فخري أبو السعود - يا شمس.. شعر

يا ليتني كالشمس في عليائها ... لم يُرضها إلا المحلُّ الأَرفعُ
لم تمس الدنيا ولا أقذاَءها ... لكن إليها من عَلِ تتطلع
تحوِي جوانبَها بنافِذِ نظرةٍ ... وتُضيء غَيْهبَها بنورٍ يَسطعَ
وتَظَلُّ تَشَهدُ من شؤون أنيِسها ... ما مرَّ من أمرٍ وما يُتوَقَّع
وتَقلُّبَ الأحوالِ فيما بينهم ... في أعصُرٍ تَمضي وأخرى تَتبَع
يا ليتني كالشمس في تَدْآبها ... ليست بمكْثٍ في مكان تَقْنَع
تطوي الفضاَء محلَّةً فمحلَةً ... وتغيب عن أفق السماء وتطلع
موصلةً رحلاتُها فلها هنا ... مستقبل ولها هناك مُوَدًّع
مأْنوسَةَ الأسفار يَصْحَبُها السَّنى ... وطريقها بين العوالمِ مَهيْعُ
عرَضَت جمالَ الكون في غدواتها ... ورواحها مُرْتادةً ما يُمْتِع
إن خلفت حسناً بديعاً لم تزل ... حتى يلوحَ لها أحَبُّ وأبدَع
كم شاَرَفتْ نهرا يفيض ووادياً ... الزَّهر في أفنانهِ يتضوُّع
وطوى عبابُ اليمّ آيةَ ضوْئها ... فرأى محيَّاها اليبابُ البلقع
وأجازَتِ البيدَ القِفار فطالعت ... غاباً ألَفَّ به البلابِلُ تسجع
يا ليتني كالشمس في إخلادِها ... لا الخوف يعروني ولا بيَ مَطمع
لا المادحُ الشادِي يَخِفُّ بمهجتي ... طرَباً ولا لهجاء هاج أجزع
أتدَبرَّ الدنيا وأغنم حُسنها ... وأجوب أطراف الحياة وأذرع
يا شمس إنَّ الشعر يسمو بي إلى ... أوْجٍ لديك هو الأعزُّ الأمنع
يَسْرِي خفيُّ ندائه فيُهيبُ بي ... ويَرِنُّ في أذني صداه فأسمع
أسمو على الدنيا به وأودُّ لو ... أني إلى أقذائها لا أرْجع

فخري أبو السعود


مجلة الرسالة - العدد 92
بتاريخ: 08 - 04 - 1935

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى