زياد الحكيم – ما هي الحداثة الادبية؟

ليس من السهل ان نضع تعريفا محددا ودقيقا للحداثة لان الحداثة ليست مثل الحركات الادبية الاخرى وليس لها جماعة منظمة كالسيريالية مثلا. فما يميز الرواية الحداثية ان لها طبيعة تجريبية. وتتميز الرواية الحداثية بالافتقار الى نسق تاريخي في القص، وينتقل الكاتب من مستوى في القص الى مستوى اخر بكلمات عدد من الرواة المختلفين دون تنبيه. وتستعمل الرواية الحداثية ما يعرف باسم تيار الوعي الذي يركز على الجانب الواعي والجانب غير الواعي من الشخصية كما شرح ذلك سيغموند فرويد في كتاباته.

وتأثر الكتاب بما وقع في الحربين العالميتين من قتل وتدمير. وقد قتل في الحرب العالمية الاولى عدد من الشعراء الانكليز الكبار او جرحوا فيها. من ناحية اخرى كانت الرأسمالية تعيد تنظيم المجتمعات على كل مستوى من المستويات. واصبح العالم في نظر كثير من الكتاب والمؤلفين مكانا عبثيا تزداد عبثيته كل يوم. وفقدت الحياة جاذبيتها وعمقها في الجري وراء الحاجات الاساسية.

ويختلف الادب الحداثي عن ادب القرن التاسع عشر في كسر خط البداية والوسط والنهاية مما يخلف احساسا بالغموض يلف العمل الادبي كله ويجعله مفتوحا على كل الاحتمالات. وفي الشعر استغنى الشاعر عن القافية والشكل التقليدي للقصيدة ولجأ الى تفتيت الخبرة الشعرية والاستعانة بالصور والرموز المستقاة من عصور وثقافات مختلفة.

ونشأت فكرة الحداثة في الربع الاخير من القرن التاسع عشر في فرنسا وبدأت الاعمال الحداثية في بريطانيا والولايات المتحدة اعتبارا من العقد الاخير من القرن التاسع عشر وظلت الحركة الحداثية ذات نفوذ واسع حتى الحرب العالمية الثانية. ومن اهم اعلامها اوسكار وايلد وايرنست دوسون وارثر سيمونز ووليام بتلر ييتس وكلهم تأثروا باعمال الكتاب الفرنسيين من امثال بودلير ومالارميه الذين استعملوا اساليب ادبية اطلق عليها في ما بعد اسم الحداثة.

وفي الادب الامريكي كان هنري جيمس اول من انتهج طريقا جديدا في الادب في نهاية القرن التاسع عشر. وسار على الطريق نفسه بعد ذلك كتاب من امثال ستيفن كرين وجوزيف كونراد وفورد مادوكس فورد. وكانت اعمال هؤلاء الكتاب جميعا تجريبية في شكلها. واهتموا بأفكار كانت شائعة في بداية القرن العشرين من مثل الامبريالية والفوضى التي عمت حياة الناس في المدن والاحساس بالاضطهاد.

وقد يكون جيمس جويس ابرز الروائيين الحداثيين. يركز في روايته الشهيرة "يوليسيز" 1922 على احداث تقع في يوم واحد في حياة شخصين، ويوظف عددا من الرواة، ويوظف المناجاة الداخلية وتيار الوعي. ولم يتمكن كتاب كثيرون من الاقتداء به في اسلوبه الادبي ولكن تأثر به كتاب من امثال فلان اوبريان ومالكولم لوري. وتأثر دي اتش لورانس وفرجينيا وولف باكتشافات سيغموند فرويد في مجال العقل الباطن. ونجد في روايات فرجينيا وولف مثل (مسز دولاوي) و(السنوات) الكثير من التجريب في الاسلوب في حين ان لورانس يستعمل الشكل الروائي التقليدي تقريبا الا انه كان كثير الجرأة في اختيار موضوعاته.

واهم الشعراء الحداثيين الامريكيين تي اس اليوت وازرا باوند ومن الايرلنديين وليام بتلر ييتس. وقصيدة (ارض الخراب) لتي اس اليوت تعتبر المثال الاوفى للاسلوب الحداثي. ففي هذه القصيدة نجد خبرات انسانية مفتتة وصورا شعرية يتراكم بعضها فوق بعض. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين اصبح الحداثيون يطرقون الموضوعات السياسية بشكل صريح وخاصة بعد ظهور اليسار ومعارضته لصعود الفاشية في اوربة. ومن اهم كتاب هذه الفترة دبليو اتش اودن وستيفن سبندر وكريستوفر اشروود وسي داي لويس.

اذن الحداثة في جوهرها سواء في الشكل الادبي او في العمارة هي انقطاع عن الماضي ورفض للاشكال الفنية التقليدية وبحث عن اشكال جديدة وطرق تعبير جديدة. ونجد اوضح امثلة الحداثة في الاشكال المعمارية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وفي اسوأ حالاتها ابرزت الحداثة اشكالا جديدة لا تهدف الا الى التجديد. ومع ان معظم ما جاءت به الحداثة لا يصادف هوى في نفوس النقاد والعامة في الوقت الحاضر الا انها ليست كلها عديمة الفائدة. لقد اوجدت حركة الحداثة اشكالا فنية اقل ما يقال فيها انها كشف للجديد وما هو ممكن في هذا السبيل.

في الادب الحداثي يكتسب الفرد اهمية اكبر من اهمية المجتمع. واهتم الكتاب الحداثيون بالفرد وطريقة استجابته للتغيير الذي عم كل شيء حوله. وبشكل عام تناول الادب الحداثي الانسان الذي استطاع ان ينجو من تأثير هذا التغيير واستطاع التغلب على العقبات التي اوجدها التغيير. وصور الكتاب العالم والمجتمع بصفته تحديا امام شخصياتهم. وشخصيات ارنست همنغواي بشكل خاص قبلت ظروفها كما هي واستطاعت التغلب عليها.

وتخلص الكتاب الحداثيون من الاشكال القديمة والاساليب القديمة. وتخلى الشعراء عن القافية التقليدية وكتبوا قصائدهم في الشعر الحر المرسل. ومزج الروائيون الصور من الماضي باللغات الحديثة والافكار الحديثة واوجدوا صورا جديدة. واهتم الروائيون ايضا بتيار الوعي فاصبحت الرواية اشبه بسيل من الافكار والمشاعر.

واكتشف الحداثيون في الاشياء والناس والاماكن والاحداث معاني جديدة. وتخيلوا واقعا متعدد الطبقات. واصبحت القصيدة اشبه بلغز يحتاج فهمها الى جهد كبير. ولم تكن الرمزية مفهوما جديدا في الادب ولكن استعمال الحداثيين للرمز كان تجديدا من جانبهم. وتركوا الكثير لخيال القارىء، اكثر مما كان الكتاب يفعلون في السابق. واصبح العمل الادبي قابلا لعدة تفسيرات.


[email protected]
لندن - بريطانيا

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
79
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى