رانيا قمداني - زاوية مُضيئة.. قصة قصيرة

مرحبًا ماما
دعيني أولاً أزيح كلمة ”مرحبًا“ من أمامكِ كي يتسنّى لي امساك يدكِ بكل حرية، فالميمُ فجوةٌ سُدّت، ومابين الرّاء والألفِ مسافةٌ طويلة اختصرها هو فيكِ
”إنني أرفض التعلق بالأشياء“ هذا ماقلته لنفسي اليوم بنبرةِ تهديد
قلتها بعدما ابتلاني الرب بحبّ كنزتكِ الصوفية، أرتديها في كل ليلةٍ كي يزهر قلبي مثلكِ وأمتلأ برائحة الياسمين المعبّقة بروحكِ
قلتها بعدما تعلقتُ بالنّمش المتناثر أسفل عيناكِ، لازلتُ أعدّه إلى الآن واحدةً واحدة، تقولين خذي القليل فأنا لا أريده فأجيبكِ بأنها نجومٌ سقطت من عُمق الليل لتنيرهُ
فأمسحُ وجهي بوجهكِ علّني أصبحُ مثلكِ
”إنني أرفض التعلق بالأشياء“ قلتها مرة أخرى ولكن بنبرةٍ أقل حدّة من ذي قبل
كنتِ تعاقبينني حين كنتُ طفلةً بعد خروجي إلى المطر بالنظر إلى الجدران أو عبر النافذة دون حراكٍ أو كلامٍ لساعةٍ كاملة حتى تنتهي فترة عقوبتي، لهذا أجدُني اليوم أتأملُ البنايات الهشّة وطرق الشوارع الضيّقة واللوحات المعلقة بتفحّصٍ لساعاتٍ دون أن أنتبه لذلك
هل أعاقبُني اليوم أنا أيضًا مثلكِ أم أنّ دهشتي بالأشياء مرهقةٌ بالتفاصيل؟
إني أحملُ عاطفة الأمهات داخلي، سربُ حمامٍ وسماءٌ واحدة، مقطوعةٌ مؤلفة من دعوات الثكالى ولحنٌ ستينيّ، شتلة حزنٍ مغروسةٌ فيّ ومسْقيةٌ بمطرِ الغفران
أنا لا أتعلق بالأشياء يا ماما، بل هي من تفعلُ ذلك صدقيني
تحتضنُني برائحة هواءٍ وأشعة شمسٍ وحريّة.. لهذا تحبني الأوطانُ كما لو لم يحبني أحد.


______
رشفةُ حب كفيلةٌ بإيقاظ الجمال داخلكَ

هذا النص

ملف
رانيا قمداني
المشاهدات
207
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى