حسن حنفي - رمضان في الكتاب والسنة (1)

ذكر لفظ "رمضان" فى القرآن الكريم مرة واحدة فى آية (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر. ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون( (185:2).
ولفظ "رمضان" يعنى اشتقاقا الحر، من فعل رمض أى اشتد الحر، ولما نقلت أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها فوافق هذا الشهر رَمَضَ الحر. فإذا ما وافق الشهر الحر كان ثوابه أعظم. ونظرا لدورة السنة الهجرية فإنه ينتقل من الصيف إلى الشتاء رجوعا إلى الوراء. وتظل النية الأولى صادقة.
وفى هذا الحر الشديد القيظ، والقدرة على السيطرة على حاجات البدن إعلانا لاستقلال الإرادة وسمو الروح والإحساس بالمحرومين والفقراء والجائعين والعطشى ينزل الوحى بعد أن تهيأت النفس له. استعداد البدن مقدمة لاستعداد الروح. وتهيؤ الروح مقدمة لنزول الوحى.
هذا القرآن بينات من الهدى والفرقان، يبين الخير ويميزه عن الشر حتى يهتدى الإنسان فى عمله، ويفرق بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ، نظرا وعملا. مهمة القرآن البيان ورفع الخلط ومساعدة البصيرة بعيدا عن أهواء البشر ونسبيتها.
والصوم مشتق من فعل "صام" ويعنى الإمساك عن الطعام أو الاعتدال كما يقال "صام النهار" أى قام قائم الظهيرة و"صامت الريح" أى توقفت عن الحركة. والصوم هو الصمت أيضا فى آية (إنى نذرت للرحمن صوما( (26:19). فالصوم استقامة، ورفع القامة وسمو الهامة، وليس الهزال أو الضعف أو الاستعياء.
ولما كان الصوم وسيلة لاستقامة الإنسان بدنا وروحا، فالمرض أو السفر مانعان يؤجلان الصوم إلى وقت آخر. فالإسلام يسر وليس عسرا، وليس فى هذا الدين حرج، ولا يجوز تكليف ما لا يطاق.
والصوم شهر بكماله وتمامه، تمييزا لشهور العام فى أوقات متميزة مثل تميز أوقات الصلوات فى النهار. يتطلب التكبير والشكر على الهدى. فشكر المنعم عند المعتزلة من الواجبات العقلية.
هذه هى المعانى المتضمنة فى الآية الوحيدة التى ذكر فيها لفظ "رمضان" فى القرآن الكريم.
بينما ذكر لفظ "رمضان" فى القرآن الكريم مرة واحدة ذكر لفظ الصوم ومشتقاته أربع عشرة مرة بستة معان مختلفة تدور كلها حول وظيفة الصوم. وهى معانى متكاملة تربط الصوم بالتاريخ وبالله وبالآخرين.
أولا: الصوم سنة عن الأمم السابقة (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم( (183:2) تواصلا مع الديانات السابقة. فالإسلام لم يبدع سنة جديدة بل أقر سنة كانت موجودة فى الشرائع السابقة، فى اليهودية والمسيحية. فجوهر العبادة واحد وإن اختلفت أشكالها. والإسلام آخر شريعة تكمل الشرائع السابقة بعد تأكيدها.
ثانيا: الصوم شهرا فى العام من أجل التمييز بين الشهور دون صوم الدهر كله أو إفطار العمر كله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه( (184:2). كما تتميز أوقات الصلوات أثناء النهار عن باقى ساعاته. وهو تأكيد على الإحساس بالزمن وبأن الأوقات للأفعال. كما أنه صوم منذ الشروق حتى الغروب وهو إحساس آخر بالزمن، زمن النهار المتميز عن زمن الليل.
ثالثا: الصوم صمت، وهو أحد مظاهر العبادة ضد اللغو والمجادلة كما فعلت مريم ابنة عمران (فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيا( (26:19)، ومظهر من مظاهر التقوى الباطنية، والثقة بالنفس، واتهام الزور، وبراءة الإيمان.
رابعا: لا فرق فى أداء الصوم بين الرجال والنساء (والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات( (35:33). كما لا فرق بينهم فى الإسلام، والقنوت، والإيمان، والصدق، والصبر، والخشوع، والصدقة، وحفظ الفروج، وذكر الله. يتساوى الرجال والنساء فى التكليف. والتكليف واجب. والمساواة فى الواجبات تقتضى المساواة فى الحقوق.
خامسا: لا يمنع الصيام من معاشرة النساء بعد الإفطار (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم( (187:2) دون المساجد، وطيلة الليل تخفيفا عن الأمة، واعترافا بحاجة الرجال إلى النساء وحاجة النساء إلى الرجال. كان الصوم قبل ذلك أثناء النهار. وحين يفطر الصائم يحق له الطعام ومعاشرة النساء. فإذا غفلت عيناه ونام يصبح صائما إلى اليوم التالى. ولم يستطع عمر بن الخطاب بعد أن غفا ثم استيقظ أثناء الليل أن يمنع نفسه من معاشرة زوجه. فنزلت آية التخفيف (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم( (187:20). والإسلام دين اليسر وليس دين العسر. لا رهبانية فيه ولا نسك. لا صوم الدهر كله ولا قيام الليل كله، ولا العزوف عن النساء.
والمعنى السادس للصوم فى القرآن الكريم هو وظيفته فى التكفير عن الذنوب وتطهير النفس. فالذنب ضعف فى الإرادة والصوم تقوية لها. والإثم تهاون فى الروح والصوم إعلاء لها. ويذكر القرآن ذنوبا سبعة.
1- الإفطار فى رمضان دون سبب أو عذر، سفر أو مرض. (فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم( (84:2). ولكن إطعام المسكين له الأولوية على الصوم أى التكفير الفعلى عن الذنب بإطعام المسكين، وهو الهدف من الصوم. فإن لم يشعر الفاطر بآلام الجوع فإن عليه إطعام الجائع.
2- إذا كان الحاج غير قادر على حلق الرأس أو مريضا لا يستطيع أن ينتظر الهَدى أن يبلغ محله (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك( (196:2). فالصيام هنا يأتى قبل الصدقة والنسك، شعيرة بشعيرة.
3- فإن لم يجد الحاج الهَدى ولم يستطع الضحية فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة بعد العودة أى عشرة أيام كاملة (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم( (196:2). والصيام هنا أكثر لأن الحاج لم يستطع الضحية، تعميقا للإحساس بالآخرين إن لم تتم مساعدتهم بالفعل.
4- القتل الخطأ كفارته صيام شهرين متتابعين توبة إلى الله إن لم يجد رقبة يحررها أو دفع دية إلى أهل القتيل (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله( (92:4). والأولوية لتحرير الرقبة لأن العبودية تساوى القتل، وتحرير الرقبة إحياء للقتيل، ثم دفع الدية لأهل القتيل طبقا لعادة العرب وتعويضا بالمال عن المفقود. ويأتى الصيام فى الدرجة الثالثة كنوع من أضعف الإيمان لتطهير القلب، والإعلان عن براءة النفس، والسيطرة على الإرادة التى أخطأت وإن كان خطؤها عن غير عمد.
5- الحنث بالأيْمان كفارته صيام ثلاثة أيام إن لم يستطع الحانث إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم( (89:5). الصيام يأتى هنا فى المرتبة الثالثة بعد تحرير الرقبة والإطعام والكسوة.
6- الظهار وهجرة الزوج فى الفراش فكفارته أولا تحرير الرقبة فإن لم يستطيع فصيام شهرين متتابعين (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا( (58:4). فتحرير الرقبة يعادل إشباع الزوج.
7- الصيد فى الأشهر الحرم كفارته الصوم دون تحديد بعدد الأيام أو الشهور (أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره( (95:5) إن لم يستطع أن يسوق مثل ما قتل هدْيا إلى الكعبة أو إطعام المساكين. فالصوم هو الذى يغسل الذنوب.

ويستمر الحديث النبوى فى نفس المعانى القرآنية لصوم رمضان: عبادة، ومغفرة، وتكفيرا للذنوب، واعتكافا فى العشر الأواخر، وليلة القدر ونزول القرآن، والثواب فى الجنة، وحسن الأخلاق والسيطرة على الانفعالات أثناء الصيام، والإحساس بالوقت، واختيار صوم عاشوراء، وعدم المشقة على الناس جمعا بين الصوم والإفطار، وأداء الصوم عن الآخرين خاصة الوالدين.

فصوم رمضان طريق إلى المغفرة "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه". فالصيام لوجه الله وليس رياء للناس أو طلبا لحظوة فى أعين المؤمنين، طالبا الثقة بهم لمنصب أعلى أو لرياسة دنيوية. وليس تجويعا للنفس بالنهار ثم إشباعا للبدن فى آخره وكأن الزهد فى الدنيا أعقبه شبق فيها. حرمان بالنهار وإشباع بالليل. وتزيد معدلات الاستهلاك فى العالم الإسلامى من الأطعمة والأشربة، السكر والزيت والدقيق واللحوم والخضروات والفواكه والطاقة فى رمضان باسم الزهد والإحساس بالفقراء. ويزداد اللهو بالليل، وتجند أجهزة الإعلام أنفسها قبل رمضان بأشهر من أجل إعداد التمثيليات والمسلسلات والبرامج الدينية والابتهالات والأفلام والحفلات الخاصة لا فرق بين دين ودنيا.

إن الصيام لا يكون إلا لله وحده. "قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به". الصيام إذن دليل صدق وعلامة إخلاص، لا طلبا لرزق فى الدنيا بل احتسابا لوجه الله، علاقة بين العبد والرب. لذلك كان جزاء الصائم الجنة. فيها باب لا يدخل منه إلا الصائمون "إن فى الجنة بابا يقال له الريّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم. فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد".

الصيام إذن عبادة خاصة تتجه إلى الله مباشرة بالرغم مما فيها من كمال للنفس، وسيطرة على الإرادة، وإحساس بالآخرين. "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة". فالصيام توبة غير معلنة، ومناسبة للمغفرة، وطريقا إلى السعادة الأبدية.
فكيف إذن تكثر الذنوب فى رمضان، والسحور فى الفنادق الضخمة على أحواض السباحة ونفحات الرقص الشرقى؟ تتحول سعادة الروح فى كثير من الأحيان إلى انفلات البدن، وتأخذ الأرض زخرفها وتتزين وكأن الدنيا هى الباقية. صيام بالنهار جوعا وعطشا وإفطار بالليل لهوا ولعبا باسم رمضان، الشهر الكريم!


حسن حنفي

هذا النص

ملف
حسن حنفي
المشاهدات
29
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى