دريني خشبة - 1 - نشأة الدرامة الإنجليزية

لا نرى بدا، ونحن ندعو إلى سلك الأدب المسرحي في الأدب العربي، من أن نضع موجزاً نافعاً عن نشأة الدرامة في كل من الممالك الأوربية بين أيدي أدبائنا الشباب الذين نعتمد عليهم في إحداث تلك الثورة في الأدب العربي، أولئك الشباب الذين لم يتيسر لهم تعلم لغة أجنبية ينفذون منها إلى الثقافات الأدبية الحديثة، أو الذين تعلموا إحدى تلك اللغات، ثم صرفتهم شواغلهم الكثيرة عن التفرغ لدراسة آدابها، وأدبها المسرحي بوجه خاص، وسنحاول في هذه الخلاصات أن نجعلها مشوقة مثيرة لحب الاستطلاع في نفوس القراء، بحيث نباعد بينها وبين الجفاء العلمي ما وسعنا إلى ذلك من سبيل. . . أما لماذا آثرنا أن نبدأ بنشأة الدرامة الإنجليزية فذلك لما لها من المنزلة التي لا تجحد بين زميلاتها من الدرامات العالمية؛ ثم لأنها في نظري على الأقل، توائم الكثير من مشاربنا في الحياة بما نتوخاه من الفضيلة، وتفيض به من الرجولة الكاملة، ولأنها في الجملة ذات أغراض عالمية، وأهداف أرفع

وقبل أن نخوض في تفاصيل نشوء الدرامة الإنجليزية، نرى أن نلم شعث هذا البحث الطويل المتشعب في عجالة قصيرة نستعين بها في ضبط الموضوع كله، وإليك هذه العجالة:

1 - نشأت الدرامة الإنجليزية في طورها الأول في ظل الكنيسة، وكانت تنقسم في ذاك الطور البدائي إلى قسمين، أو إلى نوعين: الأول، النوع الإنجيلي، أو السمعي، وكانت موضوعاته وشخصياته مستمدة من الإنجيل أو الكتاب المقدس بوجه عام. ويسمى هذا النوع بالإنجليزية: أما النوع الثاني فهو القديسي أو الكرامي. وموضوعاته وشخصياته مستمدة من حياة القديسين المسيحيين وكراماتهم ولذلك سماه الإنجلين

2 - أما الطور الثاني فهو الطور (النقابي)، وهو الذي كان يتولى جميع شئون التمثيل فيه أو من أصحاب الحرف المختلفة، وكانت معظم دراماتهم من النوع القديسي أو الكرامي

3 - ثم الطور الأخلاقي، وهو الذي ينسخ الدرامات الإنجيلية والقديسية ويحل محلها درامات أخلاقية أبطالها وموضوعاتها الفضائل والرذائل، لا زيد ولا عمرو، فيلبس لباساً شنيع الهيئة ليمثل الشر، ويلبس رجل آخر لباساً جميلاً ليمثل الخير، وهلم جرا، ويدعي النقاد الإنجليز المسرحيون المحدثون أن المذهب التعبيري الذي قام في ألمانيا قبل الحرب الحاضرة إنما قام على أنقاض هذا الطور الأخلاقي من أطوار نشوء الدرامة الإنجليزية، وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا على المسرح الألماني، وسوف نعود إليه إن شاء الله في حينه. وقد نشأ إلى جانب الدرامات الأخلاقية أو ال كما يسمونها نوع مستقل فكاهي من قبيل (الفواصل) المضحكة التي تعمل في الحفلات عندنا، ولذلك فهم يسمونه: ولا بأس من الإشارة في هذه العجالة إلى أن النوع الأخلاقي إنما نبتت جذوره في النوع الإنجيلي، وذلك لأنه يمثل الجد والوقار والاحتشام الذي يقتضيه الدين ويلازم كل ما له علاقة بالكتاب المقدس. وأن نوع الفواصل إنما نبتت جذوره في النوع القديسي أو الكرامي، لأنه يمثل الهزل ويعنى بالتضحيك والسخرية

4 - أما الطور الرابع فهو طور المأساة العظيم الذي شق للأدب الإنجليزي طريقه إلى تسنم الذروة بين الآداب العالمية جمعاء

ويلاحظ في هذا التطور أنه يشبه إلى حد بعيد تطور الأدب المسرحي عند اليونان القدماء. . . ذلك الأدب الذي لخصناه لقراء الرسالة منذ ثلاث سنوات.

الطوران الأول والثاني

لما كانت أغلبية الشعب الإنجليزي أغلبية أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولما كان كتاب هذه الأغلبية المقدس مكتوباً لها إما باليونانية أو اللاتينية، وذلك قبل أن يترجم إلى الإنجليزية، فقد كان رجال الدين يلقون الأمرين في تلقين الشعب مبادئ دينه، كما كان يتعذر تلقينهم قصص التوراة وقصص الإنجيل، مما لابد لكل شعب متدين أن يلم به، لما فيه من العبرة والموعظة الحسنة، ولما له من الأثر في غرس محبة الدين في القلوب المؤمنة، والتغلغل به في سويداءاتها. . . من أجل ذلك اضطر رجال الدين إلى استخدام التمثيل وسيلة فذة لبلوغ أربهم إلى ألباب الشعب والوصول في سرعة ويسر إلى تثقيفهم بثقافة كتبهم المقدسة فنجحوا في ذلك نجاحاً باهراً على الرغم من أن جميع الدرامات الإنجليزية التي كان يمثلها القسس أنفسهم في البيع والكنائس إنما كانت تمثل باللغة اللاتينية، تلك اللغة التي كان الشعب قليل الإلمام بها، حالة مسلمي الترك والهند والصين وجاوة اليوم باللغة العربية.

وكان القسس يحافظون بقدر المستطاع على حرفية الكتاب المقدس في التمثيل، وإن كانوا أحراراً في اختيار الملابس التي يرونها لائقة ووافية بالغرض. ولهذا لم تكن الدرامات الإنجليزية تصادف من النجاح وإقبال الشعب ما كانت تصادفه الدرامات القديسية أو الكرامية المستمدة من حياة القديسين وكراماتهم الخارقة، لما كانوا يتمتعون به من حرية في صوغ الحوار وتكييف الحوادث تكييفاً يسهل خلق الجو المسرحي، ويطلق العنان للمبالغة في الأداء لضمان السيطرة على ألباب الجماهير والضرب على أوتارهم الحساسة، ثم لما في الخوارق من عناصر الخيال والخروج على مألوف الحياة العادية مما يضمن نجاح ذلك النوع من التمثيليات بالقدر الذي لا يتفق للتمثيليات الإنجليزية. أما أمثلة الدرامات الإنجليزية فكثيرة. وهي تشمل كل ما جاء في الكتاب المقدس من قصص رائع معروف من الجميع

أما الدرامات القديسية فقد زاد في نجاحها وضاعف من إقبال الجماهير عليها أداؤها بلسان الشعب باللغة الأنجلوسكسونية، وكان ذلك لأول مرة إبان حكم الملك إدورد الثالث (1327 - 1377) أي في منتصف القرن الرابع عشر على وجه التقريب، وهو التاريخ الذي يعتبر بحق فجر النهضة التمثيلية في إنجلترا. وكان لهذه الدرامات مواسم تمثيلية تشبه ما كان عند اليونان منها. وكانت هذه المواسم هي الأعياد الدينية بوجه عام مثل: عيد الميلاد، وعيد الفصح أو عيد القيامة وأحد العنصرة أو ال وعيد الجسد أو القربان المقدس ولا غرو أنه كانت هناك مناسبات خاصة لتمثيل هذه الدرامات، فمن ذلك حفلات الزفاف واستقبال الملوك وقيام الحجاج إلى الأراضي المقدسة والمناسبات السياسية وتدشين البنايات الهامة. . . الخ. . .

ويمضي الزمن، ولشدة إقبال الناس على التمثيل، بحيث لم تعد هيئة الإكليروس كافية للقيام بتمثيل مئات الدرامات التي ظهرت بناء على قانون العرض والطلب، انتقل زمام التمثيل من أيدي القسس إلى أيدي رجال النقابات التي كانت تمثل الطوائف المختلفة للعمال. وهذا هو الطور الثاني الذي ازدهر فيه التمثيل الإنجليزي أيما الازدهار، وذلك لروح التنافس بين هذه النقابات، ولما كانت تلك الطوائف تنفقه من المال والجهد والعناية وتحري أصول الإخراج لتبلغ دراماتها القديسية حد الإتقان، ولما حدث بعد هذا من التنافس بين المدن الإنجليزية للوصول بتمثيلياتها إلى حد الكمال. فهذه لندن، وتلك دبلن، ثم يورك وشستر وكوفنتري ولانكاستر. . . وكل المدن الكبيرة وكثير من أمهات القرى الإنجليزية، تبذل من العناية والمال في ذلك ما كانت تبذله أثينا من مدن اليونان القديمة. بل ربما زادت عليها كثيراً

وكانت كل نقابة تصنع مسرحاً متحركاً فوق عجلات أربع أو ست، مركب من طابقين يستعمل الممثلون السفلي منهما لتبديل الملابس ولعمل الدمام (المكياج) وتؤدي التمثيليات في الطابق العلوي. وكانت هذه العربة أو ال تطلى بألوان غريبة تلفت النظر، وكانوا يستعينون على تكوين المناظر بوسائل فجة، فكان السحاب مثلاً يرمز إليه بأقمشة داكنة أو بيضاء حسب المنظر المطلوب. فإذا كان المراد أن يبرز ملاك من بين السحب انفجرت سحابتان وبرز من بينهما تمثال خشبي لهذا الملاك؛ أما الشجر فكان يمثل بأشجار اصطناعية، وكذلك البيوت والمدن والقلاع والحصون. كما كان يرمز إلى الجحيم بوجه كبير مسخ، ذي أنف أحمر ضخم، وفم مهول تبرز منه أنياب مرعبة متحركة. أما العينان فكانتا كوتين كبيرتين في هذا الوجه، وكان يوضع خلفهما مشعلان فينفذ اللهب من الفجوتين فيضاعف في شناعة ذاك الوجه. وكانوا يستعينون ببرميل ضخم يطبلون داخله بآله لأحداث صوت الرعد، أما العواصف فكانوا يحدثونها بنفخ قرب كبار تشبه منفاخ الحدادين، ثم يسلطون الهواء المنبعث منها على أقمشة رقيقة فتوهم الأثر المنشود

وكانت الجياد تجر هذا المسرح من حي إلى حي، ومن ملتقى شارع كبير بشارع كبير آخر، ومن ميدان إلى ميدان. وفي كل من هذه (المواقف) تمثل رواية من تلك الروايات القديسية فيجتمع الناس، ويزاحم الشعب بالمناكب، ويتركون متاجرهم مدفوعين بعامل حب الاستطلاع، والتفرج بالمجان بهذه الفرج المليحة التي تنشر الهدى، وتسكب النور في ظلمات القلوب، وتفتح أبواب الجنة للضالين، على حد ما وصف أحد القسيسين تلك المسارح. وكان الجمهور لهذا السبب ينتظر أعياده ويرتقبها بصبر فارغ وتشوف عظيم، لينعم بشهود تلك الدرامات التي يلتمس فيها مثله. وكان التمثيل يبدأ قبيل العيد بأيام وينتهي بعيده بأيام أخرى، ولذلك فطالما كانت الأعياد الدينية تنقلب فتكون مواسم تمثيلية يتثقف بها الشعب ويتصل فيها بالقديسين والشهداء من أبطاله الدينين اتصالاً وثيقاً. وكانت النقابات تبتكر الوسائل الممكنة للحصول على المال الذي هو عصب كل مشروع يرجى نجاحه، فلما آنست من الناس هذا الإقبال على شهود دراماتها، لم تر ضيراً في أن تنتهز تلك الفرصة لتعرض مشروع (المزاد التمثيلي!) وكان ذلك في سنة 1417 فالحي الذي يعطي مزاداً أضخم من الحي الآخر هو الذي يفوز بتمثيل الروايات فيه، والمنزل الذي يهب النقابة مبلغاً أكبر هو الذي يسعد بوقوف المسرح المتنقل قريباً منه ليسهل على أهله التفرج والاستمتاع في هدوء وراحة وإدلال على الناس

وقد وفقت النقابات إلى تنظيم العمل فيما بينها، وتقسيمه تقسيما لا يضر بكيانها، ذلك الأضرار الذي يسببه التنافس أحياناً مهما يكن تنافساً شريفاً مشروعاً. وكان يراعى في ذلك التقسيم أن تتناسب الدرامات ونوع المهنة التي تمثلها النقابة، ففي عيد الفصح تمثل نقابة الدباغين درامة (سقوط الشيطان) وتمثل نقابة تجار الأقمشة درامة (الخلق والسقوط) & في حين تمثل نقابة السقائين أو نقابة صيادي السمك درامة (طوفان نوح). وكانت بعض هذه الدرامات تنال من استحسان الجمهور ما يقتضي استمرار عرضها وتمثيلها مرات متتالية أياماً متوالية، فقد حدث أن استمر عرض رواية (أمور من قصة خلق العالم) ثمانية أيام متتالية، وذلك في عهد الملك هنري الرابع سنة 1409 في حي إسلنجتن بلندن. ولم تكن هناك أية عناية أو احتفال بالمناظر المسرحية المعروفة اليوم، في حين كانت العناية الفائقة قاصرة على الملابس، والأدوات التي لم يكن بد من استعمالها أثناء الأداء، فهنا كانت النقابات تنفق عن سعة، ففي رواية (يوم العدالة) مثلاً، وهي من أكثر الروايات في الممثلين عدداً، كان الممثلون الذين يؤدون دور (العاصين من أهل جهنم) يرتدون ملابس من الكتان صبغت بالأصفر والأسود والأحمر إشارة إلى الألوان السائدة في الجحيم. أما الممثلون الذين يؤدون دور (الأرواح السعيدة الناجية) فكانوا يرتدون ملابس بيضاً من الجلد الرقيق المدبوغ؛ وإذا تصورنا عدد أولئك الممثلين في مثل هذه الرواية، أدركنا المبلغ الضخم الذي كانت تصل إليه أثمان ملابسهم المصنوعة من تلك الجلود الغالية، وذلك بالإضافة إلى أجور الممثلين التي

كانت تتراوح بين أربعة عشر بنسا وأربعة شلنات، وهي تسوي عشرة أضعافها بعملتنا الحاضرة. . .

ومن الروايات التي كان إخراجها يتكلف كثيراً من النفقات نوع تنكري يسمى الماسك ومنه النوع التنكري الإنجليز المسمى والذي كان الممثلون يرتدون فيه أغلى أنواع الملابس وأشدها بريقاً ولمعاناً - وقد أتى هذا الطراز إلى إنجلترا من إيطاليا ثم انتشر في عصر الملك إدورد الثالث، ثم ألف فيه المسرحي الإنجليزي العظيم بن جونسون الروائع والغرر

ولعل أقدم الدرامات القديسية التي وصلتنا من هذه العصور هي تلك الدرامة المسماة (القديس نيقولا) والتي ألفها باللاتينية أديب إنجليزي من أدباء القرن الثاني عشر اسمه هيلاريوس وقد أهداها إلى كنيسة القديس المسمى باسم درامته. وملخصها: أن رجال الكنيسة في عيد هذا القديس يرفعون صورة القديس نيقولا من موضعها في الكنيسة، ثم يجلس في مكانها ممثل بارع يستطيع أن يضبط حركاته ويحبس أنفاسه بحيث يظن من يراه، بل يتأكد، أنه تمثال وضع هناك للقديس صاحب الكنيسة؛ وحينما تنتهي الصلاة وتعقبها تلك اللحظه من الصمت الرهيب، يقبل رجل كافر لا دين له من أغنياء المدينة، مختالاً في ملابسه الزاهية، حاملاً كيساً كبيراً فيه جواهره ونقوده، حتى إذا وصل إلى حرم القديس ألقى حمله عند قدمي التمثال وسأله في تأدب واحتشام أن يحرسه له حتى يئوب من سفره. . . لكن لصوصاً يسرقون ثروة الرجل. . . ويعود الكافر فلا يجدها. . . ويجن جنونه لهذا السبب، ثم يتناول سوطاً فيلهب به كتفي القديس الذي ينزل من مقامه في تؤدة ووقار على الرغم من السياط التي تمزق جلده ويذهب نحو اللصوص فيخاطبهم ويعظمهم وما يزال بهم حتى يردوا كيس الرجل. . . ويعود القديس إلى مجلسه ويتربع عليه، فيخر الكافر نادماً. . . ويؤمن من فوره.

(يتبع)

دريني خشبة

مجلة الرسالة - العدد 531
بتاريخ: 06 - 09 - 1943

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى