زياد الحكيم - التعبيرية في الدراما

تتجلى التعبيرية في الدراما في التشويه الذي نشاهده في القصص الخيالي، وهو تشويه واضح للعيان وصارخ. ويلاحظ الجمهور المسرحي في مرحلة مبكرة من العرض الابتعاد عن الانماط الحقيقية الحياتية، وسرعان ما يجهز نفسه لنظام منطقي جديد.

في اغلب الاحيان، المناظر على الخشبة هي التي تشير الى ان المسرحية ستكون تعبيرية. خذ مثلا مسرحية "آلة الجمع" للكاتب الامريكي المر رايس، وبطلها مستر زيرو محاسب تشغل الارقام تفكيره على مدار الساعة. ان الديكور الذي وصفه الكاتب في نص المسرحية مكون من غرفة نوم على جدرانها عشرات الارقام الجاهزة للجمع والضرب والطرح والتقسيم. وهذه الارقام ما هي الا اسقاط لما يدور في رأس مستر زيرو.

ومسرحية آرثر ميلر "موت بائع متجول" مثلا مسرحية واقعية الى حد كبير حول بائع عجوز يعيش في ما يوصف بانه "نيويورك اليوم"، ولكن ثمة عددا من التفاصيل التعبيرية في المسرحية بما في ذلك شخصية خيالية هي العم بن. والعم بن هذا ضرب من الاسطورة العائلية عرف بانه بنى ثروة في افريقيا او الاسكا، ويبدو وكأنه يخرج من العدم ليقول بضعة كلمات ثم يختفي بشكل غامض. ومن الطبيعي ان يتحدث شخص عاقل مع شخص خيالي . وليس من الغريب جدا ان نسمح لهذا الحديث ان يكون مسموعا. وعندما نشاهد العم بن واقفا على الخشبة فعلا فاننا نقبل فرضية اننا في ذهن ويلي لومان بطل المسرحية واننا نرى المشهد كما يراه.

الاسلوب نفسه يتوسع ويغدو الاداة الرئيسية في مسرحية يونيسكو "الكراسي". هنا الشخصيات الخيالية تفوق بعددها الشخصين المرئيين على الخشبة. ولو كانت هذه المسرحية واقعية لاعتبرناها دراسة سيكولوجية لشخصين مجنونين تماما. ولكن منطق المسرحية يصر على ان نفهم المسرحية بصورة رمزية فقلعتهما في وسط البحر هي نوع من العزلة التي يشعر كثير من الناس العقلاء بانهم يعيشون فيها. واصدقاؤهما هم انعكاسات لحاجاتهما وآمالهما واوهامهما.

مسرح العبث:

في التقليد التعبيري هناك عدد من "المدارس" مثل الدادوية والسيريالية ومسرح الصدمة. ومعظمها ذو اهمية من وجهة نظر تاريخية فقط. على ان احدى هذه المدارس كان لها تأثير عظيم في المسرح المعاصر بحيث ان كاتبا مسرحيا ممارسا اليوم لا يستطيع تجاهلها. هذه المدرسة هي مسرح العبث.

ومع ان الحركة تستعير كثيرا من الدادويين الذين كانوا يكسرون التقليد القديم للمسرح قبل الحرب العالمية الاولى وخلالها وبعدها فان مسرح العبث بمعناه المحدد بدأ في الخمسينات من القرن العشرين واستمر الى اليوم. وهناك حوالي عشرين كاتبا مسرحيا ارتبطوا ارتباطا مباشرا بالحركة. اشهرهم يوجين يونيسكو، وساميويل بيكيت، وهارولد بنتر، وادوارد البي. اما جان جنيه وآرثر اداموف فهما في صف وحدهما. ولكن يجب ضمهما الى مسرح العبث.

يمكن تعريف الحركة ببساطة شديدة بانها تتألف من رأيين فلسفيين وثلاث تقنيات درامية مستحدثة في تقديم هذين الرأيين. وهذه الخصائص الخمس توجد في جميع مسرحيات العبث الى درجة مدهشة.

الرأي الفلسفي الاول هو ان الحياة عبث بمعنى انه ليس لها هدف نهائي او معنى نهائي. ومفهوم العبث هذا كامن في اعمال الكتاب الوجوديين من امثال سارتر وكامو، وتأثيره في الدراما اكبر من تأثيره في القصة او الشعر. وهو مفهوم يستبعد الايمان بالتقدم او الكرامة البشرية او النزعة الانسانية او التطور التاريخي. ان الحياة تغدو عبثا بهذا المعنى الخاص عندما لا يكون هناك انماط لتوجيه او تحديد مسار المرء وافعاله.

تحاول مسرحيات العبث استكشاف كيف ان الانسان يعيش في عالم يفتقر الى المعنى تماما. تقدم مسرحية يونيسكو "الكراسي" حياة الانسان على انها تشبه العيش في قلعة وسط البحر على امل وحيد هو اصطناع رسالة للعالم كحافز للعيش.

وفي مسرحية "نهاية اللعبة" يقدم لنا بيكيت غرفة في قبو حيث منظر العالم من خلال نوافذ صغيرة غير واضح. وفي مسرحية "بانتظار غودو" الحياة عبارة عن انتظار طويل عقيم. وفي مسرحية "النادل الاحمق" يستعمل هارولد بنتر غرفة في قبو كما في "نهاية اللعبة" و"بانتظار غودو" ويضيف شيئا من العنف في النهاية وهو عنف مربك وعديم المعنى وعبثي. وكل هذه المسرحيات تستعمل تعابير شاعرية شبيهة بالحلم لتصوير الالم والدعابة الساخرة دون الاطمئنان الى قيم مطلقة او معنى مطلق.

ويتمثل الرأي الفلسفي الثاني للعبثيين في النزعة المناهضة للعقلانية التي تنطوي عليها اعمالهم. فالعقل في نظرهم لن يحل اي مشكلة. وينظر هؤلاء الكتاب الى محاولات اللجوء الى العقل بانها خداع للذات. لقد رفضوا الايمان بالفكر العقلاني الذي هيمن على القرن التاسع عشر الى حد كبير. ورفضوا الامل في التقدم الاجتماعي. واصبح التعليم في نظرهم عديم الجدوى في عالم لا مستقبل له. وغدا الماضي نسخة شاحبة للحاضر في التنبؤ بالصورة التي سيكون عليها المستقبل. وليس من المستغرب والحال هذه ان نرى شخصيات مثل المدرس في مسرحية يونيسكو "الدرس" الذي يغدو قاتلا، والخطيب في مسرحية " الكراسي" وهو الرجل الذي سينشر رسالة الحق والعدل يغدو رجلا ابله لا تعدو لغته كونها اصواتا مبهمة. وفي مسرحية "نهاية اللعبة" يمضي الاباء والامهات حياتهم في اوعية النفايات. ففي عالم يفتقر الى المعنى فان المدرسين والاباء والامهات ورجال الكنيسة والمسنين هم اكثر الناس حماقة.

تقنيات مسرح العبث:

واذا انتقلنا من الموقف الفلسفي الى التقنية فاننا نرى اول ما نرى اعتمادا كبيرا على الاسلوب التعبيري. ان كل مسرحية عبثية هي مسرحية خيالية. والمناظر عادة مستقلة عن الزمان والمكان. والحدث ايضا غير منطقي. والحوار مملوء بالمغالطات المنطقية.

والخاصة الثانية للتقنية هي استخدام الدعابة السوداء بمعنى ان القسوة والجريمة والانتحار غالبا ما تتحول الى عناصر هزلية. ففي مسرحية يونيسكو "الكراسي" مثلا ينتحر الزوجان العجوزان بالقفز من احدى نوافذ قلعتهما. ان نصف الجمهور يشعر بالاشفاق عليهما في حين ان النصف الثاني يستجيب لانتحارهما بالضحك. فالفعل هو في الوقت نفسه تراجيدي وهزلي على نحو عبثي.ومصدر الهزل في امثلة اخرى هو عدم قدرة الافراد على التفاهم فيما بينهم بوضوح. ان كلا من هارولد بنتر ويوجين يونيسكو يستخدمان اقوالا لا علاقة بها بالسؤال المطروح، ويجعلان شخصياتهما تردد عبارات لا معنى لها، ويوليان مشكلة الاتصال الانساني اهتماما كبيرا. وتتمثل هذه المشكلة في عدم قدرتنا على الاصغاء بالشكل المطلوب وعلى التكلم بدقة وعلى ادراك عواطف الاخرين.

وليست جميع مسرحيات العبث هزلية، ولكن لما كانت اغلبية هذه المسرحيات مضحكة الى حد ما – على الاقل بطريقة مشوهة – فانها تشير الى مشكلة خاصة في هذا النمط من المسرحيات. ان الافتقار الى بنية درامية وهو ما يميز كثيرا جدا منها يجعل مسرحيات العبث بحاجة الى تقنية بديلة ليواصل الجمهور اهتمامه. والهزل حل طبيعي.

والخاصة الثالثة لمسرحيات العبث هي الطبيعة الساكنة. فبدلا من تطوير حدث درامي نحو ذروة ما فان هذه المسرحيات تدرس حالة اساسية واحدة دون ان تطورها.


لندن - بريطانيا
[email protected]

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
89
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى