نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

وليد الزوكاني - المكان والهوية..

نشر: وليد الزوكاني · ‏12/3/19 · ·
  1. كأنّ المكان جسد الذاكرة، مادتها، الشخص المصاب بفقدان الذاكرة، مصاب بفقدان الشخصية، هل يمكن أن نتذكر حدثاً، أو شيئا ما، بمعزل عن مكانه؟

    لو دققنا قليلاً لوجدنا أن المكان أهم، كل شخص دخل الذاكرة، دخلها محمولاً على رقعة خاصة جداً من المكان، رقعة لها ترتيبها الخاص، زيّها الخاص، الزي الذي يعطي للشخص، للحدث، للذكرى روحها.

    كأن ذاكرتنا لا تحمل الأمكنة، بقدر ما تحمل لحظات من مجرى تغيرها. كأننا نحمل الزمان مجسداً في زي، في هيئة.

    ومن قال إن الزمن لا يجسد، ولا يُحمل، أو يحتفظ به؟ إطلاقاً.

    ما إن أتذكر يوماً محدداً في عام 1990 مثلاً، حتى يُستحضر في ذهني وعاء المكان، أطل فيه، أرى الزمان هناك، كتلة قابلة لأن تُشم، وتلمس، وتصور بدقة متناهية.

    والمكان أهم من الذاكرة، لأنه يقدر على إعادة بنائها، أو تصحيحها، كثيراً ما نصادف أمكنة قصيّة عن خاطرنا، فتفيض في ذهننا صور وذكريات، كانت قبل هذه اللحظة، مشكوكاً بوجودها فينا.

    أعجب لقدرة المكان الهائلة، على مبادرتي، محاورتي، استنباطي، كثيراً ما يتركني وقد هزّ شيئاً من مواقفي، أتبصر بي.. حقاً كنت أقل مما أريد، أشدُّ نفسي، وأتضح أكثر.

    حلقات من الأمكنة تشكل السلسلة الطويلة، البهية، التي نسميها تاريخنا الشخصي، بعناية نعلقها على أرواحنا، نحملها زوادة عزيزة في الطريق الوعر الذي نسميه الحياة.

    نحن نعيش في وعاء كبير، نلتقط فيه صور اللحظات التي تنبض فينا، نرتبها لنرتب أنفسنا، هكذا نشكل ذواتنا على الدوام، وفي كل مرة، ننظر لصور الزمن المُلتًقطة، نرى شيئاً واحداً فقط، هو الوعاء، المكان، الجغرافيا.

    كيف يمكن تحديد أهمية مكان ما؟ أي مكان. أيتفق البشر على موقف واحد، تجاه بقعة واحدة من الجغرافيا؟
    أمكنتهم الخاصة ستتدخل، آفاقهم ستشدهم، تواريخهم ستكون حاضرة ـ قبرص مثلاً، أو سيناء، جبل العرب، قرية على شواطئ إسبانيا …الخ، هل نرى هذه الأمكنة، كما يراها الأتراك، اليونانيون، الأميركان، القراصنة القادمين من وراء البحار؟ ـ إذاً أي الحقائق تصدق؟ أي المعايير يمكن لها أن تحدد أهمية حيز صغر أم كبر على هذه الأرض؟

    التحديدات الفيزيائية، الكيميائية، الجغرافية، لمكان ما ـ البنية، التضاريس، الموقع من خطوط الطول، العرض، نوع النباتات، حتى عدد الحجارة.. الخ ـ تحدد كل ما يحيط بالمكان، وكل ما يحدده، باستثناء ماهيته، بصفته حيزاً بشرياً.

    كأنّ الأمكنة كالناس، كلاهما يتمتع بما يمكن أن نسميه الشخصية، والشخصية عند كليهما، تقاوم مناهج العلوم، في كشف ماهيتها، وأهميتها.

    فكل الناس تتساوى تحت مبضع الجراح ـ الملك والخادم، العظيم والوضيع، الجنرال، الفنان، الطليان، الإسبان.. كلهم. وفي مخابر الطب، ستطبق عليهم جميعهم نفس المعايير، الخارج ولو قليلاً عن هذه المعايير، سيعتبر شاذاً وجب تقويمه. أما طاولة التشريح، فقد حفظت كل الناس قاطبة، منذ أول إنسان استلقى عليها.

    الماهية / الهوية في هذا السياق، فعل بشري / إنساني محض، وفي خلال سعي الذات لإدراك هويتها الخاصة، يكتسب المكان هويته، وبالتالي أهميته.

    الهوية كما نقصدها هنا، تختلف إلى حد ما، عن الهوية كما تطرح عادة، وخصوصاً من قبل السياسيين، بصفتها ذات بعد قومي، أو ديني، أو حقبوي (نسبة إلى حقبة تاريخية محددة)، العوامل ـ الدينية، الاقتصادية، العرقية …الخ ـ التي يمكن أن تساعد، في تفسير نمط حياة الناس، وبعض أنماطهم الفكرية، تبدو وكأنها تحد الهوية انطلاقاً من خارجها، تفصلها عن دوائر التماهي الإنساني، من خلال فصل أصحابها، عن سياق المجتمع البشري المعاصر.

    الاعتماد على هذه العوامل، هو اعتماد على كل ما هو خارج وعي الناس، لتحديد وعيهم، هو اعتماد السمات، التي وسمنا بها الآخر ـ إيجابية كانت أم سلبية ـ لتحديد ماهيتنا.

    إذاً الهوية هنا، هي وجهة نظر الآخر، هي الهوية التهمة.

    يبدو هذا التحديد / الحد لمفهوم الهوية، وكأنه ناتج سعو الآخر، لإبراز هويته هو، على حساب هوية الذات (نحن).

    في مواجهة هذا الفهم، قصدنا الهوية كما تحدد من الداخل، بصفتها العيانية المحسوسة، باعتبارها هوية هذا الفرد أو ذاك، هذه المجموعة البشرية أو تلك، الهوية كما تتفتح من داخلها على محيطها الإنساني، بصفتها الإنسان نفسه، في فاعليته.

    هذا المفهوم يبرز الخصوصية التي يتميز بها شعب من الشعوب، في طيف التكامل الإنساني، ويستند إلى هذه الخصوصية.

    الهوية هنا، كأنها تستند إلى الرؤى العميقة للناس، إلى صياغتهم لعالمهم كجزء من العالم، إلى نظرتهم لأنفسهم وللآخرين، إلى طبيعة مساهمتهم في الحضارة الكونية، طبيعة إنتاجهم / إيجادهم لأنفسهم، وتعميق هذا الوجود على الدوام.

    هنا، كما تتضح الروح في الجسد، يتضح المكان في الذات، معطياً ملامحه العميقة للبشر، مشكلاً ألسنتهم، أفئدتهم، احتفاءاتهم، آلهتهم، أهازيجهم، موسيقاهم، فنونهم وآدابهم.. الخ.

    إنه يلون أيامهم على طريقته، مانحاً لهم ثراءهم الخاص، أمام ثراء الآخرين.

    إذن وبعد كل هذا، هل يمكن فصل التاريخ عن الجغرافيا؟ فصل الإناء عن محتواه، إذا جاز التعبير؟، هل يمكن دلق الجغرافيا وإعادة ملئها؟ كيف؟


    ذات يوم، ثمة من توهم تفوقه العرقي، فدلق عالم الهندي الأحمر، بحجة أنه أحمر، لينقب تحت قدميه، عن بضع غرامات من الذهب، وتركه يجف في الفراغ الطلق، هو وعالم كامل فريد، معلقين على غصن يابس لشجرة متواطئة.

    وثمة من صدق تفوقه العنصري، فجاء يطالب بحقه المشروع، في امتلاك بيوت الناس، وحقولهم، مقابرهم، مصائرهم، ما داموا وجدوا هنا بمحض الخطأ التاريخي، كما يحب أن يعتقد.

    هل يستطيع هؤلاء تناول المكان ككتلة معقدة، من مزيج الأرض والبشر بجدلهما الحي؟. أبداً لن يستطيعوا، ولا يريدون ذلك.

    الأرض بالطبع لن تقلقهم كثيراً، إذ يمكن اغتصاب الحجارة، أو في أسوأ الحالات هدمها، يمكن قطع الأشجار، ضم الأراضي، فصل روث البقر والماعز، عن تراب القرى، تعبيد الساحات فوق المقابر، إقامة المعسكرات، شق مفترق طرق في كل بيت، إعادة تشكيل المكان، باعتبار أن كل تشكيل معاصر له قيمة جمالية، حتى ولو كانت قيمة سالبة.

    أما عن البشر، سيرون في قتلهم أو إلغائهم كلياً، الخلاص الوحيد، والحل الأمثل لقطع لسان التاريخ في فم الجغرافيا.

    لتصبح الجبال والوديان، التلال، الغابات، الشعاب، ذاكرة الأرض وملامحها، وكل ممرات السماء بيننا، مجرد عوائق جيولوجية، أو لوجستية، والقليل الباقي من البشر، سيصبحون مجرد سكان، بإمكانهم اللجوء إلى أي ملجأ، أو مجزرة، ريثما يمر قطار الحضارة، أو العولمة.

    إذن يمكن فصل أي شيء، عن أي شيء، كما يمكن استنساخ كل شيء، من كل شيء.

    لأمر ما، العلم الذي فتح مجرد إمكانية، لبناء مجد الإنسان، يبدو أحياناً، وكأنه يهدم وجود هذا الإنسان.


    حين سيقال إن قسماً من الناس على هذا الكوكب، يعانون من كثافة التاريخ، وضغطه على رؤاهم ومصائرهم، سيمكننا القول إن قسماً آخر، عانى كثيراً من تسلط الجغرافيا، على منامه اليومي، فغزا الفضاء، لا لشيء، فقط ليرى الأرض كلها تحت عينيه، كبيضة كبيرة، من يومها وهو حيناً يفكر بالتهامها، وحيناً يأمل أن تفقس عن كائن عظيم يشبهه تماماً، وحيناً يضيع بين الحينين.

    أتنتصر الحكمة وبعد النظر، على الشهية ووسواس الوجبة السريعة، أم تنتصر الشهية، ويعميه سيلان اللعاب في فمه؟ من يدري؟
    أعجب بهذه المنشور حنان عبد القادر

تعليقات

  1. حنان عبد القادر
    - كل شخص دخل الذاكرة، دخلها محمولاً على رقعة خاصة جداً من المكان.
    - الأمكنة كالناس، كلاهما يتمتع بما يمكن أن نسميه الشخصية.
    - خلال سعي الذات لإدراك هويتها الخاصة، يكتسب المكان هويته.
    -كما تتضح الروح في الجسد، يتضح المكان في الذات، معطياً ملامحه العميقة للبشر.
    - هل يمكن فصل التاريخ عن الجغرافيا؟

    إن الجغرافيا هي الرحم الذي يحمل التاريخ ويعيد تكوينه، بل يعيد تشكيل سكانه ويطبعهم بطابعه، فأنى لهم أن يخرجوا من عباءته؟
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..