مغامرة توظيف السّيرة في السّرد الرّوائي

ينتقل الشاعر السّوري إبراهيم اليوسف إلى كتابة عمله الرّوائي الأول «شارع الحرية» بعد عدة إصدارات شعرية تُصنّفُ في مفهوم الشعر السّوري الحديث، وكأنّ الفضاء الشعري لم يَعُد قادراً على رصد الزّلزال السّوري الذي اجتاح كلّ بقعة من أرض سوريا، من أقصى «شماله الجريح» إلى عمق «جنوبه المُغتَصَب». مُطلقاً على عمله السّردي اسم المكان «شارعه الجميل» الذي شهد شقاوة صباه ونضجه الرّجولي والسياسي على مدى عقودٍ كترميزٍ إلى الوطن الكبير في معاناته ومآسيه السياسية. والشّارع ذاك «شارع الحرية» لم يعش سوى تحت الأعين والمراقبة والرصد الأمني والقمع السياسي، ليفضح شعاراتٍ رفعها النظام غطاءً على سياسياتٍ عدائية ضد الشعب.
يرصدُ العملُ الروائي الأول له الصادر عن دار أوراق – القاهرة، وبرينت توت – ألمانيا، في مئتين وثماني صفحات من القطع المتوسط، أحدَ شوارع الحيّ الغربي بمدينة قامشلي شمال شرق سوريا، سكانه، محلاته، مساجده، نساءه، رجاله، علاقات الجيران، والتطورات الاجتماعية والسياسية المرافقة لتعاقب الأزمنة في المكان، حيث منزل الكاتب، ولا ينسى التقاطه لحالات الحبّ البدائي والعيون الأمنية المراقبة لأنشطة سكان الشارع. ورغم التبدلات التي طرأت على الشارع: هجرة سكانه، استشهاد بعضهم، زجّ النشطاء في الأقبية للسلطة الجديدة، قدوم وجوهٍ غريبة إلا أنّ ((ثمة رائحة تبقى. رائحة الأمكنة لا يمكن لها أن تتغير.)) ص83
عودة الكاتب في زيارة خاطفة إلى أرشيفه المتراكم تجعله يعيش المعاناة طوال فترة الزيارة، يضع روحه على كفّ الضياع والمخاطرة بها من أجلّ أرشيفه كي لا يتعذّب من صفة ((أنت رجل بلا أرشيف))....!.ص122 لأنّه يُدرك أهمية الكلمة في الفنون الكتابية. كاتب الرّواية شاعرٌ قبل أن يخاطر ميدان السّرد، ويُدرك معاناة الشاعر في فقدان قصيدته، وهي دفعته إلى قول: ((كل أموال العالم لا تعوض الشاعر عن قصيدة أضاعَها، والقاصّ عن قصة افتقدها، والروائي عن رواية غادر حبرُها صحائفَه))ض122


وبعد خوضه تجارب كثيرة جداً في الفنون الكتابية، المقال السياسي والأدبي، القصيدة الشعرية، القصة القصيرة، وغيرها، اقتنع الكاتب أنّ الألم الإنساني لايُدركه أيّ نصّ كتابي ((فلا كتابة ترتقي إلى مستوى لحظة ألمٍ بشريٍّ))ص54. لكن وحدها الحرب تُنتج الألم ما لايفعله أي شيء آخر، وهي عند اندلاع حرائقها تقضي على كلّ منتوجٍ ماديٍّ وفكريّ، وتمسح حتى ذاكرة الحبّ ((ذاكرة الحرب طغت على كل ذاكرة سواها.))ص71. ومن الطبيعي أن تقضي حربٌ طاحنة أنتجَتْها ثورةٌ «أكلت أبناءها» لأنّ البشرية كلّها وقفت ضدها، وخذلَها العرب، المسلمون، الأوربيون، الأمريكان، وخذلَها البسطاء الذين قامت الثورة من أجلهم. تماماً كالثورة الفرنسية التي ناصبها العداءَ كلّ أوربا حينها. ((كلهم خذل الثورة: العرب- المسلمون- الأوربيون- الأمريكان.))ص86
الرّواية تؤرخ بعض الأحداث المؤلمة كعلامات سوداء في التاريخ الكردي، مع أسماء الضحايا بالتفصيل كمجزرة عامودا، واغتيال بعض الناشطين، ومجزرة برج عبدالو ((إنهم ارتكبوا في الخميس الأسود في السابع والعشرين من تموز 2013مجزرة في عامودا، قتلوا فيها ستة أشخاص من المتظاهرين، المحتجين على اعتقالهم لبعض شباب الحراك الشبابي، وهم: سعد سيدا- آراس بنكو- برزاني قرنو- نادر خلو- علي رندي- شيخموس محمد علي، وجرح آخرون، منهم من لايزال يعاني من آثار ذلك..!.ص87. لكم كان استفزازياً، قبيحاً تعذيب الشاب حنان حمدوش، حتى الموت. أحمد بونجق الذي يؤكد والده- الكاتب فرمان بونجق- انه قتل بأيدي مسلحي دورية منهم... كما أنهم حاصروا في يوم الثامن من آذار2013 قرية برج عبدالو في عفرين، عبر قواتهم، وقناصتهم، مستخدمين سلاح الدوشكا، ما أدى إلى استشهاد عدد من أبناء القرية على أيديهم وهم:
علاء خليل حسن- عبدو جمو- عمار نبو- خليل كاوا حسين........ كما أنهم كانوا قد أقدموا في يوم الرابع من تموز 2012على اغتيال عدد من أفراد أسرة آل شيخ نعسان في عفرين.
عندما تم الاتفاق بين "الحزب الطارئ" والنظام السوري، وبرعاية جهات إقليمية، كي يقبلوا بإسكات الحراك الكردي، مقابل تسليم المناطق الكردية لهم.ص89
إلا أن عبدالله بدرو، جاري، روى لي ذات مرة كل شيء. عندما سألته لم تعرضْتَ لمحاولة اغتيال في دمشق؟. قال كل ما لديه عن شنر، ودواعي اغتياله...!.ص95


الكاتب لم يكن مجرد أحد قاطني شارع الحرية، بل أحد العارفين بكلّ صغيرة وكبيرة فيه، كان خبيراً بالتفاصيل اليومية لحياة سكانه. ((كانت في دمي أنطولوجيا وبيوغرافيا أعرفها لسكان الشارع. مجانينه. كتابه وشعرائه وحسناواته وشيوخه وشبابه. الألبوم عصي على المحو.))ص96

يبدو أنّ الإنسان مهما كانت أخلاقه سامية، ومهما كانت قضيته نبيلة، قد يُسكِره الخمر إن تجرّع كثيراً، ومثلها يفعل المال، بل قد يتحوّل إلى قاتل، ومن ثمّ يتمادى في عمله، ((النفط كالخمرة، يثمل القتلة)) ص101
ولا يستغرب الكاتب من ذلك، فالحرب تغيّر السلوك كما تغير الديمغرافية في الأرض، لأنّ الحرب تنتج تفرض قيماً جديدة ((لا أستغرب. تلك أخلاق الحرب))!ص123
يقرأ الكاتب تحولاتٍ اجتماعية وسياسية أنتجتها الحرب فيشير إلى أنّ هناك منْ لم يكن يملك في جيبه ثمن رغيف يومه. ها هو قد أصبح أحد أثرياء المدينة. ليس هو وحده. ثمة من غدا قاضياً، أو قائداً، وهما أميان؟.. هناك الآلاف مثلهم. بعض أغنياء الأمس أفقروا، ما عادوا يملكون ثمن وصفة أدوية أطفالهم. بعض الذين قارعوا الاستبداد بالأمس غيبوا تماماً. الكثيرون من الجبناء صاروا أبطال المرحلة. غداً، إن حطت الحرب أوزارها، سيكون للمدينة وجهاء جدد. قادة جدد.ص129
ويُنهي الكاتب روايته بمغادرة الوطن، عبر القرية الحدودية الخاوية إلا من الغبار والذكريات والعجوز السبعينية التي جرّبَت كلّ آلام ومعاناة الإنسان الشرقي، تمثّل كلّ قرية كردستانية في سوريا، من عفرين الزيتونية إلى قرى النّفط وبيادر القمح. وهناك أحداث كثيرة يمكن لأي قارئ حصيف الوقوف عندها وفكّ إشاراتها بل وإسقاطها على كلّ قرية ومدينة كردية وسورية.


تقنيات الرواية:

لا يمكن الإحاطة بتقنيات الرواية كلّها في قراءة صحفية أو انطباعية، لكن رغم ذلك يمكن للقارئ الانتباه إلى عدة تقنيات فنية جديرة بالاهتمام كاللغة ومستويات السرد الروائي، والشخصيات المحورية، والزمان والمكان... إلخ.
اللغة: تأرجحت اللغة الروائية بين الملامسات الشعرية (كاتب الرواية شاعر قبل كل شيء) والإدلاء بحديث سياسي إلى صحيفة ما. بين الفينة والأخرى تصادفك تعبيرات جميلة كرذاذات شعرية مبثوثة في متن النص: ((ما أحوجَك أيتها الجهاتُ إلى عكاكيزِكِ الهوائيَّة..!. ص4. كثيراً ما أستعيد رذاذّ الكلمات دراكاً، كي أصغي إليها أكثر.. ص8. الكهول والشيوخ المسنون يحرسون رائحة الماضي ص190. لم المرايا لا تحتفظ بأشكالنا؟ص199 حيث ثمة كابوس آخر يشبهني، هناك..ص125.)) هذا المستوى اللغوي الشعري يُضفي جمالية على النص ويخفّف من وطأة أحداث الرواية على القارئ.
أما المكان: فشارع الحربة صورة مصغّرة لمدينته التي هي تختصر سوريا كلّها في خاصرتها. لم يعد أكثر أهل الشارع يشمون رائحة تلك الشجرة، بعد أن صار البيت صورة عن الشارع كله، صورة عن المدينة كلها، صورة عن الوطن كله.ص22 في هذا المكان تدور أحداث النصّ ماضياً وحاضراً. الزمان: رواية الحدث الآن، العودة إلى زمن الذاكرة، أيام الدراسة. التداخل الزمني بين الحدث المروي الآن والأحداث الماضية، مع لجوء الكاتب إلى استخدام أفعال متقلبة بين الماضي والحاضر. إنها أزمنة الكاتب في سيرته ككاتب وحبيب في السياسة والصحافة والمجتمع.
أما الحدث الأبرز المحوري في الرواية هو الفرق بين الحب والحرب. حبّ بريسكا الذي تغلغل في كيانه، وسطّر أجمل أيام حياته، والحرب التي أحرقت الماضي والحاضر. ((الحرائق تأكل التاريخ. تأكل المتاحف. المواقع الأثرية نسفت. ثقافة المحو انتشرت. إنها تمحو المكان والكائن..!.))ص144. وعلى هذه المفارقة بدأ النصّ في هندسة نفسه.
النّص الروائي هذا جدير بقراءته كونه يعكس تجربة شاعرٍ قضى جلّ حياته في العمل السياسي والأدبي، ويمثّل رؤية أحد أبرز المثقفين الكرد عن الأحداث العاصفة بسوريا.
--------------------------------------

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى