مليكة نجيب - مروّض الحلزون.... قصة

مليكة نجيب - مروّض الحلزون.... قصة



نمضي ردحا من الزمن في خلق الأفكار وتنقيحها حتى تخصب وتينع بتفريخ حجج للبرهنة والإيضاح.
ويحدث أن نهيم بأفكارنا ويصعب علينا كشف عورتها للآخرين قبل نضجها، مخافة أن تتيه في زحمة الـتأويل، وتجانب مصب الترتيل.
وتولد الفكرة أحيانا نتيجة علاقة غير شرعية عبر طيش عقل، ويتقبلها المتلقون بتلقائية رأفة بصاحبها، وقد يرفضونها دون تمحيص لأنها نتاج نزوة.
والأفكار فيض بلا حد، وغيث متهاطل، تحبل به الكتب الكاسدة بصقيع حديد المكتبات المزينة أغلبها لديكورات بعض المنازل، والمنفية دوما من جلسات وسمر البيوت.
عند ارتباطي بالعطالة غصبا، هجرني الخلان فارتكنت إلى الكتب أعب من مصب أفكارها وأستأنس بها من وحشة القنط.
حدث أن وصلت فكرة بيني وبين الحلزون، ذلك الحيوان ذو الجسد الرخو، و الكتلة الهرمونية الزاحفة المانحة للقوة، والمقاومة للعجز والخنوع واليأس، يمنح كربونات الكالسيوم ومواد عضوية، يكسب تناولها باستمرار، بأسا ومنافع للناس.
ضحيت بصفحات من مفكرة عمري العاطلة في سبيل الإلمام بأنساب الحلزون العريقة، واستحسنت رفقة ذلك المخلوق الزاحف بزمنه المتأني الحكيم وكرمه في فك طلاسم عطالتي.
لم أستسغ إجباري على تحمل ثقل حواجز كل مبادرة للتثبت بأسلاك الإدارة وأنا مكبل بقيود البطالة. كانت كل محاولة مني للمس تلك الأسلاك توصلني بصعقة كهربائية ترديني متخشبا.
وجدت الحواجز عاتية تتقاذفني بعيدا عن شط العمل. ذريعة تصون آمان العمل للأوصياء عليه.
انزويت معانقا الكتاب في ركن العجز، أنقب عن منفذ أسلكه، لما ولى التوفيق أدباره، وتأسفت الردود بتعذر الاستجابة لطلباتي، ولم تعد الوالدة تخفي أظرفة اليأس في صدرها، بتحسر صارت تسلمني إياها.
ورمت بي الأفكار بين لجج هوس سيزيف لتعلمني الغوص لاقتناص مورد للعيش.
استنجدت بتخصصي في الإحصاء التطبيقي لتجريد الأفكار من خيالاتها وهي “,”طايرة“,”. طلقت عطالة القطاع العمومي وفي القلب لوعة. واستعنت بجبروت الأرقام لفك البؤس عن وضعيتي.
وجدت الحلزون قارب نجاتي من بطش الفشل وسم الإحباط.
هام على وجهه وحيدا، بجلبابه المتموج، يتعكز جزؤه السفلي، أعزلا لاصقا بأهداب حريته، لا يملأ العين التي لا يملأها سوى التراب.
زحفت جموعه بخيرها وبركتها، تحمل معها بيوتها، تواجه قامات الإسمنت الزاحفة، بالتحصن بالأشجار والبرك والنباتات، خوفا من أن تخبط حيطان بيوتها المزركشة بأقدام الإسمنت العشوائية، وأن تنتزع من أوطانها بمخالب مفترسها الوحيد.
لتجسيد فكرة مشروعي راهنت على عربة يد و“,”برمة“,” مستعارة من البيت بمباركة الوالدة، وبقايا خشب من مشروع تشجير حالف الشؤم مولده.
اشتريت أعشاب وصفة تحضير الحلزون: قشور ليمون، قشور رمان، قشور قرفة، وكميات متكافئة من : أزير، بسيبسة، حبة حلاوة، خدنجال، عرق سوس، زعتر، زعيترة، فليو، سكين جبير، السودانية، كروية، نويويرة، نافع، ورقة سيدنا موسى، ورقة نعناع.
عيدان لإشعال القوة.
توابل لإذكاء تأجج الرغبة، وهي من “,”المجرب الصحيح“,” كما يقول سيدنا النفزاوي.
مرارة لمقاومة المرارة.
أحجية لفك طلاسم العجز والتردد.
و خليط لخلط كل المتناقضات.
إبرة لتصيد ما بطن من بطن الحلزون.
و“,”زلافة“,” لاحتضانه زرافات.
يتغيى مشروعي، على المدى القريب إعداد حلزون واحد لكل راغب من ساكنة جماعة يعقوب المنصور، التي تقارب المليون نسمة، كثافة سكانية مرتفعة من الرجال والشيوخ والمقاومين والعاطلين والعانسات والمحتاجين والعاقرين والمطلقين والأطفال المتبنين، وضحايا النجاة، وغرقى سومة الكهرباء والماء العاتية، وعابري المدارس والمدرجات والأحلام والمتمرسين بالأزقة والشوارع والآمال والأوهام.
توفير “,”زلافة“,” من الحلزون الممرق كل ليلة للراغبين هدف المشروع على المدى المتوسط، وتضم الزلافة عشرة حلزونات: حرصت على تشكيل القدر من كل الأصناف : جنس الأنثى الحلزونية، جنس الذكر الحلزوني والجنس الحلزوني المختلط الهرمفروديتي.
الخليط المتنوع يغري بالإدمان، فمستهلكوه العطشى لكراماته يلتهمونه دون مضغ : يلج القفص الصدري ويحطه سيل اللهفة من عل ليسلك القولون ويلتصق عند انجرافه بجدار البطن، هناك تطله غريزة الحياة المتوثبة دوما بالبطن، فينشط وتتضاعف خلاياه وتولد حاجة ملحة وتعطشا للتزود بكميات مضاعفة.
وازى نشاط الحلزون بفضاء البطن نشاط تجارتي، صنعت من بيوته المتقوقعة قلادات وغلالات لأعناق الحسان، وتفننت في تخصيب كل الأجناس الحلزونية حتى الذكر منها، وأضفت إلى مادتها اللزجة أنزيمات تجعل اللصق أبديا لا فكاك منه، وطورت استغلال المقالع باستخراجه بالليزر تارة، وأخرى بالتنجيم وقراءة الكف.
أصبحت مستثمرا محليا معفى من الضرائب، فاوضتني الجهات المختصة بمد قوقعات غلالة بأجهزة تصنت، وأجهزة تتبع عن قرب.
أفصحت لي فكرة عن وشاية تحتمل التكذيب، تخص إنشاء مرصد للتنصت المعوي غير المكلف، عبر تسخير عين الحلزون لتعقب حركة الأمعاء والقلب والأعضاء التناسلية.
راجعت جموع الحلزون موقفها من قارضها الوحيد، وصارت تخرج عن بكرة أبيها لاستقبالي، تلتصق بي، وتبصم ملابسي بلصاقها وتنقاد إلى قدرها المحتوم، المسود بوقود بقايا مشروع تشجير مقبور.
صرت مروض الحلزون بامتياز.
ذاك المساء الشتوي، بدوار الكورة بالحي، تجمهر حشد كبير حول عربتي وهي تتوهج بإصلاحات التحديث، وانتصبت طوابق زجاجية ملونة فوق الطابق الأرضي المنفتح على صالة للأعيان زودت بمقصورات فردية مؤثتة وفق النهج الحداثي، حلقت روائح الزعتر والليمون والقرنفل لرد أدى العين الحاسدة.
لم تكف كميات “,”غلالة“,” المطبوخة والمانحة للقوة والوهم، لإخماد أوار المتعطشين والأرامل والعوانس وعابري المدارس والآمال والأحلام، تخلوا عن الأسلاك والعيدان الدقيقة المشهرة لفقأ عين الحلزون الراصدة لجدبتهم، وهم ينشدون تصيد أوج الارتواء والانتشاء تحت سياط شرههم.
وانتشرت بقايا الحلزون تلسع الأرض بأنزيماتها وتلدغ مدمنيها وتجرفهم بمد من الجدبة والألم، تدور حولهم ببيوتها المضاءة، وهم يتلمسون سبيل الخلاص لهفى لمزيد من كراماتها.
استنتجت الجهات المختصة أن الحلزون وإن كان لا يملأ العين المجردة التي لا يملأها سوى التراب، فهو يطفو على شبكة عينها الساهرة بحرية. مقالعه مدرة للربح، معفية من الضرائب، جالبة للبركة.
يتعين تقييده بقوانين منظمة لأفكاره الراشدة والقاصرة وتحركاته داخل قوقعاته وخارجها.
يتعين مصادرة كل الأفكار.
ودون ترخيص مسبق، رحلت أسراب الحلزون من مقالعها ومرابطها بالحي دون أن تكشف عن وجهتها.
قد يكون قصيدها الغيث لاستدرار مادتها اللزجة التي استنفدها الهجير.
سبات عميق بكهف طلل، دون بابه النسيان، ربما يكون ملاذ هجرتهم.
... مجرد أفكار.
وهذا المساء الربيعي المتقلب، بعد أن صودرت العربة. تحلق حولي متعاطو الحلزون، يرفعون شعارات تمجده وتحن لمعجزاته.
وارتفعت آناتهم مطالبة بحصتهم اليومية لإقبار رغبة متقدة وللدوس على وهج شاخ بدواخلهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى