فخري أبو السعود - سل الجديدين.. شعر

هذي الحياة التي راقت مجاليها ... يُحصَى حصاها ولا تُحصى مآسيها
ما كنت تلهو بما أَبدت ظواهرُها ... لو كنت ما تُخفي خوافيها
تَظَلُّ تَعْرِضُ ألواناً مَفاَتنَها ... وللشرورِ مجالٌ في نواحِيها
تجاور الحُسْنُ فيها والأسى ومشت ... ما بين أفراحها الكُبرى مناَعيها
يشقى ويفنى بنوها وهي لاهيةٌ ... بدلّها وحُلاها عن ذراريها
تروقك الغابةُ الفيحاء ناضرًة ... يرفُّ بالحُسنِ عإليها ودانيها
ويانعُ الزهرِ في أفنانها عبقٌ ... وَرَيِّقُ الماء يجري في مساريها
ويَسْتبيكَ برودٌ من نسائمها ... هينٌ وظلٌ ظليلٌ من حواشيها
وبين أطوائها حربٌ مخلّدة ... تعجَّ ما بين ماضيها وآتيها
في عشبها أو ثراها أو لفائفها ... يُكنُّ رائُحها شرّا لغاديها
وما اغتذى حبُّها إلا بهالكها ... ولا سما نضرُها إلاَّ بذاويها
تغلغلَ الظّلْمُ في أحنائها وَعَدَا ... على الضعيف من الأحياء عاديها
في كلَّ طرفة عين ثمَّ مهلكهٌ ... أو ثمَّ معركةٌ يا ويحَ صاليها
تشقى وتألمُ آلافٌ مؤلَّفة ... في كلُّ آن وترْدى في دياجيها
وتعشق البحر في رحبٍ وفي عظمٍ ... والبحرُ مطَّرد الأمواج طاميها
تُلاعِبُ الريح أحياناً غوار به ... وساكبُ النُّور أحياناً يناغيها
يصفو الأصيل عليها والضحى ولها ... تردُّدٌ وخريرٌ في شواطيها
وتحت أثباجها حربٌ مُؤرَّثة ... موصولةٌ ليس يخبو الدَّهر واريها
وكم مآسي في قيعانها دَرَجَت ... وكم فجائعَ غابت في غواشيها
سل الجديدين كمكرَّا على مُهجٍ ... مَرُوعةٍ عزَّ في اللأواء آسيها
قد عزَّ في قبضة الأقدار ناصرها ... وعزَّ مِنْ بَعْدُ رائيها وباكيها
لو أطْلَقَ المرءُ للعين العنانَ على ... تلك المآسي لما جفَّتْ مآقيها
ولو رَأى لضحاياها العِداِد لما ... حلا له الشعرُ إلا في مراثيه
ولو تدبَّرت النفسُ الحياة لما ... صَحَتْ من الهم، لكنّا نُماريها
نشيحها عن مآسيها ونصرفها ... لما تُحبُّ وترضى من ملاهيا

فخري أبو السعود


مجلة الرسالة - العدد 99
بتاريخ: 27 - 05 - 1935

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى