نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

جودت جالي - ثرثرة قصيرة في ليل طويل.. قصة قصيرة

نشر: جودت جالي · ‏14/4/19 ·
  1. أظنك ناقما علي ، وأظنك الساعة ، لما عهدته فيك من غباء ، تستعجل يوم فراقي وحري بك أن لا تستعجله لأنه سيكون ، إذا حل ، يوم ضياعك . مشكلتك هي أنك لا تستطيع العيش بعدي . من يطعمك أو يكسوك إذا مت أو حدث لي مكروه ؟ ما دمت أنا حيا معافى فأنت مطمئن البال ليلك ونهارك ، ضامن لكسوتك وطعامك . أنا وأنت وحدنا في هذا البيت المتداعي. ماتت أمك منذ زمن بعيد وتركتك لي . لم تكبر بعدها أبدا وإن إزددت طولا وجسامة .. أجل، أصبحت أطول مني بشبر كما كانت أمك بالضبط ، وسمينا وأبلها مثلها … رحمها الله . قل لي .. أية لعنة حلت عليك في غيابي ؟ ألم تكن شاطرا في الإبتدائية وكنت الأول في صفك دائما ؟ ما الذي حدث لك وخرب عقلك في السنوات التي تركتك فيها عند أخوالك ؟ ما أن عدت من الأسر وذهبت لإستعادتك منهم حتى وجدتك على ما أنت عليه . لم أدخر وسعا لشفائك . قالوا تلبسك جني فقصدت بك الدراويش مرارا . أنت طبعا لا تشعر بما كنت أحس به من مرارة عندما كنا نذهب اليهم ونقضي الساعات الطوال عندهم . لم أكن آسفا على الأموال التي أنفقها في تلك السفرات البعيدة المرهقة ولكنني في آخر مرة حين عمد ذلك الدرويش الى جمع يديك بسيخ يخترقهما لكي لا تحركهما ورجليك بسيخ آخر لكي لا ترفس شاهدت رعب عينيك وإصفرار وجهك المغطى بالعرق وإرتعاش جسمك كالسعفة ، شق علي أن أراك هكذا دون طائل ولم أعرضك بعدها الى هذا العذاب . أما الأطباء فإن مراجعتهم دوختني. أجل …أنت بليد ولا شك ، لكنك إزددت في الأيام الأخيرة على البلادة عقوقا . لديك من النباهة فقط ما يكفيك لتناول الطعام والذهاب الى المرحاض والتطاول علي … تأكل من خير يدي وتحاول أن تضربني لأني وبختك على إبقاء التلفزيون مفتوحا طوال الوقت على قناة الأغاني الخليعة السخيفة تلك ، يا حبذا أيام مائدة نزهت وزهور حسين ، ولكن قل لي في أية حال نحن وأنت ﺘــ… ألم أقل لك لا تنم على بطنك ؟ إعتدل ! أجل هكذا .. ولد طيب . إبتسم يا فتى … إبتسم ! أنت ترى … أنا أمتدحك . لا أبخل عليك بمديحي حين تحسن التصرف ولكني مستعد لعقابك بشدة حين تسيئه كما فعلت أول أمس إذ أدبتك بعكازي القوي الذي ورثته عن جدك . ماذا دار في خلدك السقيم؟ قلت في نفسك هذا رجل قارب الستين ، جريح حرب لا يقوى على صرعي وسأقضي أيامي آكل من طعامه وأصفعه … لا .. لا ! إياك وسوء الخلق ! أنا قوي.. لا زلت قويا . عم تبحث ؟ عن السجائر ؟ لقد أعطيتك علبة اليوم عصرا . أترى ؟ أنت لا تقوى على الحصول على شيء… لولاي . أين وجدت العلبة ؟ تحتك ؟ لقد سحقتها بجسمك الشبيه بجسم الفيل . لا شأن لي .. لن أعطيك ولا سيجارة … ولا تتعب نفسك بمحاولة إختلاس علبة أخرى فالبضاعة في حرز حريز داخل الدولاب . تدبر أمرك بما عندك ! تركتك بضعة أيام تبيع السجائر معي لعل دماغك يتحرك فلم تتعلم سوى التدخين حتى كدت تمحق رأسمال البسطة التي نضعها عند باب البيت نبيع منها للعابرين ولأهل الزقاق البخلاء الذين لا يشترون منا إلا سجائر مفردة ويشترون من السوق علبا . أنا أفكر بك كثيرا وأنت لا تفكر إلا .. ربما لا تفكر أصلا . عندما ذهبت لزيارة بعض أقربائنا في العيد بقي بالي مشغولا بك خصوصا حين نظرت الى الحاجز الكونكريتي في الساحة التي يتفرع منها الشارع الموصل الى مرآب السيارات . كانت قطعة واحدة لا تسد سوى نصف الشارع ووضعوا في النصف الثاني صفائح مليئة بالحجارة وقطع الطابوق . كنت قد تعبت من السير عند عودتي ففكرت وأنا جالس أمام مقهى صغير أحتسي الشاي أن أي سائق سيارة مفخخة مغفل يمكنه أن يقودها بسرعة ويصدم الصفائح ويزيحها آخذا معه الجنود الواقفين عندها الى حتوفهم. قدرت من المسافة بيني وبين الحاجز أنه … لا سمح الله .. لو أن سيارة إنفجرت عند الحاجز فلن يبقى منا نحن الموجودين حول المكان ما يستدل به على أن بشرا كانوا هناك ، ولن يكون حال السائرين في ذلك الشارع المزدحم أفضل . قلت في نفسي .. غفرانك يا رب .. لو هاجمنا أحد حملة الأحزمة الناسفة فلن أستطيع النجاة وأنا بعرجي هذا. فكرت بك يا أحمق . فكرت بمصيرك إذا لم أعد اليك . ستظل أياما تنتظرني الى أن تتعفن وتموت خوفا . عدلت عن السير في الشارع وسلكت طريقا طويلا متعرجا عبر الأزقة يوصلني الى المرآب الذي ركبت منه الى هنا . الحياة في الخارج أصبحت خطرة … خطرة جدا يا ولد . أنت تفهم هذا على الأقل فأنت لو خرجت الآن لتجلس بباب الدار لا تلبث أن تعود مسرعا ، تعود الى جواري .. جوار أبيك، وهو دأبك منذ زمن بعيد ، من قبل زمن القصف والعبوات الناسفة والهمرات المتجولة التي تخيفك كثيرا . الحمد لله أننا لسنا بحاجة الى الذهاب بعيدا لكسب الرزق ، لدينا الراتب التقاعدي وبسطتنا المباركة وإلا ماذا كنا سنفعل ؟ أنا أعرج وأنت .. الحق أقول لك .. أنا أيضا مثلك لا أحب الإبتعاد عن البيت . حتى عندما أذهب لقضاء بعض الوقت في مقهى السوق لا أشعر بالراحة فأصحابي صاروا مملين . في آخر مرة كوّم جاسم أدويته التي لا يستطيع فراقها أمامنا على المنضدة ، شرائط حبوب وقنينة بلاستيكية صغيرة لا أدري ما تحوي وتلك الأداة المقرفة البغيضة التي يبخ منها في حلقه بين الحين والآخر . ضجرت من ثرثرة موفق … يا الله كم يحب اللغو ! وإلحاح خالد علينا بلعب الدومينو ، وسعال وبصاق عبو ، لقد وبخه صاحب المقهى توبيخا منكرا . بيني وبينك .. المقهى نفسه لم يعد كما كان ، إحتلت الشرطة بناية قريبة منه جعلتها مركزا ، والمقهى يغص بهم طوال الوقت ، أكثرهم شبان الله يحفظهم. إن الإنتحاريين مغرمون هذه الأيام بإستهداف المقاهي التي تلوح فيها قمصان زرقاء . سمعت أن واحدا منهم دخل مقهى وهو يحمل علاوة على الحزام المشؤوم قنينة غاز ولك أن تتصور ما حدث ..ألطف بنا يا لطيف !! ما الذي أصابنا يا ربي ؟! إيه …. إرفع بطانيتك عن الأرض ! هل تريد النوم ؟ معك حق .. التيار الكهربائي مقطوع والوقت منتصف الليل تقريبا والجو بارد . أنا أيضا سأنام . إحذر أن تعبث وأنا نائم بالفانوس تريد إشعال سيجارتك منه أو ما شابه فتحرقنا ، أنا أعرفك ..أعوج لا تفعل شيئا كما يجب وربما تركت الفانوس في مكان غير مناسب. خذ ولاعتي هذه ! ضعها عند رأسك الخسيس … سأنام .. وأنت لا تنم على بطنك .. النوم هكذا يسبب لك أشياء سيئة في الليل . إذا نمت هكذا ضربتك بالعكاز !



    2007
    أذيعت من إذاعة البي بي سي ونشرت في مجلة العربي الكويتية. وهي منشورة ضمن مجموعة (فك الحزن) 2017 للكاتب
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..