حميد نعمة عبد - قطرات.. قصة قصيرة

لم يشغفني هذا المقهى الهادىء ولا زبائنه الذين يتهادون، كأنهم على موعد مع استرخاء ابدي ،فطالما مررت به دون أن التفت اليه ، وكأنه غير قائم ، لكن الذي أثار لدي الرغبة في الوقوف والتسمر أمامه :هذه المراة ،وهي تلاصق الزجاج ، بشعركستنائي، ومعطف اسود وحذاء عال تحركه برتابة هادئة لذيذة، والبخار المتصاعد من قدح الشاي حيث كفها اللدنة تداعب قبضته . وقفت ارقبها، وبالرغم من أن وقفتي هذه لم تكن مألوفة ،الا أنني بررتها بأن من حقي الوقوف حيث أشاء، طالما لم احدث لدى المارة أي حرج أو امتعاض، ترى هل أن وقوفي أمامها لفترة قد تطول دون أي عذر مقبول يعتبر تطفلا وسذاجة؟ أم أني لا أمثل لها أو لغيرها سوى شخص عابر ؟ ماذا تقول لو علمت بأني اترصد كل حركة لها؟ وهل هي شاعرة بوجودي فعلا ؟
انها صامتة ساكنة ، حالمة مطمئنة ،وأنا في شك أنها ستبادلني نفس المرارة واللهفة التي تتأرجح في صدري وتطوح برأسي .
ورغم برودة الطقس ونثيث المطر فأن الدفء بدأ يتسلل الى مفاصلي ،حتى أحسست أن البخار المتصاعد من القدح قد غمر انفي ورأسي .وكم وددت أن اتبادل الدور مع النادل الجذل، وهو يتخطى امامها ويدور برشاقة ،الأنني اعتبرت ذلك من المحال . لم يطل وقوفي اذ حانت منها التفاتة ،التقت عيناي بلؤلؤتين تشعان فرحا ، وسرعان ما احسست بأنكسار تينك العينين دون ان أعرف لذلك سببا ،حينها شعرت أن وقفتي البائسة لم تكن موضع ترحيب ، ربما لهشاشة عذري،أو لرثاثة ملابسي، خاصة حين تذكرت أن هناك شق في بنطالي يكشف جزءا من لباسي الداخلي ،فسارعت لاخفاء ذلك الشق ،وزادتني نظراتها المتتالية ربكة ،أشعرتني بالدونية والشذوذ . فقد اقحمت نفسي بين معطفها الأنيق وبنطالي المثقوب ،بين فنجان قهوتها وزمهرير شارع لا يرحم . لكني لم استطع كبح جماح رغبتي في الابتسام، طالما هي التي بدأت به ولتقل عني ما تقول ، وليحدث ما يحدث !
تحركت شفتاي بأبتسامة مهزوزة مرتبكة ، وددت أن لا تراها كي الحقها بابتسامة اكثر ثقة ورغبة ، تليق بتلك الأنوثة الطافحة ،الطاغية ،وبهذه النظرات الثاقبة المستطلعة المتعاطفة ..
رفعت الفنجان ثانية ، قربته من فمها بتأن ،ارتشفت منه رشفة، مما منحتني وقتأ كي اتحسس فتحة البنطال ثانية ، فكانت كفم وحش مرعب، بل وكأن انياب ذلك الوحش انغرست في فخذي تاركة سعيرا امتد الى حنجرتي وأنفي .
ترى هل لاحظت المرأة تلك الفتحة أم ان القطرات التي بدأت تسيل على الزجاج قد ساعدت على سترها ؟
عادت لرفع الفنجان كما عادت للابتسام . لم أعرف أن الابتسامة لها فعل السحر ،ولم ادرك أن بأمكاني أن اجلب انتباه مخلوق ما . فأين كنت من هكذا مخلوق ناعم دافىء ؟وأين كان ؟ لماذا لم تقع عيني على امرأة قبلا ؟ والكون كله متألف باطياره وناسه ،بأشجاره وصخوره . اين مني وهذه الكوارث التي تدب في جسدي كشلال بارد …اين ؟
لم يطل وقوفي وتبادل الابتسام، حتى حركت المرأة سبابتها مشيرة الى النادل الذي مثل أمامها بحربكة رشيقة ووجه طافح بالبشر .فتحت حقيبتها ثم دست بيده _ وهي تشير نجوي _ورقة صفراء يبدو انها عملة ورقية ، وهتف صدري بكل قواه (يا الهي )!
ماذا قالت له ؟ ماذا في أو مع تلك الورقة؟ لماذا نظرت الي تلك النظرة المتعاطفة ؟
الاف الاحتمالات احتشدت في رأسي ، لم أستطع أن ارحج اي منها ، لكن من المؤكد أن هناك شيئا ما .
ترى هل تود مغادرة المقهى والبخار لم يزل يتصاعد من القدح ؟!ًً
لقد عادت لتمسك يقبضة القدح وتقربه من فمها ثانية .
ما الذي وضعته في كف هذا النادل الخائب ؟
فتح باب المقهى وخرج الرجل بزي الخدمة متجها نحوي مباشرة ،مد يده فمددت يدي لأصافحة لكنه دس تلك الورقة الصفراء بيدي . تعلقت نظراتي في الورقة ، ثم في وجه المرأة التي اتسعت ابتسامتها ، فيما تكدر خاطري وحاولت أن أهديء من روعي ،غير أن شيئا أشبه بالنحيب بدأ يتعالى داخلي ،وثمة قطرات طفحت من عيني، ربما توافقا مع قطرات المطرالتي شكلت خيطا على الزجاج..


د. حميد نعمة عبد

(القصة القصيرة الفائزة بالمرتبة الاولى في احد المسابقات )


"" د. جميد نعمة عبد : قطرات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى