زياد الحكيم – رابندرانات طاغور

ولد رابندرانات طاغور (1861-1941) في كالكوتا بالهند لاسرة ثرية وارستقراطية. وكان جده دواركانات طاغور من رجال الاعمال البارزين. وكان يعرف بالامير لكرمه وحلمه. وكان ابوه دبندرانات طاغور رجلا متدينا ومثقفا ومن مؤسسي حركة الاصلاح الدينية المعروفة باسم براهمو ساماج. وكان من اخوته واخواته كتاب وفلاسفة وموسيقيون. ولكنه قضى السنوات الاولى من عمره تحت اشراف مدرسين صارمين في البيت اخضعوه لنظام تربوي فيه كثير من التشدد والقسوة مما جعله تواقا الى الحرية والانطلاق الى آخر حياته. وركز اهتمامه في البيت على الاداب السنسكريتية والبنغالية وغيرها من فروع المعرفة. وتلقى تعليما في العلوم الدينية. وتأثر بهذه البيئة تأثرا عميقا وايجابيا فاصبح من العباقرة الهنود الخالدين في ظروف صعبة كانت تمر بها الهند من عقم في مجال الابداع والابتكار وخضوع الى الاستعمار الاجنبي. ولم تكن لهذه المؤثرات ان تنتج شيئا لولا عبقرية طاغور التي تجلت في اكثر من مجال. فكان رائدا في مجال التعليم ومجربا متحمسا في مجال الزراعة والجمعيات التعاونية والتنمية الريفية. وكان رجلا وطنيا تحدث وكتب في الشؤون السياسية الهندية والعالمية. وكان رساما ذا اسلوب متميز يتحدث بلغة تختلف اختلافا بينا عن لغة شعره. وكان موسيقا مجددا. هذا كله بالاضافة الى عبقريته الادبية التي انتجت اعمالا متميزة في نوعيتها وكميتها. فكتب اثنتي عشرة رواية، واحدى عشرة مسرحية شعرية او موسيقية، وثلاث مسرحيات راقصة، وعدة مجموعات من القصص القصيرة، وعددا من مذكرات السفر. وعدة مجموعات من المقالات في مختلف الموضوعات من ادب ولغة وتاريخ ودين وفلسفة وتعليم. وكتب مقالات كثيرة عن رجال عظام مثل غاندي والف اربعة واربعين ديوانا من الشعر. ويعتبر بعض كتبه في كل مجال من بين افضل ما كتب باللغة البنغالية.

بدأت موهبة طاغور الادبية بالتفتح في السنوات الاولى من حياته واستمرت الى آخر حياته عندما بلغ الثمانين من عمره وعلى فراش المرض. كتب اولى اشعاره عندما كان في الثامنة من عمره والقى بعضا من قصائده قبل ان يتجاوز عمره الرابعة عشرة في مهرجان ثقاقي بنغالي قارن فيها ماضي الهند العريق بحاضرها الذي كانت تعاني فيه الكثير من الخنوع والعبودية. وبدأ نشاطه الادبي الجاد في الشعر والرواية والمسرحية والاغنية قبل ان يزور انكلترة لاول مرة عندما كان في السابعة عشرة. كان يشعر بحب كبير لوطنه ولكنه ترفع دائما عن الحركات الوطنية المتطرفة التي اكتسحت الهند اثناء حياته. واختار ان يعبر عن توقه الى الحرية من منظوره الشخصي.

بعد عودته من انكلترة عام 1880 نشر اول مسرحية موسيقية له. وهي مسرحية لم يسبق لها نظير في اللغة البنغالية في اسلوبها الموسيقي والادبي. ونشر مجموعته الشعرية الاولى بعنوان (اغنية المساء) 1882. وهي قصائد تطفح بالعاطفة المتقدة والخيال المجنح والحزن العميق. واتبع هذه المجموعة بمجموعة اخرى بعنوان (أغنية الصباح) 1884، ومزاج الشاعر فيها يقف على النقيض من مزاجه في المجموعة الاولى. وقال طاغور في مذكراته انه قبل ان يكتب (اغنية الصباح) مر بتجربة صوفية رأى فيها كل شيء وقد اكتسى بالفرح والحبور، وان قصائد المجموعة هذه شاهد على الخبرة الجديدة.

كانت عائلة طاغور تمتلك اراضي واسعة في احدى القرى في شرق البنغال (ما يعرف اليوم ببنغلاديش)، دأب شاعرنا على معايشة الفلاحين بكل ما كانوا يعانونه من فقر وكدح وعذاب. وقد حاول بالفعل ان يرفع من مستوى معيشتهم عندما كان مديرا لممتلكات العائلة. هذه العلاقة الحميمة بين الشاعر من جهة والطبيعة والانسان من جهة اخرى زودت طاغور بعواطف وافكار وصور جميلة عبر عنها في اشعاره. والشعور القوي ببؤس فلاحي القرية واحزانهم لم يجعل طاغور رجلا عدميا مع انه اقترب من ذلك في بعض اشعاره. والواقع ان طاغور كان مؤمنا بوجود الخير والشر ايمانا قويا، وهذا الايمان لا بد منه لخلق اعمال فنية عظيمة. وكان الشاعر ايضا مطلعا على ما في الثقافة الهندوسية من ثروة من الاساطير والحكايات. وقد بنى بعض اعماله على هذه الاساطير. وكانت هذه الاعمال زاخرة بالتوتر النفسي والرموز الفنية والروحية.وأنشأ الشاعر مدرسة سانتكيتان النموذجية في احدى القرى الهادئة عام 1901. وجسدت هذه المدرسة افكاره وفلسفته التي تتمثل في السعي الى الحرية من قيود التقاليد. وتحولت المدرسة في ما بعد الى جامعة عالمية. واسس طاغور كذلك قرية تجريبية باسم شرينيكيتان اصبحت في ما بعد قرية نموذجية للقرى الهندية من حيث هي وحدة اقتصادية واجتماعية. وفي هذه المرحلة ايضا كتب عدة روايات هي الاولى من نوعها في اي من اللغات الهندية.

ولكن تغيرا كبيرا طرأ على حياته في هذه المرحلة. ففقد زوجته وبنتا وولدا في غضون سنوات قليلة. وخلفت هذه الخسارة اثرا عميقا في نفسه، ولكنها لم تفقده صوابه بل جعلت منه رجلا صادق الحب للعناية الالهية. واعتقد ان العناية الالهية قوة تقود العالم الى التحقق في آخر الامر. وسجل هذه التجربة في بعض القصائد الدينية الرائعة التي تتميز بالبساطة والصدق نقل بعضها الى اللغة الانكليزية فاسهمت في فوزه بجائزة نوبل ونيله شهرة واسعة. وفي زيارة قام بها لانكلترة عام 1912 عرض بعضا من قصائده التي ترجمها الى اللغة الانكليزية بنفسه على كل من الشاعر الايرلندي ويليام بتلر ييتس والشاعر الامريكي المغترب ازرا باوند. اعجب باوند بهذه القصائد وبعث عددا منها الى هارييت مونرو لنشرها في مجلتها (شعر). وبعد نشر هذه القصائد نشرت مجموعة كاملة من شعر طاغور كتب ييتس مقدمة لها. وفي عام 1913 نال جائزة نوبل للادب ومع جائزة نوبل جاءت شهرة عالمية واسعة افسدت عليه حياته الهادئة. وزار الصين واليابان واوربة والولايات المتحدة والقى فيها محاضرات وقرأ فيها من شعره.

يعرف طاغور في الغرب عموما بأشعاره الدينية، ولكن اشعاره الدينية لا تمثل الا جانبا من اعماله. وهذه الاشعار في الواقع لا تكشف ما يتمتع به الشاعر من دعابة وظرف. واحدثت روايتاه (وداعا ياصديقي) و(الوطن والعالم) تجديدا في النثر البنغالي. ويعتبره بعض المفكرين فيلسوفا، ويعتمدون في ذلك على مجموعة مقالاته (دين الانسان). لقد كان طاغور في الحقيقة منظرا سياسيا واجتماعيا، ونستطيع ان نقع على بعض آرائه السياسية والاجتماعية في مسرحياته كمسرحية (ملك الغرفة المظلمة).

يقول طاغور بان العالم الذي نعيش فيه هو نتيجة صراع الاضداد: الحياة والموت، الحب والكره، الانانية والعطاء، وبان الشاعر يرفع راية هذا التنوع في الوجود. ومهمته هي ان يتمثل هذا الصراع داخل نفسه وان يسكبه شعرا على الورق. ويقول ان في ذهن الشاعر الف نغمة شاردة وان هذه النغمات تعطي الشاعر شعورا عظيما بالمتعة. ولكن الشاعر لا يستطيع ان يشعر شعورا كاملا بالمتعة الا اذا سكن الى نفسه، وهذا السكون الى النفس يعمق الاستمتاع بالحياة وينقي الروح ويسبغ عليها الكثير من النبل. ويعتقد طاغور ان الطريق الى الخلق والابداع يمر بالتدمير اولا. وهذا امر مؤلم ولكنه ينطوي على جمال ومتعة. ويقول ان هذا العالم الذي نعرفه عن طريق حواسنا ليس هو العالم الوحيد. فهذا العالم يضيف اليه الشعراء والفنانون شكلا جديدا من عصر الى عصر، وذلك من خلال افكارهم ومشاعرهم التي تنبع من اعماق قلوبهم. ان الحقيقة موجودة في قلب كل انسان، ولكن كل انسان ايضا هو تعبير فذ عن هذه الحقيقة. ويقول: "اننا لا نعرف هذا العالم اذا اعتقدنا انه عالم كامل في حد ذاته. ان العالم بحاجة الى من يرى. ولقد احسست في داخلي بالدافع الى ان ارى وبالحاجة الى اعطاء هذا الدافع شكلا في اعمالي. ومن خلال هذه الرؤية يتحرك العالم ويتقدم."

ويتسم الجو العام في ديوان (غيتانجالي) بالهدوء والانسجام ويعتبر فيه الله صديقا حميما للانسان. وينتظر الله بدوره من الانسان ان يبادله حبا بحب. وتتصف قصائد هذه المجموعة بجو من البساطة ويتبادل الخالق فيها من الانسان العاطفة الصادقة النبيلة. وهذا امر غير معروف في الشعر الصوفي الذي يخضع فيه الانسان خضوعا تاما لاله عظيم. ولا شك ان بعض قصائد الديوان تتحدث عن هذا الخضوع، ولكن معظمها يبدو شعرا غزليا يصبح فيه حب الطبيعة وحب الانسان كلا واحدا مع حب الله. وتقول هذه القصائد بان الله في كل مكان وفي قلب الانسان. وجاء ديوان (بلاكه) 1916 بايقاعه الجديد لينسجم مع الجو الجديد بعد الحرب العالمية الاولى ويركز الشاعر في هذه المجموعة على الحركة التي هي جزء لا يتجزأ من الخلق كله. ويتحدث عن ضرورة التخلي عن كل ما هو ميت وعقيم في البحث عن المعنى والجوهر. ونلاحظ في هذه المجموعة تطورا في مفهوم الخالق عند طاغور. فالخالق هنا كائن جبار يطلب من الانسان ان يضحي من اجله ويترك الانسان يخوض معركته بنفسه.

لقد اخذ النقاد على طاغور غموضه واخذوا عليه ميله الى التكرار. وعلينا ان نتوقع شيئا من التكرار من رجل الف اعمالا كثيرة جدا. ويجب ان نعترف ايضا ان في اعماله تنوعا واسعا في الاسلوب واللغة في التعبير عن الافكار نفسها في اعمال مختلفة. ومع كل الانتقادات التي وجهها الباحثون لطاغور نجد ان شعره يصل الى قمم لا يصل اليها الا عظماء الشعراء.

[email protected]
لندن - بريطانيا
  • Like
التفاعلات: وليد الزوكاني

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
93
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى