نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

ايفا- ليز ويرو - من قال إن الأكفان ليس لها جيوب.. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

  1. تقديم:
    ايفا- ليز ويرو (1918م - ?) أديبة ولدت في مدينة عتيقة بفنلندا، وهاجرت إلى كندا وهي في الحادية عشر من عمرها. طغت صور الحياة في موطنها الأول وتاريخ بلادها وذكرياتها فيه على كثير من أعمالها. عملت كصحفية وكاتبة في تورنتو، ونشرت كتبا للأطفال، وكتابين عن الحرب العالمية الثانية، أحداهما تجري أحداثه في بولندا، والآخر يحكي عن حركة المقاومة الهولندية. القصة المترجمة هنا نشرت تحت عنوان "You can’t take it with you "، وهي من ضمن قصص أخرى نشرت في كتاب شهير عنوانه: "اهرب إن استطعت Escape if you can". آثرت ترجمة العنوان على النحو الذي تراه عوضا عن الترجمة الحرفية، والتي قد تكون: "لن تستطيع أخذه معك".

    المترجم


    *********

    ليس هنالك أدنى شك في حقيقتين: أولهما أن العم بازل رجل ثري، والثانية أن العم بازل رجل بخيل.
    لم يتفق أفراد العائلة إلا على هذين الأمرين. لقد صرف كل فرد فيهم كلاما كثيرا وجهدا كبيرا في وصف عمهم الثري البخيل، كل حسب مزاجه، وحسب حاجته للمال. قالت عنه العمة الرقيقة كلوتليدا (والتي كانت تتوق للحصول على عقد من اللؤلؤ إذ أن عقدها الحالي قد صار قديما) أنه "بازل البخيل"، بينما وصفه بيرسيفال (والذي حطم للمرة الثانية عربته الرياضية من نوع أستون مارتن قبل أن يدفع ثمنها) أن عمه بازل رجل بخيل، شحيح، يده مقبوضة إلى صدره، ومرابي... ومضيفا عددا من الصفات لتلك الكلمة. استخدم بقية أفراد العائلة كل ما هو موجود في القاموس من أجل وصف عمهم بالبخل الشديد.
    قالت والدة بيرسيفال:" لا أدري لماذا هو هكذا...مع كل ما تحته من مال وفير؟ فقط عليك يا بيرسيفال ألا تكن فظا في وصفك لعمك...فإن هذا قد يعود عليه بالضرر".
    قالت ليتيتة أخت بيرسيفال وهي تمشط شعرها الذهبي: "لن يكون بمقدوره أخذ المال معه للقبر. لقد طلبت منه أن يشتري لي فراءً جديدا...تصوروا ماذا كان رده؟ قال لي لم تريدين شراء الفراء ونحن في عز الصيف؟" ياله من رجل بالغ الشح! هو بالقطع كذلك".
    ظلت ألسن أفراد العائلة تلوك عبارة " لن يكون بمقدوره أخذ المال معه للقبر" كل يوم، وأحيانا يرد ذكرها خلسة أمام العم بازل نفسه. كانوا يقولون له دوما: "لن يكون بمقدورك أخذ المال معك للقبر يا عم بازل. لم لا تبتاع لك دارا فخمة معتبرة في الريف مزودة بكل أسباب الراحة... تجري فيها الخيل، وبها حوض للسباحة، نستطيع أن نزورك فيها جميعا. سيكون ذلك مصدر متعة عظيمة لك ولنا...بمقدورك تحمل كل النفقات بالتأكيد... تذكر أنه لن يكون بمقدورك أخذ المال معك للقبر يا عم بازل".
    كان العم بازل يسمع كل كلمة يتفوهون بها، فهو لم يكن أصما تماما كما كان يدعي أمامهم. كل يؤمن في خويصة نفسه بأنه بالفعل رجل بخيل شحيح يده مقبوضة إلى صدره، ومرابي سيء المزاج... وهنالك صفات أخرى أقل تهذيبا مما قالوا. بيد أن أكثر ما أثار غضبه هو ما ظل يكرره أقربائه من أنه لن يكون بمقدوره أخذ المال معه للقبر. المال ماله...ما لهم لا يعون تلك الحقيقة؟ كان بازل قد عمل في ترانسفال بجنوب أفريقيا حيث كان هنالك ما زال الكثير من الذهب لمن يعرف أين ينقب عنه. كان أقرباؤه قد قالوا له وهو يستعد للذهاب لجنوب أفريقيا إنه سيعود من هناك وهو هرم لا يستطيع الاستمتاع بثروته...مساكين! ما دروا أن استمتاعه إنما هو في مجرد امتلاكه للمال! كان يستمتع أيضا برفض طلباتهم جميعا! كان يشبههم – دون تصريح - بأنهم مثل حيوانات سيرك تقبع خلف قضبان طلباتها التي لا تنتهي.
    لم يستجب لطلباتهم غير مرة واحدة. كانت تلك المرة اليتيمة هي عندما طلبت منه أخته مودة تعيين ابنها الغبي فيرنير عنده. قالت له أنه سيخدمه كسكرتير خاص. لم يكن فيرنير في الواقع يصلح للعمل كسكرتير، ولكن بما إن غاية مطمحه هو تنفيذ ما يؤمر به، فقد استبقاه العم بازل بجانبه لأداء مختلف الأعمال.
    كان العم بازل يعيش في بيت صغير لا يتناسب مع ثروته الضخمة، وفي حي متواضع (كما يصفه أقربائه). كان ذلك البيت هو مسقط رأسه ومرتع صباه. كان فيرنير يعتني بحديقة المنزل الصغيرة، ويجلب الصحف اليومية من كشك السجائر القريب، ويقطع أظافر خاله عندما يجد لذلك وقتا. لم يقل لخاله بازل أبدا أنه لن يكون بمقدوره أخذ المال معه له للقبر إذ أن ذلك لم يخطر له على بال.
    كان بازل يستخدم فيرنير لحمل رسائله لمصرفه ومحاسبه ومحاميه ومن يقومون على إدارة ثروته، إذ لم يكن يؤمن بالبريد ولا بالهاتف. كان فيرنير معتادا على حمل أظرف ضخمة من وإلى خاله بازل دون أن يخطر بباله ولو للحظة واحدة أن يفض أحد تلك الأظرف ليعلم ما تحتويه. كان محاموه ومحاسبه ومدير مصرفه معتادين أيضا على تلك الوسيلة غير التقليدية في إدارة الأعمال ونقل الرسائل، وكيف لا، خاصة وهو رجل بالغ الثراء تزيد عوائد استثماراته يوما بعد يوم. دائما ما تجد طلبات الرجل الغني (ونقاط ضعفه) الاستجابة!
    كانت للعم بازل نقطة ضعف أخرى، وهي أنه عندما كان لا يزال بصحة ممتازة ، فإنه كان يطلب من فيرنير أن يأخذه في سيارته القديمة إلى محل قديم للنجارة كان يزوره باستمرار ليصنع له فيه نعش خشبي كان يريده كما كان يكرر دوما نعشا واسعا مريحا!
    كان النجار الذي اختاره العم بازل لصنع النعش رجلا قرويا عنيدا من ذات جيله. قبل القيام النجار المهمة كأمر واقع. ناقش العم بازل والنجار أمور النعش من قبيل نوع الخشب المستعمل وسعره. استقر رأي العم بازل على نوع خشب متوسط السعر غير مبطن، فالنوع المبطن سعره مضاعف. برر العم بازل اختياره بقوله: "سأبطن الخشب بنفسي، أو ربما سيقوم فيرنير بتلك المهمة...ما زال أمامي الكثير من الوقت. لا أنوي مفارقة الحياة الدنيا غدا! ستسعد عائلتي بذلك إن حدث. أحب أن استمتع بثروتي".
    نادي العم بازل ذات صباح وهو في عقل سليم ومزاج رائق سكرتيره فيرنير وأمره باستدعاء محاميه. سرى خبر ذلك الاستدعاء غير المتوقع بين أفراد العائلة، فكثر الجدال والصراع والصراخ بينهم وهم يحاولون معرفة من قرر أن يترك له العم بازل ثروته. وليريحهم تماما صرح العم بازل بأنه سيخبرهم بالحقيقة. إنه رجل لا يحب أن يبعثر أمواله. يحبها كتلة واحدة. فليتوقفوا عن إزعاجه.
    حدث ما ذكرنا قبل نحو عقد من الزمان، قبل أن تأتي مدبرة منزل العم بازل ذات صباح له بالشاي فتجده نائما نومة أبدية. كان ذلك العقد عقدا طيبا بالنسبة له. لم يجرؤ أحد من عائلته على إقلاقه فيه، بينما استمرت استثماراته في النمو المضطرد.
    لم تحم الشبهات حول موت العم بازل إلا على ابن أخيه بيرسيفال، والذي كان دائم المطالبة بالمال، وقد هدد ذات مرة بوضع سم الزرنيخ لعمه في الشاي، ولكن أثبت الفحص الطبي أن الرجل قد مات ميتة طبيعية. "وفاة سعيدة... لم يُعان عند الموت"...هكذا قالت العائلة!
    وبعد موت العم بازل شرع أفراد عائلته في الحديث بصوت عال عن معاملتهم اللطيفة لفقيدهم العزيز، وتشاجروا كثيرا حول من كان أشدهم رفقا به. كانوا في الواقع محقين. لقد كانوا يرعون عمهم بازل مثلما ترعى العائلات أقربائها المسنين شديدي العناد. لم يكن يدرون أنه كان بوسعه أن يسمع كل ما تفوهوا به عنه وهم على مبعدة منه، مثلما كان يسمع كل الهراء والتملق الذي كان يبذلونه في حضرته. كان كل واحد من أقرباء العم بازل يحسب أنه كان أكثر أفراد العائلة رفقا بالعم، ويمني نفسه بالظفر بثروة الرجل... كتلة واحدة.
    هرع الجميع لاستشارة محامي العم بازل، والذي أخبرهم بأن "المرحوم" قد كان قد أوصى بأن تحرق جثته مباشرة بعد موته، وسيجدون النعش جاهزا في الحديقة...يعلم فيرنير مكان النعش.
    "هل هذا كل شيء؟" صرخ الجميع في قلق عظيم.
    رد عليهم المحامي بطريقة المحامين المعتادة بالقول: "حسنا... لقد ترك "المرحوم" تعليمات واضحة لي لتبدأ جنازته بوجبة فخمة تجلب من محل "فورتنم ومايسون". كل شيء من أفضل الأصناف...لحم أوز وديك رومي وغزلان وبقر ومحار وكركند (سرطان البحر)، وكميات هائلة من المشروبات الروحية المعتقة. لابد أن "المرحوم" كان يود أن يودعكم بصورة باذخة...رغم شحه الشديد". صدمت العائلة بعض الشيء من استعمال الرجل لكلمة "شحيح". كيف عرف العم بازل أنهم يصفونه بالشح؟ لكنهم على أية حال شعروا بالراحة عندما جاءهم المحامي بنبأ عن مظروف قال إن العم بازل ترك فيه وصيته، وطلب إليه أن يقرأها عليهم في الوليمة وبعد الانتهاء من حرق الجثمان. أردف المحامي بالقول إنه لا يعلم عن محتويات ذلك المظروف شيئا.
    كان جميع أفراد العائلة يرتدون ملابس سوداء غالية الثمن، إذ كان اللون الأسود هو لون الموضة في ذلك الموسم على كل حال، ومن سيرث العم بازل سيكون بمقدوره دفع ثمن تلك الملابس. ذلك هو العدل بعينه!
    وحده فيرنير كان هو من سأل بقية أفراد العائلة عن السبب الذي منعهم من شراء كفن أكثر أناقة ومتانة مما ابتاعه العم بازل لنفسه، إذ أن الكفن الذي ترقد في الحديقة بداخله جثة العم بازل كان مهترئا، بسبب أن مياه الأمطار قد سالت عليه من خلال سقف الحديقة المتهالك. بالطبع لم يلق له أحد من العائلة بالا. ما سيضير النعش إن كان سيحرق على كل حال، فعلام الضجة؟! تم بالفعل حرق جثمان العم بازل بكل الاحترام اللائق.
    رجع أفراد العائلة لمنزل العم بازل الصغير ووجدوا مدبرة المنزل تتأهب للمغادرة. كان "المرحوم" قد نفحها إكرامية ضخمة من الأوراق النقدية بعد أن زودها بالتوجيهات اللازمة لكيفية استثمارها للحصول على عائد مناسب طوال حياتها. وكنوع من العرفان والإقرار بالفضل مدت المرأة المائدة بما لذ وطاب مما بقي من وليمة حرق الجثمان، بيد أنها لم تكن على استعداد للبقاء حتى تغسل الأواني.
    اندهش الجميع قليلا ولكنهم لم يستاؤوا كثيرا عندما أخبرهم فيرنير بأن المنزل قد غدا ملكه الآن. كان العم بازل قد منحه أيضا مبلغا صغيرا من المال وأوصاه باستثماره. أثارت تلك المنحة المالية الصغيرة غيظ بقية الأهل، بيد أنهم حمدوا ربهم لقلة المبلغ، ولتخلصهم من أحد الوراثيين المحتملين. كان فيرنير يحس قليلا ببعض الحنين لخاله العجوز، بيد أنه كان قانعا راضيا بما ناله من ثروة الرجل. ولم يكن متعودا على حياة البذخ، لذا كانت احتياجاته متواضعة جدا.
    هبت العاصفة عندما فض المحامي أخيرا المظروف. لم يكتب العم بازل سطرا واحدا في وصيته غير:
    "لقد أخذت معي مالي بالفعل".
    أثار ذلك بالطبع كثيرا من الضجيج والصخب. ماذا عن الثروة؟ الملايين الكثيرة! باعتراف المحاسبين والمحامين والخبراء كانت للعم بازل ثروة هائلة، بيد أنه كان يسحب، وبصورة منتظمة وخلال العقد الماضي، كميات ضخمة من النقد. ماذا كان يفعل بها؟ لا علم للمحاسبين والمحامين وبقية الخبراء بما فعله "المرحوم" بماله. كان ماله الخاص على كل حال، وكان ما يفعله بماله هو من شأنه، وشأنه وحده! لم يتبق من تلك الثروة شيء. لم يخطر لأحد أن يسأل سكرتيره فيرنير عن سر المال المفقود، ولم يخطر لفيرنير أن يتبرع بالقول بأنه كان، ولزمن طويل وبتوصية من خاله بازل، يضع أظرفا ضخمة كان يحضرها من المصرف كبطانة لصندوق النعش. كان يضع تلك الأظرف الضخمة في كل جوانب الصندوق الداخلية وقاعه كذلك، وغطى في النهاية كل تلك الأظرف الضخمة بقماش ثخين من النوع الذي يستخدم كأشرعة. لم يكن فيرنير بارعا في الأعمال العقلية، لكنه كان ماهرا في الأعمال اليدوية.
    لقد أنجز عملا رائعا!
    أعجب بهذه المنشور محمد فائد البكري
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..