ابتسام البقمي - القرار الأخير.. قصة قصيرة

عاد مناحي منهكاً يمشي بتثاقل إلى منزله؛ فتح بابه سار باتجاه غرفة النوم بخطى متقاربة يكاد يسقط؛ دخل الغرفة رمى بنفسه على السرير، كأنه يسقط في قعر بئر،
يشعر بالدوار والإرهاق والتعب؛ غط في سبات عميق؛ كأنه لم ينم منذ سنوات، لم
يوقظه من نومه إلا صوت أذان الفجر؛ فتح عينه نظر بجانبه لم يجد عالية بجانبه؛ تذكر ما حدث ليلة البارحة بينه وبينها، لا إله إلا الله قام من نومه وتوضأ لصلاة الفجر، وذهب ليصلي الفجر جماعة في مسجد الحي، ردد أذكار الصباح بعد الصلاة، أصبحنا و أصبح الملك لله، اللهم أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، اللهم أسألك خير هذا اليوم وخير ما قبله وخير ما بعده، و أعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما قبله، وشر ما بعده، وردد الدعاء المأثور" اللهم أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك"؛ ثم صلى صلاة الاستخارة؛ ليستخير الله في القرار الذي ينوي اتخاذه بشأن زوجته عالية؛ شعر بالطمأنينة لاتخاذ هذا القرار، لكنه لن يتعجل الأمر، وسيصلي الاستخارة ثلاثة أيام؛ فليس قراراً سهلاً ولا عادياً، خرج من المسجد مطمئن القلب بذكر الله والصلاة، ذهب إلى المطعم الشعبي ليشتري فطورا؛ فهو جائع جدا لم يأكل من يوم أمس، بل يظن له أنه لم يأكل من فترة طويلة، اشترى الفطور؛ احتار هل يأكل في المطعم أو يذهب للبيت، أنه يشعر بالتعب والإجهاد؛ ولا يستطيع تحمل الصخب والإزعاج من الزبائن؛ فذهب إلى بيته فتح الباب شعر بهدوء تام في البيت، لم يستقبله أبنائه الثلاثة لجين وتالا وفراس كعادتهم؛ شعر بالحزن لفراقهم ودمعت عيناه، وضع فطوره في الصالة، وذهب إلى غرفة أبنائه، أنها هادئة وفارغة، إلا من ذكريات أغلى الناس؛ آآه يا أبنائي ترا ما حالكم الآن؛ هل أنتم نائمون أم مستيقظون ؟!، هل تناولتم فطوركم أم لا ؟، هل تجهزت لجين للذهاب للمدرسة، فهي تدرس في الصف الأول الإبتدائي، وتالا تدرس في الروضة تمهيدي كذلك؟، كانتا كل يوم تستعدان فيه للذهاب للمدرسة والروضة، يستيقظ فيه فراس وهو في الثانية من عمره، ويبكي يريد أن يذهب معهما؛ فأخذه معي في السيارة أذهب به للبقالة ونعود؛ حتى تذهبان وتذهب والدتهما للجامعة مع السائق؛ فهي أستاذ مساعد في الجامعة تخصص أدب إنجليزي، أما أنا فجندي في المرور، استلم يوما وأسلم يوما؛ بون شاسع بيني وبين عالية؛ فأنا لم أكمل تعليمي؛ حصلت على الثانوية العامة، ولم أكمل تعليمي الجامعي.
أردت أن أخرج من قريتنا وأعمل بأي وظيفة؛ لأساعد عائلتي في تكاليف المعيشة، والدي قروي لديه بعض الغنم ولم تكن في قريتنا مدرسة ثانوية، لكني بعد أن توظفت أكملت في المدينة دراستي الثانوية، كما توظف باقي إخواني في السلك العسكري كذلك، وتحسنت ظروفنا المادية وسكنا المدينة، وصممت أن تكمل أختي الوحيدة ساره تعليمها الجامعي؛ فهي متفوقة دراسيا، كنت أتمنى لو أكملت تعليمي؛ لكن لم تسمح الظروف؛ لذلك رغبت في الارتباط بإنسانه متعلمة ومثقفة؛ وطلبت من سارة أن تبحث لي عن الزوجة المطلوبة في جامعتها؛ فأشارت علي بعالية، وهي تحمل شهادة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي؛ أعجبتني الفكرة جدا؛ ولكن استبعدت أن توافق على الارتباط بي؛ فهناك فرق فكري وثقافي كبير جدا بيننا؛ لكن قالت ساره نجرب يمكن يوافقوا هي كبيرة ولم تتزوج بعد، وقد بلغت الخامسة والثلاثين من عمرها، كنت أنا وقتها في الثلاثين من عمري؛ ذهب والدي و والدتي وخطبوها لي؛ وبعد ثلاثة أيام جاءنا الرد بالموافقة؛ كدت أطير فرحاً وسعادة؛ أنا أنا أخيرا أتزوج وزوجة بهذا المستوى العلمي، قالت أختي ساره ضاحكة: أمك داعية لك ليلة القدر يا مناحي، بعد الخطوبة طلبت عالية أن نقضي فترة تعارف قبل الزواج؛ فنحن لا نعرف شيئا عن بعضنا؛ هي من بيئة و أنا من بيئة مختلفة جدا؛ رفض والدي وقال أطلب ملكة، وبعدها بيومين الزواج؛ ما عندنا في عاداتنا وتقاليدنا فترة تعارف.
آآه وليتني فعلت ما قالته عالية؛ ربما تراجعت عن قرار الزواج بها الذي لم أظنه إلا خيرا منذ ليلة الزواج؛ شعرت بتعالي عالية وغرورها؛ في الزفة كانت تتحكم في أفعل كذا ولا تفعل؛ زميلاتي ومعارفي ينظرون؛ إلي أن طلبت مني الرقص معها في الزفة؛ فتفاجأت بنت بكر ترقص ليلة زفافها؛ ليس هذا ما تعودت عليه في بيئتي؛ الأنثى البكر أكثر حياء وخجلا؛ رفضت وتركتها ترقص؛ غضبت مني ليلة زفافنا؛ وانقلبت ليلة الدخلة نكد في نكد، حينما وصلنا البيت، حاولت الاقتراب منها و المباركة لها؛ قالت بغضب أقدر أعرف لماذا ما رقصت معي؟، وتركتني أرقص لوحدي؟؛ صحيح تخلف وجهل!!؛ غضبت لكني كتمت غضبي، وحاولت مجاملتها فهي ليلة زفافها وفرحها؛ لكنها أعطتني ظهرها، ونامت في غرفت الجلوس؛ لأبقى في غرفة نومي حتى الصباح وحيدا؛ تساءلت ليلتها بيني وبين نفسي؛ هل أخطأت الاختيا؟، هل هذه المتعلمة المثقفة التي أبحث عنه؟، يبدو أنها تختلف عني كثيرا في التربية والثقافة وكل شيء.
آآه هذه البداية التي بدأت معها تتكشف الحقائق؛ استمرت عالية تعاملي بتعالي، ودائما تتهمني بالتخلف والجهل، لكني تحملت أملا في أن تتغير، ويؤثر فيها العلم إيجابا؛ حتى جاء الأولاد وصعب معه وضعنا كثيرا؛ كانت دائما تنشغل بالبحث العلمي، وحضور المؤتمرات والندوات، وكان لها مجتمعها الخاص بها؛ كنت أغار كثيرا من بعض من هم في هذا الوسط؛ خاصة من الرجال، وتزيد غيرتي وغيضي حينما تقول: أنت لا تفهمني أتكلم في واد وأنت في واد؛ كان يجب أن أتزوج من رجل في مستواي، وليس جندي مرور؛ أف يا عالية ومن أرغمك على الموافقة، و أنا كذلك كان ينبغي أن أخذ من مجتمعي، من أعرفها وتعرفني، وتحترمني وتقدرني، وتحترم الحياة الزوجية، وتحافظ على بيتها من الهدم؛ آآه تحملتك كثيرا يا عالية من أجل أبنائي، ولكن كفى لم أعد استطيع الصبر، احتدم النقاش بيننا ليلة البارحة في نفس مشكلتنا؛ التي عانينا منها منذ سبع سنوات، وقالت لي: إذا كنت رجلا فطلقني، لست أنت الرجل الكفء لي؛ صفعتها على وجهها وقلت: رجل رغما عنك؛ آآآه بكت وصرخت؛ وما ألمني بكاء أبنائي؛ ما ذنبهم يرون هذا يحدث أمامهم.
ذهبت بها إلى بيت أهلها ومعها أبنائها؛ قد يكونوا في حاجتها أكثر مني، آآآه يا مناحي هل أنت سعيد أم شقي؟، مرتاح أم متعب؟ ؛لا أدري ولكني مللت وتعبت من معاملة عالية وغرورها واستحقارها لي، أشعر بالراحة والحرية والثقة بالنفس أكثر......
لكن أبنائي ما ذنبهم يصطلوا بنار الطلاق، ويفارقوني أو يفارقوا أمهم، ويتجرعوا مرارة الحرمان؛ أأخ هذه ضريبة الطلاق؛ ولكن لهم الله؛ فلم أعد أحتمل فللصبر حدود...
انتظرت ثلاث أيام أستخير الله، قبل اتخاذ القرار الأخير والخطير؛ اتصلت بعالية، قالت: نعم ماذا تريد؟؛ أعطني حريتي، وأطلق يديَّ...
قلت: هي لك يا عالية أنت طالق بالثلاثة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى