نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

جعفر الديري - رواية «السوافح ماء النعيم» لفريد رمضان.. كتاب

  1. بخلاف ما هو سائد يخرج الروائي البحريني فريد رمضان بروايته «السوافح ماء النعيم» ملقيا الضوء على مناطق معتمة لم يتم التصدي لها بجدية. ان الدخول في مجالات التعبير الانساني عن ضرب من الأهواء والمشاعر ذات الصلة الوثيقة بأهل البيت والتعبير عنها وعن مدى ارتباطها بحياة الناس وخصوصاً في مجتمع بحريني محافظ. موضوع لم يتم التطرق اليه على رغم غناه بالكثير من الرموز والدلالات.
    وفريد رمضان في روايته الجديدة يبدو شديد الصلة بتلك الشخصيات وبمجمل القضايا التي تشغل تلك الذهنيات التي ترتبط بقوة بأهل البيت فهو لا يتحدث فقط عن عبارات ومشاعر انسانية وانما عن أثر في الحياة يمتد ليشمل جوانب وجود تلك الشخصيات.
    فخديجة في رواية رمضان امرأة محافظة جدا - ومعبرة عن شريحة من تلك الأمهات الفقيرات اللاتي يلجن الحياة بطريقة عفوية فهي ترتبط بالزواج من رجل متزوج ومن دون اسشارتها حتى اذا أنجبت أبناء أصبحت متاعاً لزوجها الذي يراها مُلكاً من أملاكه. فهي تعنى بزوجها وأبنائها وبضرتها الكسيحة. ومع كل دقائق الحياة الصعبة، تظل مشدودة إلى آصرة التعلق بأهل البيت فهم القادرون على منحها الطمأنينة في الحياة وهم المنجون في الآخرة وهم الذين تكفي اشارة منهم لكي تتحق جميع أحلامها بحياة سهلة لينة من دون ألم أو تعاسة في مقابل حياة كلها ألم وتعاسة مع زوج عدواني.
    وإسماعيل زوج خديجة وعلى رغم شراسته وقسوته يتفق مع خديجة في عشقه الكبير وتوجهه إلى أهل البيت. استمع اليه وهو يصف وقوفه عند ضريح الامام الحسين في كربلاء: «وقفت مبهورا، رفعت يدي مكبرا، وأقمت ركعتين تحية للمكان المبارك، إذ أنهيت صلاتي، ظللت في مكاني جالسا وعيناي مشدوهتان بما تريانه، وروحي شاهقة بما تشعر به، تشدني النقوش التي تزخرف الجدران والأبواب والنوافذ، ويلفها طوق من الفسيفساء. كان يحيط بالروضة خمسة وستون ايوانا وفي كل ايوان حجرة مزينة. أرفع رأسي وأنظر نحو السماء زاهية بتاريخ ابن رسول الله، إذ تعلو الروضة قبة شاهقة مغطاة بالذهب الابريز وبجانبها مئذنتان عاليتان مذهبتان. خنقتني العبرة وبدأت بالنحيب، بدأ جسمي ينتفض، أنا الذي لم أكن أعرف شكل البكاء، أبكاني هذا الصحن الذي يحتوي ضريح الامام. مسحت دموعي، نظرت أمامي، وكانت خاتون هناك، تعمل مع فتيات وسيدات في تنظيف الصحن المقدس. قلت لنفسي لتكن هذه الفتاة زوجتي. ثم نهضت وسرت ناحية الضريح».
    وخاتون زوجة اسماعيل هي الأخرى تخرج الكفن «الذي جمعت قيمته لتشتريه وتعده لخاتمتها» لتعطيه لخديجة «هذا الكفن الذي يجب أن يأخذه زوار الكوفة في رحلتهم بين النجف وكربلاء، يباركونه بالمكان المقدس الذي يرقد فيه حفيد رسول الله».
    منفذ إلى الحياة
    فريد رمضان في روايته لم يحاول أن يثير الشك أو الريبة في قارئه بشأن كرامات أهل البيت - فليس هذا موضوع الرواية - ولكنه اتخذ من ذلك منفذا يلج منه إلى الحياة التعيسة التي عاشها أبطال روايته الذين اكتفوا فقط بالدعوات والزيارات. فالرواية التي عكست جانبا من الحياة في فترة زمنية محددة عكست أيضا مدى انسيابية الحياة. فالطيب يظل طيبا والشرير يظل شريرا على رغم تعلق الجميع بأهل البيت. فخديجة وعلى رغم أنها ضرة فإنها تعتني بضرتها خاتون. وتظل محتملة لزوجها إسماعيل الذي يرفض عشرتها بالحسني على رغم أنها حققت له ما كان يرميه من الزواج وهو الخلف. وإسماعيل وعندما يحلم حلمه المفزع فلا يجد غير زوجته خاتون مفسرا له، «تناول الفنجان وعيناه على خاتون التي كانت تواصل تفسيرها لحلمه. ثم نظر إلى الفنجان، وبشكل مباغت سكب القهوة في وجهها، ووقف غاضبا. رفس الطاسة التي تستخدمها خاتون، فصرخت خديجة من هول المفاجأة، ثم خرج من الغرفة يلعنهما».
    تلقائية مطلوبة
    وتلك مزية للرواية إذ عرضت حياة الناس بتلقائية من دون رتوش. على عكس بعض الكتاب الذي يتناولون شخصيات رواياتهم ويسلطون الأضواء عليها من بروج عاجية فتخرج شخصياتهم مفتقدة للكثير من مقومات بناء الشخصية. وعندما لا يتلمس القارئ المواطن السلبية والايجابية في شخصياتهم وهو ما لم يقع فيه فريد رمضان. فعلى رغم أن الحقبة التي تحدث عنها رمضان ليست وليدة اليوم وانما هي حقبة سابقة فإنه (الروائي) استطاع الإلمام بها والتعبير عن من عاشها بأمانة.
    درجة من الشفافية
    بقي أن نشير إلى ان فريد رمضان في روايته الجديدة يأخذ بك إلى أقصى درجات الشفافية وانك لتلمح في عبارته تلك الكلمات التي تقطر أسى وتمتزج في كل حرف من حروفها بلغته الحزينة. في آخر روايته يقول رمضان الكاتب ورمضان الروائي: «وحين فتحت عينيك كان الأثر واضحا. صخرة مثل شجرة مقطوعة، فوق تلة وحيدة. قرأت سورة الفاتحة، ولففت الصخرة بثوب خاتون، بحت لها بما يغمر صدرك من كلام كثير ثم عدت إلى البيت، وحين تكررت زيارتك، انتبهت إلى أن الكثير من الأقمشة الخضراء، وتلك المطرزة بخيوط من الذهب، قد لفّت حول المكان الذي أصبح مزارا تترد عليه نساء الحارة.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..