زياد الحكيم - الشعور بالتفاهة وأشكال من الادمان

يعيش الكثيرون حياتهم كلها دون ان يتمكنوا من التعرف الى السبب الحقيقي لاحساسهم بالتفاهة وقلة الشأن. وهم لا يعرفون كيف يشفون انفسهم من جراح الماضي الاليم. ولا يعرفون كيف يعيدون النظر في الظروف التي اورثتهم الاحساس بالتفاهة وقلة الشأن. لذلك يلجأ الكثيرون الى البحث عن اساليب جديدة تساعدهم في تجنب احساس موجع بضآلتهم في نظر انفسهم. وبدل ان يبحثوا عن طرق فعالة لاسكات ذلك الصوت الداخلي الذي يذكرهم بمآسي الماضي، نجدهم يبحثون عما يصرف انتباههم عن الصورة المشوهة لانفسهم في نظر انفسهم. انهم يبحثون عن اساليب تساعدهم في محاولة نسيان الماضي. فيركزون على العمل او الطعام او الرياضة او الجنس او التسوق تركيزا مبالغا فيه. وكما هو الحال دائما يساعد الادمان على النسيان ولكنه لا يساعد على ايجاد حلول حقيقية للمشكلة الاساس. وتبقى المشاعر المؤلمة التي تقض مضجع المدمن.

1.العمل: وهو وسيلة مقبولة اجتماعيا لصرف النظر عن المشكلات التي يعاني منها المدمن. فبالعمل الطويل المجهد، يشغل المرء نفسه الى درجة لا يبقى له فيها وقت للتفكير باحزانه. وهؤلاء الذين يعملون ساعات طويلة لا يشعرون بحاجة الى حياة اجتماعية او الى تسلية وترفيه. بل انهم قد لا يشعرون انهم يستحقون ان يكون لهم علاقات اجتماعية غنية ومثمرة او ان ينفقوا بعضا من وقتهم ومالهم على الوان من التسلية البريئة والترفيه. يضاف الى ذلك ان العمل يقدم لهم مكافآت من نوع آخر مثل المال والمكانة والاحساس بالانجاز – وكلها تساعد على التعويض عن احساس بالفشل في نواح اخرى من الحياة.

انا هنا بطبيعة الحال لا انتقد الالتزام بالعمل الجاد المفيد لاعتقادي انه جزء من حياة متوازنة سعيدة. ولكني اقول انه عندما يدمن المرء على العمل الى درجة الاستغراق فان هذا العمل لا يبقي له مجالا لنواح حياتية اخرى لا تقل اهمية عن العمل مثل الوفاء بالتزامات الاسرة والاصدقاء، ولا تبقي له مجالا لتسلية او ترفيه، ولا لنماء شخصي او روحي. كما ان الادمان على العمل يضعف الصحة، ويخلف آثارا سلبية على العلاقات مع الاخرين، ويسد الطرق امام فرص حياتية ذات قيمة.

زد على ذلك انه اذا ادمن المرء على العمل من منطلق انه ليس ناجحا بما فيه الكفاية في مجالات حياتية اخرى، فانه لا يستطيع ان يجعل من العمل مصدر متعة وتحقق.

2. الطعام: وهو طريقة اخرى للهروب من الاحساس بقلة القيمة واحترام الذات. فالتهام الطعام بكثرة يوفر للمرء احساسا افضل ولكن بشكل مؤقت. والطعام مرتبط في الاذهان بالاوقات السعيدة مع الاسرة والاصدقاء، والاحتفال بالنجاحات والمناسبات الجميلة. وهو مرتبط ايضا بالحب والدفء. ولذلك ففي الاوقات التي يشعر فيها المرء بالاكتئاب والخوف والوحدة يقبل في الغالب على الطعام لمحاولة ملء فراغ نفسي لا يملأه الا الحب والتحقق والثقة بالنفس.

والاكثار من الطعام من شأنه ان يزيد من الوزن ويسيء للمظهر. وكلما اكثر المرء من الطعام اصبح ابطأ حركة واقل قدرة على التواصل مع الغير واضعف قدرة على احترام الذات، وبالتالي سيشعر بمزيد من الوحدة والعزلة، الامر الذي يدفعه الى مزيد من الاقبال على الطعام – وهي دائرة مفرغة يصبح السبب فيها نتيجة والنتيجة سببا لمزيد من احتقار الذات.

3. الرياضة: يقبل البعض على الجري للتغلب على الاحساس بالوحدة والملل والاكتئاب والاحساس بعدم القيمة. بينما يلجأ اخرون الى رفع الاثقال ولعب كرة السلة وكرة القدم والكرة الطائرة وغيرها من التمارين والهوايات البدنية. يحاجج البعض ان هذه التمارين من شأنها ان تصرف الطاقة الزائدة في الجسم في قنوات صحية وتساهم في تمتع المرء بصحة بدنية طيبة. ولكن يمكن ان تصبح هذه التمارين وسيلة غير صحية لتجنب مشكلات حياتية بحاجة ماسة لايجاد حل بها.

4.الجنس: ويمكن لهاجس الجنس خارج علاقة انسانية فيها حب والتزام ان يصبح وسيلة للهروب من الاحساس الاليم بعدم القيمة وبانعدام الثقة بالنفس. وقد يدمن المرء على المواقع الاباحية على شبكة الانترنت، او قد يتردد على نوادي التعري، وقد يذهب الى ابعد من ذلك فيشتري بماله ما تبيعه بنات الهوى. وكل ذلك يهدف الى التخفيف من الم العزلة الطاغية التي يشعر بها. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في انه كلما تمادى المرء في اقامة علاقات جنسية عابرة ازداد احساسه بالعزلة والوحدة والحزن وازداد احساسه بالذنب، الامر الذي يدفعه الى مزيد من هذه العلاقات.

5.التسوق: ويهدف المدمن على التسوق الى التعويض عن صورة مشوهة للذات تسبب له الالم والعذاب. صحيح ان البعض يحب ان يشتري ملابس انيقة واجهزة كهربائية ومفروشات اذا سمحت بذلك ميزانيته بشكل مقبول، الا ان المدمنين على التسوق يبحثون على متعة انية قصيرة الامد، ويحاولون اقناع انفسهم بان الدفعة الجديدة من الملابس الانيقة مثلا ستفعل المعجزات في حصولهم على احساس طيب بانهم قادرون ومحبوبون ومحترمون. ولكن للاسف هذا النوع من التسوق لا يحقق الهدف المطلوب منه. فالانفاق المجنون يؤدي بطبيعة الحال الى الغرق في الدين، وهو ما يعمق الاحساس بالفشل ويقلل الاحساس باحترام الذات ويقضي ربما على الثقة بالنفس.

هناك العشرات من انواع الادمان الاخرى التي يلجأ اليها المرء لايجاد معنى للحياة عندما يكون احترامه لذاته وثقته بنفسه في الحدود الدنيا. فقد يلجأ الى القمار او الى الدراسة او الى تحسين مظهر البيت بشكل مبالغ فيه – ولكن من فقد الاحساس بالسلام النفسي الحقيقي لن يجده بالتأكيد في ما حوله من اشياء.

[email protected]
لندن - بريطانيا

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
59
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى