نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

جورج سلوم - أنا لك..

نشر: جورج سلوم · ‏3/5/19 ·
  1. أحبّكَ ولا أرى غيرَكَ في عالمي

    أنتَ كلّ رجال الأرض ..آدم الوحيد الذي يخطو في جنتي

    لن أنزع ورقة التوت إلا لكَ ..ولو أغوَتني ألف حية وألف تفاحة حمراء.

    أنا لكَ وحدك ..وأنت لي وحدي ..كما كانت حواء لآدم لوحده دون سواه .



    حبُّه العظيم لحواء أعماه ..ولم يعرف التاريخ مخلصاً لزوجته كآدم ..ولم يذكر التاريخ أنه انصرف عنها إلى الحواري مع أنه كان من سكان الجنة والحوريات جيرانه ..أما رجال الأرض فلم تكفهم نساء الأرض وما زالوا يحلمون بالحواري !

    كم كنتِ سعيدة حينها يا جدّتي حواء ..فلا تشتّتكِ الحيرة بين الخيارات ..طويلاً كان أم قصيراً ..غنياً أو فقيراً ..إنه آدم الوحيد المفروض عليكِ فرضاً .. ليس قسمتك ونصيبك فقط ..إنه قدَرُكِ.

    لن يطلّقكِ ..لن يستبدلكِ..لم ولن يحلُمَ بامرأةٍ أجمل منك ..لن يخونكِ حتى في أحلامه ...هو لا يعرف الخيانة ..فأنت الأنثى الوحيدة التي رآها ..ولم يرَ أجمل منها..أيامٌ جميلة عاشتها حواء ولم تجرّبها غيرها من النساء ...

    حواء خُلقت في سن الشباب ..لم تجرّب مرحلة الطفولة .. لم تتعلّم الكلام تعلّماً ..لم تحمل حقيبةً مدرسيّة ..ولم يضربها أستاذ اللغة العربية لأنها لاتعرف الأفعال الناقصة ..أصلاً فعل الماضي لا تستعمله فلا ماضٍ لها ..

    لم تتعلّم التاريخ فالتاريخ بدأ بوجودها ..لذلك لا خلافَ على أحداثه ..والأيام التي مضت من عمرها شهدتها بأمّ العين ..فلن يستطيع المؤرّخون التأليف كما يحلو لهم ..لن تتعلّم الجغرافيا والحدود المرسومة والمُختلَف عليها ..لن تضيع بين القومية والوطنية ولا شيخ في قبيلتها بعد ليلزمها بموالاته ومبايعته ...

    لم تتعلّم المشي ولم تتعثر ..ولم تتعلم الطبخ من أمها لتدخل به إلى قلب الرجل .

    لم تتجمّل ليُعجَب بها بني آدم ..لم تنتف شعيرات ساقيها ولا مرة ..إذ أن آدم –الذكر الوحيد – لا يعرف إلا تلك الساقين ..مشعّراتٍ كانتا أم مزغّبات ..لم تشترِ أحمراً للشفاه ولا كحلاً للعيون ..ولم تغيّر تسريحتها أبداً ..لم تضع عطراً ولا مرة لأنّ آدم كانت تثيره رائحة عرقها في تلك الأيام ..

    لا تعرف يوم الخميس وفروضه..ولا تخاف سنَّ اليأس يداهمُها في منتصف الأربعينات ..لم يتقدّم آدم لخطبتها ولم يدفع لها مهراً ..ولا مؤخّر صداق ..هي امرأته وهو رجلها ..قطعة نقدية لها وجهان ويحملان نفس القيمة في السوق..هكذا فقط وكفاهما فخراً..لم يكن هناك داعٍ لحملةٍ منظمة للتساوي مع الرجل .

    لم تتشاجر يوماً مع أمه ..إذ لا أم ّ له..ولم يتبرّم من زيارة أمّها فهي الأم الأولى ..لم تتساءل عن حسبه ونسبه ودينه وأملاكه ..ولم يكتب عليها كتاباً لا عرفياً ولا علنياً ..إذ أن المأذون لم يُخلق بعد ..لا أعمام له ولا أخوال ..ولا أخت له عانساً تعذّبها وتنكّد عيشتها ..ليست مُلزَمةً بزيارة أهله ولن تحمل الهدايا في حفلة عيد ميلاد ابنة أخيه ..وتضحك مُرغَمة لأناسٍ لا تحبّهم ولا يحبّونها .

    لن تستأذنه بالخروج ..فهو لا يخاف عليها إلا من الحيوانات المفترسة ..ولم يغتصب الفيل امرأة مهما تعرّت أمامه ومهما اشتدّ شبقه ..لذا ما اتهمها يوماً بالخيانة الزوجية ..فمع من ستخونه ؟..

    هو لها وهي له فقط ..والجنة لهما .



    لا حدود لبيتها ..ولم يقفل آدم عليها باباً..ولا تغلق هي بابها أمام الغريب ..ولن يطرق بابهما أي مزعج عندما يمارسان الحب ..فلا أبواب في ذلك الوقت ..والعصفور لا يعنيه ما يفعلان ..لم يكن هناك حجاب ولا نقاب ..فلا يمكن خياطة جلباب من ورق الشجر ..

    كانا يعيشان للحب والصلاة فقط ..الحب مفتوح بأي زمان وأي مكان ..لا يحتاج وردة حمراء أو هدية ..ولا مقدّمات غزلية ..ولا رسالة عشق رومنسية ..ولا منافس ولا حاسد..ولا عذول .

    والصلاة بلا قبلة ولا توقيت ولا مؤذن ولا ناقوس..فالله موجود بكل مكان ..لا صيام ولا زكاة ولا خوف من الآخرة ..كالطفل يستغلّ نهاره كاملاً باللعب ..يفعل ما يريد بكل براءة ..يؤنّبه الأب ولكن سينام مساءً في حضنه ..باراً ومبروراً .. شاكراً ومشكوراً ..

    لا منشّطات ومنبّهات بالنهار .. ولا مهدّئات ومنوّمات بالليل ..ينامان كالأطفال من تعب الأجساد بأي مكان ..بدون طقوس غرف النوم ..معطرات وملونات وألبسة مغرية ..ورقص واهتزازات للسرير ..والملائكة لم تكن قد تعلّمت بعد لعن المرأة إن لم يرضَ عنها زوجها تلك الليلة .

    هدفهما إرضاء الرب المعبود فقط ..فيسبغ عليهما خيراته ولا ينتظران أول الشهر ليقبض آدم راتبه ..ويدفع أقساط المصرف التجاري ..لا يحترمان مديراً قليل الاحترام ..ويتكلمان دائماً بملء الفم ..يصيحان بأعلى الأصوات كطرزان في الأدغال ...لا يخافان من التنصّت والجدران لا آذان لها ..إذ لم توجد الجدران في عالمهما .

    لا يعرفان المرض ولا السعال ولا الإسهال ..ولا السرطان ولا الأمراض المنتقلة بالجنس ..ولا لقاحات الطفولة ..وكل الأمراض تشفى بالصلاة .



    عندما رأى دموعَها لأول مرة ..تذكّر المطر

    وعندما سمعَت صياحَه لأول مرة ..تذكّرت الرّعد

    استعذب وجهها المغسول بالدموع عندما رآه لأول مرة ..وراق له لون عينيها البرّاقتين ..ذكّرته بعيون المَها ..وصار يبحث عن طريقة ليُبكيها ثانية بدون ألم .

    وأعجِبَت حواء بغضبه وانفعاله في ذاتِ مرة ..وأحسّت به كبيراً وقوياً كالوحش ..وأخذت ترمق عضلات ساعديه المفتولين ..وتتحسّس ذقنه الشائكة ..تذكّرَت الأسد الشرس ومالت لدور اللبوة الخاضعة .

    وعندما بدأ بطنها يكبر ..وتتثاقل مشيتها ويشتد نهمها للطعام ..أسلمت له مهمّة الصيد ..واستبسل إذ أعطته القيادة في النهار كما أعطته القيادة في الليل ..كان مستغرباً ضخامة بطنها الناتئة واكتشف لاحقاً أنه سيصبح أباً ..كالغزالة التي ولدت غزالاً ..لابد إذن من شحذ قرونه أمام الذئاب ..لابد من المزيد من الحطب ..لا بد من النار التي اشتعلت وحذار من إطفائها ..بدأت رسالتك يا آدم في الحياة !

    عندما فاجأها المخاض كانت عند جذع نخلة..لم تهزّها ولم تسقط عليها رطباً شهيا ..لم يكلّمها من تحتها ..بل كان يبكي ذاك من كان في المهد صبيا ..

    لماذا تنزف أيها الرحم ؟ ..ومن سيقطع حبلك السري؟ ..

    لماذا حبلتِ يا حواء ؟..الآن عرفْتِ أنّ الحبَّ ليس للمتعة فقط ..أصبحتِ أمّاً وجاءك الإرضاع في ليالي البرد والسهر المقدس ..وبدأت رسالتكِ في الحياة ..وبدأت الاشتقاقات المتوالية ..روح من روح ..آدم صغير جديد ..لابد من حواء صغيرة ..

    تعال يا يوم الخميس !..افقسي يا بيوض ..واسبحي يا نطاف .



    تلك الدنيا لم يكن فيها قبور ..فلم يمُت أحدٌ بعد ..ولا جنازات ..ولم يتّشح أحد بالسواد ..واللون الأسود لم يكن موجوداً كثياب ..الملابس خضراء فقط من ورق الشجر ..والزينة بالورد ..

    لا يعرفان صوت المدافع..ولا غزو الملثمين ولا مداهمة اللصوص والسارقين ..ولم تندلع الحروب في تلك الأيام ..ولا نفير ولا ثورات ...ولا تغيير للدساتير التي لم تُكتَبْ بعد ..فالدستور والقانون موروثان كقانون الغاب ..ولا يمكن تعديل موادهما ..والأسدُ ملكٌ حاكمٌ بأمر الله ..وأي انقلاب عسكري يقوم به الثعلب مصيره الفشل .

    أجمل موسيقا هي ترنيمة بلبل ..يعزفها مجّاناً لكن بدون تسجيل ..وقتما يريد هو وبكلّ حرية ..وطبعاً لا يُجبرانه على الغناء ..وأجمل لوحةٍ يرسمها الإله بنفسه ..ولا يريد لها ثمناً .

    تلك هي دنيا حواء الأصلية وليست المنسوخة والمستنسخة عنها .. وبعد مرور آلاف السنين على تلك المسرحية ..أحبّت أن تعيد تمثيلها من جديد ..من مشهدها الأول ..فتعال إليّ يا آدمي الخاص ..اعزلني معك ..تعال لننفصل عن هذا الكون ..فتكون لي وأكون لك وحدك .

    يارب امنحني تلك الفرصة ..وقل لنا ..(كن فيكون) ..أو أطلقنا في صاروخ إلى كوكبٍ آخرغير مأهول .. ونفتتح الحياة عليه من الصفر .



    أنا لكَ الآن كحواء الأولى ..ولا أرى غيرك ..أعماني حبك يا هذا ...ولا أدري لماذا..وويل لك إن رأيت غيري .

    أنت فارسي الوحيد ..أرفع سجف الهودج فأراك تسايرني على جوادك الطيار ..فأنقلب إليك ..تردفني خلفك ..تحتضنني ..تخطفني .. إلى أطياف أطياف السكون ..وبنا أبداً لن يلحقون .

    أنت أمَلي الوحيد ..ألوذ بك .. ألتجئ ..أنزح ..أهرب إلى غابتك المجهولة ..أعيش ببساطتك ..نأكل مما تجود به الطبيعة ..ونشرب عصير الغيم ..تصنع لي إزاراً من ورق التين الأخضر كلباس حواء ..تطيّبني بالياسمين البريّ ..وأرسل لك شعري شلالاً ..وترسل لي ذقنك أشواكاً ..



    أنا لك ..وأنت لي

    إمامٌ ..أسجد خلفك وعلى سجادتك المقدسة ..أركع على إيقاع ركوعك ..أردد آيات ابتهالاتك..أعبدك من بعد ربي ..أنفذ تعاليمك وفتاويك ..

    أنت أديبي وشاعري ..أرى نفسي في كل كتاباتك وأشعارك ...تتغزل بكل خلية من جسدي ..تشرّحها ..تجرّحها ..تحللها ..تحرمها ..تنشرها في الشمس لتجفَّ أحبارها ..فيراها (الأحبار) يقرؤون ولا يفهمون .



    أنت طبيبي الأوحد ..

    علاجي موجود في صيدليتك ..تركّبه في مختبراتك الذاتية ..أشربةً ومعاجينَ ومساحيقَ خفية ..ذروراً ولبخاتٍ سرية ..حُقناً وزرقاتٍ سحرية ..

    أنا لكَ .

    احبسني في قمقمك استحواذاً ..واطبخني على نارك الهادئة استلذاذاً ..فأسترخي بين ذراعيك استسلاماً ..وأذوق طعم الحب استعذاباً ..



    أنا لكَ

    صار أمراً مقضياً ...صار كالقضاء والقدر

    أنا لكَ ..جواباً مفروغاً منه ولا ينتظر تكرار السؤال ..فقد سبق السيف العذل



    أنا لكَ ..وتتلاشى الظنون ..أمام دعوات الهمس الحنون ..الذي تنهار أمام رغباته راضياً مرضياً ..كسور مدينةٍ محصّنة ..يقاوم ويقاوم ثم يتداعى حباً بالتداعي لا ضعفاً أمام الأفاعي..يرفض الدخول والخروج إليه من الأبواب المحروسة ..ويتساقط كأحجار الدومينو عندما كشفوا نقطة ضعفه ..

    أنا لكَ..زلزالٌ يقلب عاليها واطيها ..بركانٌ يقذف الحمم ويعطيك فكرة عن جهنم من فوهته الصغيرة ..حارّة حمراء مقدسة ..محرّمة على الوطء !

    ذلك هو حُبّها الذي تحبّه ..انهيارٌ كامل للقلاع والحصون ..وتسليمٌ طوعيٌّ بالذي كان..وإيمانٌ قطعيّ بالذي سيكون .



    أنا لكَ ..بأمر الحب ..يلملمني ..يهدهدني ..يجرفني .. كالنهر الخالد ساعياً أبداً للذوبان في البحر ..مسافراً وبشكل حتميّ

    نحو الوِحدة بواوها المكسورة مع الحبيب لوحده ..

    والوَحدة بواوها المفتوحة مع الحبيب ..أيضاً لوحده !

    *********************

    عن الكاتب

    مواليد1965
    طبيب مختص بالجراحة العامة وجراحة الأوعية
    كتاب منشور (أحضان فارغة)..عن دار نينوى
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..