محمد عبد المنعم زهران - فى مكان ما.. قصة قصيرة

لا أستطيع النوم ، ولا حتى بقادر على البقاء مستيقظاً

إلى جانب ذلك ، فإننى لا أشعر بأى شئ مطلقا . كان بالتأكيد شيئاً ضخماً وثقيلا ، لم أستطع حتى رؤيته ، بدا كإظلام مفاجئ وسريع ، فى مثل سرعة شرارة ناتجة عن طرق حجرين . بدأ كل شئ منذ دقائق قليلة ، عندما كنت جائعا وأفكر فى شراء شئ للعشاء . تحديدا قبل خمس دقائق من الآن ، وبالتأكيد قبل أن تمسك أنت هذه الأوراق وتقرأها ، لأنها بالتأكيد ستعتبر فى عداد القصص !! أية كارثة ! آه مجرد قصة ، وبالتالى أنت تقرأها . إذ منذ خمس دقائق قررت أن اشترى وجبة عشاء لفرد هو أنا . وفى الطريق تذكرت أننى أريد شراء علبة سجائر أيضا ، ولأنه لا يمكنك تفسير هذا الارتباط بينى وبين السجائر ، فربما أستطيع إيجازه فى عبارة قصيرة :

أنا أدخن لأستمر فى الحياة ، أدخن لأبدو حيا ، فإن التدخين بحد ذاته قادر على الإيحاء تماما بأنك ما تزال تتنفس . ولكن وبينما أسير تجاه البقال ، صادفتنى مشكلة ، إذ أنه وبعد حسبة بسيطة بدأت أعتقد أن شراء نصف علبة سجائر فقط هو الأفضل ، باعتبار الغد . لأننى دائما أضع فى اعتبارى ضرورة تناول وجبتين ، وليس مهما أبدا أن أتساءل ماذا أأكل ، المهم فقط أنهما وجبتان ، ومن دونهما لا أستطيع التأكد من أن قدمى قادرتان على النهوض بى . ومع ذلك أصابتنى الحيرة مرة أخرى وتعقدت الحسبة ، فقد اتضح لى أن شراء نصف علبة سجائر .. مجرد نصف علبة ، يعنى الاستغناء عن إحدى وجبتى الغد ، وفى المقابل لا أستطيع الاستغناء عن السجائر مطلقا .

عاد كل شئ ليتعقد ، وشعرت بالدماء تتدفق إلى رأسى ، وتتلاطم فى العروق قريبا من أذنى ، وتحت فروة الرأس ، فى العمق تماما . كنت أتحسس كل الأفكار محاولا النزول بتكاليف الوجبة الواحدة إلى أدنى حد ، ولم ينجح ذلك ، إلى أن قررت – فى تردد – الاستغناء عن إحدى وجبتى الغد ، بدعوى أنه لا أحد يعرف ما يحمله الغد .

بدأ دكان البقال يقترب بصورة مستفزة ، فتوقفت أو ربما تباطأت فى السير ، لأنه كان لزاما على أن أعيد حساباتى مرة أخرى ، إذ من الصعب أن أعيش بوجبة واحدة على أية حال . كنت مستغرقا ، وأحسست برأسى ينتفخ ويتضخم كورم ، كورم لا شكل له ، ينبعج ويتمدد ويظل يتمدد . حاولت إبقاء عينى مفتوحة ولكنها كانت تضيق ، تنفتح قليلا ثم ما تلبث أن تضيق ، كهلال يحاول الاكتمال دون جدوى .

فى هذه اللحظة ، وقبل خمس دقائق من الآن سقط شئ ثقيل فوق رأسى ، كان ثقيلا وضخما ، لم أشعر بشئ ، فقط بدا الأمر كلطمة بسيطة فوق الرأس ، هكذا لطمة ليس إلا ، أستطيع أن أؤكد أننى لمحت ظلا هائلا لهذا الشئ ، أيا كان فأنا لا أستطيع معرفته الآن ، واعتقد أننى لن أستطيع أبدا . جرى ذلك فى طرفة عين ، شئ أشبه بانضغاطة بسيطة ، ثم لا شئ بعد ذلك . هكذا كان الأمر ، عندما فشلت فى التعرف على نفسى ، بصورة أدق وتثير الضحك فى الوقت نفسه ، لم أجد نفسى . بعد قليل ، وهذا القليل يعنى تحديدا منذ خمس دقائق ، شعرت أننى ملتصق بالأرض ، أو معجون بها ، وبعبارة أوضح : مفتت ومسطح فى سمك ورقة أو بردية قديمة ومهترئة . بدا الأمر وكأن سماء من السموات السبع قد انطبقت على ، وعندما فكرت قليلا ، قلت لنفسى إنها لابد أن تكون السماء السابعة ، لأنه لا شئ أكثر ارتفاعا من السماء السابعة تجعلنى بهذه الطريقة أشبه بطبقة من طبقات الأرض .

ألق نظرة من فضلك ، من نافذة بجوارك ، وانظر فى منتصف الشارع ، وبمواجهة دكان البقال تماما ، وأخبرنى أى شئ سقط علىّ . أعتقد أن ذلك ليس مهما لى ، ولكنه بالتأكيد هام جدا لكم ، على الأقل ليمكنكم تفسير كل شئ بطريقة علمية دقيقة .

منذ خمس دقائق حدث ذلك ، ومن وقتها لا أستطيع النوم ، وليست لى القدرة حتى على البقاء مستيقظا . لا داعى لأية حساسية أو عطف ، فأنا لا أتألم فعلا ، ولا أشعر بأى شئ
مطلقا . ولكن ربما هناك خدمة عظيمة أستطيع إسداءها لى : أن تنظر فقط وتخبرنى ، هل يظهر منى شئ ؟ أشعر بأننى مطمور .. لا توجد حتى دماء ! فهل أخفانى هذا الشئ تماما ، وبينما تتأكد أنت من ذلك ، أجدنى لا أستطيع منع نفسى من إعادة الحسبة مرة أخرى ، والتفكير فى أنه من الأفضل شراء ثلاث سجائر فقط وتوفير الباقى لوجبتى الغد .

هناك شئ آخر ، حيث أننى أشعر أحيانا بالاهتزاز أو قل بالارتعاش اللحظى ، فهل يمكنك أن تتأكد لى إذا ما كان أحد المارة قد خطا فوقى ، أعتقد أن هذا سبب وحيد لتلك الاهتزازت التى تنتابنى كل وقت ، وتلك الانضغاطة التى خمنت أنها ناتجة عن نقاش حاد بين رجلين ، توقفا فوقى تماما قبل أن يبدءا عركا . ربما كان ذلك صحيحا ، وربما كان خاطئا ، إنها مجرد تخمينات . انظر من فضلك .. أنا هنا .. انظر لتتأكد ، وأستطيع أن أهمس إليك بأننى فى شدة الاحتياج إلى تفسير ما ، انظر وأخبرنى ، هذا هام جدا .

منذ خمس دقائق بأكملها ، وأنا أقول أن هذا هام جدا ولا تسمع ، بدأ دمى يفور الآن ، ألا تصدقنى ! انظر فقط .. إنها مجرد نظرة . تقول أنك لا ترانى ، أنت تثير غيظى . خمس دقائق بأكملها أتوسل إليك ، ألق هذه الأوراق القذرة من يدك وانظر ألا ترانى ؟!

كنت أقول منذ قليل إننى أريد تفسيرا ، وأنا الآن لا أريد تفسيرا ، أريدك فقط أن ترانى .. هل أنا موجود أساسا !!

آه .. هل ارتفع صوتى .. آسف .. إننى أعتذر بكل إحساس متبق لى .. أعتذر .. أعتذر . ولكننى أرجوك أن تنظر ، انظر فقط .. أنا هنا . أتوسل إليك .. انظر ، صدقنى أنا هنا ، أسفلك .. فى مكان ما .


* من مجموعة : حيرة الكائن

هذا النص

ملف
محمد عبد المنعم زهران
المشاهدات
126
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى