محمد عبد المنعم زهران - عجوزان.. قصة قصيرة

تأرجح المقعد به فى حديقة بيته .. وتأمل الآخر يتأرجح ، على الناحية الأخرى، داخل حديقة بيته المقابل . كان يفصل بينهما شارع هادئ وأسوار، وبعض المارة وفضاء هواؤه ساكن. أشجار كبيرة هنا وهناك . أمسك دفتر يوميات فأمسك الآخر دفتراً وهو يرمقه . بدآ يقرآن ويقلبان الصفحات فى ذات التوقيت تقريباً ، ومن وقت لآخر يختلسان النظر لبعضهما البعض . جاء صبى على دراجة ، وتوقف فى المنتصف تماماً ونظر فى الاتجاهين ، على الدراجة رزمة من صحف اليوم . كانا عجوزين خبت قدرتهما على السماع . دخل الصبى من البوابة القصيرة المفتوحة ومضى فى الممشى ، وضع الصحف على المنضدة أمامه ، ومضى إلى الحديقة المقابلة ووضع الصحف على المنضدة الأخرى . بعد أن فرغ الصبى ، استقل دراجته ونظر إلى كليهما ، لوح بيديه ولم يجبه أحد . لم يلتفت إلى الصحف أمامه ، كان مستغرقاً فى القراءة : " آه .. ماذا أقول .. حدث لى شئ عجيب فى الليلة الماضية ، كنت نائماً ، كانت واحدة من تلك الليالى التى أنام فيها دون تفكير ، ودون خوف أيضاً . عزوت ذلك إلى جولة المشى المسائية المرهقة معك . انتبهت فجأة على إثر حركة الستائر ، وخمنت أنها تتحرك بفعل الهواء المتسلل من ثقبٍ بزجاج النافذة ، ورغم ذلك عدت إلى النوم بعينين نصف مغلقتين.. فقد بدأ التفكير..... أنت تعرف . لكن الستائر تحركت فجأة فاصطدمت بفازة على منضدة ، رفعت رأسى ورأيت الفازة تتحرك فى دورانات غير منتظمة ، كنت أتوقع سقوطها وانكمشتُ مستعداً لرؤية سقوطها المكتوم ، ولكنها سكنت قليلاً قليلاً .. ولم تسقط . استرخيت وتأملت الفازة وكانت الستائر تتماوج أمام الهواء المتسلل . وعاد التفكير قاهرا هذه المرة . بكيت فجأة ، نظرت إلى ساعتى وكانت ترتعش فى يدى ، كانت السادسة . عدت إلى نومى وجسدى يرتعش . لم أعرف إذا ما كان حلماً ، لأننى بدأت أشعر بأشياء تهيم فى الحجرة ، كانت عيناى مغلقتين لأننى كنت خائفاً ويرتجف جسدى . من البرد ربماً ، أو ربماً من الخوف والبرد . خيم ظلام مطبق وتدافع علىّ تيار هواء ثلجى بدا كرفيف أجنحة تضرب الهواء .. وخمنت أنه طائر أسود ، وخمنت أنه ضخم بجناحين هائلين . زاد ارتجافى وخمنت أنه يقترب . حين لامس ريشه وجهى ، حاولت السيطرة على الارتجاف الذى يهزنى هزاً فلم أستطع ، بدأت أستعد للقادم باستسلام من لا يرغب فى المقاومة وخرج خيط متواصل من الدموع ، وبين الدموع رأيت الفازة على المنضدة ، تتأرجح بقوة .. فتحت عينىَّ تماماً ، لم يكن ثمة طيور ، كان ثمة دموع باقية وكانت الستائر تتهادى وتعاود الالتصاق بالنافذة . نظرت إلى ساعتى ، لم تكن ترتعش فى يدى ، كانت الثامنة . نهضت وأزحت الستائر وفتحت النافذة ، فتسلل هواء منعش وشمس دافئة ، انتظرتك ولما تأخرت حدست أنك تكتب شيئاً أيضاً . توقف عن القراءة وترك الدفتر ، ونظر للآخر وكان مايزال يقرأ . انتظره حتى انتهى ، ثم طالعا الصحف معاً . بعد قليل نهضا بتثاقل ، التقيا على رصيف الشارع . أعاد كل منهما الدفتر لصاحبه ، وتبادلا الصحف وابتسامة فهم ، وتحركا فى بطء ليبدءا جولة المشى الصباحية . عجـــــــــــــــــوزان ..


محمد عبد المنعم زهران

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى