة الثانية في جريدة المشرق البغدادية يوم 13 كانون الثاني 2007 إن بواكير تأسيس جماعة كركوك ترجع إلى سنة 1959 عندما التقى بفاضل العزاوي ومن ثم بمؤيد الراوي وسركون بولص وجان دمو ويوسف الحيدري وأخيرا جاء صلاح فائق سعيد بعد فترة قصيرة قبل أن نفترق أيدي سبأ ،ويضيف )):كنا جميعا باستثناء صلاح فائق سعيد ويوسف الحيدري نجيد الإنكليزية ،ونقرأ الروايات وتتابع الأدب الحديث الذي أثر كثيرا في كتاباتنا، وبدأنا نكتب الشعر والقصة والمسرح بطريقة جديدة لفتت انتباه الوسط الأدبي في بغداد وراحوا يقولون عنا هؤلاء يكتبون مثل الإنكليز ..كتاباتهم غريبة ومعقدة وجديدة )) .كانت الجماعة تضم أدباء وكتاب من العرب والتركمان والكورد والآشوريين لكن ما كان يجمعهم هو حبهم للعراق وللأدب وللتجديد فيه.



    لا نعرف بالضبط الأساس الذي اعتمده مؤرخ هذه الجماعة الأستاذ فاروق مصطفى عندما رتب أسماء من عرفوا بجماعة كركوك، ولكن على أية حال فانه يضع انور الغساني في المقدمة وبعده يأتي جليل القيسي، وجان دمو، وسركون بولص، وصلاح فائق سعيد، وفاضل العزاوي، ومؤيد الراوي، ويوسف الحيدري ويوسف سعيد وفاروق مصطفى. قبل أيام التقينا الغساني عبر قناة الجزيرة الفضائية واظنه قال بأنه يسكن الآن مدينة في كوستاريكا ويعمل أستاذا في إحدى معاهدها العلمية .. قرأنا له قصائد منشورة في بعض مواقع الانترنيت وله نفسه موقع خاص به وبالرغم من سنوات الغربة الطويلة، فإننا وجدنا له قصيدة جديدة رسم لنا فيها صورة من الذاكرة القديمة للحياة في مدينة كركوك التي ولد فيها وهي إحدى مدن العراق أشار فيها الى طبيعة الحياة هناك سنة 1947 والقصيدة باللغة الإنكليزية. كما قرأنا له في آذار 1994 قصيدة بعنوان ((الشيخ محمود الحفيد في منفاه )) وهي من ديوان له بعنوان((سفر العراق)). وقد وصف الغساني بأنه كان ((شابا هادئا رصينا عمليا وبراغماتي حقيقي في دنيا العمل)).



    أما جليل القيسي فهو الوحيد من جماعة كركوك الذي بقى في العراق ولم يغادره. ولد في كركوك سنة 1937 وتوفي فيها سنة 2006 وحين توفي كتب عنه الكثيرون وأكدوا بأنه كان ((احد أعمدة جماعة كركوك الأدبية)) وقد عرف ((بتشبثه بمدينته واعتزازه بعراقيته)). كان قاصا وكاتبا مسرحيا ومن مجموعاته القصصية ((زليخا البعد يقترب 1975)) و ((في زورق واحد 1985))، و((مملكة الانعكاسات الضوئية 1995 ))، كتب عنه القاص العراقي نصرت مردان مقالة في جريدة الزمان (1 كانون الثاني 2002 ) وقال:(( إن جليل القيسي بعد سفر جميع أعضاء جماعة كركوك الى خارج العراق ظل لوحده يحلق في فضاءات الإبداع بمدينته كركوك واستنتج من ذلك ان العلاقة بين كركوك وأبنائها من الأدباء والشعراء تتجاوز بأميال وفراسخ تلك العلاقة الحميمة بين أي مدينة عراقية وكتابها، فارتباط الكتاب والمبدعين الكركوكيين، ارتباط من نوع آخر، نوع غير مألوف من الحب والوله والهوى ...))، وعلى هذا الأساس فان جليل القيسي ظل يصرح بأنه وكركوك ((كحبتين من قشرة لوزة)). ولجليل القيسي مجموعات مسرحية منها ((جيفارا عاد افتحوا الأبواب)) وطبعت ببيروت سنة 1971 كما ان له قصص مشهورة متناثرة في الصحف والمجلات العراقية والعربية وقد ترجمت بعض قصصه ومسرحياته الى لغات عدة كما قدمت نصوص عديدة له على خشبة المسرح. يقول جلال زنكابادي في مقالة له نشرت في مجلة الصوت الآخر (الاربيلية) (12 ايلول 2006) ((ان جليل القيسي قد قام لتحقيق حداثته المنشودة بتحطيم حيثيات واطر السرد التقليدي المألوف بسرده البديل الذي سماه أخيرا بـ(السرد الامبراطوري) محطما عبره وحدة المكان والزمن الاعتيادي ( البداية، الوسط، والنهاية) محلا محله الزمن المتواشج مع سيكولوجية الشخصيات في وحدة زمكانية جدلية وهو يقول بهذا الخصوص عندما (( نمتلك مخيلة بروموثوسية نستطيع أن نبتكر كل شيء)). وفي هذا المجال يقول الناقد الدكتور شجاع العاني في معرض تقييمه لأعمال جليل القيسي ((ان جليل القيسي يحلق عاليا في بعض قصصه بخاصة تلك التي يستثمر فيها أعمال أدباء عالميين كبار، لكنه فنانا قد يضعف حين يكتب عن تجارب واقعية او شخصية عاشها بشكل او بآخر)). المهم ان جليل القيسي ظل طوال حياته داعيا من دعاة الحرية والمحبة والجمال والسلام.


    أما جان دمو فهو كما يقول طلال ياسين في مقالته الموسومة ((استذكارات عن جان دمو)) والمنشورة على موقع قناة الشرقية الفضائية (24 آذار 2005)، ((اغرب شخصية أدبية في تاريخ الشعر والأدب العراقي ولربما الشعر العربي كله ))، فهو لاينتمي الى الأنماط المعروفة للشعراء. انه من طراز الشاعر الفرنسي رامبو لكنه يتفوق على رامبو اذا ما أخذنا الغرابة كمقياس .. عاش حياة بوهيمية، وقصائده مبعثرة لولا ان قام الأستاذ حسين علي يونس بجمعها واعادها للنشر. وقد ظهرت كديوان مطبوع في بغداد سنة 1993 بعنوان ((اسمال)) وكان هدفه من ذلك ان جان دمو ظل مطالبا بتبرير وجوده كشاعر من قبل اولئك الذين لا يعترفون بالشاعر الا حين يصدر كتابا. وقد فرح جان دمو بالديوان الذي جمع وحرر ورتب ونشر دون معرفة منه .. وقد وصف الأستاذ حسين علي يونس جان دمو بانه (( كائن عدمي وصعلوك بامتياز )) ((جريدة الصباح الجديد 15 تشرين الثاني 2006 ))، هاجر الى لبنان لكنه اجبر على مغادرته بعد فترة. ويقف سلام سرحان عند مجموعة جان دمو الشعرية في مقال نشره على موقع نزوى الالكتروني ليقول ان جان دمو يعد من ابرز نجوم الفضاءات الخلفية فهو الشاعر الصعلوك العبثي المتمرد الذي لا يتورع عن التهجم والسخرية من كل شيء.



    ويجيء سركون بولص، وهو من مواليد الحبانية سنة 1944، كان شاعرا وقاصا ومترجما ورساما .. اشترك مع جان دمو في ان كليهما مارس الترجمة. ومنذ وقت مبكر من بدء نشاطه الإبداعي، نشرت له مجلتا (الاداب ) و(شعر) البيروتيتان الكثير من القصص والقصائد، وقد مهد له ذلك الذيوع والانتشار. يقول فاروق مصطفى ان سركون بولص ((احتل قلب الجماعة)) ومع انه هاجر الى الولايات المتحدة الامريكية منذ أواخر الستينات ليعمل في حقول الثقافة المختلفة وليصدر مجلة باسم ( دجلة) الا ((ان كركوك، بتلولها وقلعتها ونهرها وجسورها وعشاقها، ظلت في حقيبته، فمنها مبتدؤه واليها منتهاه)). من مؤلفاته ((يوميات في السجن لهوشي منه)) وهو كتاب مترجم نشر في بيروت سنة 1969 و(دجلة) Tigris بالانكليزية وعشر قصائد باريس1985 و((الوصول الى مدينة اين )) بيروت 1985.



    اما صلاح فائق سعيد فهو من مواليد كركوك 1940، وهو كزملائه، كان شاعرا ومترجما .. تقلب في مهن كثيرة وحرف عديدة .. لم يعرف السكون في حياته، نشر نتاجاته في مجلة العاملون في النفط، وفي جريدة الأنباء الجديدة وكان، كما يقول فاروق مصطفى، يطور أدواته الفنية ولا يكف عن متابعة تقدم الشعر هنا وهناك. سافر الى دمشق بسوريا وفيها أصدر سنة 1975 كتابه الشعري ((رهائن)) ولم يبق هناك طويلا اذ هاجر الى بريطانيا وعمل في الصحافة هناك ثم سافر الى الفلبين. له ديوان بعنوان ((اعوام)) .. وقد احتلت كركوك في نصوصه حيزا كبيرا لنسمعه يقول في إحدى القصائد (( لو أني في كركوك الآن لزرت ضريح احد الأولياء وربطت خرقا ملونة بسياج قبره القديم)). لقد ظل يختزن ذكرياته ويحملها معه من بلد الى آخر .. من أعماله كذلك (تلك البلاد) 1978 و(طريق الى البحر) (شعر باريس 1983) و(مقاطعات واحلام) شعر ( لندن، 1984).


    كان فاضل العزاوي، وهو من مواليد سنة 1940 شاعرا وكاتبا وروائيا ومترجما من انشط جماعة كركوك. كتب عنه صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، الجزء الثاني ( بغداد، 1996) وقال عنه بانه تخرج في كلية التربية، جامعة بغداد سنة 1966 وتخصص باللغة الانكليزية وعمل في الصحافة وكان سكرتـيرا لتحرير مجلــة الف باء (البغدادية) .. وهو من مؤسسي اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 1969 وأول عمل أدبي صدر له كان ديوان شعر بعنوان ((أساطير خالدة )) طبعه في كركوك سنة 1956 ثم صدرت له رواية (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) سنة 1969 ورواية (القلعة الخامسة) سنة 1972. ومن مؤلفاته الشعرية (الاسفار) طبع سنة 1976 و(الشجرة) الشرقية 1976 وقد هاجر الى المانيا ويقيم فيها حاليا وله كتابات في الصحف والمجلات العربية.


    ومن رواد ومؤسسي جماعة كركوك، مؤيد الراوي، وهو كذلك شاعر ورسام وخطاط. يقول عنه فاروق مصطفى ان قصائد مؤيد الراوي ((تمتاز بجدتها، وتتمتع بطرفاتها)). استقر فترة ببغداد، وعمل محررا في جريدة اسبوعية ثم رحل الى لبنان ومنه الى ارتيريا .. من آثاره ((احتمالات الوضوح)) وهي قصائد نثرية.



    ولم يكن يوسف الحيدري ( 1934 ـ 1993) يختلف عن زملائه من اعضاء هذه الجماعة .. هو يوسف ابراهيم الحيدري، اشتهر بكتابة القصة وعمل معلما طيلة (27) سنة، ثم أكمل دراسته في جامعة المستنصرية وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية. كتب الشعر، لكنه انصرف لكتابة القصة، ومن مجاميعه القصصية ( حين يجف البحر) 1967، و( رجل تكرهه المدينة) 1969 وقد كتبت المجموعة بمخيلة يقظة وحيوية دافعة تحث نحو المزيد من التغيير في القصة العراقية القصيرة وله كذلك (لغة المزامير) 1986 و (شوارع الليل) 1994. يقول الأستاذ المطبعي في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، (الجزء الاول) عنه ((إن أبطال قصصه، كانوا من نسيج الواقع، لكنهم تميزوا بأنهم مأزومون محبطون، وقد غاص الحيدري في غوائلهم المظلمة مسلطا عليهم حزما من ضوء شفيف. كما ان العوالم الداخلية لأبطاله كانت الهاجس الأساس في كتابات)).



    وكان يوسف سعيد (الأب فيما بعد) قيما على كنيسة تقع قرب ساحة العمال على الشارع المؤدي الى محطة قطار كركوك القديمة .. ولد سنة 1936 في الموصل وتلقى دروسه وعلومه في المدارس الكنسية .. اشتهر بالشعر والنقد .. من مؤلفاته المطبوعة (المجزرة الاولى) وهي مسرحية (1958) وله ديوان شعر طبع في بيروت سنة 1968 بعنوان ((الموت واللغة)). ومن إنتاجــه (ويأتي صاحب الزمان ) 1986، و(الشعر الاتي) 1986، و (طبعة ثانية للتاريخ) 1987، و (لشموع ذات الاشتعال المتأخر) 1988 , و( مملكة القصيدة ) 1988، و(حضور الابداع) 1989، هذا فضلا عن مقالات ودراسات عديدة منشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية.


    يبقى فاروق مصطفى، وهو من مواليد مدينة كركوك سنة 1946. وبعد إكماله الدراسة الابتدائية والمتوسطة والاعدادية هناك التحق بقسم اللغة العربية بكلية الاداب ـ جامعة بغداد وتخرج فيه سنة 1967. عمل في التدريس ثم أوفد الى الجزائر سنة 1968 وله ولع بالسياحة من مجاميعه الشــعرية ((قمصان الغيوم المتدلية)) و ((أرصفة الدفلى)). وعندما عاد الى العراق وجد صحبه من جماعة كركوك وقد تشتتوا هنا وهناك فعزم على ان يقدم استذكاراته عنهم كي لاتضيع وتغوص في برك النسيان، هذا فضلا عن ان استذكاراته تلك والتي اشرنا اليها آنفا تعبر عن حبه ووفائه لاصدقائه الذين قدموا الكثير لمدينتهم ولوطنهم العراق الكبير فاستحقوا التقدير والعرفان. وقد عرض فاروق مصطفى استذكاراته كما يقول الناقد الدكتور فائق مصطفى احمد ( موقع قناة الشرقية الفضائية 9تموز 2005 ) بأسلوب أدبي مشوق فيه أنفاس الشعر وأنفاس القصة ومقومات السرد.


    ومما يميز جماعة كركوك ان لهم محاولات جماعية في صوغ القصائد والكلمات .. فقد يعمد احدهم الى كتابة سطر او سطرين او ثلاثة اسطر ليضيف ثان اليها اسطرا، ويدلق ثالث عليها فيوض وجده، واذا الكلمات تتوله بزهوها وتألقها. لقد شكلت جماعة كركوك، كما يقول سلام سرحان ((تجربة متفردة ورائدة ليس في الشعر العراقي والقصة العراقية وحسب بل وفي الحياة الثقافية بأكملها))،وإنجازاتهم لم تقتصر على الشعر والقص، بل امتدت لتشمل المسرح والفن التشكيلي والمقالة والنقد والترجمة فعلى صعيد الشعر مثلا قدموا تجربة مستقلة عمادها قصيدة النثر واسترخاء الجملة الشعرية وابتعادها عن معايير البلاغة المتوارثة، فضلا عن ادخال القاموس اليومي الى نسيج القصيدة مما لم يكن مألوفا آنذاك .لقد كانوا مجددين ومهووسين بكل جديد على صعيد الأدب والفن والحياة فاستحقوا من التأريخ كل احترام وتقدير.


    بعد كتابتي لموضوع جماعة كركوك بأكثر من عامين ،وصلتني رسالة من صديقي الغالي الأستاذ الدكتور زهدي الداؤودي -وهو يعيش خارج العراق منذ فترة طويلة- يقول فيها انه اطلع على موضوعي، ووجد فيه بعض المعلومات غير الدقيقة ،وانه سيقدم شهادته عن هذه الجماعة وقد سعدت برسالته التي وصلتني يوم 10 آذار –مارس 2010 وودت إضافتها إلى موضوعي لأهميتها (مع ان دراستي ظهرت في كتابي الموسوم : "تاريخ العراق الثقافي المعاصر " الذي طبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر –جامعة الموصل 2009 " ) ، ولكن أود القول بأنني اعتمدت على شهادات عدد من أعضاء جماعة كركوك وبخاصة ما كتبه الأستاذ فاروق مصطفى الذي أرخ للجماعة في كتابه : "جماعة كركوك :الاستذكارات الناقصة " ،ولم أجد أسم الأستاذ زهدي الداؤودي لذلك وإنصافا لهذا الرجل، واستجابة للأمانة العلمية أورد شهادته والتي يقول فيها بالنص : (( جماعة كركوك، تأسست بصورة عفوية في منتصف خمسينات القرن المنصرم من لقاءات مجموعة من الشباب الذين كانت تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة. كانت تجمعهم مواهب وهوايات مشتركة في الأدب والرسم و الموسيقى. من المؤسسين الأوائل الذين كانوا يعدون أنفسهم ضمن جبهة اليسار هم، حسب ظهورهم في الميدان:
    1. يوسف الحيدري (1934 – 1993)
    2. قحطان الهرمزي (1936 – 2009)
    3. أنور الغساني (1937 – 2009 ) كان اسمه في البداية ( أنور محمود سامي)
    4. فاضل العزاوي (1940)
    5. مؤيد الراوي (1939)
    6. زهدي الداوودي (1940)
    7. جليل القيسي ( 1937 – 2006 )
    8. الأب يوسف سعيد (1936)
    9. محي الدين زه نكنه
    10. صلاح فائق (1940)
    11 سركون بولص (1944- 2007)
    12 جان دمو (1943؟- 2003)
    13 عبد اللطيف بندر اوغلو (1937- 2008)

    كانت الجماعة تعقد في الفترة الواقعة بين 1955 إلى 1958 اجتماعات سرية منتظمة، تم الاتفاق على إيقافها بعد إلقاء القبض على كل من أنور الغساني وقحطان الهرمزي. وكانوا ينشرون نتاجاتهم الأدبية في الصحف المحلية ،واسهم بعضهم في تحرير مجلة شفق (الشفق) الصادرة في كركوك، التي كان يشرف على قسمها العربي القاص عبد الصمد خانقاه.
    بعد ثورة 14 تموز 1958 توسعت الجماعة وضمت مجموعة من النشطاء في الميدان الثقافي منهم علي حسين السعيدي ونور الدين الصالحي وعصمت الهرمزي وغيرهم.


    بعد حوادث كركوك الدامية 1959 ، انسحب قحطان الهرمزي من الجماعة.

    في الفترة الواقعة بين 1959- 1962، تفرقت الجماعة وتوزع أعضاؤها على أماكن أعمالهم الجديدة. أنور الغساني عين معلما في إحدى القرى التابعة لكركوك ثم انتقل إلى بغداد للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة. زهدي الداوودي عين معلما في قرية مامه التابعة لناحية دبس في محافظة كركوك. فاضل العزاوي سافر إلى بغداد للدراسة في كلية التربية. يوسف الحيدري عين معلما في الحلة. مؤيد الراوي عين معلما في إحدى القرى التابعة لناحية شوان في محافظة كركوك. جليل القيسي سافر إلى أميركا لدراسة التمثيل ثم عاد في 1958 كي يستقر في كركوك. محي الدين زه نكنة عين مدرسا في بعقوبة. الأب يوسف سعيد هاجر إلى السويد. لا أدري ماذا حل بصلاح فائق، ولكنه ترك الوطن وأما جان دمو وبندر أوغلو فاستقرا في بغداد ثم هاجرا إلى الخارج.

    في انقلاب 8 شباط 1963 تم القاء القبض على كل من أنور الغساني. فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وأما زهدي الداوودي، فالتحق بالثورة الكردية وما لبث أن ألقي القبض عليه في تموز 1964 ونفذ بحقه الحكم الغيابي الصادر من المجلس العرفي الرابع لمدة سنتين، أنهاهما في سجون بعقوبة والرمادي والحلة، حيث غادر السجن الأخير تاركا وراءه كل من فاضل ثامر، يوسف الصائغ، جاسم محمد الجوي، مظفر النواب، هاشم صاحب، نعيم بدوي، ألفريد سمعان، صادق قدير الخباز، و هاشم الطعان وغيرهم وذلك في آب 1966. وكان كل من أنور وفاضل ومؤيد قد أطلق سراحهم في نهاية العام 1963 حيث تم القضاء على حكومة الانقلابيين من قبل عبد السلام عارف.


    في الفترة الواقعة بين 1964 – 1966 ، تمكن كل من أنور الغساني وفاضل العزاوي و مؤيد الراوي وسركون بولص من العمل في الصحافة الرسمية، والقيام بضجة في الوسط الأدبي الذي حكم عليه انقلابيو شباط بالركود، وتمكنوا من إنعاشه بالحداثة والحيوية. ولكي يتم تمييزهم عن أدباء المحافظات المتجمعين في بغداد، أطلقوا عليهم لقب (جماعة كركوك).

    حوالي العامين 1967 و 1968 ترك جميع أعضاء الجماعة، العراق، لم يبق سوى قحطان الهرمزي ،وجليل القيسي في كركوك ،ومحي الدين زه نكنة في بعقوبة ويوسف الحيدري بين الحلة وبغداد.)) . انتهت شهادة الدكتور زهدي الداؤودي ،وانا اشكره جدا على ملاحظاته وارجو ان تكون شهادته ،جزءا من عملية التوثيق لهذه الجماعة الادبية المهمة والتي عكست حيوية الحياة الثقافية العراقية المعاصرة .
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..