نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

محمد الصالح الغريسي - سلّاك الواحلين.. قصة قصيرة

  1. اسمه فتحي و لقبه أبو السّرور.. اسم عل مسمّى، حقيقة..كلّ الّذين يعرفونه يشهدون له بخفّة الظلّ، و بتلك الابتسامة الّتي لا تفارق محيّاه. و لكنّه اليوم، على غير عادته، يبدو مهموما كئيبا، كما لو أنّ أمرا جللا حلّ به، و هو المعروف ببشاشته، و طيبته، و دماثة خلقه، و مقابلته للحياة بقلب متفائل لا يعرف الاستسلام.

    هذه المرّة هو فعلا في ورطة لا يحسد عليها. لقد بلغ الخلاف الّذي بينه و بين صاحب البيت الّذي يسكنه على وجه الإيجار مبلغا عظيما، استنزف كلّ طاقته و وقته و ماله، بين المحاكم و المحامين و العدول المنفّذين.و ها هو اليوم قد صدر ضدّه حكم من المحكمة يقضي بإخلائه المحلّ في ظرف لا يتعدّى ثلاثة أشهر.

    الرّجل، كما أعرفه عن قرب لم يكن مقصّرا. كان يدفع إيجاره في موعده، فضلا عن حسن عنايته بالمحلّ و صيانته له كلّما اقتضى الأمر، كما لو كان ملكا له. و لكنّ صاحب البيت كان رجلا جشعا، كثير الابتزاز، لا يخلو جرابه من الحيل لإجبار المتسوّغين على الزّيادة في ثمن الإيجار، أو مغادرة المحل، كي يؤجره بثمن أعلى لمن يدفع أكثر. و هو مالك لثلاث شقق و بضعة دكاكين تجاريّة. لا شغل له إلاّ افتعال الخلافات مع المؤجّرين، و التّقاضي ضدّهم لدى المحاكم، و ابتزازهم بالتّرفيع في ثمن الإيجار.

    لقد مضت سنوات طويلة على فتحي منذ أن أودع لدى أحد البنوك و إحدى الشّركات العقاريّة، ملفّا لشراء شقّة تكفيه شرّ معاناة الصّراع مع المالكين. و كان في كلّ مرّة، يواجه تعقيدا جديدا مع هذا الطّرف أو ذاك؛ حتّى غادرت الابتسامة وجهه، و سكنت في صدره الهموم.

    نصحه أحدهم :" إذا كنت تريد حلاّ جذريّا لمشكلتك، عليك بــ"سلّاك الواحلين" ".

    و ها هو يجلس في المقهى مع أحد معارفه، "معين خديم الله"، ليعرّفه بهذا الرّجل الّذي يملك الحلول السّحريّة لكلّ المشاكل، مهما كانت عصيّة على صاحبها. و "معين خديم الله" هو الآخر، على ما يبدو اسما على مسمّى، مادام يعمل بمقولة الدّال على الخير كفاعله. فهو لا يأخذ منك مقابلا على ما يقدّمه لك من خدمة، و إنّما يفعل ذلك لله .. في سبيل الله.

    - لا تحمل همّا .. اليوم بإذن الله، سنجد حلّا لمشكلتك، و تعود الابتسامة إلى وجهك و يزول همّك.

    هكذا قال "معين" لفتحي، ثمّ أشار إلى النّادل أن يحضر له قهوته المعتادة. و استرسل في الحديث بوجه مبتسم :

    - أنت اليوم ضيفي .. أنا من سأدفع ثمن الطّلبات، فلا تحرجني أمام الرّجل..

    - من هو "سلاّك الواحلين" هذا، أعرف أنّ اسمه هذا هو اسم شهرة، أقصد ما هو اسمه الحقيقيّ؟

    - أرجوك لا تسأل كثيرا، المهمّ أنّه رجل محترم و يعرفه الجميع، و فوق ذلك، فهو رجل خدوم.. ألا تثق بي؟

    - بلى .. و لكن ما المقابل ؟

    - أتذكر يوما أنّني أخذت منك مقابلا عن خدمة قدّمتها لك؟

    - طبعا لا ..

    - إذن.. كفى حديثا، ها هو صاحبنا قد أتى.

    التفت "فتحي" إلى حيث اتجه نظر "معين". رأى رجلا أربعينيّا وسيما أنيقا، ينزل من سيّارة فخمة، يتّجه نحو الطّاولة حيث يجلسان، بينما كانت تنهال عليه التّحايا من عدد لا بأس به من رواد المقهى : مساء الخير أستاذ.. تحيّاتي أستاذ.. كيف حالك أستاذ؟.. لم نرك منذ مدّة يا أستاذ..

    و ما أن رآه النّادل حتّى أتاه مرحّبا، و سحب له الكرسيّ ليجلس و هو يقول: شرّفتنا أستاذ .. قهوتك كالعادة، تريد فيها قليلا من ماء الزّهر و معها زجاجة ماء معدني .. حاضر .. أنت تأمر.

    جلس صاحبنا " سلّاك الواحلين" بعد أن مسح الكرسيّ بمنديل من الورق الصحّي، و تبادل عبارات المجاملة و التّرحيب مع صديقه "معين"، الّذي قدّم له "فتحي " و أطنب في الثّناء عليه و امتداح طيبته و سموّ أخلاقه، ثمّ أسهب في شرح مشكلته مع صاحب البيت و مع البنك و الشّركة العقاريّة.

    - هذه كلّ الحكاية أستاذ، أريدك أن تطمئنني على صديقنا "فتحي" و تساعده.. أعرف أنّ لديك كثيرا من العلاقات الهامّة .

    - لا تحمل همّا هذه مسألة بسيطة، أحتاج بعض المعطيات و الوثائق من أخينا "فتحي" و بعض الوقت للاتّصال ببعض الإخوة، و بإذن الله سيحصل صديقك على القرض و البيت معا في أقلّ من ثلاثة أشهر.

    بحكم قربي من فتحي، و معرفتي لظروفه القاسية، و بحكم سنوات الطّفولة الّتي قضّيناها معا، أبى "فتحي" إلاّ أن يعلمني بما حدث. حينها أدركت أنّـه وقع بين مخالب ذئاب لا ترحم.

    لقد قرأت في ملامح وجهه تعبيرا غامضا، مزيجا من شك طفيف، و رغبة جامحة في التّخلّص ممّا هو فيه من معاناة، و عرفت أنّ قدرته على المقاومة قد أمست ضعيفة، و أنّ قشة واحة كفيلة بأن تقسم ظهره.

    فقلت له : فتّح أذنيك و قلبك أخي "فتحي" .. فتح الله عليك، و اسمع جيّدا ما سأقوله لك. أتعرف من هو " معين خديم الله"؟!. هو معين " المسمّى بسلّاك الواحلين" أي مساعده في المتاجرة بخلق الله من الغارقين المتمسّكين بقشّة مثلك تماما، و ابتزاز أموالهم، و هو ليس " خديم الله" كما يفهم من لقبه، فالله غنى عنه و عن خدماته، بل هو خادم إبليس الّذي وعدك بالجنّة. و ما "سلّاك الواحلين" إلاّرجل متحيّل ظريف.فليس هو بالمسيح المخلّص و لا هو بالمهدي المنتظر و لا هو واحد من أولياء الله الصّالحين، و لا هو برجل أعمال و لا يملك أيّ وجه من الوجاهة، و لا يملك شهادة علمية أكثر من الإعداديّة، و هو مرتبط بشبكة من المرتشين في مختلف المؤسّسات الّتي يتعامل مع بعض موظّفيها.

    لم يكذب عليك في شيء واحد هو حصولك على القرض و على المسكن، لكن بعد وقت طويل و ابتزاز لا يرحم. كان سيزجّ بك في متاهة يعلم الله إن كنت ستخرج منها سالما. أقول لك كيف.. أوّلا هو واحد ممّن تتابعهم شرطة مكافحة الفساد، ثانيا .. كان سيضعك بين خيارين أحلاهما مرّ، إمّا أن تدفع مقدارا هامّا من المال كــ" هدايا "أي رشاوى بعضها له و بعضها الآخر لمن سيحقّقون لك حلمك؛ أو أن يتركك و شأنك. و ربّما لاحقك ليشوّه سمعتك مع مالكي البيوت، و صار لك حجر عثرة حيث ذهبت.. ففز بنفسك صديقي .. و أوكل أمرك إلى الله. و على كلّ، لا تحمل همّ السّكن، فأنا أعرف صاحب بيت شاغر قد ضجّ من المتسوّغين المخرّبين و غير الأمينين، سوف أضمنك عنده. و بعد أن نحل مشكلة تأجير المسكن، يحلّها ألف حلّال كما يقولون، و اتّكل على الله فهو حده " سلاّك الواحلين" و مغيث الملهوفين.


    10/04/2019

    محمد الصالح الغريسي


    [1] - سلاّك الواحلين: عبارة من العامية التّونسيّة، بمعنى المخلّص من الضّيق.

    عن الكاتب

    كاتب من تونس
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..