عادل الأسطة - ليل الضفة الطويل..

تصحو من النوم، تتذكر كوابيس الليلة، تتمتم كلاماً غامضاً، تنظر عبر الشباك إلى الخارج فتبصر الضوء الذي تسرب بعضه إلى داخل غرفتك. تفتح المذياع لتستمع إلى شيء ما. تغني مغنية. تقول كلاماً ما. تحرك إبرة المذياع باحثاً عن محطة أخرى، فلا يعجبك صوت المذيع. تغلق المذياع وتنظر إلى الخارج من جديد، ثم تغفو قليلا:

" تسير في دروب المدينة. تهرب فجأة. يصوب جندي ما بندقيته أزاءك. تصعد الدرج المؤدي إلى الطابق الأول في البناية فتجده مغلقاً وتغيب بين الناس الهاربين. وتصحو".

تنهض من الفراش، تفتح الشباك وتنظر إلى الخارج فتجد عمال البناء نشطين يمارسون أعمالهم كعادتهم. تذهب إلى المطبخ فتشعل الغاز وتضع عليه القهوة. ثم تستلقي على مقعدك. تتصفح جريدة ما. تقرأ الأخبار بلا شهية. هنالك موتى وجرحى، هنالك خريجون يبدون من خلال صورهم فرحين، وهناك مفاوضات سياسية، وهنالك أيضاً سجون. وتنظر من جديد عبر النافذة لتبصر بيوتاً جديدة في المستوطنة. تهمس: هذه المستوطنات الحبلى لا يعرف المرء حقاً متى ستضع مولودها لتعود فتستقر على شكل ما. ولأول مرة يعرف المرء أن هناك حبلاً ما يدوم أكثر من تسعة أشهر. حبلاً ما ليس له موعد نهائي. وتجرب الاتصال بالإدارة الأمريكية الطبيب الخبير والمختص ولكنك تتردد، فأمريكا هي عدونا، وأنت كنت باستمرار ضد الحديث معها. ولكنك تسخر من ذلك. تتذكر ياسر عرفات الذي غير رأيه فجأة، وظهر ذات نهار على شاشة التلفاز ليقول بعد حرب الخليج: "إن أمريكا هي بلد محايداً. ثُمّ غَيّرَ رأيه بعد أسبوع. تتذكر ياسر عبد ربه والرفاق في الجبهة الديمقراطية واحداً واحداً، وتضحك من بكاء. كان الرفاق يأتون إليك ذات نهار ليقولوا لك: أن الياس. ف. رجل أردني وإسرائيلي، ويريد تطبيق الحكم الذاتي، ولن يتم ذلك إلاّ على رقابنا. وفجأة أخذ الرفاق القدامى يصعدون معه على الطائرة نفسها متجهين إلى واشنطن ليفاوضوا على بيع أنفسهم أولاً، وليفاوضوا، من ثمّ، على بيع فلسطين.

ترتشف القهوة. تقرأ الجريدة من جديد، وتنظر إلى الساعة فتجد أنها تقترب من الثامنة. ترتدي ملابسك. تجهز الفطور وتستمع إلى مغنية ثانية، وتعقب: "على المرء أن يكون تافهاً جداً في هذه الحياة حتى يحياها، وإلاّ فسيخسر الشيء الكثير، سيخسر الناس والحياة معاً أن لم يكن كذلك". وتكرر مقطعاً من أغنية لا تعرف كيف حفظته "ما تردي علي يا صبية" وتخاطب الفراغ، فالصبايا الآن لَسْنَ هنا. الصبايا يعشن في عالمهن. "وليكن عالمهن تافهاً" تقول وتتابع. "إنهن يردن الحياة" تتذكر قصيدة مريد البرغوثي (الشهوات) وتعقب: "وهذا شاعر مبدع ويكتب عن الشهوات التي سيطرت على الناس، ولماذا لا يعيش المرء هكذا. هل كتب عليه أن يؤمن بتعدد الآلهة؟ إلآه في السماء وإلآه في الأرض وإلآه في البيت وإلآه في الذات".

تحزم أشياءك وتغادر البيت. لا تلتفت كثيراً إلى نظافة الدرج فثمة وسخ في نفوسنا يعم ويطغى. "لقد وصلنا إلى مرحلة لا أعتقد أننا سَنَبْرَأُ منها." تخاطب نفسك وتتابع: "وفينا من الوسخ ما لا يوصف".

تنتظر الباص. تقف بالقرب من البقال فيحدثك كعادته عن أخيه السجين، ويسألك:

"- فكرك يتم حل ويخرج المساجين".

وتضحك، فالبقال يدعو دائماً إلى عدم الصلح مع الأعداء، ويتهجم باستمرار على الذين يفاوضون. وتقول له: أن صوت المقرئ يطرب، وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له.

تأتي الحافلة فتصعد. تستمع إلى كلام السائق إياه. وحين يصرخ عليه راكب ما أن يقف ولا يفعل لأنه يتحدث مع آخرين يصرخ من جديد. فيكرر السائق قصته مع الأستاذ. "ذات مرة لم أقف لأستاذ في المكان المحدد فقال لي: توقف يا حمار، فما كان مني إلاّ أن ضحكت وقلت: هل تظنني طالباً من طلابك؟ كنت أعرف أنه يدرس منذ سنين الصف الأول الابتدائي، وعرفت أن قدرته العقلية لم تتجاوز عقل طلابه".

وتصعد صبيتان الباص. تخجل إحداهما من الجلوس في مقعد يجلس على جانب منه رجل طاعن في السن، ربما أكبر من والدها، فيقوم رجل آخر وزميله لتجلس الفتاتان اللتان لم تتجاوزا الثانية عشرة. وتتذكر ما حدث معك قبل فترة. "كنت تجلس في الحافلة إياها ولم توافق طفلة محجبة في الثامنة من العمر من الجلوس إلى جانبك. لم تلتفت يومها للأمر، وحين طلبت منك معلمتها أن تجلس إلى جانب رجل آخر رفضت ذلك، فالطفلة في عمر ابنتك. وانتهى الأمر لتفاجأ بتأويلات كثيرة. يأتي أخوك ذات مساء وينقل اليك تهديد الفئات الإسلامية لسلوكك اللاأخلاقي، ويكاد الأمر يصل بينك وبينه حد العراك. فتقول له: إذا كان المسلم الذي قال لك هذا جريئاً فليقل ذلك مباشرة، وإذا تَفَوّه في الحافلة فلن يترك الأمر دون إهانته.

وتستمع إلى أحاديث الناس. يتحدث ابن المخيم المجاور عما جرى مساء أمس. " لقد كانوا يلعبون كرة القدم. جاء الجنود فجأة. خاف الأطفال وهربوا، ثم ظن الجنود أن هناك أمراً ما فأطلقوا الرصاص وأصابوا الفتى الذي لم يتجاوز الثانية عشرة." ويذكر اسم قريبه الذي يقبع الآن في تل هاشومير.

وتنظر إلى المخيم، إلى بيوته المتراصة، إلى أطفاله الذين يسيرون في الشوارع وإلى المسجد الجميل الأنيق، وتهمس: "إن أهالي المخيمات يحبون أيضاً الجمال والأناقة، ولكن ظروفهم لا تسمح لهم بتحقيق ذلك" وتنظر إلى الأمام ترى إطارات السيارات المشتعلة، فتبصر ثلاثة أطفال يرتدون الكوفية ويلقون الأوامر للسيارات بالرجوع. "ينبغي أن يكون اليوم يوم حداد" يقول راكب لصديقه الجالس معه على المقعد نفسه. ويتأفف آخر فيما يعقب: صورة يومية وحداد يومي وموت يومي والنتيجة "ولم تسمع، على غير العادة، شتائم توجه إلى أمريكا واليهود والعرب وياسر عرفات أيضاً. فلقد كانت العيون تتجه إلى ما يجري في الشارع لترى فيما إذا كانت هناك دورية قادمة.

يعود السائق من حيث أتى ويستقل طريقاً آخر شَقّهُ اليهود لكي يمنعوا مرور سياراتهم في شارع المخيم الذي كثيراً ما يتحول إلى ساحة معركة ومواجهة. وتنظر إلى القرى الجرداء والمستوطنات التي تكبر، ويتساءل أحد الركاب عن مصير هذه المستوطنات في فترة إحلال السلام، فيجيب آخر: ربما يأتي عرب اسرائيل إلى هنا لأن اليهود يريدون دولة يهودية خالصة "ويقول المتسائل: السعودية تدفع حقها على أية حال".

تصل الحافلة إلى شارع عمان. ينظر الرجل الذي كان يتحدث، إلى قمة الجبل فيرى الأشجار المحترقة. "إنهم لا يريدون أية بقعة خضراء في هذه الضفة حتى يؤكدوا مقولتهم من أن العرب لا يهتمون بالأرض".

تنظر إلى محطة الكهرباء فتجد حشداً من السيارات وقد توقف. يتوقف الباص، فيتساءل الركاب عن السبب، ويعرفون أن هناك تنكات (سيارات) إسرائيلية جاءت لتفرغ حمولتها في المحطة. وتنتظرون. ينظر أحد الركاب إلى ساعته ويهمس: "لقد تأخرت"، ويمعن الآخرون النظر إلى سائق التنك وزميله المدججين بالسلاح.

يقول أحد الركاب لجاره: "مجرد حركة بسيطه من شخص غير سوي يمكن أن تخربط الدنيا، ويمكن أن تكون هناك ضحايا كثيرة" فيعقب الآخر: "لقد حاولوا مراراً قتل السائق أو معاونه، ونجحوا مرة أو مرتين" ويصمت للحظه، فيما يتابع الآخر: "لو يأتون ليلاً والناس نيام" فيجيبه الآخر: "إنهم يخشون من هجومات ليلية بالرصاص والقنابل".

وينتظر الجميع. تستمع إلى الحوار العابر بين هذا وذاك وتنظر إلى الجبل ثانية. تنظر إلى هياكل الأشجار التي احترقت مراراً دون أن تكترث السلطات لأمرها إطلاقاً، لتسترجع كلام الرجل الذي تفوه به من قبل، وتهمس، ساخراً، مكرراً مقولة الصهيونيه: "حيثما يكون العرب تكون الصحراء". تبحلق في الساعه: "ما زال الوقت مبكراً". وتنتظر مع من ينتظرون حتى يفرجها العسكري الاسرائيلي وزميله، بعد أن أفرجها التنك الذي افرغ حمولته، على الناس جميعاً. يغادرون وتغادرون. يهمس أحد الركاب: "لقد انتهى كل شيء، على خير". وتسير الحافلة.

بعد لحظات يتوقف السائق، يتحدث مع راكب أراد النزول، يثرثران طويلاً، فيهمس راكب ضجر: "لقد تأخرنا يا عزيزي. تكملان القصة بعد ذلك" فيرد السائق: "إذا كنت مستعجلاً فخذ تكسي" وتبتسم لجوابه هذا. أجابك السائق، قبل أيام، حين سألته: "كم من الوقت تحتاج حتى تتحرك"، قائلاً: "تريد أن تأخذ طلباً بنصف الشيكل الذي تدفعه"، ولم تعقب على ذلك. تتذكر ما قاله الأستاذ للسائق ذات يوم وتتساءل: من كان مخطئا ومن كان على صواب: الأستاذ أم السائق. الطفل الصغير أم الحمار. وتنتهي الثرثرة ليواصل السائق السير. ويقف فجأة. ثمة زامور سيارة عسكرية تسير في الاتجاه المعاكس. تصطف السيارات من جديد وينتظر السائقون مرورها دون إبداء أي تذمر. يهمس أحد الركاب: "معهم الحق في ذلك" ويتذكر القانون الذي سنوه حديثاً: "إن عدم التوقف أو تجاوز السيارة العسكرية يمنح الحق للجنود بإطلاق الرصاص على الآخرين". تفكر: وماذا لو ضرب طفل ما، شاب ما، حجراً على هذه السيارة الآن". تتخيل رصاصة اخترقت الحافلة التي تقلها وأصابتك. وفجأة تنتقل إلى الكرسي المقابل، تبتعد عن الجهة المطلة على الشارع الذي تسير عليه الدورية. تتذكر ما ألم بالشاب الذي كان واقفاً بالقرب من مدخل البناية التي يوجد فيها مقر الصليب الأحمر. وتحزن لما ألمّ به: "إنه عاجز عن الحركة الآن." لم يضرب حجراً عليهم، لقد جاءته الرصاصة فأصابت عموده الفقري. وها هو الآن قعيد البيت، وتتذكر جمال الشاب الذي لم يتجاوز السابعة عشرة الآن. كنت تجلس قبل أيام في السيارة مع قريبك، وكان جمال يسير وحيداً في الشارع، ويقوم بحركات لافتة للنظر، يتحدث بصوت مرتفع، يحرك يديه، وقد لفت قريبك نظرك إليه: "لقد أشبعوه ضرباً في بداية الانتفاضة، وفقد وعيه، وهو الان يحدث نفسه في الشوارع" ويتابع: "انه يتناول المهدئات وحين يفتقد الحبوب يحدث نفسه كما ترى".

تنظر إلى ساحة الدوار فتجدها تضج بالحركة، تنظر إلى الساعة وتحسب كم من الوقت استغرقت الرحلة التي ينبغي أن تتم في عشر دقائق، وتعرف انها استغرقت اربعين دقيقة. وتعقب على عبارة احد الركاب الناصة: "لو سافرنا إلى رام الله لوصلنا" قائلا: "وربما وصلنا القدس التي لا يسمح لنا بدخولها الا بتصاريح".

تبتعد عن موقف باصات الجامعة. ترغب في التجوال في شوارع المدينة، تسير باتجاه المكتبة لتتصفح عناوين الجرائد. تستمع إلى الشريط الهابط الذي بدأ يغزو الاسواق، شريط ابو يوسف (كعك بعجوة)، وتستمع إلى تعليق احد المارة: "هذه هي نهاية الانتفاضة" فيما يقول عابر اخر "ينبغي على اطفال الانتفاضة أن يحذروه من اشاعة مثل هذه الاغاني الساقطة". تسير صامتا دون أن تعقب على الكلام. تستمع إلى شريط اخر: ((فتحاوي فتحاوي)) وتحزن لان اذاعة الملك واغانيه فرضت نفسها على الناس، على الرغم من انهم حرفوها، وتتذكر ما حدث قبل ايام. كانت سيارة الشرطة العسكرية تسير في الشارع، ولأنّ السيارات كانت تملأ الشوارع فقد اطلقت زامور الخطر حتى يفسحوا لها الطريق، وحين تم لها ذلك بدأ الشرطي يغني بصوت مرتفع "هاشمي، هاشمي".

وفجأة تبصر الشرطة والجيش. تبتعد عنهم. تحاول السير على الرصيف الاخر وتقف للحظة ظانا أن الشرطي يصرخ عليك، تنظر خلفك واذا به يوقف سيارة كانت تسير سيراً طبيعياً. يطلب منه الرخص والتأمين، ثم يكتب له مخالفة وهكذا يفعل مع الاخرين.

تتصفح الجرائد، تقرأ عناوين القدس والنهار والمنار والصدى والفجر، كل جريدة ولها الاهها الخاص، سيادة الرئيس، جلالة الملك. حكومة مصر. ياسر عبد ربه. سيادة الرئيس. رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض. احتمال اغلاق جريدة الفجر. يقول قارىء لصديقه حين قرأ العبارة الاخيرة: "وهذا افضل، فمن هو الذي يقرأ الفجر هنا" ويضيف الاخر: "لقد فعلوا خيرا حين أغلقوا الشعب كذلك. انها المؤسسات التي كانت تُفَرّخُ صيصانا لا يسأل عنها احداً.

تذهب إلى المطعم لتتناول وجبة الافطار. تتساءل ماذا افطر: فول ام حمص؟ وتبتسم. لو راني احد معارفي الان هنا لصنفني بناء على طبيعة الوجبة. أن تفطر الفول فأنت فتحاوي. وان تأكل الحمص فانت حماس. وتحمد الله انه لا يوجد جبنة حتى لا تتهم بانك جبهاوي. تتذكر الشعارات التي كتبت على مطالع أدراج البنايات. نايف حواتمة. ناتف حواجبه. جبهة ديمقراطية. جبنة دانماركية. ياسر عبد ربه. ياسر عبد ياسر.حشف. جش. وتنظر إلى الصور. صورة رأس الاصبع الاوسط للانسان، واذا كان دمي احمر فكيف لا اكون جبهاويا، وتقول:"حين ارى شخصا من الجبهة الشعبية فسأسأله ساخرا! أن دم الموساد احمر فهل هم جبهة شعبية؟؟ وتتراجع فقد تتهم بالعمالة وقد يرسمون على حائط بيتك شعارهم ويكتبون: "النسر الاحمر". وقد يقتلك الموساد ليتهم بدوره الجبهة الشعبية.

تتذكر ما حدث قبل عامين يوم جاء شاب إلى البقال ليشتري منه علبة كولا، فسأله الاخير أن كان اعطاه ثمنها، وكادت المعركة بين الاثنين تنشب، فهدد الشاب البقال بأنه سيحضر له الشبيبة، مما جعل الاخير يقول له: أن كنتم رجالا فتعالوا، وسأحضر لكم حماس. وتتذكر تلك الجارة التي ارسلت قريبا لها، لخلافها مع اهل البقال، حتى ينادي مساءً، ومجموعة من المقنعين مهددين باحراق المحلات التي تبيع بضاعة اسرائيلية.

تتزاحم الاحداث في ذاكرتك تحاول أن تنسى. تمر بالقرب من صحفي قديم لتسأله عن كتاب كان أصدره، فيتحدث لك عن امجاده الصحفية سابقا، وها هو الآن يبيع بعض النتريات ليطعم الأولاد0 "لقد تغير كل شيء" يقول لك0 "انقلبت الامور". ولا تستمع منه إلى جملة مفيدة، فقد كان هو نفسه لا يستطيع صياغة خبر، ولكنه وظف مراسلاً للجريدة لأنها كانت تمثل الاتجاه الذي يؤمن به اخوه.

تواصل السير. تطرح التحية على ابو عرّام. فيطلب منك أن تجلس عنده لمدة خمس دقائق. "ثمة موضوع اريد رأيك فيه" يقول لك ابو عرّام 0 يسألك عن امكانية قبول جارة له في الجامعه، فترد عليه: "إسأل الأمناء". يضحك قائلا: "أنا لا أذهب اليهم هم يأتون لي" وتوافقه على كلامه، فأبو عرّام اللص الفتحاوي الذي سجن لاشهر عديدة واصبح بعدها مسؤولا كبيرا، اصبح دكانه مقرا لاساتذة الجامعة، يأتون اليه ليأخذوا منه التعليمات. تعتذر قائلا: "انا شخصيا لا استطيع فعل شيء"، وتواصل: "وما دام الامناء يأتون اليك فحل المشكله معهم".

"غير معقول هذا. هذا الرجل يعتبر من كبار القياديين، وينفخ بطريقه عجيبه. ما زلنا نحن كما كنا منذ عشرات السنين. الثورة لم تغير أي شيء في نظرتنا للحياة وفي مفاهيمنا. لقد انتقلت العشائرية من العائلة والمجتمع إلى الفصائل نفسها. يسارها ويمينها. انظر إلى الكثيرين ممن ذهبوا إلى الدول الاشتراكية من قبل. كانت الثورة ترسلهم دون أن تتأكد منهم. كان مجرد وجود قريب لك في فصيل ما يسفرك إلى الاتحاد السوفيتي". تتذكر رفاق الجبنة الدنمركية. تتذكر أبو عرّام هذا. كم من أبنائه أرسل إلى هناك وكان أول من يشتم الدول الاشتراكية. قبل أيام كان أبو عرّام هذا في صلحة بين شابين تقاتلا بسبب اصرار أحدهما على المشاركة في لعبه كرة القدم، وتحولت المشكلة إلى مشكلة بين حماس وفتح. قلت للفتحاوي: "اذا كنت مخطئاً فاذهب واعتذر بسرعة، وإذا كنت على حق فقل رأيك بصراحة. ولكن أبو عرّام جاء وطبطب الأمور ببوس اللحى. لقد أخذ يسخر من طريقتك وقال: يا أخي نحن لنا عاداتنا وتقاليدنا." يومها قلت: "اضرب وغمق الجرح وآخرها لمحكة الصلح" وتذكرت الخلافات بين الدول العربيه التي تصل إلى حد الاقتتال، ثم سرعان ما يصبح المتخاصمون أصدقاء ويوقعون معاهدة وحدة، وتذكرت ياسر عرفات والملك حسين

"هذه الضفة" تهمس "هذه الضفة" تصرخ وتلتفت فلا يسمعك أحد. تفكر في هذا الذي يجري. في انقلاب الأحوال. تتذكر صديقك الذي جاء اليك قبل أيام ليعرض عليك أن تلتزم مع فصيل حتى يدافع عنك. وتضحك. لقد ذهبت اليه قبل أربعة عشر عاما لتعطيه منشوراً، وكان يومها يعمل في مدن النفط، فقال لك: "كلام فارغ، سيبك من هذا" وها هو اليوم يمجد الجماعة التي سخر منها يومها.

وتهمس من جديد. "هذه الضفة. هذه الضفة". تتذكر حوارك مع العجوز الغزاوي: "لو توقفت الانتفاضة قبل عامين لكان ذلك أفضل" يقول لك ويتابع: "ولكنّا نهدد بها بين فترة وأخرى" ويتحدث باسهاب: "لقد انقلبت المعايير واختلفت أشياء كثيرة ولم يعد يعرف أحد ما هو الصحيح" ويصمت، فيما تستمع اليه وهو يتحدث بعد برهة: "ان الكثيرين ممن يقتلون الآن يقتلون تصفية حسابات" ويذكر لك حادثة مقتل غزي على يد الصقور في غزة "كيف يحضرون صحفياً ويقتلون شخصاً على مرآه. لقد نشرت الصورة في صحيفة اسرائيلية، ولا شك أنها كانت ادانة لنا. سيقولون: أنظروا كيف يقتلون أنفسهم بلا رحمة." وتسأل نفسك هل سيتمكن العجوز الغزي من المجيء هذا النهار ليحدثك عن مشاكله وهمومه على حاجز ايرز، وعن هموم أهل القطاع وعن الارض التي تسحب من تحت أرجلهم. وتقول مخاطباً نفسك: "ولكنني سألتزم الصمت على أية حال" وتهمس: "ان الاختلاف في الرأي جريمة، وقد يصبح المرء وطنياً للحظة، وقد يصبح في اليوم التالي خائناً."

تعود من حيث أتيت. تذرع الشوارع من جديد وتسير بين عربات الخضار والفواكه. تحاول أن تسير على الرصيف فلا تستطيع. ليس هناك متسع، فالبائعون تكاثروا منذ زمن الطوق ومنع عمال المناطق من العمل في الداخل. تتذكر كلام جارك الشيوعي القديم: "ليس هناك من سلطة على أية حال، ونحن على ما يبدو لن نضبط أنفسنا إلا من خلالها. لقد أصبحت الاراضي لهم" يقول لك ويذكر ما فعله أصحاب البسطات قبل فترة وجيزة مع صاحب أرض أراد تسييجها. "لقد طالبوا بتعويضات، وهددوه بالشبيبة وبحماس. كل بجماعته. ولكنك لا تعرف لماذا يأسرك هذا الواقع. يشعرك بحركة في المدينة تعوضك ربما عن الهدوء الذي يسيطر عليك وعلى المدينة بعد الثالثة ظهراً. "هنا يبدأ الليل منذ الثالثة عصراً ويستمر حتى صباح اليوم التالي" تخاطب نفسك: "وهنا الحياة قصيرة. هنا موات فقط".

وتنظر إلى الباعة، إلى البضاعة المعروضة، تستمع إلى زمامير السيارات وشتائم السواقين وصراخ الباعة عليهم. يتمنى سائق يجد صعوبة في الخروج من المكان أن يأتي الجنود والشرطة ليلاحقوا الباعة. يأتي الشرطة والجنود بين فترة وأخرى. يراهم أصحاب البضاعة فيتركون عرباتهم ويهربون لئلا يدفعوا الضريبة. تتذكر ما قاله الرجل لك قبل فترة: "ابتعد عن العربة حتى لا يكلفك كيلو التفاح مائة دينار أردني" تبتسم: كيف " فيجيبك: "سيظنونك صاحب العربة". وتقول له. "ولكنني لست صاحبها" فيقول: "لن يكترثوا لكلامك". وتنظر بالفعل حولك فلا تجد سوى البضاعة والشرطة الذين أخذوا يعبثون بها.

وفجأة يبدأ صوت الرصاص. تحتمي بالباص، وتنظر إلى جهة المستشفى. كان الشباب الصغار يهربون وكان الجنود يطلقون الرصاص، كأنهم على الجبهة، باتجاههم تنتظر انتهاء اطلاق الرصاص وتغادر صوب باص الجامعة. ولا تلتفت كثيرا إلى وسخ الشوارع أيضاً. "ان المرء هنا لا يفكر كثيراً بالنظافة. انه يفكر كيف يعود إلى البيت سليماً معافى لا جريحاً أو قتيلاً." قبل أشهر اختبأت بجذع الشجر المقلم وكان الرصاص يتطاير وكانت المرأة الحامل إلى جانبك تقرفص وهي تصرخ خائفة، فيما أخذت طفلة صغيرة تبكي. يومها قلت: "إنهم لا يقتلون الناس وحسب. إنهم يقتلون الأشجار أيضاً ويفعلون كل ما يساعدهم على قتلنا". وتذكرت ما يفعلونه دائماً. يقتل يهودي فتقتلع أشجار بيارات كاملة ثم يقيمون مستوطنة وقد يوسعون الشوارع.

"هذه الضفة، هذه الضفة" تهمس، وتسير صوب باص الجامعة. تلتقي بالطريق بشاب من كتلة العمل. يستوقفك. يسألك عن رواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" ثم تبدآن حديثا عما يجري. يشتم الفصائل الأخرى كلها. يشتم ياسر عرفات وياسر عبد ربه، ويمجد أفعال حماس الأخيره، ثم يزف لك بشرى حصوله على وثيقة السفر. "وأخيراً حصلت على موافقة بالسفر. سأسافر" وتسأله: هل ساوموك؟" فقال: لقد ملّوا على ما يبدو" تتمنى له التوفيق وتقول له: "دعنا نسمع أخبارك".

تصعد باص الجامعة. تتصفح عناوين الجريدة للحظات. تقف بالقرب منك فتاة ترتدي اللباس الشرعي فتظن المقاعد غير شاغرة. تنظر حولك فتجد ثمة مقاعد شاغرة. تتساءل: لماذا لا تجلس؟ وتتذكر منظر الصباح. لا تجلس الفتاة بجانب الشاب. وتتساءل ثانية: هل سيفترسها؟" تقول: "في المحاضرة سأشير إلى هذه الظاهرة على أية حال" ولكنك تنسى الموضوع بعد أن تجلس في مكتبك.

تجلس. تحاول أن تقرأ شيئاً ما. يأتي شخص ويذهب آخر. هنا لا يحب أي شخص سوى لونه، سوى نفسه. هنا التفاهات الكبرى. تتساءل: هل انتقل الشارع إلى رؤوسنا؟ هل ثمة جدوى لاقامة جامعة في هذه المدينة؟ "ان الفلسطينيين في طليعة الشعوب العربية لانهم متعلمون، بل انهم في طليعة شعوب العالم علماً. وتتمنى لو تتعرف إلى شعوب العالم. "ان العلم" تقول: "اذا لم يغير في سلوك أصحابه نحو الافضل فهو دون جدوى" وتتابع. "ونحن في هذه المدينة نسير خلف الناس"، تتذكر الفتاة التي لم تجلس إلى جانب زميلها. تقول: "اذا لم ترد الاختلاط فهي حرة. هذا شأنها، ولكن لماذا لا تجلس؟ ثمة شياطين بشرية تقوم بعكس ما يقوم به الشيطان حين يجتمع الذكر والانثى وحدهما. ثمة شياطين شرسة على استعداد لان تموت مقابل الدفاع عن الشرف الفردي".

تحاول أن تقرأ شيئاً ما فلا تعرف. ضجيج الطلبة في الممر. أصوات المكبرات. تخرج إلى الساحة فلا تجد سوى طلاب وطالبات يثرثرون. تقرأ منشوراً ملقى على الارض، تقرأ نقيضه. تدافع حماس عن نفسها زاعمةً أنها لا تفرط في القضية، وتشتم م.ت.ف. والوفد المفاوض. تطالب بضرورة عودة المبعدين. ويرد أنصار م.ت.ف. متحدثين عن ماضيهم النضالي. يتحدثون عن ثمرة القتال. عن المفاوضات. يشددون على عدم التنازل.

تنظر إلى الممرات فتجد اللافتات كل الاتجاهات لها لافتاتها الخاصة بها. حين تطلب من الطلبة أن يعودوا إلى الكتب ليقرأوا يحتجون قائلين: ليس هناك وقت وها هم دائماً في الساحة يثرثرون دون أن يملوا. تتساءل: عمّ يتحدثون؟

"لا شك أنهم يغرقون في التفاهة التي يعشقون"، تعود إلى مكتبك. تجلس فيأتي الشاعر ليمارس عادته اليومية. يسألك عن قصائده الجديدة والقديمة. ثمة شيء واحد فيه قد تغير: "لم يعد يطلب منك أن تكتب مقالا عن أشعاره" يتحدث عن ذاته، عن سفره، عن رحلته الاخيرة، يشتم الكتاب الآخرين والشعراء، يقرر الابتعاد عن هذه الاجواء الكريهة، ويشكو ضيق ما في اليد، ويخبرك في اللحظة نفسها أنه يرغب في السفر إلى الاردن لحضور احتفالات أيام جرش. يتحدث لك الشاعر عن اتحاد الكتاب "تصور يا أخي أن ذَلّتَ الغزي ذهب إلى المطبعة وطلب من صاحبها أن يستبدل الورق الذي اتفق الاتحاد معه بشأنه، وكلف ذلك مبلغ 600 شيكل أخرى، والغريب أن الاتحاد يشكو من قلة ما في اليد". ويضيف "لقد حققوا معه ذلت هذا وجلدوه 65 جلدة" وها هو يحاور الاسرائيليين في بلاد بعيدة.

تسأله: "هل صحيح أن ادارة السجون استدعت الشاعر.م أيام كان سجيناً، وفاوضته.. "حول ماذا" يستفسر منك فتقول له: "أخبرني أحد المساجين الذي سجن بتهمة أنه ينتمي إلى فصيل يساري أن الادارة أرادت أن تكسر اضراب المساجين، فأرسلت للشاعر.م، وقالت له: هل نمدد لك الاعتقال الاداري ستة أشهر أخرى، أم تطلب من جماعتك أن ينهوا الاضراب. فوافق على ذلك" وتتابع: "أنا لم أصدق، ولهذا أسألك، فربما يكون الأمر تشويها من التنظيمات اليسارية" تصمت للحظة حتى تنتظر جواباً وتتابع بعد أن التزم الصمت: "والذي أخبر الشاب اليساري شاب فتحاوي، والذي جعلني أستمع اليه أنه لم يتهم الفتحاويين كلهم. لقد أخذ يمدح العديدين منهم".

تهمس في ذاتك: "حين يأتي الكتّاب والشعراء سوف أتحدث معهم عن أي شيء الا الادب. سوف أقول لهم هذا بصراحة. أن أردتم أن نبقى أصدقاء فلا تتحدثوا بما لا تعرفون. تحدثوا بما تشاؤون الا الادب" وستواصل: "فأنا لا أحب الحديث عن الأدب المحلي اطلاقاً. انني أصاب بالغثيان من هذا الذي تكتبون وتدعون أنه أدب. وتواصل: "وسوف أقول أيضاً للاصدقاء ينبغي الا نتحدث أيضاً في السياسة. لنتحدث عن التفاهة حتى نبقى أصدقاء، ونحافظ على بعض انسانيتنا المهدورة."

تتذكر ذلك الشويعر الذي ظَلّ يزورك في البيت باستمرار. يأتي إليك مساءً. يشرب القهوة. يحدثك عن قصائده التي لا يفهم الناس شيئاً منها، ويشتم هؤلاء ثم يمدح زوجته التي أخذت تستسيغ بعض ما يكتب. ذلك الشويعر الذي ألح عليك مراراً أن تكتب دراسة عن أشعاره، ولكي تصرفه عنك أعطيته عنوان ناقد في باريس لعله يقوم بهذه المهمة، فَسُرّ لذلك وأرسل أشعاره إلى الناقد الذي أراحك من زيارات الشويعر المملة، وأراحك من الاصغاء إلى حديثه عن ذاته حديث المتنبي عن ذاته. "هؤلاء الأدباء أغبياء" تهمس. تقول للواحد منهم: "أنا لا أكتب إلا عمن يستفزني" فيكررون الطلب منك أن تكتب عنهم، وتواصل الهمس: "ينبغي أن أقولها لهم مباشرة: أشعاركم لا تستفزني. تستفزني تفاهتكم. وسأكتب قصة عن هذا".

تحاول الجلوس. تحاول القراءة فلا تستطيع. هدوء المساء ينقلب هنا إلى ضجيج. أليس لهذا تترك البيت مبكرا في الصباح." ولكنك تنشد هنا الهدوء الذي تكرهه هناك.

يزورك شخص فتحاوي فيلعن فتح والسرقه فيها. يشتم الآخرين الذين تسلقوا فحصلوا على مناصب عالية في التنظيم. يتحدث عن سرقات بعض أفراده. "لقد لطش فلان نصف مليون ثم جمدوا عضويته". ويتابع: "وفلان بعد أن انتخب في النقابة أصبح عميداً". لقد اشترته الادارة. وتستمع إلى هذا. تتذكر ما يجري. "ندافع عن العمال حتى ينتخبونا ثم نصل لندافع عن الادارة، وننتظر فاكساً من ياسر عرفات نقرأه في الاحتفال ونبرز الصورة. وعلى بعد أمتار يراقب الجندي الاسرائيلي الاحتفال ويستمع إلى الخطابات وفاكسات ياسر عرفات". تهمس وتتساءل "هل نحن تحت احتلال؟" تصمت ليتحدث زائر جديد عن الدكتور جوجو: لقد كان جوجو دائماً مسلماً. في انتخابات النقابة العام المنصرم، كان في قائمة حماس، ثم لما أراد أن يصبح عميداً أقنعه بعض الامناء بأن يصبح فتحاوياً. وهكذا ذهب جوجو إلى الشبيبة وفاوضهم فوافقوا على أن يصبح فتحاوياً شريطة أن يضعوه عاماً تحت المراقبة ووافق على ذلك.

تتذكر ماضي جوجو جيداً. لقد كان جوجو أستاذا بسيطاً وابن فئة مسحوقه، ولكنه قرر أن يطلق الفقر إلى الابد، وأخذ يجد ويجتهد ويعمل عشرين ساعة في النهار، ولم يمانع في أن يصبح موجهاً في بيت ايل، ولما لم يصرفوا له في الاردن الراتب، قرر أن يعود كما كان حتى يصرفوا له الراتب من جديد. ولم يمل جوجو من الوقوف على أعتاب المسؤولين الكبار والنفاق لهم. يذهب إلى بيوتهم. فيتحدث عن هذا وذاك. يبدي نعرته المدينية ويكرر الاحاديث والآيات القرآنية، كما لو أنه مسلم حقيقي. يجمع النقود ويبني الشقق، ويتحدث بافتخار عن دراسته على يد أستاذ معين، تبين فيما بعد أنه لا يعرف الامانة العلمية. يأتي شخص ليجمع تبرعات لبناء مسجد، فيدفع جوجو، خجلاً من زملائه مبلغاً قليلاً من المال. "يا أخي دكتور ويدرس ست ساعات اضافي وزوجته موظفة ويتبرع كما تبرعت أنا الذي لا آخذ ربع راتبه" يقول لك صديق. فتعقب: "لا أدري لمن يجمع هذه الثروة." ويكرر جوجو ذات يوم الحديث الشريف: "لأن تذر أبناءك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء"، وها هو جوجو يصبح فتحاوياً حتى يترك أبناءه أغنياء ويصبح عميداً.

ويأتي الاستاذ القروي، يجلس إلى جانبك يتحدث لك عن طيبة أهل الريف، يمدح رئيسه ويذم أهل المدينة. يذكرك بالكراهية بين جوجو والكلب، الكراهية التي انقلبت إلى صداقة: "توحدهم النعرة الجديدة: الانتماء إلى المدينة وهاجس الرغبة في أن يصبح أحدهما عميداً. ويتركك الأستاذ القروي الذي يتحدث عن مكر أبناء المدينة ليغازل ابنة المدينة الجميلة.

تقول ساخراً: ها هو الانتداب بعود الينا بطلب منا. ولماذا لا نحيي روابط القرى التي أنشأتها اسرائيل؟

تتذكر الطالبة ابنة المدينة. "تشرب معنا شاي يا أستاذ" "وماله. أشرب شاي" تجيبها وزميلاتها. وتحدثك عن أختها الطالبة، عن النعرة التي تسود البيت، فتعقب طالبة مدينية "يبقى الفلاحون فلاحين حتى لو تمدنوا" تقول لها: "عيب أن يصدر هذا من طالبة جامعية، فلكل مجتمع عاداته وتقاليده" تقنعها بذلك فتوافقك زميلتها الرأي.

تقرأ الاعلانات التي يعلقها، من جديد، الطلبة. شتائم. شتائم. وليس هناك من حديث عن الاحتلال. تهمس: "لقد أصبح الفصيل الآخر هو الاحتلال للفصيل. حماس عدوها فتح. وفتح عدوها حماس. وياسر عبد ربه عدو نايف حواتمه. والآخير عدو الأول. وأصبحت فلسطين هي الأخ القائد الرمز." وتواصل: "وفي الاحتفالات تلصق صورة أبي جهاد على خجل أو حياء، ولا تلحظ أية صورة لأبي اياد أو سعد صايل أو حسن سلامه. ولا أحد يعرف عن كمال ناصر أو يوسف النجار أو يوسف عدوان أو ماجد أبو شرار."

تلتقي بطالب من جبهة العمل، فتحدثه عن رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان وتسأله عن رأيه. يقول لك: انه انسان على أية حال. فترد عليه: ولكن ألم يكن أبو حسن سلامه انسانا، لقد كان يومها ابو حسن جورجينا" فيبتسم لك. يمدحك حين تدرس غسان كنفاني، ويعجب كيف تدرس محمود درويش هذا الشاعر البرجوازي شاعر عرفات.

تنظر إلى الجميلات فتفرح لفرحهن. تقتلنا النساء. يأتيك زميل ويقول لك بخبث: تشرب قهوة. فتقوله له: نشرب قهوة. فالقهوة تستثير فيك أشياء وأشياء. فهي تعيدك إلى هناك، وتذكرك بما كتبه عنها محمود درويش في كتابه "ذاكرة للنسيان"، ولكن شتان ما بين نظرتك ونظرته. لقد كانت القهوة وسيلته للتمييز بين البخلاء والكرماء، بين محدثي النعمة وأصحاب النعمة وراثةً. أما القهوة فتعني لك أشياء أخرى. فالقهوة قد تجعلك تسهر حتى الصباح فتحول بينك وبين النوم، والقهوة وسيلة جيدة للتخلص منك أيضاً. والقهوة تعيدك إلى هناك، إلى أوروبا حيث أقمت طويلاً.

تدعوك اليابانية لزيارتها فتشرب القهوة معها، تحاول أن تتكلم معها باللغة التي تتعلمان فلا تستطيع. لا تستثيرك اليابانية في حديثها، فتتركها ولا ترد لها الزيارة.

وتدعوك بربارة أيضاً لشرب القهوة، فتذهبان معاً إلى كافتيريا الطلبة، تعلمك اللغة قليلاً وتدعوك لزيارتها، وفي بيتها تبصر الشعار الاسرائيلي، ويبدأ خوفك يكبر. كأنك لم تغادر الوطن المحتل. "تذهب إلى آخر الدنيا" تقول وتتابع "فنجد فلسطين حاضرة".

تتذكر نينا وأندريا ويوهان. وتتذكر ماورو والنادل صاحب الوجه القميء واليهودي صاحب البوتيك المقابل لمطعم الجامعة. لقد حيّرك وجودهما يومها. وحيّرك أكثر أن يقدم لك القهوة رجل قميء الوجه في ذلك المقهى الذي تعمل فيه، فقط، الطالبات الجميلات.

وهناك ترتبط القهوة بالسهر والثرثرة في أشياء كثيرة غير الغيبة والنميمة. وترتبط القهوة بتصفح الجريدة، والحديث، مع فاتنة، في الأدب وعادات الشعوب. وقد تصطاد فتاة بفنجان قهوة تركية، وقد تصطادك فتاة بفنجان آخر. والقهوة هناك تنسيك ما تعنيه القهوة هنا. تنسيك الموت وانصراف الزائر بتقديم القهوة له. وتقودك القهوة هناك إلى عوالم أخرى تراها، في الشرق، في الحلم فقط.

وحين تزور، هناك، عائلة لا تحتار كثيراً في نوع الهدية التي ستأخذها معك: نصف كيلو قهوة. ويكون اللقاء ودياً وحاراً: "هذا شيء رائع" كانت فولتا، العجوز المتصابية، تقول لك حين ترى معك الهدية.

وهناك أيضاً تصبح القهوة مادة يتم من خلالها تحويلك إلى أرنب تجارب. تذهب إلى الجزائري لتقيم عنده، فيجرب في جسدك العديد من الأدوية. المواد التي ترفع الضغط، والمواد التي تضعف القوة الجنسية أو المواد التي تقوي القوة الجنسية. يفعل عبد الله ذلك، ثم يقوم في الرابعة صباحاً ليصلي الصبح، ويتحدث لك عن هذا الغرب الكافر، وعن ضرورة التمسك بالدين لأن حربنا حرب صليبية. إننا نشتم الغرب" كنت تقول "ولكننا نفعل ما يطلبه منا".

وحين تعود تصبح القهوة، هنا أيضاً، مادة يتم من خلالها تحويلك إلى أرنب تجارب. ولا تجد كبير فرق بين هنا وهناك. ولكنهم هناك جرّبوا ذلك مرةً أو مرتين واكتفوا، "أمّا هنا" تخاطب نفسك وتصمت. تتذكر، فقط، عبارة رجب في رواية "شرق المتوسط" أن شرق المتوسط لا يلد إلا المسوخ والجراء".

ويمدح الزميل البلاد التي كان فيها. يمدح النساء هناك والشعب الحضاري ويبدي رغبة جامحة في السفر إلى حيث كان. تقول له بخبث: ولكن زميلتك أخبرتني أنك لم تمكث في سفرتك الأخيرة المدة كلها. وتواصل: قالت لي انك شعرت بالغربة. يصمت للحظة ثم يعود ويمدح الناس هناك. وتتذكر كلام صديقتك: انه كذاب ومنافق ولذا لم يحترمه أحد. فسافر بسرعة.

تتذكر الاساتذة اليسار. يأتون اليك. يقولون لك: نريد صوتك الانتخابي. عليك أن تنتخب القائمه كلها. وحين تنتخب أربعة منهم يبدأون بتشويهك. وكذلك يفعل الشبيبة. أما حماس فموقفها منك واضح. ولكن حين يعلمون أنك مدحت الاسلام يأتون اليك، يقولون: مرحباً بأخينا الفاضل. ثم يستمعون إلى رأي مغاير فيتهمونك بالالحاد. ويغيرون موقفهم منك.

"والله أنا حتى الآن لا أصدق" يقول شخص ويتابع: "يذهب إلى المسؤول عنه في المؤسسة ويشتمه "غير معقول" تقول، فيقص عليك القصة: "أنت تعرف أن أهل الضفة الآن يترددون على القنصليات الاجنبية. يذهب شخص وزميله إلى القنصلية البريطانية التي أرسلتهما غير مرة إلى بريطانيا. يريدان أن يردا الجميل إلى الموظفين هناك. يستدعيان الموظف ليلقي محاضرة عن المساعدات التي تقدمها القنصلية البريطانية لسكان الضفة. يعرف بهذا المسؤول في المؤسسة فيذهب شخصياً إلى الموظف ويدعوه، ثم يقول له: لا تسأل عن هؤلاء. أن فلاناً من المنشقين."

"غير معقول" تقول، فيرد عليك: "كأنك لا تقرأ يا أخي الصحافة. أما قرأت عن جماعة ياسر عبد ربه الذين ذهبوا إلى القنصل الامريكي، وأخذوا يشتمون أبا عمار ونايف حواتمه وجورج حبش، ثم نشرت أقوالهم في الصحف وتراجعوا عنها، ولكن هذا ما حدث، ولقد قدم ياسر عبد ربه شخصياً اعتذاراً عما بدر من جماعته".

تجلس وحيداً. تراقب ما يجري. يشتم بقايا اليسار اليمين ويشتم اليمين اليسار. ويأتي متسول ليطلب من شخص ما نقوداً لانشاء مؤسسة. يمدح الذي يجلس أمامه. يتبرع له هذا بعشرة شيكل ثم يذهب. يبدأ المتسول بالسخريه اللاذعة. دكتور ويتبرع بعشرة شيكل. ماذا نكتب. لقد تبرع الدكتور فلان الفلاني. لا. لقد تبرع الدكتور فلان. لا لقد تبرع الدكتور فلا. لا. لقد تبرع ف. لا لقد تبر الدكتو. لقد تبرع الطور.

تتأمل ما يقوله هذا المتسول الأبدي. هذا المنافق الأبدي الذي يقول ما لا يفعل، ويفعل عكس ما يقول. هذا الذي استنكر الحزب منذ اللحظة الاولى لاعتقاله. وتعامل فيما بعد مع مؤسسات صهيونية النزعة. وظهر على شاشة التلفاز في زمن مضى، ولم يظهر متأخراً، كما أخذ الفتحاويون يظهرون مؤخراً ليحاورهم ابن الخليل الذي لم يتوان سابقاً عن نعت الفدائيين بالمخربين. تقول: أفضل شيء أن يجلس المرء مع الطلبة التافهين ليتحدث عن تفاهات لا أول لها ولا آخر. أن للتافهين في الحياة ميزة واحدة عدا أنهم يعيشون الحياة: انهم يدركون او لا يدركون أنهم يعيشون على الهامش، ولكنهم حين يتقلبون حسب المصلحه يقولون: هكذا هي الحياة، وهكذا ينجون من لحظة السقوط التي تصيب المنظرين الذين يبدلون جلدهم حسب المواقف فيتقلبون لا بسبب تغير فكري يصيبهم، وانما حسب مصلحتهم ويتنصلون مما يقولون.

يسألك المتسول الأبدي بعد أن استمع إلى نص قرأته اثر انتهاء ندوة: "هل جاء هذا عبر الفاكس من تونس"؟. تضحك: "غريب والله أمرك يا عزيزي. هو نحن لا نعرف الكتابة والقراءة، وهل على المرء حتى يكون وطنيا أن ينتظر الأوامر من تونس. غريب أمرك يا عزيزي. وأنت تعرف أن تونس غاضبة مني لأنكم تراسلونها دائما وتبعثون فاكساتكم، فاكسك وفاكس الاتحاد وفاكس الوفد".

تتصفح الجريدة فتقرأ مقالا لاميل حبيبي. تتساءل كيف أخذ هذا ينشر في جريدة كالقدس كان ينعتها ذات يوم بأنها جريدة برجوازية رجعية. تقول: أما كان الأجدر باميل حبيبي أن يصمت احتراما لماضيه ولاكتشافه المتأخر جداً أنه كان داخل قفص. لقد شتم الماركسيون ذات نهار توفيق الحكيم وأشبعوه بهدلة لآنه كتب عودة الوعي. فلماذا لا يكتب أحد الآن عن اميل حبيبي وعودة الحرية اليه. " هذا الاميل حبيبي لا يستحي. أو أنه قابض " يقول يساري ما زال على يساريته، ويمدح محمود درويش، على الرغم من أنه شتمه، من قبل، لأنه تخلى عن يساريته، "إن محمود درويش يعتبر الأن على يسار اميل حبيبي وسميح القاسم".

تقول من جديد: "أفضل شيء أن يجلس المرء مع التافهين". وتشتم ذاتك التي سمحت لك بتصفح الجريدة من جديد حتى تعيدك إلى سيرة هؤلاء غير التافهين سابقاً.
تذهب لتشتري شيئاً ما تشربه. تنظر اليك جميلة فتحييك. ترد التحية بمثلها وتمضي غير مكترث للغة العيون. هل تشرب ساخناً أم بارداً؟ قهوة أم شاي؟ كولا حمراء أم خضراء أم سوداء؟ تتذكر اللغة المبتدعة عند أهل الضفة. تأتي المجنزرة فيقولون جاءت عزيزة. يتحدثون عن انفجار قنبلة فيقولون تحركت برتقالة. وفي آخر الانتفاضة أصبح الشاي رمزاً للشيوعيين والكولا الخضراء رمزاً للخضر، هؤلاء الذين يتحدث عنهم المبعوثون القادمون من المانيا حيث درسوا. ولا يدري المرء حقاً أن كان منهم من أصبح،هناك، المانياً أكثر منه فلسطينياً.

يسألك طالب: يا أستاذ هل أنت من الخضر؟ فتقول له: ولهذا أرتدي الملابس الخضراء. فيعقب: ولكن فلسطيني. فتقول له: ولكن فلسطيني. فيقول: اذن أخضر فلسطيني. فتقول له: اذن أخضر فلسطيني. ويعمم الطالب الحوار لتصبح أخضرَ فلسطينياً. يذمك أعداء الحوار ويمدحك اليسار ودعاة الحوار العربي اليهودي أو يشتمونك وتضحك لهذا.

تستمع إلى كلام عبر الميكرفون. ينظر أستاذ إلى الجندي الذي يقيم فوق العمارة المقابلة ويتساءل: ما أريد أن أعرفه فقط هو: ماذا يقول هذا الجندي عنا وما هي نظرته الينا. ويصمت ليعقب: من المؤكد أنه يقول هذه أي شيء الا جامعة. ولعله يطرب حين يستمع إلى عميد يقرأ فاكساً قادماً من تونس من سيادة الرئيس.

يراك يساري فلا يرحب بك كالعادة. تعرف أنه غاضب لأنك لم تنتخب القائمة كلها. ويتهمك رفيق قديم من الجبنة الدانمركية لأنك لم تكتب مقالاً تنشره في جريدة لهم ستصدر عما قريب. يراك أتباع ياسر عبد ربه، الرفاق القدامى، فيرحبون بك لأن الجبنة الدنمركية شتمتك. وتستغرب من هؤلاء كيف يقفون الآن إلى جانب الامناء الذين أشبعوهم، من قبل، هجاءً وتخويناً. لقد فاوض هؤلاء ووافق أولئك وجمعتهم المفاوضات. وتتساءل هل أصبح دعاة المفاوضات القدامى وطنيين أم خان المناضلون القدامى؟

تعود إلى مكتبك، يحين موعد المحاضرة وتكون أرهقت من الكلام. تقول: أن أهم شيء هنا هو أن يدرس المرء فقط. أن يشعر أنه ينتج. وأن يكون فيما عدا ذلك محايداً. ثم تتراجع. سيقولون: لقد ذهب أبو العرب إلى أمريكا مناضلاً، وعاد دكتورا يقبض الراتب آخر الشهر، ولم يتذكر شيئاً مما كان يقوله. أبو العرب الآن رمز لاولئك الذين يناضلون حتى يصلوا فقط، ثم ينتهي العالم الخارجي لهم.

في المحاضرة يقول لك طالب: بالاسلام والاسلام فقط يمكن أن نتحرر، فيرد عليه طالب ذو اتجاه آخر رافضاً تعصب الأول. هكذا بلا مقدمات يدخلون إلى هذا الباب حتى لو تحدثت لهم عن الشاطر حسن. ثم توقف هذا النقاش العبثي. تسأل الطلبة أن كانوا ذهبوا إلى المكتبة فيعتذرون: ليس هناك وقت. كان أمس اضراباً وأول أمس حداداً. ولم نتمكن من الذهاب إلى المكتبة. يقولون لك: نقرأ من الدوسية، فتقول لهم هذه ليست دوسية. هذا بحث من الموسوعة. وتدرك أن الطلبة يكررون مفردة أساتذتهم الذين درسوا في مصر ولا يعرفون من الكتب شيئاً سوى الدوسية المقررة. تقول: هذه جامعة أم مدرسة؟ وتصمت لأنك صوت ضائع في المهرجان.

الثانية ظهراً تغادر الجامعة. تغادر جامعة الحصار والانتصار. هذه الكذبة التي اخترعوها وصدقوها. تقول: ماذا يقول أهل تل الزعتر. تتذكر المجازر التي تعرض لها الفلسطينيون في المنافي، صبرا وشاتيلا. أيلول الملك حسين صديق أبو عمار وأخيه. يقتلك هذا الأبو عمار. هل هو مناور أم منافق؟ لقد طردوه مراراً من بلادهم وكان يصر على العودة. هل هو رجل بلا كرامة أم أنه لا ينظر إلى الكرامة الشخصية حين يحضر الوطن؟ اذا كان أبو عمار كذلك فلا شك أنه ليس عربياً مثل عرب هذا الزمان الذين لا يسألون عن كرامة الوطن والشعب وكرامتهم ولا يكترثون الا للكراسي فقط. ولكنك تقول: أن أبو عمار هذا ليس بحاجة إلى تبويس رأس الملك، وليس بحاجة إلى أن يكرر كل مرة أنه سيصلي في القدس. وتتذكر سخرية الناس حين يستمعون إلى ذلك: "معنى ذلك أن هناك هزيمة جديدة". يقول الناس: لقد رأى أبو عمار، وهو في بيروت، القدس أمام عينيه، وقال عام 1982: "في العام القادم، أن شاء الله، حتكون القدس عاصمة الدولة الفلسطينية". وأخرجه فيليب حبيب من بيروت لتكون الصحراء عاصمة الدولة. وكررها أبو عمار قبل حرب الخليج الثانية، فانهزم العراق، وها هو يكررها فماذا يخبىء القدر للفلسطينيين؟؟

تتذكر كلام المرأة العجوز التي تصر على أنها لم تتجاوز السابعة والعشرين من العمر: "أبو عمار ما حط ايده مع حدا الا انهزم الآخر. لو يحط ايده مع اسرائيل". وعقبت يومها ثانية: ولكن اسرائيل ترفض ذلك لأنها تدرك أيضاً أنها ستنهزم في هذه اللحظة.

سليطة اللسان هذه التي تدافع عن حماس لا تترك أبا عمار وشأنه. "قال انه لا يريد أن يتزوج لأنه تزوج القضية. زواج بغال. لهذا لم يثمر شيئا. ولكن لماذا تزوج سهى؟". تقول العجوز المتصابية وتضيف: "هذا رجل غير واقعي. تزوج فتاة في عمر بناته". فيرد عليها شاب فتحاوي: "ياستي هذه أنت لم تتجاوزي السابعة والعشرين، كما تقولين، لأنك تصرين على أنك شباب، وأبو عمار ربما يشعر شعورك نفسه" وأضاف الشاب: " والرسول تزوج عائشة، وكان الفارق في السن بينهما كبيراً". "تشبه أبو عمار بالرسول، فشر" تجيبه المرأة. وسرعان ما يأخذ الشاب الفتحاوي ينكت: " قال سهى حامل والجبهة الشعبية أعلنت مسؤوليتها عن الحادث".

"يا أخي، غريب أمر أهل الضفة". تهمس: "هذا أمر خاص، والكل أدلى بدلوه فيه. الفتحاويون باركوا واليسار شتم والاسلاميون قالوا: لا يستحي على شيبه"

"لقد أدرك أبو عمار أن القضية لن تحل. وفكر جيداً بالثروة التي سيتركها. كل الذين يدعمهم يخوزقونه فيما بعد، ولهذا قرر أن يتركها لابنه" قال أستاذ يساري النزعة.

الثانية ظهرا تغادر الجامعة جسدا. في الباص تجلس على المقعد الخلفي. لا تكترث كثيراً لكلام الطلبة. ويبدو أنهم متعبون لدرجة أن أحدهم يبدأ العبارة ولا ينهيها.

تتذكر حوارات الاساتذة. يأتون اليك. يطلبون منك عنوان استاذ جامعي في أوروبا ليراسلوه ويسافروا، ويشتمون، بعد ذلك، في المحاضرة، الغرب والاستشراق. تقول لزميل: "والله يا أخي هذا غير معقول. حتى أساتذة كلية الشريعة يتهافتون على زيارة الغرب الكافر الصليبي ويذهبون ليستقبلوا المستشرقين، كما لو أنهم ذباب يتهافت على العسل، ثم يمدون المستشرقين بمعلومات ما أنزل الله بها من سلطان". وتتابع: "تصور أن دولة أوروبية كنت ادرس فيها، قالت لي ما يقال عني هنا". ويذكرك بصديقك الذي درس في البلد نفسه. يقول ضاحكاً: "انه ابو الزعيم" عطا الله عطا الله الذي لا يعرف كلمتين من لغة الدولة التي درس فيها. "لقد كان الواسطة والممول للاوروبيين". تضحك. تتذكر حكاياته ولصوصيته يوم عمل مع الأستاذ مستشار الأمير حسن. تقول: "لقد لطش قدر ما يستطيع. كان يومها أردنيا ثم أصبح، فيما بعد، أوروبيا، وها هو الأن فتحاوي".

"والغريب يا أخي أن هؤلاء يحترمون عندنا" تهمس لنفسك. تتذكر أندريا وصديقك الفلسطيني: "لقد غادر البلد وهو لا يجيد اللغة. لقد سأله الأستاذ بعض أسئلة لم يفهمها، ونجحه لأنه مبعوث فقط. تصور أنهم غيروا قوانين الجامعة بسببه، وأصروا على أن يدرس الطلبة الأجانب تخصصات فرعية".

"غريب أمر هذه الضفة ياأخي. غريب".

"تصور مَثَلاً يا استاذ" يقول لك زميل آخر: "يطبقون عليناقوانين ولا يطبقونها على الرئيس0 المفروض أن يعرف ثلاث لغات وهو لا يعرف العربية، واشك في انه يعرف لهجة قريته0

"نحن الفلسطينيين نختلف عن غيرنا من الشعوب الاخرى" يقول استاذ جامعي ويتابع "فنحن مدنيون ولنا تجاربنا، ونحن فوق ذلك متعلمون ايضا" وذات نهار ينسى الاستاذ الجامعي دفتر المحاضرات فلا يعرف ما يقوله للطلبة0

"اياك أن تقول ما قلته لك لاحد" يقول لك صديقك طالب الدراسات العليا0 كان طالب الدراسات العليا يقول لك عن اساتذة الدراسات العليا الذين يطلبون من الطلبة أن يحضروا بعض النصوص، وذات نهار لم يأت طالب من غزة ليلقي محاضرته، فلم يعرف الاستاذ ماذا يقول0 لقد تحولت المحاضرة إلى محاضرة غيبة ونميمة0

كان هذا الأستاذ الجامعي يأتي، كل يوم مبكراً. يفتتح مكتبه وهو يتلو آياتٍ من القرآن الكريم، وحين ينهي إكمال قراءة السورة التي ابتدأ في قراءتها، وهو قادم، يلقي تحية الصباح عليك. يجلس على كرسيه، يصحح بعض أوراق الامتحانات، وبين الفينة والفينة يسأل أسئلة ما أو يقرر خبراً، وقد يتحدث عن الطلبة ذكوراً وإناثاً، ويستثيره اختلاط الجنسين كثيراً، فتارة يلعن هؤلاء وأهاليهم، وطوراً يطلب من الله الرحمة...، وثالثةً يسألك، أن كان الطلبة هناك في أوروبا ثرثارين إلى هذه الدرجة، ويسألك أحياناً عن المسموح والممنوع هناك، وحين تُخْبِرَه أن لا أحد هناك يتدخل في شؤون الآخر حتى لو كانت الطالبات شبه عاريات، يدعو الله أن يحفظ أمّة الإسلام، فتبتسم دون أن تعلق على الأمر، وتسترجع ما حدث معك قبل سنوات.

يومها أردت أن تدرس الطلبة رواية ما فيها بعض العبارات البذيئة، ويومها أحتج أهالي بعض الطلبة عليك معتبرين أن الرواية لا تعلم الطلبة الأدب، بل تعلمهم قلة الأدب، وقد شاركهم الأستاذ الجامعي الرأي، وقال لك: والله إنني لأخجل من وضعها في منزلي، فكيف تود تدريسها يا رجل!! وصَمَتّ يومها دون أن تُعقب على الأمر كثيراً، ولكنك ذكرته بما في كتب الأدب العربي من عبارات أبذأ مما في الرواية.

ذات صباح تَذْهَب إلى مكتب زميل آخر، لتجد الأستاذ الجامعي هناك. تَسْتَمِعُ إليهما يتبادلان الأحاديث والنكات. وتَسْتَمِعُ إلى ما لم يكن يخطر لك ببال. يكرر كل منهما على زميله من النكت أشدها بذاءة، وتَصْمِتُ للحظة. تنظر إلى وجه الأستاذ الجامعي، وتَسْأَلَهُ أن كان حقاً ما زال عند رأيه الذي قاله ذات نهار عن الرواية التي يخجل من وضعها في منزله. تتذكر الأستاذ الجامعي الذي يأتي، مبكراً، كل صباح. يفتتح مكتبه وهو يتلو آيات من القرآن الكريم، وبعد ساعة أو أقل يتبادل مع صديقه النكت البذيئة ويحتج على تدريس رواية ما لما فيها من ألفاظ بذيئة.

يسألك الطالب الجالس إلى جانبك "يا استاذ ليس معك رخصةً ويتابع: "الا تشتري سيارة" تضحك، تقول له: نقود معي ولكني ارغب في السفر بالباص، يواصل كلامه: "لازم يكون عند دكتور جامعي سيارة"0 فتقول: "وهل هذا شرط في التعيين؟" ويعقب، ولكن هناك اساتذة لا يبدو عليهم شكل الاساتذة0 تصور انهم زعران" فتقول له: "عيب" وتصمت0

تتذكر اساتذة الجامعة0 فلان يذهب إلى اوروبا ليجمع النقود ويعود0 لا يعرف شيئا عن المدن هناك 0 عن حياة الناس، وحين يعود بعد زيارة شهرين لم يمكث منهما سوى واحد وثلاثين يوما مكثها حتى يأخذ راتب الشهر الثاني، يتحدث حديث الخبير المختص عن ذلك البلد واناسه وعاداتهم وتقاليدهم 0 وتعرف فيما بعد انه لم يغادر غرفته لانه لايعرف اية لغة للتخاطب معهم 0

يأتي الاستاذ فرحا ويقول لك: "لقد طلب مني الاستاذ، بعد أن سافر صديقي، أن آخذ دورة انجليزي حتى لا اشعر بالضجر" فتضحك لغباء الاستاذ وتقول له: "هو يستغرب أن تكون استاذا جامعيا ولا تعرف لغة انجليزية0 وهذه إهانة لك يا استاذ"0

تنظر إلى الشعارات المكتوبة على الجدران صارفا الذهن عما يجري في الجامعة ولكنك لا تستطيع 0

تحاول ثانيةً صرف الذهن 0 كان أبو عرام يسألك: هل انت من جماعة ياسر عبد ربه ام من جماعة نايف حواتمه؟" تضحك ولا تجيب0 تترك ابو عرام يتحدث ويسأل ثم تغادره بسرعة مالاً من لهجة النفخ التي يتميز بها0 "ما زلنا بحاجة إلى تعلم" تهمس وتتابع: وهل علينا أن نمر بتجارب الفي عام حتى نتعلم المكر والخبث الذي تعلمه اليهود على مدار "الفي عام؟"

"حماس هي الاساس0 تعلموا النضال من الشيخ القعيد احمد حسن ياسين" النسر الاحمر0 جش" "الفهد الاسود حركة فتح" "لا للمفاوضات الاستسلاميه0 الجبهه الديمقراطيه"0 اعضاء الوفد المفاوض انهزاميون مستسلمون"0

يأتي طالب جامعي ويسألك:

"يا استاذ ما رأيك في عرفات0" تصمت0 "هل تؤيد المنشقين؟" وتصمت من جديد0 "هل تنتمي إلى فصيل؟" فتقول له: هل انت مخابرات؟" ويغادر الطالب0

تتساءل عن هذه الغريزة الوحشية فينا0 من انت؟ مع اي فصيل؟ لمن تنتمي؟ كأننا لسنا تحت احتلال0 تقول لزميل يقول لك: أن لديك طاقات فلماذا لا تنضم إلى فصيل": "يا اخي انا مع الفصائل كلها وضد الفصائل كلها ايضا" يستغرب هذا ويسألك: كيف0 فتصمت0

"وبعدين يا اخي" يقول لك آخر: ما تحسم نفسك0 كل يوم في رأي 0 قرر مع من تكون"0 وتجيبه: "يا اخي انا ما قلت لأية جماعة انا معكم او منكم، انا احادث الجميع وهم الذين يصنفون"

ينزل الطلبة من الحافلة وتنزل ايضا.

تمارس العادة اياها0 تدخل إلى شوارع البلدة القديمة0 تشتري بعض الاغراض، تستمع إلى الناس وهم يتحدثون0

"فكرك بكره اضراب" يقول احدهم، فيرد عليه الآخر "والله لا اعرف0 هناك اشاعات"0 ويواصل: "والله يا اخي الواحد ما هو عارف على من يرد0 يرد على حماس والفصائل العشرة أم على فتح وياسر عبد ربه0 فتح تقول ما في اضراب غير في تسعة الشهر0 والاخرون لا يردون0 وانت تعرف البلد يغلقها ولد وحجر" ويصمت، فيما يعلق ثالث: "يا سيدي نحن ننتظر لنرى، وماذا نفعل غير الانتظار"

تستمع اليهم 0 إلى هذه الاسطوانة التي تتكرر غير مرة في الشهر0

يقول احدهم معقبا على عودة المبعدين: "والله يا اخي الاحتلال ذكي0 عرف كيف يقسم الفلسطينيين0 لقد أعاد ثلاثين مبعدا نصف اموات حتى يقسم الشارع الفلسطيني" يرد عليه اخر: "الاحتلال انهى الانتفاضة بالانتفاضة0 هذا رابين نفذ ما قال0 والله الواحد فينا ما عاد يميز0 اين الصح واين الخطأ؟ والناس احوالها بالويل"0

تواصل السير ترى الجنود يسيرون على الشارع مختالين0 لا يحرك أحد ساكنا0 "تصور يا اخي كيف أن ستة جنود يغلقون المدينة0 الله يرحم ايام الانتفاضة الاولى0 ما كان واحد منهم يستطيع المشي راجلا" يقول رجل ويعقب آخر: "ماذا سنفعل غير ما فعلنا؟ آلاف الشباب سجنت، وآلاف أخرى شوهت ومئات قتلت، وهذه هي النتيجه0"

تتذكر انتخابات الغرفة التجارية0 "هذه هي آخرتها" يقول رجل على مسمع الركاب "ان تتم الانتخابات تحت حراسة جنود الاحتلال"0 "ولماذا تستغرب" يقول له آخر: "ألم نقدم لهم قبل فترة اغصان الزيتون تعبيرا عن حبنا للسلام؟ نحن نريد السلام0 نحن نريد السلام"0 فيما يرتفع صوت ثالث:"يقال أن دعاية الانتخابات كلفت نصف مليون دينار 0 المنظمة تشكو من الافلاس وحماس تدعو إلى التقشف0 يا اخي لماذا كل هذا الانفاق، فهل سيحرر الذين سيفوزون الضفة، هل اصبح اليهود قوات امم متحدة في هذه البلاد؟0

لقد خرجت المدينة كلها يومها إلى الشوارع، وكان اطفال الشبيبة يرتدون القمصان المطبوع عليها شعاراتهم. كانوا يقفون إلى جانب الجنود، وكذلك فعل اطفال حماس0 وكان الجميع يتحدث مع مراسل التلفزيون الاسرائيلي وكأنه مراسل تلفزيون الدولة، لا مراسل تلفزيون الاحتلال0

"ابوعمار يريد أن تفوز الكتلة، هنا، مهما كانت التكاليف" يقول رجل يؤيد الشبيبة ويضيف: "فخسارته تعني خسارة المنظمة في الاراضي المحتلة"، يضحك رجل ويقول: "والله لو انها بيروت ما فعلوا هكذا"0 "مهازل مهازل"0 يرتفع صوت من بعيد0

ويضيف: "يرحم ايام الانتفاضة الاولى، كان الجنود لا يجرأون على دخول البلدة القديمة"0

الثالثة ظهرا تغلق الدكاكين في المدينة ابوابها ولا يبقى سوى بعض الباعة0 الثالثة ظهرا يبدأ ليل الضفة الطويل الطويل0 تصعد الحافلة لتقلك إلى منزلك ولتقيم هناك ست عشرة ساعة بالتمام والكمال0 يرحب بك السائق ويقول لك: "اهلا وسهلا يا استاذ" فترد عليه التحية بأحسن منها0 تجلس، تحاول أن تتصفح كتابا فلا تستطيع0 ترتفع اصوات الركاب0 يسأل أحدهم السائق متى تغادر، فيجيب: يا اخي هذه آخر نقلة، لننتظر قليلا ولا يدري الركاب كم تطول هذه ال"قليلا"0 وتصمت خلافا للمرات السابقة0 كنت تتحدث عن تنظيم المواعيد وضرورة الالتزام بالوقت، فيرد عليك السائق يا اخي هذه ليست اوروبا0 هناك الباصات مدعومة من الحكومة ونحن تسلبنا الحكومة اموالنا0 ضرائب0ضرائب والدعم الاردني توقف، وكذلك الدعم الفلسطيني الذي يأتي لناس وناس" ويتحدث ابن صاحب الباص: "خليها مستورة يا اخي، والله الواحد على وشك الافلاس" ولا تدري من اين تاتي النقود لصاحب الباص ما دام على وشك الافلاس0 دائما يشكو، ودائما يزداد عدد باصاته ايضا0

يعقب احد الركاب: "ان الاحتلال لا يصدقنا اطلاقا0 تصور يا اخي حين تذهب اليهم لتراجع في امر الضريبة، وتقول لهم اننا لا نملك النقود، تصور انهم يسخرون منا ويتساءلون: ما دمتم لا تملكون ثمن طعامكم فكيف تبنون البيوت0" ويصمت فيما يتحدث آخر: "يا اخي هؤلاء عندهم فكرة أن كل الناس تحضر الاموال من المنظمة، من الخارج0 انهم يلاحظون كيف يصبح الواحد منا غنيا بين ليلة وضحاها0 طلاب وعندهم سيارات لأنهم منظمون0 ومؤسسات تفرخ كالدجاج البياض0" يصمت للحظة ثم يقول: "ولذلك بدأوا قبل سنوات، حين يمسكون ابناءنا في المظاهرات، يفرضون علينا الغرامات المالية0 لقد تعلموا ذلك من الملك الاردني،هذا الذي فعل ذلك في مظاهرات السموع0 تقول لهم "ليس معي نقود فيقولون لك خذ الوصل واذهب إلى ابوعمار"0 ويشتم راكب آخر دين المنظمة التي وافقت على دفع اول مبلغ لاول متسول0 "يا اخي لماذا لايقبع ابناؤنا في السجون ثلاثة اشهر اضافية؟ لماذا ندفع لهم النقود؟ هذا احتلال ام عصابة لصوص؟" وتخرج عن صمتك: "يا أخي هؤلاء اليهود سرقوا بلادا كاملة اسمها فلسطين وشردوا شعبا باكمله، فلماذا تستغرب منهم هذا؟" "معك حق" يقول راكب ويسألك: "قل لي يا استاذ0هل صحيح غدا اضراب" "هكذا سمعت" ترد عليه0

تتحرك القافلة0 تسير بيسر نوعا ما، فبعض اصحاب العربات غادروا ولم يبق في الشارع الا القليلون0 "لقد بَدَأَ منع التجول الذاتي"، يهمس راكب ويتابع، "والآن سيبدأ الليل الطويل" وتبدو الشوارع فارغة الا من بعض حافلات0 يقول احد الركاب: "تصور أن اليهود يفرحون جدا ليوم الاضراب0 انه يوم راحة بالنسبة اليهم0 يجلسون مرتاحي البال لانهم لاحظوا أن الناس تجلس في بيوتها او تخرج إلى النزهة0 والله ما نحن بعارفين فيما اذا كان الذين يدعون للاضراب يفكرون في هذاأم لا؟ يا اخي اذا اضربوا فليصعدوا، او فليضربوا لساعات محددة" ويصمت حين لا يجيبه احد0 لقد كانت اعين الركاب تتطلع إلى الامام0 كانت دورية عسكرية قد اوقفت سيارات صفراء اللون، وانزلت منها ركابها واخذت تفتشها بدقة بالغة0 تلحظ طالبا جامعيا فتقول: "الله يستر" وتكتم بقية الجملة0 لقد كان الطالب نشيطاً سياسيا0 يقف السائق للحظات ثم يتركونه يمر0 "والله الخارج مفقود والعائد مولود، في هذا البلد،" يقول رجل كبير في السن، ويضيف شاب "وما احد يعرف متى يموت او يصبح كسيحا". يسأل الطاعن في السن رجلا من اهل اللد عن قريبه الذي اصيب قبل فترة، فيجيبه اللداوي بحزن: "هو هو عطيلة0 الله يكون في العون ومصائب الناس كثيرة"0 تقترب الحافلة من المخيم0 ثمة حواجز على الطريق، وثمة بقايا اطارات مشتعلة0 "ان الذي يشاهد الشوارع يعتقد أن ثمة معركة حقيقية كانت هنا" يقول راكب ويتابع: "ولا ادري ما هي الفائدة التي تجنى من حرق الاطارات"0 ثم يخاطب جاره: "يا اخي هذه الانتفاضة لازم تتطور او تتوقف0 والله الواحد ما يعرف يجلس في بيته من رائحة الكاوتشوك المشتعل كل يوم تقريبا0 لقد اصبحت هذه عادة يومية، وهناك الكثيرون فقدوا ابناءهم الصغار نتيجة الرائحة0 يا أخي لماذا لايسكننون الانتفاضة مثلا هنا؟"0 يجيبه جاره: "السكننة تجدي فقط حيث الاختلاط بين الجهتين"0 ويسألك راكب "فكرك يا استاذ في حل؟" وتضحك0 تسأل نفسك: "ماذا أجيب؟" تقول له: "يا اخي والله الواحد ما هو عارف شيئا مما يحدث" وتصمت للحظة ثم تقول: "إن امريكا ليست جادةً ابدا في موضوع فلسطين 0 ليس هناك نفط، وفلسطين ليست الكويت" وتتابع: "ونحن العرب ضعفاء جدا يا اخي، فلماذا تعطينا اسرائيل ما اخذته بسهولة؟ تصور مثلا أن المفاوضات لم توقف زحف الاستيطان الذي اتفقوا على ايقافه0 والله الواحد لما يسافر إلى رام الله ويرى رؤوس الجبال يقول عمره ما في حل الا بالقوة0 يا اخي هو ظل ضفة او قطاع يتفاوضون عليهم" وتصمت فيما يهز الرجل رأسه ويهمس: "لقد مر اكثر من عام ونصف على المفاوضات وليس هناك من حديث جوهري عن شيء"0

يهرول الركاب راكبا راكبا، وتهرول ايضا معهم0 ويبدأ ليل الضفة الطويل0

ينام الناس ظهراً يصحون بعد قليل0 يسيرون في الشوارع، او يلتزمون البيوت 0 ينظرون إلى الشوارع الرئيسة0 هل ثمة دخان؟ هل ثمة صوت رصاص؟ يخرجون من بيتهم0 يسيرون في الشوارع الفرعية او يزورون بعضهم البعض0 وتبقى شوارع المدينة الرئيسة شبه فارغة باستثناء شارع رفيديا0 هناك مساءً ثمة عالم آخر 0 غرب آخر0 تساءل ذات نهار صديق: "يا اخي لماذا تكون الحياة والحركة دائما في الجانب الغربي من المدينة؟ لماذا يقطن الاغنياء والمثقفون ايضا في جهة الغرب؟ هل هو نزوع غريزي نحو الغرب الغني وابداء الولاء له؟" واضاف آخر "والغريب يا اخي أن المخيمات كلها تقريبا تقع في شرق المدينة، والشيء ذاته يمكن قوله عن عمان 0 هل هو تخطيط صهيوني اردني حتى يقولوا لنا لا تسألوا عن الغرب الذي خرجتم منه؟ أو اقنعوا بما انتم فيه وإلا فليس امامكم سوى شرق آخر: الصحراء"0

تجلس في البيت0 تستمع إلى ضجيج الصغار الذين عادوا للتو من مدارسهم0 يتحدثون عن الجنود والحجارة والحواجز والاعتقالات والمخيم0يعيدون على مسامعك كل ما استمعوا اليه: "اليوم في المخيم رفعوا السلاح على بعضهم البعض0 تقاتلت عائلتان حول مشكلة شخصية، وسرعان ما اصبح العراك فصائليا0" ويضيف كبير في العائلة: "والغريب أن الرجلين مشكوك فيهما اخلاقيا0 يا اخي فلان كان سكيرا والآخر يتناول الحشيش0 والكل في المخيم يعرف هذا" يصمت للحظه ثم يضيف: "ولكن ابن احدهما ينتمي إلى فصيل يساري والآخر يدعم من الشبيبة الفتحاوية0 وهذه المشكلة حصلت منذ زمن، وهناك لجنة اصلاح فرضت على كل واحد منهما مبلغا من المال" وتسأله "ولمن يذهب هذا المال؟" فيرد عليك: "الله اعلم 0 يقال تارة يذهب لمؤسسة وطورا لبعض العائلات، ولكن على ما يبدو فان المسؤولين عن الفصائل يزدادون غنى0 تصور مثلا فلانا من المخيم، لقد كان انسانا عاديا، وها هو اليوم يأتي ويذهب ويربط ويحل ويبرطع بالنقود0 يا أخي من اين له هذا؟ انا لا اعرف هذه ثوره أم شركة رؤوس اموال! تصور مثلا أن احد افراد تنظيم يساري يمتلك من الادوات الكهربائية ما لاحاجة له به0 تصور انه يمتلك فيديو وكومبيوتر دون حاجه إلى الاخير0 الناس هنا تتحدث عن فقر0"ويعيد على مسامعك قصص بعض الذين كانوا مطاردين: "ان احدهم يملك اكثر من عشرين الف دينار 0 من اين جاء بهذه النقود وهو مطارد؟ لقد كان انسانا عاديا0 هل هذه خاوة ام ماذا؟ والغبيّان اللذان طلبا من شخص هدداه من قبل أن يرحلهما عن الضفه عن طريق مصر، ثم سلمهما لسلطات الاحتلال0 انا لا اعرف كيف يؤمنان له0 لقد اتهماه بالعمالة وذهبا وهدداه بالسلاح ثم التجئا اليه ليهربهما0 والله شيء غير معقول"

"تشرب الشاي"

"نشرب الشاي"0

"تدخن سيجارة"0

"ندخن سيجاره0وماله0 فمن الان يبدأ ليلنا الطويل"0

تستعد المرأة في الرابعة مساء إلى الخروج0 يسألها زوجها: "الى أين؟" فتجيبه: "والله لا اعرف" وتصمت ثم تقول: "ربما نزور جيراننا نهنئهم بخروج ابنهم من السجن"0 تقول ساخرا: "اليست هناك اعراس؟" فترد: "كان زمان" وتضيف: "الانتفاضة غيرت اشياء كثيرة"

في المنزل، ومنذ فترة، تستمع فقط إلى احاديث النسوة: "فلان اليوم اعتقل، جاؤوا اليه وأخذوه0 فلان اليوم خرج من السجن بعد اعتقال دام سنتين" وتتكرر الاسطوانة ويتكرر الحديث اليومي والعادات اليومية، زيارات اهل مساجين. سؤال عن موعد خروج سجين آخر0 زيارة جريح في مستشفى0 الذهاب إلى بيت العزاء. مواساة الاخرين0 ولا يجرؤ احد على فعل غير ذلك0 المنتزهات مغلقة0 وليست هناك دور سينما، وثمة بعض المقاهي القليلة التي تفتح ابوابها في المساء0

تسأل المرأه عن المغني نظير الذي يذهب للحفلة التي كان يحييها، معظم نساء المدينة0 " يا اخي الله تاب عليه وصار يصلي ومربي لحية، واليوم ما في أغاني غير أغاني الانتفاضة" "وشريط ابو يوسف ايضا" فيعلق آخر من العائلة: "كعكة بعجوة" "نعم" تقول، فتجيب المرأة: "هذا جديد من يوم بدأت الانتفاضة تخرب" وتضيف: " حفلات نظير والاعراس في قاعات السينما انتهت من زمان0 والسينما تحولت إلى مكان تقام فيه بعض الاحتفالات ذات الطابع الوطني0"

ياتي طالب توجيهي ويقول لك: "الامتحانات على الابواب0 هل تدرسني والطلبة؟"

"من ايجابيات الانتفاضة" كنت تقرأ في الرسائل التي تصلك "ان الناس يتعلمون تعلما ذاتيا0 صحيح أن السلطات اغلقت المدارس الا أن الناس اخذوا يدرسون ابناءهم في الجوامع والبيوت"

تقول له: "اقل شيء يمكن أن نفعله0 اجمع اصحابك في مكان ما وانا على استعداد0 واذا احببتم تأتون إلى هنا0" ولا يأتي احد سواه0 تدرسه عاما كاملا ثم تقترب الامتحانات ليحضر لك المادة المطلوبة وقد صورها جميعا، مصغراً صفحات الكتاب على آلة التصوير0

"ما هذا؟" تسأله، فيجيبك: "الكل سيغش، ولماذا لا اغش".

كان هذا الطالب يأتي ويتحدث عن الانتفاضة وعن حياته في السجن0 يحضر ورقةً ما0 ورقةً لا يحملها الا كل مسؤول0 تفويض ما0 "بأمر من رئيس"0

تقول له: "بعد تعب عام كامل تفعل هذا انت المحسوب على فصيل وطني0" لا يخجل0 تطرده ويذهب. في ايام الامتحانات كان يرسل الطلبة الصغار ومعهم الاسئلة لكي يقوم استاذ ما بالاجابة عنها واعادتها إلى قاعة الدرس0

يسأل الأب: "هل خرج ابن الجيران من السجن؟ ثمة زغروده ما" وتستمعون0 تعلق: "ممكن، فرابين وعد باخراج بعض المساجين كبادرة حسن نية من اجل حث الفلسطينيين على الذهاب إلى واشنطن لمتابعة المفاوضات"0 تخرجون لتروا ثم لتكتشفوا أنها غلطة0 ظنت المرأة أن ابنها خرج من السجن حين رأتي السيارة التي تحمل اشارة الخليل، ثم وجدت انه ليس ابنها0 وتعودون، فيما يعقب الاخ: "يا اخي هؤلاء اليهود كذابون0 ومن تراهم سيخرجون؟ من بقي على سجنه عدةايام فقط!!"

تخرج المراه لزيارة المساجين الخارجين، يخرج الشاب إلى النادي، ويخرج الاطفال إلى الشارع0 ياتي صديق ما لزيارتك0 تتحدثان معا0 يسألك أن كنت تعرف الفلسطيني الذي يعمل مع اليو.أن.دي.بي. تقول: له اعرفه0 فيطلب منك أن تساعده في الحصول على قرض0 تقول ساخرا: "والله يا اخي ما انا عارف مالك ومالهذا0 انت رجل تملك النقود ولست بحاجة" فيجيبك: "اريد أن اطور المصنع" تتأفف وتقول: "لقد كنا لاجئين او حولنا إلى لاجئين لنصبح شحادين0 تصور كيف كنا نتقاتل فيما بيننا في اخر الشهر لاستلام بعض الطحين والسكر والرز والتمر المسوس والفول المصدي"0 وتتابع: " يا اخي والله ما انا عارف السبب في عشقنا لان نظل هكذا" 0 لقد جاءت منظمة التحرير الفلسطينيه فحولتنا إلى ثوار ثم إلى مرتزقة لا نناضل الا بعد أن نحسبها، كم نربح وكم نخسر، واصبح كل من يحتاج إلى نقود يتحول إلى ثوري، وها هي السوق الاوروبية المشتركة تحول الشعب الفلسطيني كله، كذلك، مثل المنظمة، إلى لاجئين وشحادين0

يستاء الصديق منك0 يتركك0 يغادر ولا ينسى ما قلته له0 سوف يأتي يوم ليرد لك الصاع صاعين0

تخاطب نفسك: "ان المرء هنا يمكن أن يشوه فقط لاتخاذ موقف مغاير، او لأنه يصادق شخصاً ما ينتمي إلى فصيل آخر، هذا غير معقول".

تقول: "أذهب إلى المخيم أزور الأصدقاء القدامى" ثم تتردد. وتفضل البقاء في المنزل. "اذ رآك جماعة ياسر عبد ربه مع شخص ينتمي إلى نايف حواتمه فستصبح جبهة ديمقراطية وستشوه. واذا رآك جماعة من فصيل حواتمه مع جماعه ياسر عبد ربه فستصبح ياسر عبد ربه وامبريالياً كذلك." "واقع الشعب الفلسطيني غير معقول" تهمس: "موقفنا من الانظمة وعداؤنا لها مبرر. وموقفنا من الصهيونيه واسرائيل وعداؤنا لها مبرر، ولكن لماذا هذا العداء الذي نكنّه لانفسنا؟ يصبح المرء ألد الاعداء للفصيل اذا لم يكن معه."

تتذكر ما حدث عام 87 في انتخابات مجلس الطلبة. أراد المنشقون أن يخوضوا الانتخابات، فأحتجت فتح عرفات وأرسلت بعض أفرادها ليسجلوا حتى يخوضوا الانتخابات باسم روابط القرى. "اذا وافق المسؤول على أن يخوض المنشقون الانتخابات فلن نعترض على أن تخوض روابط القرى الانتخابات" قال يومها طالب، فأجبته: "يا أخي هذا كلام غير معقول. أبو موسى وأبو صالح غير دودين، أنت تعرف أن رجال روابط القرى رجال الاردن ورجال كل العصور، وأن أبو موسى وسعد صايل تمردا على الملك وانحازا لشعبهما، ولو ظلا في الاردن لكانا الآن في أعلى المناصب. يا أخي حرام عليكم هذا. قد لا يتفق المرء معهما، لكن أن يضعهما مع روابط القرى في سلة واحدة! غير معقول."

تجلس في البيت. "الافضل ألا أذهب إلى المخيم". "لقد حاور ياسر عبد ربه السفير الامريكي قبل الانشقاق ووافق نايف حواتمه على ذلك" تقول وتضيف: "وكيف أصبح الرفاق القدامى الد الاعداء" وتتابع: "والافضل الا أزور فلانا لانه مصنف على المنشقين، وبالتالي فسوف أصنف على أني منشق. يا أخي الواحد ليس بحاجة إلى أصدقاء".

"غريب أمر الرفاق" تهمس. "يتحدثون عن بعضهم بطريقة غير معقوله". تتذكر المخيم وأهله. ما زالو يقولون: "أهل اللد" و "أهل يافا" و "الجماسين" و "عرب أبو......". ما زال اليافاوي الذي تعرفه ينظر إلى نفسه باعتباره مميزاً. "نحن أهل يافا غير" يقول لك ويضيف: "نحن عائلات محترمة، ولنا عاداتنا وتقاليدنا، وحتى الان فان اختلاط نسائنا بالآخرين محدود، ويقتصر على بعض العائلات"، وكنت تسخر من أهلك لهذا. لقد كانت العلاقات تتطور وتتغير. يختلف الاخوة اذا اختلفوا في تأييدهم لتنظيم ما، يساري أو يميني. "هذا أفضل" كان الرفاق يقولون، وكانت العلاقات بينهم متينة جداً.

تقترب من الجامع فترى الرفاق وقد خرجوا منه. "تصلون؟" تسألهم: "نصلي". وتواصل الاسئلة: "هل حدث تغير في فكر الجبهة.د والجبهه.ش في المرحلة الاخيرة، بعد انهيار الاشتراكية؟" "لا" يجيبونك، "ولكن......" ويصمتون.

لا يكترث المرء لهذا كثيراً. يدرك أن هناك تربية عشرين عاماً في البيت والمدرسة، ويعرف أن وسائل الاعلام تركز على هذا الجانب الديني. "ولكن...."

"تصور أن رفاق ياسر عبد ربه يقولون، الآن، أن الذين ظلوا مع نايف حواتمه هم القرويون. هل تتصور هذا وتصدقه؟" يقول رفيق من الجبنة الدنمركية، وتهمس: "غير معقول" فيرد: "والله هذا ما يحدث. ويذهبون أبعد من ذلك ويقولون: أن المثقفين والواعين جميعاً انضموا إلى ياسر عبد ربه، وظلت الكوادر البسيطة "غير المثقفة" مع نايف حواتمه، و "الجماهير؟" تسأل "في خبر كان" يرد عليك.

"إذا أردت أن ترشح نفسك لانتخابات نقابة العاملين" يقول لك أحد معارفك "فيمكن أن نشكل كتلة خاصة بأبناء نابلس".

وتحزن لهذا. تتساءل: "ما الذي يجري؟". يقول أحد الناس في حوار ما: "يا أخي، هناك عشرون فتحاً أيضاً" ويضيف: "كل واحد وله جماعته. والأدهى من ذلك أنهم يتحدثون الآن عن فتح نابلس وفتح المخيمات وفتح القرى، وحتى فتح القرى منقسمة على نفسها".

تتذكر كيف كان المخيم وكيف أصبح. "الله يكون بعونهم أهالي المخيمات. والله ما أنا عارف علام يفاوض عرفات وشلته؟" قال لك قريب يسكن في المخيم. "والله الحياة هنا زفت ولا تطاق. المباني المكتظة. ضيق الشوارع. المجاري. الشوارع المتسخة. هذه ليست حياة. ونحن أين نحن من المفاوضات؟ فكرك سنأخذ نحن، بعد الانسحاب، المستوطنات؟" "لا" يجيبه ابنه: "سوف يعطونك دولارات" فيجيبه ابن آخر: "أنا أحذركم من أخذ النقود بدل فلسطين، واذا فعل الفلسطينيون ذلك فسوف أهاجر، والى الابد، إلى المغرب والى المغرب فقط لأنها أبعد نقطة في هذا العالم العربي الكلب" "لماذا إلى المغرب؟" تسأله فيرد: "لأنني لا أعرف لغة غير العربية، والا لغادرت هذا الوطن العربي، تجاوزاً، إلى الجحيم".

"هل تزور أقاربك هذا المساء؟" تتردد. كان لهم ابن سجين. "كان يزوج ويطلق" يقول لك جاركم "تصور يا أستاذ أنه تدخل في مشكلتي الخاصة، هذا الولد الذي لم يتجاوز في حينه السادسة عشرة. يريد أن يفرض علي ما يريد. قلت لهم هذه مشكلة خاصة، فرفضوا وأصروا على أن أنفذ ما أرادوا وها أنا أدفع النقود شهرياً".

تتذكر حديث أمه وأبيه يوم كان في السجن. حين يعتقدون أنك فتحاوي، يأتون اليك بشهادة منحها وهو في السجن، لكي تراها. وحين يعلمون أنه لا دخل لك فيما يجري يعبرون عن مشاعرهم الحقيقية "والله حين يخرج لأمنعنه من المشاركه في أي نشاط" يقول ابوه وتضيف أمه: "كل الذين ماتوا ماتوا هكذا وراحت عليهم".

"تسألك ابنتهم: هل أنت من جماعة الملتقى؟" تفهم قصدها فتصمت. تفتح المذياع في السادسة والنصف مساءً على اذاعة اسرائيل وتستمع إلى أغنية أم كلثوم. تعرف قصدها جيداً. "الواحد يعيش مرة واحدة وعلى المرء أن يعيش حياته" تهمس لك ذات يوم.

"صحيح أن المرأة شاركت في الانتفاضة، ولكن الأكثرية ما زالت كما كانت" قال لك شاب يساري وأضاف: "وعلى العكس فان هناك ارتداداً نحو الخلف. تصور مثلاً أن حركة فتح تعلق في الجامعه لافتة تحذر فيها الاجنبيات من الدخول إلى الجامعة بلباس غير محتشم، لان ذلك يتنافى وعاداتنا وتقاليدنا. يا أخي اذن ما الفرق بين فتح وحماس؟ الموافقة على المفاوضات فقط!"

لقد خرج ابنهم من السجن وألزموه على أن يبقى في البيت وألا يخالط الآخرين ثم سفروه إلى الخارج.

"يا أخي نحن نحب الثورة اذا حققت لنا مكاسب فقط. لا أحد يريد أن يضحي. والا ففسر لي مثلا كيف تكاثر عدد التنظيمات وضمت لصوصاً وقوادين " يقول الشاب اليساري. فيرد عليه مثقف: "نحن لا نتعلم من تجاربنا اطلاقاً. أن من يقرأ أدبيات المقاومة التي كتبها فلسطينيون صادقون يجد أن تجربة عمان تكررت في بيروت وها هي تتكرر في الضفة، ولكن الغريب يا أخي أننا نحن نمارس ما نحتج عليه في النهاية، ونضعف أمام النقود. ينشق يحيى يخلف فيكتب رواية "نشيد الحياة" وينتقد الثورة وقادتها، ثم يجوع أولاده فيعود إلى أبو عمار من جديد ليصبح مستشاراً له ويكتب رواية تافهة عن سقوط طائرته في الصحراء ولا يذكر عرفات الا مقترنا بكلمة الرئيس، والشيء ذاته يفعله محمود درويش وآخرون. وأنظر، هنا أيضاً ينظم الشعراء قصائد في مدح الرئيس، وجميعهم يشتمه من وراء ظهره، وحين تسألهم لماذا يفعلون هذا؟ يقولون لك: نريد أن نعيش".

"اللعنة على الضفة" تهمس وأنت ترقب ليلها يخيم ويجثم على الصدور، تنتظر نشرة الاخبار. تخرج إلى الشارع. تقف عند البقال. يأتي الناس فرادى. يتحاورون. يتحدثون عن حركة البناء النشطة، عن السرقات التي بدأت تتكاثر، عن حالات اختفاء الفتيات واغتصابهن.

"والله يا أخي أهل غزة رجال" يقول أحد المجتمعين ويضيف: "تصور أن اليهود يفكرون جدياً بالانسحاب من القطاع" ويتابع كلامه: "لو أن أهل الضفة يقفون، الآن، الموقف نفسه ماذا ستكون النتيجه" فيعقب ثالث: "الاوضاع الاقتصادية في غزة صعبة جداً، والاكتظاظ السكاني يساعدهم على ذلك، ثم ليس هناك من مخرج لهم".

تصمت تتابع الحوار فقط. تقول: لو أن هناك آله تسجيل لأسجل هذا الحوار وأكتبه بحرفيته. هذا الحوار اليومي الذي حوّل الدكان إلى شبه مقهى، عصراً، وشبه مطعم، مساءً، حيث يأتي الشيوخ ليتناولوا الطعام معاً. وتؤثر متابعة الحوار:

"الملاحظ أن هناك حركة اقبال غير عادية على البناء. هل تعتقد أن هذا بسبب تدفق الاموال على الضفة تمشياً مع الحل والمرحلة القادمة؟ والله قبل شهرين اشترى أحد الناس قطعة أرض في منطقة رفيديا بـِ 50 ألف دينار ثم باعها بعد أسبوعين من شرائها بـِ 120 ألف دينار. غير معقول هذا. والله غير معقول."

يتساءل موظف بسيط، طرد قبل أيام من وظيفته لأن أحد أقاربه معتقل: "والله الواحد لو اشتغل ثلاثين عاماً واحتفظ براتبه كاملاً لما استطاع أن يشتري شقة، هنا، في شرق المدينة. تصور أن سعر الشقة 50 ألف دينار. ماذا ستفعل الناس يا أخي؟ ماذا سيفعلون؟"

"ربما يبيع أحدهم قطعة أرض ليشتري شقة" يجيب حاضر، فيرد عليه: "والذي لا يملك أرضاً".
يصمتون قليلاً. يستمعون إلى صوت المذياع. إلى صوت مغنية ما. يغير البقال المحطة ويصدح صوت المغنية التي اشتهرت حديثاً، تغني أغنية من كلمات الشاعر الجواهري في مديح الملك حسين. "تصور يا أخي أن الملك أصبح ابن النبي. الواحد ما هو عارف ماذا يقول. معقول الملك ابن النبي. والله لولا اني خائف من زعلك" يوجه الحديث إلى البقال" لشتمته وشتمت....." ويتوقف.

فجأة تجد نفسك منساقاً إلى الكلام. لا تستطيع أن تكبت نفسك: تخرج عن الصمت الذي آثرت اللجوء اليه اقتناعاً منك بأن هذا الزمن هو زمن الصمت: "الملك خرى والناس أخرى. والشاعر الجواهري خرفن. هذا الشاعر الذي كان شيوعياً ذات يوم وعاش في براغ معززاً مكرماً. هل ذلته الغربة وأضعفه الحنين؟" وتصمت، ثم تتابع: "تصوروا أن التلفزيون الأردني يغني للملك ليل نهار، وحين يعود من مرضه يخرج مليون كلب لاستقباله. نحن شعب كلاب، ونحن الذين نصنع آلهتنا. لو كان حرر أريحا فقط لخرجنا لاستقباله معهم لكن...." وتصمت. فيسألك أحدهم: "على مهلك. غداً سيعود الملك" تقول ساخراً: "يا أخي لما يعود يعلق لنا المشانق. فقط يحررها ويعود" فيما يعقب آخر: "يا أخي ما دام الملك ابن النبي، فسيفعل معنا ما فعله النبي مع أهل مكة يوم عاد إليها وسنجيبه، كما أجاب أهل مكة الرسول: أخ كريم وابن أخ كريم!! وربما يصبح بعض المعارضين وزراء فندخل بيوتهم التي ستصبح مثل بيت أبي سفيان". ويتابع آخر: "قد تخرج إلى عمان" فترد: "أنا طلقت الأردن بالثلاثة على أية حال، ولست ممن ينخدعون بالكلام المعسول عن الديمقراطية الكاذبة.! الملك أعطى. الملك يأخذ وهذا ملك لطخ يديه بدمائنا." يرد عليك فتحاوي: "يا أخي كان هذا منذ زمن." فنقول له: "ولهذا أصبح الأخ العزيز على رأي أبو عمار. يا أخي أنا غير قادر على فهم هذا الأبو عمار" تقول عبارتك هذه مراراً وتضيف: "أنا أعتقد أن الملك والعرب سيدفعونه إلى التوقيع على معاهدة صلح مع اسرائيل ثم يقولون له باي باي أبو عمار، ولا ندري أن كان سيبقى في تونس أم لا؟" ويردد آخر قادماً حديثاً من عمان ما يقوله الناس هناك متندرين: أبو عمار يمضي ويمضي".

"أنا عارف. الله يعين" يقول أحد الحضور ويضيف: "فكونا من هذه السيرة. طول عمرنا في ورطة وأبو عمار ما بقي بايديه أي شيء." وتصمت ليتابعوا حديثهم: "تصور أن البنت المخطوفة من القرية المجاورة كانت مع جماعة بمحض ارادتها". يقول أحدهم فيرد آخر: "اتق الله يا رجل. والله هذه كلها اشاعات، وما أحد يعرف الصح من الغلط في هذه الايام. أمس مساءً استمعنا إلى صوت يقول حرامي حرامي وخرجنا، واذا لا حرامي ولا غيره. خرجنا من بيوتنا كالمجانين. عكروا دماءنا ثم عدنا".

يسأل أحدهم: "فكرك غداً اضراب" فيرد آخر: "ننتظر، الليلة، الملثمين". يأتي طفل صغير قتل والده في الانتفاضة. فيعقب أحد الناس: "وهذا الطفل ما ذنبه" فيصمت الجميع. ويسألك شاب في مقتبل عمره: " يا أستاذ ألا تريد أن تصلي؟؟ الدنيا فانية" وتصمت دون أن تقول شيئاً.

يقترح أحدهم: "نذهب لنسلم على الذين خرجوا من السجن حديثاً". يمارسون عادتهم اليوميه. يباركون للامهات والاباء ويطلبون من الله أن يخرج الباقين. وحين يفترقون تبدأ الغيبة والنميمة. يشتم الفتحاويون الحماسيين، والشيء ذاته يفعله الآخرون.

وتفتقد عادات كثيرة كانت سائده0 كانت الشابات قبل الانتفاضه يسرن، مساءً، في الشوارع، والان يجلسن في البيوت0 يخاف الاهل على بناتهم، ولكن الابناء يخرجون غصبا0 لا يستطيع أحد أن يسيطر على ابنه0 وقبل أن يسمحوا للسيارات بالسير بعد الساعة السادسة مساء كان الملثمون يأتون كل مساء في السابعة0 يسيرون منتظمين0 يحملون سيوفهم او بنادقهم الخشبية0 يعلنون ماذا سيفعلون في الايام القادمة، ويخرج الناس ليستمعوا اليهم0 ينفذون تعليماتهم بحذافيرها0 ونادرا ما كان المرء يستمع إلى صوت سيارة في هذا الوقت0 والآن يتمنى الناس أن يكون هناك اضرابً ما0 ولا يلتزم الذين لديهم سيارات بالتعليمات0 يغادرون وأهلهم، شتاءً، إلى البحر الميت أو أريحا0 يغادرون، صيفاً، إلى الباذان ومن يملك تصريح سفر إلى الداخل ربما يذهب إلى شاطىء البحر0

يقول لك العجوز الغزاوي: "لنا في الضفة مثلما لكم ايضا"

فترد عليه: "يا اخي لما تتحرر تأتي انت إلى الضفة وأنا أذهب إلى غزة 0 الا يكفيكم أنكم تملكون البحر الذي سرقه اليهود منا0 أنا على استعداد لأن أقايض بكل شيء أملكه مقابل أن أعيش على شاطىء البحر" وتقول ضاحكا: "لعلني عرفت البحر وأنا في صلب والدي يوم كان هناك في يافا." وتضيف: "لكثرة ما حدثنا عن البحر أحببناه. على شاطىء البحر حين كنا نذهب، من قبل، كنّا ننسى همومنا. ما الذي يثيرنا فيه هذا البحر؟ أمواجه. صدفه. النساء الجميلات. الرمل أم مطعم السمك هناك."

تغادر الدكان. تسير في الشارع. تلتقي شابا فيسألك أن كنت تعرف ما حدث اليوم في القرية المجاورة، ويحدثك "تصور أن الناس، لخلاف بسيط، رفعت السلاح على بعضها البعض". فتقول له: "ليس هذا ببعيد، فقد تم رفعه، قبل فترة، في المخيم حين اختلفت عائلتان مع بعضهما البعض "ويسألك" ما رأيك في هذا؟ تقول: "إمّا أن يكون الذي يفعل ذلك غبياً أو جاسوساً". يستأذن منك لأنه ذاهب إلى المنزل. وتسيران باتجاهين متعاكسين.

تتذكر ما حدث قبل فترة. سألك شاب: "هل سمعت عن المشكلة التي حدثت بين العائلتين؟" ولما أجبته: "ليس بالتفصيل"، عرض عليك أن تذهب معه لتستمع إلى القصة، كاملة، من أخيه." كان أخوه ينتمي إلى تنظيم يساري شارك في المشكلة، وقد ضربه تنظيمه وبدا ذلك على وجهه. قص عليك الحكاية وسألك، ظاناً أنك تنتمي إلى التنظيم نفسه: "ما رأيك؟"

"إذهب إلى جماعتك وقل لهم".

"لا"

"ماذا ستفعل؟"

" - سأحلها بطريقتي الخاصة".

"لا أنصحك".

يستمع إلى كلامك، وحين تسأله عن سبب المشكلة تعرف منه أنه كان يراقب اثنين، مدفوعاً من شخص آخر، لملاحظة سلوكهما الأخلاقي لا الأمني. يراجعك أصحابه ويعتبرون ذلك تدخلاً منك. تقول لهم "أيها الرفاق، أنا قلت له أن يتبع التعليمات التي ينص عليها نظام الجماعة. هكذا ينص المكتوب". ويصمتون. "لقد نفضَتنا الانتفاضة" تقول على مسامعهم "ويبدو أن ما يكتب شيء، وما ينفذ شيء آخر، ولا يلتزم أحد بما يقول". ويصمت الرفاق.

تذهب إلى المخيم أو لا تذهب. تذهب إلى الاصدقاء اليساريين في غرب المدينة أو لا تذهب. تهمس: "والله أمرنا غريب جداً". تتذكر ما يجري في اتحاد الكتاب والصحافة: "تصور أن كاتباً اختلفت معه، لأنه لم يلتزم بما قال، فاتهمك أنك تقبض من جهة أجنبية" "هذا غير معقول. غير معقول. والله لقد احترمته طويلا هذا الملعون، ثم اختلفنا على نشر مقال مترجم عن شاعر يدعو إلى الحوار العربي الاسرائيلي، حين أرسله إلى الرقيب ليقوم هذا بشطب المقال، علماً بأن المقالات السابقه التي يمكن أن تشطب لم ترسل إلى الرقيب لأن الشاعر راض عن أصحابها. والغريب أن هذا الكاتب الملعون كان، من قبل، يشارك في الحوار العربي الاسرائيلي، وذهب عدة مرات إلى تل أبيب حين جاءت الأوامر من الشاعر الذي يرفض نشر الدراسه عنه الآن".

تتذكر عبارات أبو عمار يوم كان في بيروت: "نحن نعيش الديمقراطية وسط غابة من البنادق" وحين تقول هذه العبارة على مسمع يساري يقول لك: "ولكن أبو عمار يقول دائماً أنتم قولوا ما تريدون وأنا أفعل ما أريد" ويضيف، "أية ديمقراطيه يا أخي هذه التي يتحدث عنها أبو عمار؟". ويتابع صديق آخر الكلام: "يا أخي نحن الفلسطينين كذبنا كذبةً وصدقناها. دائماً نقول اننا نختلف عن العرب في أننا ديمقراطيون. هذا كلام غير صحيح. قل لي أي قائد فصيل، منذ أسـس الفصيل، تغير طوعاً؟" ويصمت: "لا أحد" يرد عليه الصديق ويتابع:" يا أخي نحن هنا نريد من أي شخص أن يكون مثلنا، والا فنحاربه محاربة شديدة. هل تقدر، يا أستاذ، أن تفسر لي السبب في عدم الاتفاق على أيام الاضراب مثلا؟ أو لماذا لا تتفق، على الأقل، الفصائل الوطنية في الجامعة على تشكيل قائمة موحدة لنقابة العاملين أو مجلس الطلبة مقابل حماس؟". ولا تجيب. تصمت وتهمس: "أنا أشك في أن أي واحد منا يمكن أن يتقبل الآخر المغاير". وتواصل مخاطبة ذاتك: "ان التعايش العربي اليهودي في دولة علمانية كذبة كبيرة. فنحن غير قادرين على التعايش معاً. تتذكر الاستاذ التحريري: "يا أخي أنا أتفق مع فكر الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، ولكن لا أستسيغ اطلاقاً أن يكون نايف حواتمه وجورج حبش على رأسهما. هذان نصرانيان". وتقول للاستاذ التحريري: "ولهذا يا أخي تلجأ، أيضاً، إلى الحديث عن القروي البسيط والمدني المراوغ".

"غريب أمرنا يا أخي غريب" تهمس.

"اللعنة عليك أيتها الضفة". تعود من حيث أتيت. تعود إلى البيت. تتذكر مسخ كافكا. تقول " الأفضل أن يتحول المرء إلى حشره في هذا الزمان". تتذكر الدكتور الجامعي الذي ينافق شاعراً عادياً أو متوسطاً في أحسن الاحوال. وتقول: "الى الجحيم أيتها الضفة".

تواصل السير. تذهب إلى منزلك لتشرب القهوة. تفكر في هذا الذي يجري. تفكر في ليل الضفة الطويل. تتساءل: ماذا يفعل الناس الآن؟ ماذا يقولون ونساؤهم؟ تتذكر أقرباءك. لقد تحاربوا من أجل مبلغ من المال. نعم من أجل مبلغ من المال. تخاصموا. أخذوا يشوهون بعضهم البعض. تحارب الرجلان. طلب الرجل من زوجته ألا تزور قريبتها. أخذ يتحدث عن أبناء الآخر. حلف بالطلاق ألا يدخل بيته.

تفكر في الصبية.

"تشرب قهوة"

"أشرب قهوة"

تأتي الصبية فرحة. تسألك عن قريبك الذي في السجن. تحدثك عن نفسها بفرح. تعود بك الذاكرة كلما رأيتها إلى هناك. تتذكر الحسناوات. يأتين اليك. تتحدثون معاً. تشربون القهوة. تتعاركون، ويطلبون منك أن تزورهم.

"تسمع أم كلثوم". وتقوم من دون استئذان. "الحب كله حبيته فيك، وزماني كله أنا عشته ليك".

"لا شك أننا مصابون بالفصام" تقول لصديق لك. "يا أخي الواحد منا يحب أن يفعل أشياء كثيرة، ولكنه يتردد لا بسبب من وازع ديني أو ذاتي مثلاً، ولكن لما يقوله الناس".

"كان أهل المدينة قبل الانتفاضة ينتظرون يوم الجمعة بفارغ الصبر." تقول وتتابع: "حين يأتي يذهبون، زرافات ووحدانا، إلى الداخل، إلى فلسطين التي كانت لهم، إلى ماضيهم" وتتساءل: "هل كانت فلسطين، في حينه، تعني لهم شيئاً آخر غير الرحلة الأسبوعية؟" وتقف حائراً: "إن الذين يذهبون إلى فلسطين في نهاية الأسبوع هم الأغنياء من أبناء المدينة، ولا يدري المرء حقاً أن كانت المدن، هناك، تعني لهم شيئاً آخر غير ممارسة ما لا يستطيعون أن يمارسوه في مدينتهم".

تتذكر المدينة وأهلها. تخاطب نفسك: "إن الفصام الذي يعاني منه المواطن العربي يبدو أوضح ما يكون عند كثيرين من أبناء هذه المدينة، الأصليين منهم واللاجئين، الفقراء منهم والأغنياء، المتعلمين منهم وغير المتعلمين، الذكور والاناث".

"ينبغي عدم وجود مسرح في المدينة لأن هذا يؤدي إلى الفساد؟" كان المتدينون يقولون عام 1976، وحين تَمّ انشاء مسرح كان هناك احتلالان.

"يا أخي مدينة عدد سكانها أكثر من مائة ألف، ولا يوجد فيها مسبح؟" يتساءل كثير من المواطنين، ويتابعون: "وهل ينبغي أن نذهب إلى ناتانيا، أو إلى برك السباحة الاسرائيلية أو إلى السخنة حتى نمارس هذه الرياضة، فندفع مبلغاً لا بأس به لليهود، عدا أجرة السيارة؟" "يا أخي" يرد آخرون ساخرين "هناك لا يرانا أحد. هناك نفعل ما نريد. نسبح وقد تسبح نساؤنا وتظل الأمور مستورة". ويتابعون: "وهناك اللحم الأبيض المتوسط، على رأي عادل إمام".

"هل أنت من جماعة الملتقى؟" تسألك من جديد كلما ذهبت اليها. فتقول لها: "نشرب القهوة". تتذكر صوتها على الهاتف كلما هاتفتها "ألو". تعرف أنها هي.

تغادر المنزل وتتركها بعد أن تشرب القهوة. كانت تنظر اليك من النافذة. ذهبت فوجدتها وحيدة. فتحت لك الباب. صنعت القهوة. "والله أنا أفعل ما أريد" تقول لك. تسألها: "وحيدة" تقول لك: "وحيدة، ورأيتك وأنت في الشارع." تجلسان معا فترة طويلة، ثم تقول لك: "قد يأتي أهلي الآن". تغادر. تذهب إلى البيت. ترفع سماعة الهاتف. تتصل بها. "آه ها" تقول. تغلق سماعة الهاتف. تتصل من جديد: "آه ها" تقول من جديد، وتترك سماعة الهاتف مكانها.

كانت تقول لك: أراك وأنت تغادر الجامعة، ولكنني، خوفاً من كلام الناس، لا أتوقف لأقلك". ذات صباح قالت لك: "أنا ذاهبه إلى الجامعة، ومن طريق رأس العين. اذا أحببت أن تصعد معي". "شكراً" تقول لها، فقد يرانا الناس أيضاً. تتركها. تحتار في أمر هؤلاء الناس.

يأتي قريبك. يتحدث عن مشاريعه هناك. "والله أنا أعيش مثل اللورد. لا أحد يسأل عني. طز في كل التنظيمات. المهم الجيبة والكاس".

"يا أخي "تخاطب نفسك" أين التغيير الذي أحدثته الانتفاضة في الناس؟". هذا له اخوان كانا في السجن. طيب ليعش كما يريد. ليشرب. ليدخن ليتصل بالاذاعة الاسرائيلية حتى يرد لهم الجميل لأن السلطات منحته رخصة كذا. ليذهب إلى الاردن وليهنىء الملك. أما طز في الانتفاضة والشهداء. والله مصيبة. هناك أخطاء هناك أخطاء. نحن زفت. نحن زفت. لكن هكذا واتصال مع الاذاعة!!"

تشرب القهوة. تدخن سيجارة. تتذكر حديث الجيران. تتذكر ما يفعله الاحتلال. لقد أخرجوا من السجن فلاناً الذي بقي على سجنه شهران، ولم يخرجوا فلاناً الذي بقي على سجنه أسبوع. "يا أخي هذا عصفور" يقول شخص فيرد عليه الآخر: "يا أخي هذا الاحتلال يريد أن يشوه الناس ويفسد بينهم".

"معقول هذا هو. أبو بندر المختار" حدثت نفسك يومها. كان ذلك بعد ثلاثة أعوام ونصف من بدء الانتفاضة. "مش معقول". تتذكره كيف كان قبل أربعة أعوام. يومها كنت ذاهباً لكي تصدر وثيقة سفر. جاء جلس بالقرب منك. قال لك: تريد وثيقة سفر. قلت له: نعم. أريد استصدار وثيقة سفر" "أخرجها لك ولكن...." "ولكن..... ماذا" "تدفع عشرين ديناراً" "عشرين ديناراً مرة واحدة... لا يا محترم" لم تكن تعرفه. سألت عنه فقالوا لك أنه مختار الحي القريب "انه أبو بندر" وانتظرت يومها حتى جاء دورك. انتظرت النتيجة: "مرفوض". لقد دخل أبو بندر طلب من الضابط أن يرفض طلبك. "تصور يا أخي مقابل عشرين ديناراً يفعل ذلك. وحدة حال بين المختار والضابط في الجيش". وأنت تقرأ، فيما بعد، كتاب دافيد غروسمان (الزمن الاصفر) يستوقفك الفصل المعنون "الوسطاء" تتذكر أبو بندر. يومها كنت هناك في أوروبا. وكنت تقرأ الكتاب بلغة البلد الذي تقيم فيه. تتذكر هناك أبو بندر، وتتذكر ما ألم بالمتعاونين أيضاً. كانت الأخبار تتحدث عن هؤلاء وهربهم إلى المستوطنات والى داخل الخط الاخضر. وها هو أبو بندر قد خذل وأصبح مجرد تافه بسيط في هذه الدنيا.

تتذكر هؤلاء. قبل بدء الانتفاضه كان الناس يحادثونهم. يذهبون اليهم يؤدون لهم التحية ويستقبلونهم أيضاً، وكأنهم أناس شرفاء. لا يلزم بعض الناس أنفسهم بالوقوف ساعات من أجل استصدار تصريح. يدفعون لهم النقود، باحترام، حتى تكاثر هؤلاء وأصبحوا يعتقدون أنهم أسياد بحق، وأن ما يفعلونه عادي ومقبول.

يحضر أمامك الآن ما هو أكثر من ذلك. تمر الدوريه في ساحة الدوار، تقف. ينزل منها الدروز ويتحدثون مع الناس فيقدم لهم بعض الصاغة القهوة، وينادي عليهم آخرون باسمائهم، كأننا وإياهم شعب واحد.

وتعود بك الذاكرة إلى الوراء. تعود بك إلى مساء يوم من أيام صيف 1984. كنت يومها وزوجتك مدعوين لزيارة قريب لك. قرعتما الباب ودخلتما غرفة الضيوف، وإذا بك تفاجأ بوجود جندي درزي هناك. لم تعرف ماذا تفعل. تبقى أم تغادر؟ وجاء صوت المرأة: أن الجندي فلان، جاء لزيارتنا ونحن نزوره في قريته، "وأكملت: وسيغادر الآن". وفي اللحظات القليلة التي جلستما فيها معا، سألته: "لماذا لا ترفض الخدمة العسكرية في الجيش ما دمت تقول إننا شعب واحد؟. لماذا لا ترفض الخدمة هنا في المناطق المحتلة؟" وأجابك يومها: "إنكم لا تعرفون أوضاعنا جيداً".

"كانت بائعة الجرائد الباريسية" كان أستاذ الأدب العربي في الجامعة يقول "لا تكلم الجندي النازي إطلاقاً. يدفع لها النقود، فتعطيه الجريدة مضطرة وكان الجندي النازي يقول: لم أخف من السلاح بقدر ما أخافتني نظراتها" ويتابع: "وكان أهل باريس، يكتب سارتر في كتابه باريس تحت الاحتلال، حين يسألهم النازي عن الوقت يعتذرون قائلين: إننا لا نملك ساعة".

تتذكر رواية فيركور (صمت البحر) والصبية التي رفضت محادثة الجندي، على الرغم من اقتناعها أنه ليس نازيا، لأنه كان يرتدي البدلة العسكرية التي تحمل الشعار النازي. ولا ينقذك من حزنك إلاّ معرفتك بوجود وجه آخر للفرنسيين أيضاً، وإن ألح السؤال عليك: ولكن هل كان المتعاونون بهذه الكثرة؟؟.

"غداً سنسافر إلى دالية الكرمل وعسفيا" تقول لك قريبة متزوجة. "لماذا" تسألها. "لقد عزمنا الدرزي على فرحه" تجيبك. تستغرب الأمر، فتقول لك: "ولكن أرجو ألا تخبر أحداً بالأمر" وتذهب وزوجها وقريباتها. وحين يسافرن إلى عمان، يجتمعن، بحكم القرابة، مع بعض أفراد الفصائل اليسارية. يتحدثن هنا عن الدروز والزيارات العائلية، ويتحدثن هناك عن الوطن. يتحدثن عن هذا بفرح كبير، وكأننا شعب واحد.

"غريب أمرنا. غريب". تخاطب نفسك.

تصور يا أخي أن أستاذا جامعياً، يريد أن يحصل على تصريح جمع شمل، يذهب ليراجع السلطات. تستدعيه المخابرات فيذهب، ويقترح رجل المخابرات عليه أن يلتقيا في (ناتانيا) فيذهب الاستاذ الجامعي، وهناك يصعدان معاً سيارة، ثم يبدأ رجل المخابرات يمارس على الأستاذ الجامعي ضغوطاً وأساليب ارهابية. "اخفض رأسك حتى لا يراك الناس" يقول له رجل المخابرات، فيدرك الأستاذ الجامعي الأمر، متأخراً، ويعود من حيث أتى.

"غير معقول" تقول حين تسمع هذا، فيرد عليك سارد القصة: "لماذا؟" ويذكر لك اسم الاستاذ الجامعي.

لا تدري لماذا يذكرك أبو بندر بأبي وردة. "يا أخي والله أبو وردة هذا مش أبو وردة الذي كنت أعرفه من زمان". اتصل بي، قال لي: "نلتقي في المكان المحدد". قلت: "ما عندي مانع". كنت تعرف أن أبا وردة مطارد منذ سنوات الانتفاضة الأولى. لقد هاجموا بيته مراراً. هرب إلى غزة وأقام هناك فترة طويلة متخفياً عند الرفاق. ولا تستغرب هذا، فأبو وردة مناضل ومناضل صلب. لقد سجن قبل الانتفاضة مرتين بتهمة الانتماء إلى الجبنة الدنمركية، وآثر أن يسجن خمس سنوات على أن يغادر. لقد رفض صفقة المخابرات يومها. كنت تنظر إلى أبي وردة بإعجاب كبير. لم يكترث كثيراً لموقف أهله حين تزوج. قالوا له: إما أن نزوجك، كما نريد، أو لا نساعدك ولا نأتي إلى فرحك". ولم يكترث لهم. كان له رفاق كثيرون، وكان التنظيم أهله وتزوج ورضخ أهله لرغبته. كان يأتي ويقول لك: "أنا لا أكترث لاخوتي كثيراً. أنت تعرف بعضهم يدخن الحشيش، ورفاقي هم أهلي". وكان أبو وردة قد بصق على رجل المخابرات حين أحضر له هذا أمه ليهدده بانتزاع الاعتراف. " لو كنت رجلا حقا لما أحضرت أمي إلى هنا يا نذل" قال له يومها. ولم تكن تعرف لمن انضم أبو وردة بعد انشقاق الجبنة الدنمركية. "أبو وردة الآن فوق. من رجال ياسر. هو الذي قاد الانشقاق. وهو يلعب بالدولارات لعباً". يقول لك أحد رفاق الجبنة الدنمركية. "غير معقول" تقول له. وتذهب لمقابلة أبي وردة. لا تخبر أحداً. تعانقه.

"تشرب قهوة"

"نشرب قهوة".

وتحتسيان معاً القهوة. تنظر في الغرفة رقم 404. ثمة مسجل وطاولة وبعض الكراسي. يقول لك أبو وردة: "تتذكر أيام المخيم". تقول له: "نتذكر أيام المخيم". ثم يتحدث لك أبو وردة. يحدثك عن ظروف عمله الجديد. يقول لك: "أنا أسير الآن في الشوارع. لا أكترث كثيراً لجنود جيش الاحتلال، وأحياناً أفكر في أن أسلم نفسي. ستة أشهر سجن أكثر ما فيها". يحدثك أبو وردة عن مشاريعه. يقول لك: "عندي شركه وسيط بيع بضاعة. وهناك ثلاثة دكاكين لبيع خضرة وفواكه. أحياناً ندين بعض الناس دولارات بفوائد لمدة شهر". تصمت. تستمع إلى كلامه. تحدثه عن رحلتك. يقول لك حين يرى الكتب معك: "هذه العدة" تقول له: "هذه رأس المال" ويعرض عليك أن تعمل معه في صحيفة سيصدرها الرفاق. تقول له: "أفكر". تذهبان معاً إلى الدكاكين. ترى البضاعة الاسرائيلية، فتسأله: "ولكن كيف تبيعون البضاعة الاسرائيلية؟ هذا، في نابلس، ممنوع" فيرد عليك: "يا أخي قيادة الانتفاضة تريد بضاعة اسرائيلية، وهم دائماً يسألون عنها". "مش معقول" ترد عليه، فيقول لك: "كان ما قلته من قبل".

تنفق وأبو وردة يوما كاملاً. ترى بناته الجميلات. يعلق: "لقد حسنت النسل حين تزوجت كما أريد. لَسْنَ مثل بضاعة اسرتنا". يحدثك أبو وردة عن أيامه في غزة يوم كان مطارداً هناك. يحدثك عن استمتاعه بالبحر وينظر للمرحلة القادمة، ينظر للحل الاقتصادي. وتقول: "معقول هذا هو أبو وردة الذي كان". تتذكر رفيق الجبنة الدنمركية وتعليقات الرفاق:

"أبو وردة يتعامل اليوم بالدولارات".

"أبو وردة وكيل شركة، يتعامل بالمخراز".

"أبو وردة تنصل من ماضيه".

"أبو وردة اشتراكي حتى الموت".

"والله لو ما عرفت أبو وردة اطلاقاً لكان أحسن".

ويذهب أبو وردة إلى مدريد. يرسل لك أخوه لكي تَغُضّ الطرف ولا تتحدث عنه. تحزن لأنك ذات نهار كتبت عن أبي وردة الذي قال لك: "يوم عرسي لن أجلس على يسار العروس. سأجلس مغايراً للمألوف". وحين سألته: "لماذا" أجابك: "أنت تعرف أنني لا أسمع بأذني اليمين، جيداً، من التحقيق، وكذلك لا أرى، جيداً، بعيني اليسار".

"معقول أبو وردة يذهب إلى مدريد؟" تتساءل. وحين تصدر الصحيفة، يرسل اليك رسولاً لكي تشتغل معهم فترفض. تلتقي بأبي وردة بعد عام. يضع البرنيطة على رأسه ويسير ممتلئاً واثقاً، تسلم عليه، يقول لك: تفطر فول" فتعقب: "لقد أفطرت جبنة" ولا تلتقيان.

"اللعنة على الضفة". لقد غامرت بنفسك. ذهبت إلى المدينة. كان صوت الرصاص في منتصف النهار، وكان الناس يهربون فاختبأت عند بائع الكتب حتى هدأ الوضع لتستمع من أبو وردة إلى ما استمعت اليه.

"هذه هي الانتفاضة". يقول أحد الناس. "قلبت الموازين كلها. حتى الجبنة الدنمركية انقسمت على ذاتها، وأنت لا تعرف الآن ماذا يجري". ويتابع آخرون من رفاق الجبنة الدنمركية: "هذا ياسر عبد ربه ليس رجلا، تصور أنه يظهر على التلفزيون الأردني ويضع سلسالا في رقبته مثل النساء". "ولكنه كان رفيقا يا عزيزي" تقول له. فيقول رفيق آخر: "كان ينبغي أن يفصل منذ زمن". ويضيف: "لعله سيصبح وزيراً أردنياً في المرحلة القادمة".

يظهر شاهر سعد على شاشة التلفزيون الاسرائيلي. يحاوره يوني بن مناحيم. يتحدث عن الطوق الذي فرضته قوات الاحتلال على عمال المناطق. يتحدث عن المجاعة التي يمكن أن يعاني منها العمال وعائلاتهم، ويتوجه إلى وزير الدفاع بالطلب راجيا منه أن يعمل على رفع الطوق.

"لقد أصبح العمل في إسرائيل مطلباً وطنياً" يقول الناس في الضفة. وتتذكر لقاءك مع أبو وردة في رام الله: "وماله. يعمل العمال بعد الحل في إسرائيل. نحن نريد تحسين أوضاع شعبنا بالطرق كلها. أن الحل القادم سيكون حلاً اقتصادياً". "والشعارات القديمة يا أبا وردة؟". تسأله: "كل مرحلة ولها شعاراتها". يجيب.

تشرب بقية القهوة. كانت الفتيات الأوروبيات يقلن لك: "شرب القهوة الباردة يضيف على شاربها قدراً كبيراً من الجمال". وترتشف الفتاة القهوة الباردة لكي تزداد جمالاً فوق جمالها. تنظر إلى الساعة: "السابعة مساءً" يقترب موعد نشرة الأخبار.

"مثل هذا الوقت في الصيف يخرج الأوروبيون إلى منتزهاتهم. يأخذون طعامهم معهم ويشربون البيرة، ويبدأ نهارهم".

"حدثني عن الضفة" تقول لك فتاة:

"هل تحبين أن تسمعي وصفاً لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة؟"

"غير معقول".

"معقول ونص".

كانت أستاذة اللغة تقول لك دائماً: "يا عزيزي ليست الدنيا كلها سياسة" وأدركت أن على الفلسطيني، حين يعيش في أوروبا، أن يعرف الموسيقيين، وأن يذهب إلى السينما وأن يسهر في البار حتى يقيم ثمة علاقة تواصل مع الأوروبيين، اذا أراد أن يقيم ثمة علاقة.

"قريبي في السجن" تقول لها: "ومنع التجول يستمر لمدة أسبوع" وتصمت. تقول لها: "غداً سوف أعطيك بعض المقالات التي صورتها لتقرأيها. حدثيني عن الحياة هنا".

كنت تعرف أنك ستعود إلى الضفة وتعيش ليلها الطويل.

كانت رسائل الأصدقاء تأتيك. وكنت تقرأ فيها ما يحثك على مزيد من الإفادة من الحياة هناك. "كان يجب أن تستغل اجازاتك في الأعياد مثلا لزيارة معالم ألمانيا ولا سيما ميونيخ ذات العراقة والتاريخ، وكذلك برلين وعليك أن تلتهم كل ما تستطيع التهامه من الأدب والثقافة والمسرح في ألمانيا التي اعتقد أن بها حركة ثقافية ومسرحية رائعة، وهذه فرصتك لتحضر المسرح والموسيقى الكلاسيك والاوبرا والبالية.. وأرجو أن تكتب بعض اليوميات عن ملاحظاتك عن الحياة والفن والأدب والعلم والثقافة في ألمانيا، فلعلك، فيما بعد، تعكف على ملاحظاتك اليومية وتصوغ منها روايةً أو كتباً تنفع القارئ المتلهف". تقرأ في الرسائل التي تصلك، وتقرأ أيضاً: "يهمني أن تزور متاحف الفن والمعمار والجمال الحي المنتشر بكثرة من حولك، لا تكسل ولا تتقوقع أو تنطوي على نفسك، اندمج في الحياة بقدر ما تستطيع، تعلم الرقص وارقص وامرح، والمهم أن تستغل العطل الاسبوعيه بالانطلاق، ولعلك تلاحظ أن الالمان على جديتهم واحترامهم للوقت لدرجة التقديس وحبهم للعمل والانتاج يغرقون في المتع بجميع أنواعها في أوقات الفراغ، وفي الحقيقة إذا أردت: أن من حق من يتعب وينتج أن يعشق الحياة ويتمتع بمباهجها أكثر من الكسالى والخاملين والقاعدين تحت الخروبة ينتظرون قدر الله...!!! الذي ربما لا يأتي أبداً".

ولم تكن لتقتنع بأن الذين يكتبون لك، سيكونون أول من يشوهونك ويحاربونك حين تعود.

وتتساءل: "هل يمكن أن يكون الناس جواسيس أباً عن جد؟" تتذكر رئيس المخابرات في البلد المجاور، تتذكر محمد رسول والبناية التي أطلق الناس عليها اسم "فندق أبو رسول"، وتهمس: "لولا أنني أفرّق بين المرء وأهله لقلت: أن الناس جواسيس بالوارثة وبرابطة الدم أيضاً".

كانت رورو هناك تستقبل، في بيتها، عشيقة زوجها، وتحصي عليك خطواتك. وكان الشباب العرب يمارسون العهر والخيانة ويتشدقون بالوطنية. وكان ليل الضفة الطويل يجثم، هناك، على صدرك أيضاً. "ثمة جنود يهود هنا" كنت تخاطب نفسك حين ترى بربارة ونينا.

تذهب لمشاهدة التلفاز. لقد اقترب موعد نشرة الأخبار. تستمع إلى الجلوس. يمزح أخوان معاً. يختلفان ويتفقان ويختلفان. يهدد أحدهما الآخر مازحاً: اذا تكلمت كثيراً فأنت تعرف ماذا سيحدث؟ "ماذا سيحدث؟" الآخر: "تسحب إلى البلدة القديمة". لقد أصبحت هذه المفردة شائعة على ألسنة الناس. فلان سحبوه وحققوا معه. فلان سحبوه وضربوه واعترف.

تعود بذاكرتك إلى الجلسات في المخيم. "أمس وزعوا منشوراً يحذر الفتيات من لبس بنطال التايت. "يا أخي ما الفرق بين أن تخرج الواحدة عارية أو تخرج وهي لابسة بنطال تايت؟" يقول أحدهم فيرد آخر: "يبدو أننا لم نعد نجد شيئاً نفعله سوى أن نحرم ونحلل". "هذه انتفاضة" يقول ثالث، فيرد عليه رابع: "وأنت ألا تحب حتى الآن؟". كان هذا الشاب يذهب إلى سائق الباص ويقول له: في وقت عودة طلبة المدارس عليك أن تمنع صعود الطلاب والرجال مع الطالبات. وكان مساءً يغازل فتاته. "يا أخي هذا غير ممكن" يقول رجل كبير في السن. "لقد انتظرت، ساعة حتى جئت، والنهاية ممنوع أن نصعد وعلينا أن ننتظر ساعة أخرى" فيرد عليه السائق: "يا أخي هذه أوامر الانتفاضة". ويتدخل ثالث: "يا أخي، بعد قليل نرسل لك ملثمين من فصيل آخر يقولون لك غير هذا، فماذا ستفعل؟ يصمت السائق، ويغادر وقد وضع شريط وردة لتستمع اليه الفتيات: "شعوري ناحيتك".

يقف مجموعة من الأطفال في يوم عيد عند مدخل المخيم، يوقفون السيارات القادمة من الغور والباذان. يفتشون الركاب. "تصور أنهم ضربوا شابا في الثلاثين من العمر لأنه قال لهم: عيب عليكم أن تفعلوا هذا" يقول شخص فيرد فرد عليه أحدهم: "ان دماء الشهداء لم تجف وأنتم تذهبون في رحلة". تقول للأطفال: "يا اخوان تحدثوا معهم بالتي هي أحسن" فيرد عليك أحدهم: "وأنت ما دخلك؟". وينصحك صديق قائلاً: "غض الطرف عن الموضوع واذهب، فقد يسحبونك". تحاور طفلاً عما يفتشون، فيقولون لك: "نفتش عن البيرة" فتقول له: "قد يشربونها في البيت أو في الغور" فيرد عليك: "هذا شأنهم. ونحن أن وجدناها فسنضربهم".

تتذكر ما يقوله الناس عن نعيم الذي كان يقيم في المخيم. كان أهل المخيم يقولون "لقد كان نقياً. لو بقي حياً لما سمح للأطفال بإذلال الناس. كان يتفهم أشياء كهذه". تنظر إلى صورته في "البيادر" وتحزن لمقتله0 "لقد قتلوه بدم بارد" يقول احد شهود العيان، فيعقب آخر: "وسوف يقتلون كل المطلوبين حتى لو قام هؤلاء بتسليم أنفسهم" تتذكر كلام العجوز الغزاوي: "في خان يونس ضربوا البيوت بالصواريخ لاعتقادهم أن فيها مطاردين0" وترى، في الجريدة، صور البيوت المنسوفة0 "هذا احتلال نازي" يقول شخص، ويضيف آخر: "والغريب انهم تعذبوا بما فيه الكفاية ولم يتعلموا"0

تستمع إلى نشرة الاخبار0 تنظر إلى الصور0 جرحى وقتلى وسكاكين0 الصور نفسها منذ سنوات عديدة0 "يا اخي لما يهودي يقتل عربا في سيارة يقولون انه مختل عقليا0 ولما عربي يقتل يهوديا بحادث سير يتهم بأنه عمل تخريبي"0 يعلق احد الجلوس0

"والله صدام لو كان رجلاً لضرب الكويت من جديد". يقول الكبير حين يشاهد ركام المباني المدمرة إثر غارات الأمريكان وصواريخهم. ويتابع: "لو كنت هنا أيام حرب الخليج. كنا نسهر حتى الصباح لنشاهد الصواريخ. لقد كانت الأيام السعيدة في حياتنا. لم نكترث لأننا بقينا أربعين يوماً دون أن نخرج من البيت الا لساعات قليلة. أولاد الكلب الحكام العرب خدعوه". ويصمت للحظه ثم يتابع: "فكرك دمروا كل قوته. لا أظن. صدام رجل، ولا شك أنه داهية".

تهمس: "ما زال الناس هنا على عهدهم. لا يصدقون أن الهزيمة تمت. يريدون أن يقنعوا أنفسهم باستمرار بأن ثمة أملاً ما بنصر قادم". تتذكر هزيمة السبعة وستين. لم يصدق الناس أن مصر هزمت. كانوا يعتقدون أن الصواريخ لم تتحرك بعد، وأن عبد الناصر لا شك سيقاتل، وما زال اعتقادهم على حاله. "صدام بطل" يقول الكبير في السن، ويعيش على هذا الأمل.

يرى الطاعن في السن فتاة يهودية جميلة فيتذكر ماضيه في يافا. يفتخر بأيام شبابه: "والله لقد عرفت أكثر من مائة فتاة. يا أخي انهن جميلات جداً. آخ على أيام الشباب" ويصمت. "وهكذا ذهبت فلسطين" تقول له، فيخرج عن طوره: "هذا غير صحيح. ماذا كان يمكن أن نفعل؟. بريطانيا واليهود. نحن لم نبع البلاد". ويصمت، وحين لا تكترث لكلامه ويلاحظ عدم اصغائك له يقول: "والله أنا جرحت كذا مرة" وينسى ما قاله عن الفتيات اليهوديات وغرامياته معهن ويتحدث عن بطولات وهمية.

تستمع إلى المذيعة. "اجتماع في القدس بين دعاة الحوار الفلسطيني اليهودي. ضم الوفد مجموعه من الفلسطينيين برئاسة سامي الكيلاني".

تتذكر صورة سامي الكيلاني يوم كان في مدريد. لقد ذهب ليتحدث مع عضو الوفد الاسرائيلي فتجاهله. "وما زال يحاور. غريب أمره هذا السامي". تهمس وتتابع: "لا شك أنه مهزوم من الداخل، عمّ يتحاورون وهل يصدقون هذه الكذبة؟ والله هؤلاء جماعة ياسر عبد ربه لو نظروا إلى ما كانوا يقولونه قبل سنوات لخجلوا من أنفسهم".

يغيظك هذا اليساري المحاور. لقد كتب بعض خواطر وأخذ يظن نفسه كاتباً كبيراً. "لقد نشروا لي قصه في مجلة مصرية" يقول لك، ويتابع: "وقد قالت لي ليانا أن هذا يبشر وهذا ممتاز". "تصور يا أخي" تقول للشويعر: "تنشر له قصة في مجلة مصرية بعد سبعة عشر عاما من الكتابة فيفرح وكأنه حقق انجازاً كبيراً". وتتابع: "قلت له أن يحترس من المستشرقة، ولكنه حين علم أن قصصه ستكون موضع دراسه قال: "طيب ما أنا المخابرات الاسرائيليه تعرف مع أي تنظيم، وأنا أقول هذا علناً". وأنت تتابع الاعلام الاسرائيلي تجد التركيز عليه. يتكرر اسمه على لسان المذيع مراراً، ويحاور مراسل التلفاز غير مرة. "يبدو أنه مسرور لهذا" يقول لك رفيق من الجبنة الدنمركية.

قتل وحوار. صوت رصاص في الخارج. "هل ثمة اشتباك؟" يسأل أحد المستمعين. ثم يصمت الجميع. يذهب أحدهم إلى الخارج ثم يعود. "ربما خطأ ما".

تتكرر الأخبار اليوميه. تشاهد التلفاز الأردني. "ما زال الملك يحتلنا منذ عشرين عاماً". تقول وتضيف، "والذين يعتقدون غير هذا فهم مخطئون. كل مساء علينا أن نرى طلعته البهية. واذا لم نرها فعلينا أن نرى صورة واحد من أفراد العائلة الذين بدأوا يتكاثرون كالذباب".

يسأل والدك: "فكرك ماذا سيحدث في الأردن بعد موت الملك؟" تصمت للحظة: "يا أخي كلهم ملوك. وليحدث الطوفان. بلد يحكمها فرد منذ أربعين عاماً لا تختلف عن قطيع غنم يقودها راع".

"الملك داهية" يقول الطاعن في السن. "والا لما استطاع أن يبقى أربعين عاماً على العرش" يطلب رأيك في رأيه فتقول: "لأننا شعب منافق. تصور أننا جميعاً نسير حسب المثل القائل: لاقيني ولا تغديني. والملك يعرف كيف يلاقينا حتى لو لم يغدينا".

"تربية انجليز" يكرر الناس هنا دائماً. وفي أيلول كانوا، هنا، يقولون: "ابن كلوب باشا" والآن يتساءلون "ما الفرق بينه وبين عرفات؟ ما الفرق بينه وبين الحكام العرب الآخرين؟" وأحياناً يذهب بهم الأمر بعيداً: "يا أخي هو أحسن من غيره. يكفي أنه أعطانا جواز سفر واستقبلنا في بلاده."

تحتار في كلام الناس هذا. كأن البلاد بلاده وحده. كأنه لم يأخذ الضفة غصباً. "كان جده وبن غوريون وغولدمائير يعملون كل ما في وسعهم لعدم إقامة دوله فلسطينية "تقرأ هذا في كتاب أوروبي محايد.

"من أنت بالضبط؟" يسألونك هنا، فتتذكر أندريا في أوروبا.

التقيتما في المكتبة. نظرت اليها ونظرت اليك يوم التقيتما عند صديق فلسطيني،

وحين دعوتها إلى العشاء استجابت. أنفقتما معاً شهراً كاملاً. وكان سؤالها لك: "من أنت بالضبط؟" لقد احتارت أندريا في أمرك. كانت تقول كلاماً حيرك. قالت لك كلاماً مرعباً. وهناك اكتشفت أنك مستباح كلياً. ويوم ودعتها كررت سؤالها: "من أنت بالضبط؟" وأهدتك رواية أوي جونسسون "تخمينات حول يعقوب".

"يذهب الناس إلى أوروبا فيسرون، ويذهب الفلسطيني ويظل يتذكر أنه فلسطيني. "تصور يا أخي أن اليهود هنا لا يميزون عن غير اليهود." تقول لصديق. فيسألك أن كنت رأيت فيلم "سيف جدعون". تجيبه: "رأيته" وتضيف. "شيء مرعب ما يجري". تحدثه عن بربارة والمينورا. "رددت لها الزيارة فلفت نظري الشعار الإسرائيلي، وخفت من مواصلة العلاقة".

"من أنت بالضبط؟" سألتك أندريا. وهنا تصنف كل يوم على اتجاه." أن يصنف المرء على اتجاه ليس هذا مشكلة بحد ذاته. ولكن المشكلة تبدأ حين يصنف بالضبط". يقول لك صديق ويتابع: "عندها سيفقد كل علاقاته الانسانية. سوف يتحرك ضمن اطار الفصيل، وسيصبح له غير عدو. العدو الاسرائيلي والعدو الأردني والأعداء الفلسطينيون".

تصعد إلى غرفتك. تتناول كتابا ما. "الأفضل أن يتحول المرء إلى حشرة. الأفضل ألا يشاهد المرء التلفاز. الأفضل أن يتحول المرء إلى كائن بيولوجي". تنظر من النافذة فتجد المستوطنة وقد تحول ليلها إلى نهار. تكشف عن حجمها الحقيقي. ويواصل ليل الضفة الطويل امعانه في الظلمة. ويحتار الجميع في أمرك. "هل أنت مع عرفات؟ مع ياسر عبد ربه مع نايف حواتمه مع جورج حبش مع الملك حسين. هل أنت ألماني؟ هل أنت مستقل؟ هل أنت مع الحوار أم ضد الحوار؟" من أنت بالضبط. "هل أنت منشق؟ مع من أنت؟ مع أبو موسى. تؤيد أبو صالح".

ولماذا لا تكتب إلا ما هو أسود؟ ولا تقول إلا ما أسود". يسألك ظلك، ويضيف: "لقد غير العالم نظرته إلينا نحن الفلسطينين. حتى اليهود بدأوا يعترفون بأنه ينبغي أن يكون هناك حل مع الفلسطينين تحديدا. والتضحيات الجسام التي قدمها الفلسطينيون أينما كانوا. حرب أيلول. صمودهم في الحرب الأهلية. صمودهم الأسطوري في حرب 1982. بداية الانتفاضة. أطفال الأر بي جي. أطفال الحجارة. وتبدأ الصورة الايجابية تبرز. يتكرر المشهد. يظهر القادة من جديد. أبو اياد. ماجد أبو شرار. كمال ناصر. يوسف عدوان. باجس أبو عطوان. جيفار غزة. عمر القاسم. وآلاف الشهداء، وتلفت صورة ناجي العلي انتباهك فتتذكر عز الدين القلق ونعيم خضر والشهداء الذين اغتالهم الرصاص الفلسطيني. تصمت. تنحني إجلالا لهؤلاء كلهم. وتنظر، من جديد، إلى المستوطنة. تتساءل: "ولكن لماذا نخسر دائماً؟"

وقبل أن تذهب في ليل الضفة الطويل تتساءل: هل سيأتون الليلة لاعتقال شاب ما؟ وتسترجع صراخ المرأة قبل عشرة أيام. لقد جاؤوا ليلاً واعتقلوا ابنها الوحيد، وحين أخذت تصرخ مدفوعة بمشاعر الأم، جن جنون ابنها وصرخ في وجهها وقائلاً: "ليفعلوا ما يريدون. كفى! كفى! لقد ذكرك صراخها بمشهد من فيلم "أعداء، قصة حب ما" لليهودي اسحق سنجر.

تهمس: " لقد أصبحنا يهود النازيين الجدد".

وتذهب في الليل. تذهب في ليل فلسطين الطويل.



* عن:
ليل الضفة الطويل - ديوان العرب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى