أدب المناجم عبد العالي أواب - رائحة الخبز.. يوميات (6/1 )

بداية, ليس بالأمر الهين أن يرمي حداد ما المطرقة من قبضة يده و يمسك القلم بين أصابعه المفحمة بلون الصدأ الحديدي ويعتنق ملكة الكتابة. كما ليس هيّنا عليه كذلك أن يمسح عن طبلتي أذنيه صياح القزدير , و يخلد إلى ركن هادئ و دافئ بعيدا عن صخب و ضجيج المصنع ونفاياته ليكتب يومياته مرتبة ومرقمة كما يجب..

لكنها الضرورة, ضرورة البوح بما في الصدر من حَرّ قبل أن ينفجر !؟

لكن هل أستطيع ــ أنا العامل ( البوجادي) البسيط ــ أن أحدث ثورة على الورق الذي ينتظرني كلما عدت في المساء منهكا إلى بيتي المغارة لأتقيأ على بياضه سواد قلبي؟؟ فيا ليته يسعفني !

- هل أستطيع أن أحيك كل خيوط حكاياتي من ألفها إلى يائها بدقة الروائي الماهر؟
- ثم هل أستطيع بدرايتي البسيطة لقوالب الكتابة وفنونها العنيدة أن أرسم كل المحنات وكل المرارات التي مرت لا بردا ولا سلاما على هذا الرأس ؟ - أعني رأسي- أم أكتري كاتبا أريه كل أحزاني وكل همومي وأكشف له عن كل حكاياتي من بأسها إلى فأسها؟...

كل هذه التساؤلات وغيرها راودت بالي, لكن أخيرا عملت بنصيحة أبي التي ما فارقتني طول حياتي.. أذكر أنه كان حكيما حين قال لي باللسان المغربي : (اللّي ما يَغسلْ كساتُو أو ما يكتبْ بْراتُو ولا ..ولا.. يتعزى في حْياتو..) يعني كل إنسان وجب عليه قضاء حوائجه بيده وإلا فليتقبل التعازي في حياته قبل مماته وذلك خير له من عيشة ضنكة..

وهذه أيامي التي تداولتها مع الأخيار والأشرار داخل أسوار ما يسمى بالشركة المنجمية الشريفة.. باسم الضرورة أكتبها.

25 خمسة وعشرون عاما و ما يزيد، ثمانية ألاف يوم عمل مضت عليَ بأيامها ولياليها ، بلهيبها و صقيعها بين المطرقة و السندان صابرا على اللقمة المرة و الساخنة وذلك من أجل إطعام مجموعة من الأفواه المفتوحة الجائعة التي تنتظرني كل يوم حتى أعود ومعي كسرة خبز زقومية المذاق, تلك التي كنت أحلّلُها وأحلّّيها بصبري الحديدي ونيتي الخالصة في خدمة الشركة والوطن بكل إخلاص وتفان في العمل.

واجهت طيلة هذه السنوات كل أنواع الآفات , كل المصاعب والمتاعب, كل الشدائد وكل ألوان وأشكال القمع من طرف شرذمة من منعدمي الضمير من الأطر الخارجين عن الإطار القانوني و المسؤولين ( الشافات) البغاة الذين لايعرفون لا الله ولا رسوله ولا حتى الوالدين ! فأغلب (الشافات) كانوا يقولون لنا نحن العمال بسفه العبارة أنهم لا آباء لهم .. ويردفون القول : (خْدَمْ أو قََوَدْ) و كلاما آخر أعور، أشد قبحا و وقاحة من هذا وذاك يندى له الجبين خجلا وحياء...

فخطابهم لنا دائما كان صريحا و واضحا في همجيته، لكن بالنسبة لي، أرى أن الفعْـليْن أحلاهما مُُرُ، فالخدمة ليست خدمة رحمة و شفقة تتطلب الجهد العادي للإنسان بل جهد عفريت أو سبعة خيول , أو ما يعادلهما
!!
أمّا القيادة فليست قيادة شريفة وعفيفة بل تلك هي المذلة بعينيها, إما أن تقود الوشاية إلى طريقها الصحيح والسريع نحو (الشاف) أو تقود النقود والهدايا الثمينة إلى عقر داره مرفقة برقم تأجيرك وخصوصا إذا تعلق الأمر برشوة المواشي والدواجن (ضروري رقم التأجير بحيث يكتب على ظرف و يربط بخيط أسفل رجل الخروف أو الديك الهندي) إنه حديث شائع بين شريحة واسعة من العمال, وذلك حسب رواية صحيحة وموثوق منها رواها كثير من زملائنا الخونة الذين كانوا يفضحون بعضهم البعض سواء عن قصد أو عن غير قصد..

أما الأطر( الشافات) فقد كانوا جلهم حُكاما ظُلاما بكل المقاييس , إلا من رحم ربي.. وهذه سيرة كل الكُبَيرين فهم يحسبون أنفسهم أناسا كبارا يُحسبُ لهم ألفُ حساب و يحسبوننا نحن الصغار رعاة أبقار أو أدنى من ذلك إلى درجة أنهم كانوا لا ينادوننا بأسمائنا الحقيقية ، فكلما احتاجوا منا أحدا، لخدمة ما، كانوا ينادونه :

(آآ الحلوووف! أو آآ البغل!)

قبل هذا الهوان , فلا بأس, قد يقبلوه و يقربونه إلى قلوبهم كخادم وليس كعامل نشيط ذو شرف و كرامة..وذلك حسب طقوس هواهم و مزاجاتهم الوسخة..

أما إذا لم يقبل هذا الذل و الهوان ,فلا أرض تتسع لقدميه و لا حتى لنفسه الضيقة ..إنه زمن الزبونية و المحسوبية والسباق إلى التموقع ولو على حساب الشرف الرفيع !

أما إذا لم تقبل الخضوع لمثل هذه الطقوس فما عليك إلا أن تقلب قفاك إلى الخلف و تقود جثتك المنهكة خارج أسوار الشركة....

فما عليك إلا أن تختار ما بين العار و النار, إما الخضوع أو الجوع..

بالنسبة لي أنا الشاب الفتي المسلح بقوة الإيمان و الصبر، فقد كنت دائما أختار أن أكون أثناء مزاولة عملي الشاق والمضني، عفريتا بإذن الله كي أسْـلَمَ من الكفرة أعداء الله !


ــــ عبد العالي أواب ـــــــــــــــ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى