زياد الحكيم – شارلوت برونتي

بدأت شارلوت برونتي (1816-1855 Charlotte Bronte) بكتابة القصة والشعر والمسرحية والمقالات النقدية منذ ان كانت في الثانية عشرة من عمرها. واشهر اعمالها اليوم (جين اير) و(شيرلي) و(فيليت) و(البروفيسور).

حققت رواية (جين اير) رواجا كبيرا منذ اليوم الذي صدرت فيه. وتحكي الرواية قصة فتاة يتيمة تتلقى تعليمها في معهد تابع لجمعية خيرية. ثم تعمل كمربية في قصر ثورنفيلد. وهناك تتشكل علاقة عاطفية بينها وبين سيدها مستر روتشستر دون ان تعلم انه متزوج وان زوجته مصابة بالجنون. ان عمق الخبرة التي تمر بها جين اير وصدق مشاعرها جعلا من قصة الحب هذه قصة فريدة من نوعها في الوقت الذي صدرت فيه ولاتزال تعتبر قصة انسانية من الطراز الاول حتى يومنا هذا.

وتعتبر رواية (فيليت) اكثر طموحا من بين اعمال شارلوت برونتي من حيث اتساع رقعة الخبرة الانسانية التي تصورها ومن حيث مهارة المؤلفة في رسم الشخصيات. تدور احداث الرواية في مدرسة داخلية تشبه المدرسة التي قضت فيها المؤلفة سنتين من عمرها. البطلة لوسي سنو فتاة يتيمة لا اقارب لها ولا اصدقاء غير عرابة هي مسز بريتون وابنها الدكتور جون غراهام بريتون. وان هذا الوضع الاجتماعي الذي تجد لوسي نفسها فيه هو السبب في معاناتها وفي استدرارها عطف الدكتور بريتون والبروفيسور ايمانويل. وهنا ايضا نجد فكرة الحب الذي لا تستطيع البطلة ان تترجمه الى واقع اجتماعي، وكذلك الحب الذي عانت منه المؤلفة نحو استاذها البلجيكي المتزوج هيجر. ونجد المناخ العاطفي في الكتاب مناخا عاصفا. وننتقل في الكتاب من مشهد عاصف الى مشهد عاصف آخر.

ونلاحظ ان روايات شارلوت برونتي هي اقرب ما تكون الى سيرة ذاتية ليس فقط فيما يتعلق بالبيئة التي تدور فيها الاحداث ولكن ايضا فيما يتعلق بالشخصيات والعلاقة بينها. وتمتاز بطلات شارلوت برونتي باحساس عميق بالكرامة وبذوق رفيع يذكرنا بالمؤلفة نفسها. وفي الوقت الذي تضع فيه المؤلفة بطلاتها في مواقف صعبة نجد انها لا تفتح لهن طريقا سهلا يؤدي بهن الى السعادة وتحقيق الذات. وتمتاز كل من جين اير ولوسي سنو وشيرلي كيلدار بقوة الارادة والقدرة على الحب. وهو امر يميزهن عن كثير من البطلات في الادب الفيكتوري. وكانت شارلوت برونتي واختها آن برونتي من اولى الروائيات الانكليزيات اللواتي اعتقدن بضرورة مساواة النساء بالرجال في حق كل منهن في التعبير عن حبها. فجين اير مثلا تعلن حبها لسيدها مستر روتشستر قبل ان يعلمها هو بحبه لها. وبذلك صعقت شارلوت برونتي جمهور قرائها الاوائل. وتخاطب جين مستر روتشستر عندما يخيل اليها انه سيتزوج من امرأة غيرها وانه سيهجرها قائلة:

"هل تظن اني لا املك روحا ولا قلبا لاني فتاة فقيرة لم تحظ بشيء من الشهرة والجمال؟ ان لي روحا مثل روحك وان لي قلبا مثل قلبك. ولو ان الله حباني شيئا من الجمال والثروة لكان في مقدوري ان اجعلك تدرك صعوبة ان تتخلى عني كما ادرك صعوبة ان اتخلى عنك. وانا لا اتحدث اليك الآن بوحي من الاعراف والتقاليد ولا بوحي من حب الجسد الفاني. ان روحي تخاطب روحك كما لو ان الروحين تقفان عند قدمي الله متساويتين كما نتساوى انا وانت."

وفي روايات شارلوت برونتي نلاحظ ايضا الدور الذي تقوم به الطبيعة في حياة الناس. فقد كتبت المؤلفة اعمالها بينما كانت تعيش في منطقة جميلة في احضان الطبيعة. ولذلك فمن غير المستغرب انها تصور أثر الظواهر الطبيعية في العلاقات الانسانية. فهي تستخدم الطبيعة كأداة من ادوات التعبير. لاحظ مثلا العاصفة في (جين اير) التي تشق شجرة الجوز العتيقة الى نصفين عندما تكتشف جين ان مستر روتشستر متزوج وانها لا تستطيع الاقتران به. وتستخدم شارلوت برونتي هذا المشهد وغيره من المشاهد المماثلة في إثراء الرؤية الكلية لاعمالها بطابع روحي هو جزء اساسي في تلك الاعمال.


[email protected]
لندن - بريطانيا

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
65
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى