عبد الجبار الحمدي - نادلة الحب.. قصة قصيرة

خرج بعد ان أستحم وهو يغني ... قولي أحبك كي تزيد وسامتي فبغير حبك لا أكون جميلا ... سعيد بما يردد شارف على العقد الخامس من عمره بعد ان يأس بإ يجاد الحب الذي ينشد، فرك شعره بشدة مزهوا به، وقف أمام المرآة وهو يتطلع إليه قائلا: يمكن ان يفي بالغرض، كما اني احب ان يظهر الشعر الابيض على جوانب رأسي، لقد عملت الاصباغ الحديثة على تورية ما اكل الدهر وشرب منه، ثم عاد يدندن بصوت وهو فرح بقوامه مادحا نفسه ... الآن قوليها ولا تترددي فبغير حبك لا أكون جميلا...

آه منك لقد قلبت حياتي رأسا على عقب، لم اتخيل يوما أني سأدخل تجربة اللهفة والعاطفة هاته مرة أخرى، ترى هل هناك من ينتقدني؟ لقد رأيت بعض من أصدقائي وقد لفت انتباههم حين شاهدوا التغيير الذي بدا علي وأنا اجلس معهم سارحا في ملكوت غير الذي اعتادوه عني، سألني خليل ... كريم ما الذي أصابك؟ لقد تغيرت فهذه المرة الثالثة التي القاك فيها مع شلتنا وانت لا تتحدث إلا مع نفسك فابتساماتك وشرودك في عدم مشاركتنا الحديث جعلت بقية الاصدقاء يشعرون بالملل... هل هناك شيء ما؟؟

كريم: لا.. أبدا إنما أنا... مغيرا الموضوع أنه العمل فأنت تعلم مشاكله....

خليل: أي عمل؟ إن شرودك وتلك المسحة التي تعلو محياك لم نشهدها من قبل، فالجميع هنا يعرفك جيدا لا يمكنك ان تخبيء شيئا عنهم...أليس كذلك؟ موجها حديثه الى عماد ورافد..

هز الاثنان رأسهما وقد علقا ..أجل فأنت لنا مكشوف كالكتاب..هههههههه

كريم الواقع أني أمر في تجربة جديدة لم أخضها من قبل، ترددت كثيرا، فكرت وأمعنت بالتفكير لكني وجدت أنه قد أن الآوان لأتخذ مثل هذه الخطوة رغم فارق السن الكبير بيني وبينها....

خليل : واخيرا..

عماد: مرحى لك..

رافد: يا لها من مفاجأة لقد عدمت الأمل فيك...هيا اخبرنا من تكون...؟؟؟

كريم : لا أستطيع فأنا لا زلت رغم نسبة القناعة قد وصلت لدي حدا كبيرا إلا أن هناك بعض من تردد..

عماد : هكذا انت دوما، تدع عقلك يسبق عواطفك حتى في الحب، مع العلم ان الحب جميل ورائع، برغم المنغصات لكن يبقى الحب صفة لا يمتلكها إلا الإنسان الجميل ...

كان ذلك قبل يومين من اتخاذ قراره بالارتباط بمن يحب... شرع يقلب ملابسه التي يريد ان يبدو فيها مثل أمير الاحلام... هذه لونها قاتم لا... هذه شديدة الزرقة...نعم هذه، فأنا احب اللون الرمادي تماما مثل لون شعري... رغم انه قد أقمت عليه الحد بتغييره.. لكن لابأس فأنا احبه كثيرا، بيد ان لاحب انصاف الألوان في قراراتي أما تكون بيضاء او سوداء فلا يوجد ألوان وسطية...

ثم جلس على كرسيه وعاد بشريط رأسه الى الوراء متذكراً ميرفت...حبه الأول تلك التي ما كان لوجوده معنى دونها، بل هي سبب وجوده ...تلك الفتاة التي أُبتليت بشيء اسمه كريم ... كريم الذي حاول ان يحطم كل المعوقات فقط للارتباط بها، راميا إذابة جبال الجليد التي كان والدها قد وضعها كونه لا يمتلك مقومات الرجل الناجح.. ذبح طفل حبه على اعتاب محراب النفوذ، حاربه بل حتى جعل حياته جحيما، أدخله السجن ليبعده عن حب عمره ميرفت، مع ذلك كانت تسرق من الزمن وقتا فتذهب لرؤيته في سجنه... حتى ذلك يوم جاء والدها وقال له: دعني اخبرك شيئا يا كريم، فبرغم حبها لك فلا يمكنك ابدا ان تتصور في يوم أنها ستكون لك، لقد أقسمت على ذلك لأسباب كثيرة، وكما ترى لا أريد ان أدمر حياتك أكثر، فبذلك ادمر حياة ابنتي الوحيد، لكني سأعرض عليك أمرا إن قبلت به سأخرجك من السجن، لكن بشرط ان تذهب بعيدا عنها فليكن اي دولة تختار سارسلك بما يكفيك للحياة بترف هل تسمعني؟؟

فكر كريم قليلا وقال: حسنا قبلت ...

أيام معدودة كان فيها كريم خارج السجن يبحث عن وسيلة للإتصال بميرفت... لكن لا جدوى، عَدِمَ الحيلة حاول الاقتراب من المنزل لكن لاحياة فيه!! اقترب من حارس البيت الكبير وهو يسأل أين ذهب ساكني هذا البيت؟؟

لقد سافروا بعيدا ولا أظن لهم عودة بعد ان أنهوا كل متعلقاتهم...

ترنح كريم وقد امسك بقضبان الباب الحديدي حتى يمنع سقوطه... ماذا قلت؟؟ سافروا منذ متى؟

الحارس: من ثلاثة أيام تقريبا..

كريم هامسا... ذاك يعني بعد يوم من زيارة والدها لي... جن جنونه ترك المكان ورجلاه تخط الأرض تساؤلا بعد تساؤل...عكف في غرفته شهورا يخرج فيها فقط ليقف امام منزلها...الذي فارقته الحياة.. في تلك الفترة تعرف الى خليل وبقية الاصدقاء هم الذين أخرجوه من عزلته التي احاط نفسه فيها بعد ان اكتشف ان والدها قد تنصت وشاهد مقابلتها مع كريم وإنه طامع في مالها ويمكنه ان يثبت لها ذلك، فكان ما عرض عليه من المال والسفر مقابل تركها... لكنه لم يفعل أي شيء من ذلك كان همه الخروج فقط

في ذلك الوقت أقسم أن يكون رجلا يحمل كل مقومات الانسان الناجح... هكذا سارت حياته عمل مجهد واصدقاء محنة، تحولوا الى رابط مقدس... حتى جاءت من كسرت قيده المحكم، تلك التي شرعت بنثر عبق حبها، أنوثتهاعلى شرفة حياته الموحشة.. فاستنشقه الى أن بات اوكسجين بقاءه حيا.. ترك تلك العقدة التي أظلمت سمائه دون مطر، بعد ان فقد الإحساس بالبرودة او الحرارة رجل يعيش بلا مشاعر...أما الآن هاهو يجلس وقد اخضوضرت واحته التي يقطنها بكل همسات مفرداتها التي تسامره مثل اليمامة البيضاء... تنثر اوراقها التي تكتب عشقا في شعره الأشيب وهي تقول له أنا أحبك يا من تسكن حجرات قلبي.. لقد أسرته بكل صفاتك...أتعبتني نعم أقولها صراحة... لكني احببت عنادك وصدك لي... كريم أنك فارسي الذي انتظر عشقا لتحملني بعيدا الى خلوة نعشقها معا....

لاشعوريا نظر الى الساعة... صاح يا إلهي لقد تأخرت!! لبس ثيابه وقد تأنق حتى لام ذاك الشاب الذي يناديه قلبه كأنها أول مرة .. أه يا قلب!! أتذكر كم بكيت حتى ظننت أني أغني..؟ هيا يا حبي الجديد يا من أنتِ بنصف عمري زائد خمس أخرى... هل الحب يكسر الفوارق؟ ثلاثون عاما هو الفرق بين عالمي وعالمها، أيمكن ان نجد جداول مشتركة....رد قلبه بسرعة نعم.. لاشك وإلا كيف خفقت لها!؟

دعني أقول لك يا قلب، إن لها مسحة شبه من صورة عمري كله، ربما هو ذاك ما شدني نحوها، اجابت نفسه...لا تثرثر هيا اذهب لملاقاة ذويها، كن جريئا بما يكفي، لا تجعل معوقات اجتماعية تهتك ستر رغبتك، فأنت لا ينقصك شيء، المال، الوجاهة، والمنصب المرموق كلها لديك... وأضف إليها الحب، فأدخل دون ان تتردد...

أجاب بصوت مسموع...نعم سأفعل ذهب مع اصدقاء دربه، مرافقين له في خطوته التي انتظروها، علق خليل: يا لك من رجل وسيم يا صديقي! يبدو ان الحب قد أرجعك قرنا...

قال عماد: لا بل قد عقدين من الزمن....

قال رافد: لا لقد عاد الى حيث هو يريد، فتلك كانت عالمه الذي لم ينله...وهذه هي العالم الذي سيدخله..

رغم امتعاض كريم من جملة رافد... وقبل ان يرد.. قال خليل: دعك منه فقد اعتاد ان يكون المنغص في مجموعتنا...لا عليك منه...

كانت في انتظاره سعيدة الى درجة أنها لا تقف ساكنة... كانت كالفراشة في كل لحظة تنظر الى نفسها في المرآة ، تذهب ناحية الشرفة، تعود الى تلك الورود... تسأل أمها هل هي جميلة؟

كانت والدتها تقول في كل مرة تسألها.. نعم وإنك أجمل فتاة في عالمي الموحش الذي دخلت عنوة... إنك الايام التي اعدها وهي تتساقط من ساعة عمري الرملية... فانت كل حياتي سأهبك فقط كونك ستنالين من تحبين، رن جرس الباب هرعت لتفتحه قبل مدبرة المنزل... اشرقت حتى تنهد جميع اصدقائه.. إنها كوكب من شروق شمس، عبير يثلج الصدر... عصر على كتفه خليل وهو يهمس في أذنه... إنها فعلا أميرة احلام... ادخلتهم صالون الضيوف مستأذنة لبرهة...

عماد: يبدو أنها من عائلة راقية، فالبذخ والترف يبدوان عليها، كريم... اقدم لك صادق التهاني الحارة من الآن، إنك رجل تستحق ان تكون مثل هذه الدنيا عالما لك...

رافد: اجل يا صديقي كريم... أنا أؤيد كلام عماد...

قبل ان يتحدث خليل .. دخلت مدبرة المنزل وهي تحمل كؤوسا من العصير مرحبة بهم...وهي تقول لحظة وستأتي سيدة المنزل..

خليل مستغربا مثل صدقيه!! ما أن خرجت... كريم حقا لم تخبرنا الكثير عنها أين والدها؟؟

كريم: أنه متوفى منذ ثلاث اعوام ..هكذا قالت لي وهي تعيش مع والدتها فقط ..

لم يكمل حديثه حتى دخلت سيدة المنزل ..قام الجميع لإستقبالها ... وما ان جلست حتى جلسوا إلا كريم فقد بقي واقفا تهتز كل فرائصه مسقطا كاس العصير من يده... وهو يقول: ميرفت أهذه انت؟؟؟؟

صعقت سيدة المنزل وهي تتفرس فيه صارخة... كريم مستحيل!؟ هل انت خطيب ابنتي؟؟ لا يمكن أن تكون انت؟؟

كانت تلك اللحظة باب آخر مظلم أدخل نفسه كريم بعد ان فتحت له نادلة الحب قلبا من عذاب.



القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى