زياد الحكيم - أحمد شوقي

لم يكن اعظم شعراء عصره فحسب، ولكنه كان ظاهرة ادبية لمعت في العالم العربي نحو اربعين عاما وذلك بعد عودته من باريس والتحاقه بحاشية الخديوي عباس حلمي عام 1892. ولم ينقطع امير الشعراء عن التأليف نظما ونثرا طيلة السنوات الاربعين مما جعل اعماله الشعرية اضخم ديوان عرفه الشعر العربي في كل العصور.

ولد احمد شوقي في القاهرة لاسرة كانت تربطها بالقصرعلاقات وثيقة. وكان لهذه العلاقات اثر عظيم في حياة الشاعر وادبه. صحيح ان هذه العلاقات وضعت قيودا على شاعريته في بعض المجالات وحددت مساره الشعري ولكنها في الواقع كانت السبب في ارساله الى فرنسا لاتمام تعليمه، وجعلت منه بعد عودته من فرنسا شاعر القصر، وهيأت له ظروفا اغنت تجربته وعمقت اتصالاته ولم تتوفر لغيره من شعراء عصره.

وبحكم اصول اسرته التركية، كان افراد الاسرة يتكلمون التركية في البيت. ولذلك كانت معرفته بالتركية معرفة قوية ففتحت له هذه اللغة ابوابا واسعة اذ يسرت له الاتصال بالملك في عابدين الذي كان يتكلم التركية. وفتحت له خزائن الادب التركي فاتصل بالشعراء الاتراك واطلع على حركات التجديد في الشعر التركي. ويقول شوقي في مقدمة "شوقياته": انا عربي تركي يوناني شركسي. ويمكن ان يضاف اليها الدم الكردي. فقد سمعت ابي رحمه الله يرد اصلنا الى الاكراد فالعرب.

درس شوقي في المدارس المصرية المدنية. فالتحق بمكتب الشيخ صالح وهو في الرابعة من عمره، ثم التحق بالتجهيزية التي اتم تعليمه فيها وهو في الخامسة عشرة من عمره عام 1885. ثم انتسب الى مدرسة الحقوق حيث درس سنتين اخريين ونال شهادة في الترجمة عام 1889. وفي مدرسة الحقوق اتقن شوقي اللغة العربية فقد تتلمذ على كتاب الاساتذة الازهريين ومنهم محمد البسيوني البيباني وحسين المرصفي. ودرس في هذه المرحلة الادب العربي شعرا ونثرا. وافاد من دراسة الحقوق والعلوم السياسية في شعره. فقد مكنته دراسته هذه من انضاح الفكر القانوني والسياسي في ادبه بفضل فهمه القضايا السياسية التي كانت تواجه بلاده. وهذا ما ميز شعره عن شعر معاصريه الذي يغلب عليه الطابع الخطابي. وفي هذه المرحلة ايضا درس الشاعر اللغة الفرنسية. فاطل من خلالها على الادب الاوربي والتراث الانساني والحضاري مما مهد الطريق لارساله الى باريس.

اقام شوقي في فرنسا ثلاث سنوات من 1891 الى 1893. ودرس خلال هذه الفترة في جامعتي مونبلييه وباريس. وتميز في هذا الدراسة عن معاصريه من امثال حافظ ابراهيم ومحمود سامي البارودي الذين لم يخرجوا من نطاق الفكر الشرقي الاسلامي.

وتأثر امير الشعراء باعلام الشعر الرومانسي الفرنسي من امثال هوغو وموسيه ولامارتين. وارتاد مسارح باريس الشهيرة. وينفي النقاد ان يكون شوقي قد اتقن اللغة المسرحية الفرنسية الكلاسيكية، غير ان اثر المسرح الفرنسي واضح في اعماله. لقد اهتم شوقي بالمسرح الشعري بشكل خاص وادى هذا الاهتمام به الى نظم اول مسرحياته التاريخية (علي بك الكبير) في باريس. واقبل شوقي يعب من منابع الفن الفرنسي العام من نحت وتصوير وغيرها فادرك وحدة الفنون ومكانة الشعر فيها وافاد من اسفاره في طلب العلم فاكتسب خبرات مكنته من ان يفتح عينيه على المجتمع المصري والشرقي بكل ما فيه من مزايا وعيوب.

عاش شوقي بعد عودته من فرنسا نحو اربعين عاما واصل فيها عطاءه شعرا ونثرا دون انقطاع. وبامكاننا ان نقسم هذه الفترة الى ثلاثة اطوار محددة: يمتد الطور الاول ما بين عامي 1893 و1914، وفيه كان شوقي شاعر القصر في القاهرة. ويمتد الطور الثاني ما بين عامي 1915 و1919 وفيه عاش شوقي منفيا في برشلونة باسبانيا. ويمتد الطور الثالث ما بين عامي 1920 و1932 وفيه تحرر شوقي من قيود القصر.

لقد رأى كثير من النقاد ان امير الشعراء هدر طاقاته الابداعية في شعر زائف مدح فيه السلطة. ولكن الحق ان القصر لم يكن شرا كله. فقد تولى الشاعر في القصر رئاسة القلم الافرنجي وكان مستشارا سياسيا مما فتح له مجالا للاتصال بالناس على مختلف المستويات، ومكنه من الاطلاع على علاقات القصر باوربة والاستانة. وكان الخديوي الجديد عباس حلمي قد اكمل تعليمه في فيينا واتصل بالاسرة المالكة فيها. وكان اصغر عمرا من الشاعر. واوجد للشاعر جوا رومانسيا مناسبا. فكان يقيم الحفلات الراقصة في قصر عابدين على غرار الحفلات التي كانت تقام في القصور الملكية الاوربية. ويمكن القول ان مدح شوقي للاسرة المالكة هو استمرار لما درج عليها شعراء كبار من امثال ابو نواس وابو تمام والمتنبي، وكلهم مدحوا الامير في مصر.

وعلى اي حال لم يكن شعر شوقي في هذا الطور مدحا كله. فقد تناول في قصائده بالاضافة الى المدح الوانا عديدة من الموضوعات مثل الهمزية التاريخية والهمزية النونية والبائية العثمانية وهي ملحمته وقصيدة الحج، وطور في هذه المرحلة ايضا فنونا جديدة كما في شعر الاطفال وحكايات الشعر السياسي والشعر الوطني.

واقبل شوقي ايضا على الكتابة النثرية فكتب متوالية فرعونية بين عامي 1897 و1902 تتألف من اربعة اعمال هي (عذراء الهند) و(الدايس) و(دل وتيمان) و(شيطان بنتاءور). وكتب رواية عربية هي (ورقة الآس) 1905.

اقام شوقي في اسبانيا خمس سنوات. وهذه هي الرحلة الثانية التي قام بها الى الغرب. واذا كان شوقي في انفتح اثناء اقامته في فرنسا على الاداب والفنون الفرنسية والاوربية فانه انغلق على نفسه اثناء اقامته في اسبانيا. فلم يطلع على الادب الاسباني ولا على التيارات الادبية المعاصرة. ومن اسباب ذلك حالة الاكتئاب التي كان يعيش فيها. ويعزو بعض النقاد ذلك ايضا الى ان شوقي عندما سافر الى اسبانيا كان وراءه عشرون سنة من العطاء الشعري والنثري المتميز، وكانت شخصيته الادبية قد اكتملت ولم يكن في حاجة الى تعديل مساره الادبي بالاطلاع على الادب الاسباني والتيارات الادبية في اسبانيا. ولكن شاعرنا افاد من اقامته في اسبانيا بانكبابه على دراسة التراث العربي في الاندلس فعمقت اقامته في الاندلس الفكرة الاندلسية في شعره فجرب اجناسا والوانا ادبية جديدة منها الموشح (صقر قريش) والارجوزة الطويلة (دول العرب) والمسرحية النثرية (اميرة الاندلس). ولا نجد في هذه الاندلسيات اثرا للمدح.

عندما عاد امير الشعراء الى القاهرة من اسبانيا تحرر من قيود القصر وابدع في انتاجه الادبي بالرغم من ان صحته اخذت بالتدهور. ومن احداث هذه الفترة في العالم العربي والاسلامي الغاء الخلافة والسلطنة فتأثر شوقي بذلك لانه كان من انصار الخلافة والاتراك الى درجة انه تغنى بنصر مصطفى اتاتورك ورثى الخلافة. ونجد انه بعد منتصف العشرينيات يختفي حب الاتراك من شعره ويحل محله حب القومية العربية. وبذلك اصبح شوقي شاعر العرب والعروبة. واستجاب الى التطورات السياسية في مصر بعد ثورة 1919 واصبح سعد زغلول بطل مدائحه ومراثيه.

احتل المسرح المكانة الاولى من اهتمام شوقي في محاولته للتجديد عام 1892 اثناء اقامته في باريس. والف في ذلك الحين مسرحيته الاولى (علي بك الكبير). ومع ان الخديوي طلب منه ان يقلع عن الكتابة المسرحية الا انه ظل مهتما بالمسرح وكان يؤلف فيه بين فترة واخرى ولكن دون نشر. ولذلك عندما بدأ يكتب للمسرح في هذا الطور الثالث من حياته الادبية كانت مقدرته على ذلك في اوجها بعد ممارسة دامت حوالي اربعين عاما. نلاحظ براعته في كتابة الحوار والغنائيات والمناجاة. ومهما انتقد مسرح شوقي لبعض نقاط الضعف فيه الا انه يظل انجازا كبيرا لان شوقي كان من رواد المسرح الشعري العربي ولم يكن امامه نماذج يستعين بها ويهتدي بهديها. وليس من الانصاف مقارنة شوقي بشكسبير لان شكسبير مارس التأليف المسرحي حوالي ربع قرن وكان ممثلا في مسارح لندن المشهورة. ولم يكن شوقي كذلك. زد على ذلك ان عصر شكسبير كان عصر المسرح ظهر فيه عدد من كبار الكتاب المسرحيين من امثال بن جونسون وكريستوفر مارلو. ويبدو من الغريب ان شوقي تأثر بشكسبير لانه لم يكن يعرف الانكليزية. وكان يجهل الادب الانكليزي. ولكن شوقي بعد عودته من باريس اتصل بخليل مطران الشاعر الذي ترجم اربعا من مسرحيات شكسبير الى العربية هي (تاجر البندقية) و(عطيل) و(هاملت) و(مكبث). وكان لهذه الترجمات التي قام بها شاعر قريب من شوقي اثر في جذب امير الشعراء الى مسرح شكسبير.

ولم يكن شوقي من اتباع مذهب معين في التأليف المسرحي. ولم يدرس اصول التأليف المسرحي دراسة علمية. ولكنه اخذ من مذاهب عدة ما رآه مناسبا لكتابة مسرحيات تناسب اذواق الجمهور في مسارح القاهرة. ووضع شوقي ثماني مسرحيات – ست منها تراجيدية واثنتان كوميديتان، ست منها تاريخية واثنتان من الحياة المصرية الحديثة.

واجه امير الشعراء بعد عودته من اسبانيا عام 1920 اشد موجة نقد تعرض لها في حياته. وكان ابرز النقاد ثلاثة ولدوا جميعا عام 1889. وكان كل واحد منهم يمثل تراثا اوربيا مختلفا: عباس محمود العقاد كان يمثل التراث الانكليزي. وطه حسين كان يمثل التراث الفرنسي. وميخائيل نعيمة كان يمثل التراث الروسي. وكان هؤلاء الثلاثة نقادا وادباء في آن معا. وكانوا يتمتعون بمكانة مرموقة في الاوساط الفكرية. كان العقاد اشدهم نقدا لشوقي هاجمه وهو حي وهاجمه بعد وفاته. وذلك في كتابه المشهور (الديوان) 1921 وفي سلسلة من المقالات جمعت في كتاب (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي) 1935. وظهر كتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة عام 1923 وهو مجموعة من المقالات النقدية الجريئة، وفيه مقال حلل نعيمة لها احدى قصائد شوقي التي نظمها بعد عودته من المنفى. وتناول طه حسين شوقي بالنقد في عدة مقالات جمعت في الثلاثينات تحت عنوان (حافظ وشوقي). وبالرغم من ان نقد طه حسين لشوقي اتسم بالانصاف فانه شكك الكثيرين في استاذية شوقي.

والحق ان الاحداث العالمية التي اعقبت وفاة امير الشعراء اسهمت في النيل من مكانته. فالحرب العالمية الثانية والقضية الفلسطينية وما تلى ذلك من احداث كلها هزت العالم العربي واوجدت ظروفا بعيدة عن عالم شوقي وشعره فقد كان الشاعر من دعاة الخلافة الاسلامية ولكن ظهور العلمانية والقومية العربية ابعد القارئ العربي الحديث عن كثير من الاشعار التي نظمها في الدعوة الى الخلافة. وشغلت مشكلة فلسطين الوجدان العربي بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن شوقي لم ينظم في القضية الفلسطينية. ولو انه فعل ذلك لكان لاشعاره اثر واسع كما كان لدمشقياته في القارئ السوري والعربي في الاربعينيات عندما كانت سورية تناضل من اجل الاستقلال من فرنسا.

ولهذه الاسباب وغيرها لم ينصف مؤرخو الادب العربي امير الشعراء الى درجة اننا لا نجد في كتب هؤلاء الا صفحات قليلة عن شوقي لا تتناسب مع مكانته في الشعر العربي. وهذا بالتالي اسهم في تدني مكانة شوقي في نظر الطلاب والقراء. اضف الى ذلك ن المختارات الشعرية التي تقرر لطلاب المدارس الثانوية والجامعات لا تتضمن الا نتفا من قصائد شوقي. ونريد ان نحمل دور النشر بعضا من المسؤولية عن تزهيد القارئ بشعر شوقي، فهذه الدور لم تعط امير الشعراء حقه من نشر اعماله الادبية كاملة ومحققة تحقيقا علميا وخالية من الاخطاء المطبعية.


[email protected]
لندن - بريطانيا

هذا النص

ملف
زياد الحكيم
المشاهدات
60
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى