هشام ناجح - الجنسية الفرنسية

" الله يلعن دين أمك يا فرنسا القوادة، حتى العوني خرّاء الكلاب، في آخر أيام الله، وأيامكم سيصبح فرنسيا.. من لم يمسح مؤخرته بعد يحصل على الباسبور الأحمر.. والله إن فرنسا قحبة يتبول في كوتها كل كلاب الدنيا".
هكذا أردف الهواري صديقي الجزائري (كلمة صديقي هنا ليست خصلة)، بصوت خشن، متعتع من فرط الشرب، مجيلا بصره حد الأفق كأنه يخطب في حشد من الجماهير.
تطلع إلي بمؤخرة عينه اليسرى بخبث، ودلق كأس الويسكي دفعة واحدة في جوفه، مائلا برأسه إلى الخلف ليسلك السائل مسلكه الصحيح دون سيحان. ضوء المصباح يكشف عن عرق نضح فجأة على جبهته المسطحة المتغضنة، عليها أثر شرخ قديم، يبدو أنها ضربة قادوم أو منجل.
وضع الكأس بحركة مسرحية على الطاولة الفاصلة بيني وبينه. تلمظ بشفتيه، ماسحا جوانب موسطاشه الكث بسبابته وإبهامه، المتباهي به دائما كعنوان على الرجولة البحتة، فلا يقسم إلا بزغبه، وحلقه أثناء حنثه، ويصبح معرة للرجال. القداسة ترتبط في ذهنه بالزغب، أو بزعيمه محمد بوخروبة. أثير غيظه دائما حين أذكره بكل أماكن الزغب، خاصة الزغب الرابض في بلاد الظل.
اقتفى طريق المزّة في صحن صيني أبيض، منقوع بخط أزرق على حواشيه، عليه؛ حبات لوز مختلطة ببزر يقطين مقلي، بغية تكسير سطوة المذاق المر. حبة اللوز تنفلت من بين أنامله، فيصر على ملاحقتها، متقدما بصدره، كأنه على وشك أن ينط.
ثمة حقد عاجز بيننا، لا يضئ غرفته المحنطة سوى الويسكي اللعين، حين ينفذ إلى مواطن الأسرار، يخرجه عن طوره بكلامه اللاذع. يذكرني دائما بحرفتي الأولى، ساعة وطأت قدماي أرض فرنسا، حيث قبلت على وجه السرعة عمل جوّال للكلاب على جادة نهر لادور من إحدى الجمعيات المختصة في لمّ الكلاب من أصحابها، الذين لم يسعفهم الوقت في تجوالها، وكذلك السهر على رعايتها الكاملة؛ بدءا من حسن معاملتها، إلى جمع خرائها في أكياس بلاستيكية سوداء مقابل مبلغ مشجع.
جذبت نفسا عميقا من سيجارة كمال محشوة بحشيش كتامة المغربي يقولون: إن جهات عليا نافذة في البلاد هي من تتكلف بالعملية؛ منذ بداية زراعته حتى نهاية تصديره و تسويقه، لكن، لا نبالي مادام حشيشا جيدا، ويرفع رأسنا عاليا. الحشيش الأفغاني لا يرفع الرؤوس عاليا. متقشف كالمطاط لا يستهويني، لا يفتح أبواب مراكز السعادة، ويبهج الخفايا، يصور لك الأغوال والجوائح والمتاهات الكحلاء. دقات قلبك تزداد كأنه على وشك أن يخرج من قفصك الصدري.
نفثت الدخان صوب وجهه عنوة، اتضحت سحابة كثيفة باسطة أشكالها السوريالية، متصاعدة، ومتراكمة في مجرى ضوء المصباح، وبعدها تلاشت إلى الخارج من الكوة المربعة الفوقية. الدخان أتى على كل الأوكسجين في شعبي التنفسية، فاشتدت بي نوبة من السعال، تلك النوبة المصاحبة للضراط: قحب من فوق، وضراط من تحت. عرق بارد ينز من وجهي، وعمودي الفقري، أحس بحباته تتدحرج هابطة حد مفرق مؤخرتي، كأنه عرق الاحتضار، لكني على دراية كاملة بالوقت الذي سأشعل فيه نار الهواري. قلت في خاطري: "العوني لا تبيت عنده الشتيمة. سترى عجيزتك في مرآة فمي أيها المنيوك، حتما عندما تموت نوبة سعالي المقرفة".
قبضت محاسني حتى اتضح رأس ذكري معزولا:
" يجب ألّا تنس أيها القواد في أيام الله وأول أيامكم، كدنا أن نتزوج بكم في واقعة "حاسي بيضا"، لولا توسلات ومصالح أمكم فرنسا وخالتكم أمريكا وزوج أمكم الاتحاد السوفياتي، لأخذنا حقنا منكم كاملا، كما يأخذ الرجل حقه من امرأة هاربة تائهة على الطرقات، حينها كان الكونونيل إدريس بن عمر سيفطر في وهران، ويتغذى في العاصمة، ويتعشى في عنابة، وسيأكل لمجته في قسنطينة، وسينيك محمد بوخروبة في النهاية بقصر المرادية ليلة الدخلة".
تحسست سكيني الذي لا يفارقني. لا يمكن أن تأمن من غدر الجزائري، خاصة حين تسب الهواري بومدين سبا فاحشا، مع العلم أن موته طال عليه الأمد، فأغلبهم يسبون الرب، ولا يقبلون بسب من يتغوط ويتبول. الهواري يهابني منذ أن حررته من غريمه الباسكي بشينتي، صديقي الذي يكره العرب حد السماء، فلا يقتنع بأنني عربي، يقول بعد أن يتأملني مليا:
" إذا كنت من الكلاب، فأنت الكلب الوحيد الذي أحبه".
تركت الهواري يغوص في المقلاة، قاليا له السم على نار هادئة، وفتحت جوازي الأحمر، وبطاقة تعريفي الزرقاء، بغية التأكد من سلامة الأسماء والتواريخ:
الصورة الحازمة بملامح صارمة لا تقبل الهزل.
الاسم العائلي: المجذوبي
الاسم الشخصي:العوني، متزوج.
الجنسية: فرنسية
الجنس: رجل
لون العيون: أسود
الطول: متر و78سنتيمتر.
تاريخ الازدياد:21/06/1981
مكان الازدياد: أربعاء العونات، إقليم الجديدة، المغرب.
تاريخ بداية الصلاحية: هذا غير مهم بالنسبة لك عزيزي القارئ.
تاريخ نهاية الصلاحية: الموت هو نهاية الصلاحية عزيزي القارئ.
العنوان: أكاد أخفيه حتى لا تطرق بابي عزيزي القارئ كلما سمحت لك الظروف بزيارة جنوب فرنسا على الساحل الأطلسي.. البيت ضيق لا يسع أحلامنا معا.
كم هو جميل حين لا يخطئون، لا أعلم ماذا كان سيصيب زوجتي"غوانتنامو" ــ هذه كنيتها، كل زوج يكني زوجته بكنية تليق بردود أفعالهاــ أقصد مارج، أنني أخونها، بالتأكيد ستمتنع عن توقيع حزمة الأوراق المتعلقة ببطاقة الإقامة، وتجديدها كل سنة على مدار خمس سنوات، وسيتم ترحيلي قبل أن يؤذن ديك الفجر. هذا الوهم سيخف بعد حصولي على بطاقة عشر سنوات. أما الآن فقد أصبحت فرنسيا، لكن، علي أن لا أرتكب أي حماقة قبل عام ويوم بالتمام والكمال، وإلا سيسحبون مني الجنسية بالمرة، وسأبرق بعيني الحمراوين كالكلب الزّامل (الشاذ). سأهادن الوقت، وبالأحرى سأهادن مارج، حتى أسل الشوكة من طيزي العريانة بلا دم.
أحاول قدر الإمكان إخفاء معالم خياناتي بتقسيم الأسبوع في إبهاجها وتحقيق لذتها، وبين عشيقتي عليّة. النوم معها عملية مقرفة للغاية؛ ذكري يفقد حيوته، ويصبح رخوا كالمخاط، فيحتاج إلى وقت كبير من المداعبات والعضعضات حتى ينتصب. ثمة دواعي نفسية تفضي إلى الرتابة مع الفرج الواحد. الجنس يصبح بمثابة عمل يضمنه ذلك العقد البائس، وإلا ستخاف أنت كذلك من خيانة مارج لك، إن لم تفعل ذلك؟ مع العلم أن مذكراتها اليومية التي أقرأها خلسة توحي بذلك، إنه الواجب: الكلب المفروض فقط. أو يمكن أن ندخل هذه العملية ضمن حيز اقتصاد الخدمات، كأنك تستهلك الدجاج المقرمش(كا إيف سي)، أو وجبات ماكدونالدز السريعة. كلما بلغت الرعشة الكبرى تحدوني الرغبة في صفع مارج، يحيط بي من جديد ذاك الفراغ المبهم، وتلاحقني الأسئلة التي لا أملك لها أجوبة مقنعة، فأقوم إلى الدوش على عجل كأن جسمي تعرض لرائحة ما لا يذكر.
اللعب خارج فرج غوانتنامو يلهم الهمة أكثر خاصة مع العربيات؛ التونسيات على وجه الدقة، ليس ثمة لحم بشري أمتع من لحم التونسيات: سهلات العشرة، تسمع مناغاتهن من حد الدنيا، وكلامهن المعسول فاتح الشهية، وشحذ الرغبة من حبالهن الصوتية الدافئة، كأنك تستمع إلى صليحة:
فوك الشجرة أم الحسن غنات
سامع صداها من العلايل يبرى
طار نعاسي
أوهام الهوى وتوابعه في راسي
في الحين قمت نلوج على كاسي..
المغربيات يفرغن جيبك قبل أن تفتح سحابة سروالك. أنفر من الجزائريات كما ينفر الفأر من القط الشرس لسبب نفسي لا أعلمه؛ تصوراتي الذهنية مشوشة عن هذا البلد الذي لا أطيق سماع ذكره، بالرغم من الحب الذي تخصني به جارتي الجزائرية الملقبة بريميتي أسوة بشيخة الراي ريميتي. الشبه واضح بينهما إلى حد كبير. تصر على أنها من أصول مغربية من منطقة أحفير. إنها الاستثناء الوحيد في حصن التبرمات، تثني على سمرتي على الدوام، وتغني ببحة عذبة كلما طوقتني بذراعيها:
شهوة بالي يا لسمر
شهوة بالي وسير على الله
الله.. الله.. ما بيّا الغرام ما يدوم عليّا
بنات الحومة ويا لسمر
بنات الحومة وسير على الله
ما شفتو البنيّة مغرومة
الله.. الله.. ما بيّا الغرام ما يدوم عليّا.
شخير الهواري يتعالى في كل أرجاء الغرفة كجرارات دويتس الحمراء والخضراء البائدة في الثورة الفلاحية لبومدين. روادتني بعض الشيطانات الخبيثة في أن أنال منه بعض الأشياء المحرمة ولو بوضع أصبعي في خرزته. أكف عن التفكير، لاعنا الشيطان الرجيم.
لطمت زر الإنارة. ظلام تدريجي خيم على كل الغرفة. تسللت إلى الخارج. تيار بارد دافق يصول في كل بدني، صاحبته انتعاشة مبهمة، احتدمت معها رغبتي في الصياح والزعيق:
" يا أهل بايون الكلاب.. العوني خرّاء الكلاب أصبح فرنسيا.. أيديكم في هذا".
بعد أن كومت محاسني. تذكرت أنني نسيت أن أتبول، فتحت سحابة سروالي، وضعت مقدمة ذكري بين سبابتي ووسطاي، موجها عينه، فلم أعد أسمع سوى غرغرات بولي تأتيني من زمن سحيق.

هذا النص

ملف
هشام ناجح
المشاهدات
145
آخر تحديث

نصوص في : رواية

أعلى