مقتطف عبدالرحمن مطر - سراب بري.. فصل من رواية " سراب بري"

القلق يأكل كبده. كل الأجوبة التي بررت له غياب سعيد، لم تقنعه. صدّق على مدار عامين كاملين رواية حادث السيارة، وتلاسنه مع ضابط كبير في الجيش، وأن الأمر أدى إلى السجن! الحكاية ينقصها الكثير، ولا يعرف أحدٌ في أي سجن هو..ألحّ في السؤال على أمه ذات مرّة، وهو يقول لها ان قلبه مشغول عليه، فترد أنه بخير، لم يهدأ ولم يكتف:

- أين هو؟

- غائب.. مثلك

سكت، بلع ريقه واكتفى بتلك الكلمات. فتح المفكّرة وكتب: "غائبٌ مثلي..إما أنه في السجن، أو في القبر، وفي الحالتين غائب.. نحن غائبان !"

قرأ ما كتبه، أثارته الكلمات، أحس بشعور غامض لإنكارها، لكنها مجرد أفكار ساقتها لحظة الكتابة والتعبير. همّ بشطبها، تراجع عن ذلك، أقفل القلم والدفتر معاً. رجته شام أن يتجنب في المرات القادمة، إثارة شجون أمه بسؤاله عن سعيد.

- لا تعد للسؤال عنه..أرجوك.

شعورٌ آخر، بدأ يرسم صورة مغايرة لأحاسيس مربكة، ومرّة في داخله، مرّة يتخيل أنه يقبع في قبو معتم، لمبنى مخابرات قديم، أرضه ترابية ونوافذه عالية وطويلة.. والرطوبة شديدة، والممر المؤدي إليها طويل والدرج ضيق شديد الانحدار. أو أنه في سجن تدمر العسكري، وسط الصحراء تلهب نهاره رياح الشمس المشبعة بالرمال، وتسفعه برودة الليل التي يعشش في تلافيفها القهر والذل، تقصى عن أماكن السجون والمعتقلات السرية، أماكنها وأشكالها وظروف المعيشة فيها، وعمليات وحالات التعذيب التي يتعرضون لها.

انشغل العقل به، والروح..تبلورت لديه فكرة شبه كاملة، مع مرور الأيام، عن المعتقل الذي يمكن أن يكون فيه، أقبيةُ أبنيةٍ حديثة، وسط المدينة، مثل فرع المنطقة، غرف مكتظة، تعذيب متواصل او متقطع، والنظام فيها يفرض على المعتقل ثلاث ساعات نوم، وثلاث أخرى مقرفصاً، وثلاثاً واقفاً. بين الحين والآخر، يتصور سعيد واقفاً، يحدد الوقت، وبعد ثلاث ساعات يقنع نفسه أنه يأكل الآن، أو ممدداً بكرشه التي تريد مكاناً لوحدها..فما الذي يفعله الآن يا ترى؟ تخيله بشعرٍ طويل، وذقن طليقةٍ..وأن جسده يميل نحو النحافة، يضحك الآن، يربّت على كرشه ويقول لرفاقه: --من زمان.. وأريد لهذه الكرش أن تختفي!

- يغلق عينيه على الصورة الأخيرة، الضاحكة لسعيد، حين يمرّ به خاطر من نوع آخر، يقضّ مضجعه

يا للغياب !

تعتمل في داخله النار، تلتهب أحاسيسه، تمتزج مشاعره بدوّامة الأفكار التي تأخذه في آفاق واتجاهات شتى، يهدّه القلق، ويتلبسه الإرهاق، يدير رأسه نحو الجدار، ويدفن وجهه في الوسادة!

تلك هي قسوة السجن، تذوق مرارة العجز التام عن القيام بأي فعل، يُطمئِن به على أخيه.. أقلّها أن يقف على حقيقة سجنه وظروف معيشته، وأن يمدّ له يد العون في محنته. قرر أن يبدأ البحث عنه، وهو في سجنه. سيبُلغ منظمات ولجان حقوق الإنسان، سيدفعها للتدخل من أجله، كبرت أحلامه، أو ربما أوهامه، وهو يتخيل العبارة الفريدة:

!"سجين يدافع عن سجين آخر في بلد مغاير"

أرخى جسده، حرره من الثياب، الرطوبة عالية تخلّف سائلاً لزجاً على جلده، ينزع شيئاً منه بالمنديل، فينز الجسد مزيداً من العرق. وقف بباب الغرفة، ليس هناك ظلٌ أو هواء. السديم يغطي السماء التي حال لونها إلى رمادي، أخذ حماماً بارداً أنعشه قليلاً، ولم تلبث الرطوبة أن ضغطت على صدره، فضاق..وضاقت الدنيا في عينيه، لعن السياسة والكتابة وأبو الذي اخترعهما. سبّ أخت الجوّ، وتمنى لو أن البحر يفيض، تمتد موجاته حتى تصل السجن فتغمره. أحياناً يرفع وجهه إلى أعلى، يشم بعمق، ويقول أنه نسيم البحر..البحر قريب جداً، لا يبعد أكثر من ثلاثة كيلو مترات.. اشتهى أن يرتمي في حضن الماء، مثلما يشتهي أن يرتمي في حضن امرأة، أية امرأة تطفيء لهيب الجسد..

هذا الطقس الحار جعله في أقصى درجات الشبق، وقف وسط الساحة، شَرع ذراعيه جانباً، ثم تمطى مثل قط ناعس، قطع الساحة ذهاباً وإياباً عدّة أمتار، علّه يخفف من تواتر الصور التي تسكبها مخيلته، كالزيت فوق نار الرغبات، الحرمان يسحق روحه المتمردة على الكبت، قدرةٌ هائلة تذوب قبل أن تفتتها طاحونة القهر.

أول المساء، تبدّل الطقس قليلاً، هبّت نسمة لطيفة، خففت من الحرارة والرطوبة، أخذ كتاباً وسطلاً صغيراً، وضعه على الأرض في الرواق قرب الباب، وجلس يقرأ روايةً، تجمع السجناء حوله لاستلام طعام العشاء. سنحت له الفرصة، وضع الكتاب تحت إبطه وقفز من نافذة الطعام، كادت قدمه تنزلق بسبب الزيت والحساء المراق على حافة النافذة والأرض، صار خارج القسم. فجأة، قبل أن يتحرك التقت عينا الرائد بوبكر به:

- تعال هنا

تردد، رسم ابتسامة صفراء، همّ بالعودة أدراجه:

- تعال هنا

اقترب بحياء، يدرك أنه ارتكب مخالفة، هيأ نفسه للإعتذار، تجنباً للإهانة والعقوبة:

- أريد الدكان..

- من دون استئذان ؟

إحساسه بالخجل، أربك خطواته الوئيدة وهي تمضي في الساحة العامة نحو الدكان، مضى وقت طويل، شهور.. لم يعبر فيها الساحة نحو الجهة الأخرى، حيث الدكان، والأقسام الثانية: الرابع والخامس، كانت الساحة التي يمتد طولها قرابة نصف كيلو متر، نظيفةً مرشوشة بالماء، وعلى يساره حيث كان ينتصب سور قديم من الآجر، له برجان، يعود للعهد الإيطالي..قد أزيل تماماً، وارتفع مكانه ونحو الخلف بناء ضخم من طبقتين: إنه السجن الجديد!

لم يشتر شيئاً من الدكان، عاد أدراجه الهويني، كأنه يقضي وقتاً للتأمل على كورنيش البحر، تمهل عند الرصيف العالي المقابل للنافذة التي قفز منها، حيث حوض النباتات الوحيد في هذه القلعة الرمادية المرّة. حوض الزريعة، رؤيته تفتح النفس، تريح النظر، وتمنح القلب قوة دفق عامرة بالحياة، زهور الزنبق شامخة تتعالى، وأوراقها العريضة الخضراء الداكنة، تميل بغنج ودلال على الساق، غابة مكتظة بالزنبق الأصفر، مدّ عامر يده إلى التراب، غمس أصابعه فيه، فركه، ملأ قبضته منه، قربها من أنفه وشمّ رائحته الذكية، أخذ نفساً عميقاً..عميقاً اختزن بداخله رائحة الحياة. تلّمس أوراق الزنبق، دفن وجههه بينها، ومال برأسه على الوردة الصفراء..الذهبية الجميلة، ذات البهاء. مدّ يده لقطفها، ارتعشت أصابعه، تملكه إحساس بالأسى..لا يحب قطف الزهور، قطفها..ضمّها بين كفيه، خبأها تحت ثيابه وأسرع بخطاه نحو القسم، وعلى عجلٍ وضع الوردة في كاس الماء..صار المكان مجللاً بالبهاء. جلس أمامها، جثى على ركبتيه يداعب تويجاتها ويشم رائحتها..ويدرء عنها عيون السجناء الحسّاد. فرح بالوردة ورقص قلبه مثل طفلٍ يكتشفُ في الباديةِ البور، وردة برية، لأول مرّة!


عادت شام من دمشق، وقف قبالتها تماماً في قاعة الزيارات، دسّ أصابعه العشرة في الشبك الفاصل بينهما، تأمل ملامحها الناعمة، ثبت نظرته في عينيها اللوزيتين!

- ألم تعرفي شيئاً عن سعيد؟

هزّت رأسها بالنفي، وأشارت بسبابتها بالجواب نفسه. أطرق برأسه، أرخى جبينه على الشبك لحظة، لملم الأحرف في فمه، صعد الدم حاراً إلى رأسه:

-اسمعي.. يجب أن تبلّغي العفو الدولية عنه، اكتبي لهم اسمه، مواليد 1956، صحفي اختفى أو اعتقل منذ 17شباط 2003، ولا يُعرف عنه شيئاً.

لمعت الدمعة في عينيها، أشاحت بوجهها عنه:

-بهدوء.. بهدوء، لا تحرق أعصابك..!

قالت كلماتها تلك، وغيّرت الموضوع، تحدثت عن أشياء أخرى، عن الأطفال وترتيب موعد الخميس القادم كي يزوره رامي، أما ريم فما تزال صغيرة وتفضل عدم دخولها إلى هذا المكان..تكاد تمرّ أكثر من ثلاث سنوات، لم ير فيها صغاره، الذين كبرت معهم أسئلتهم الملحاحة.

مساء الخميس، جهز نفسه، وضع قطعاً من الشوكولاتة، والمعجنات، علبة مشروب، ماء، تفاحة وموزة في كيس. رشّ ثيابه بالعطر. الساعة السابعة، وقف بالباب دقائق وخرج مسرعاً متلهفاً، نجحت الترتيبات الخاصة لزيارة ولده. اقتيد دون حراسة إلى غرفة المكتبة، وجد رامي بانتظاره، قفز نحوه، رفعه بين يديه إلى حضنه، عانقه.. تشمم رائحته، فرك شعر رأسه، ربت على ظهره، انهالا بالقبل، أخفى عينيه الدامعتين لحظاتٍ عنه، ثم أجلسه في حضنه.

-اشتقت لك يا أبي.

-وأنا أيضاً.. كثيراً.

-لماذا ذهبت هكذا.. ألم تتأخر علينا؟

-قريباً.. ثق يا بني، سأعود.

أحس به يغالب الغصّة في حلقه:

-تشرب الماء؟ جلبت لك أشياء كثيرة، هنا في الكيس، انظر..

-ماذا تفعل هنا يا أبي.

-أؤلف كتاباً..أنظر هذه غرفتي، وهذه طاولتي..

يحاول إقناعه، بأنه ليس في سجن، وأن كل شيء متوفر له. وفي قرارة نفسه، يدرك أن رامي لن تنطلي عليه كل تلك الأكاذيب، رامي الطفل، يستقوي على الحزن والألم، يكتم لوعته بابتسامة وقبلة، يلوح بيده ويغادر المكان، مثل رجل وقور ذي مهابة!

كلمة من ريم، وأخرى من شام، وثالثة من رامي، ورابعة من سلام..كلمات متناثرة تشابكت مع قلقه، فأججت هواجسه المستثارة أصلاً. بعد ظهر الجمعة، اتصل بشام، بلا مقدمات قال لها:

-سعيد..الله يرحمه حيّاً كان أم ميتاً.

سكتت..ولم يتكلم هو، لحظاتٍ ساد الصمت فيها هنيهات كافية:

-مثلما قلت..

ردت بصوت خافت.

أحسّ بالحزن ينزرع في فؤاده، للتوّ فقد إنساناً غالياً وعزيزاً، غمامة من الهدوء حطت عليه، بما يشبه السكينة، شام في اللحظات العصيبة، تحاول تخفيف آثار الصدمة:

-كتب مقالته الأخيرة عن خطورة الطريق ذاته، الذي قضى فيه بعد ساعة فقط.

-لقد "وثّق كلماته بدمه"..

سمع أصواتاً تعلن دخول المدير الجديد، قطع مكالمته، ودسّ الهاتف على عجل تحسباً لأي تفتيش. تمدد في سريره وتظاهر بالنوم، أذناه ترصدان الأصوات داخل الغرفة وخارجها، لمعرفة ما يجري. خرج يستطلع الوضع، ويتعرف إلى شكل المدير الثالث خلال أربعة أشهر فقط!

كان العقيد "الحصان" يتوسط السجناء، يستمع إليهم فيما يمجّ سيجارته بشراهة، طلبات السجناء كثيرة، واحد يريد النقل إلى سجن المنطقة الشرقية، والثاني إلى الجنوبية، والثالث يطلب تخديمه في المطبخ، أو أي مكان حتى في النظافة، المهم أن يخرج للعمل. اقترب منهم وقد ساءه ما يجري أمامه، وقف قبالة المدير، وخاطبهم:

-تطلبون النقل؟ اطلبوا الحرية.

-أين لنا منها؟

-الحرية تؤخذ، ولا تعطى.

نظر العقيد "الحصان" بطرف عينه نحوه، اتكأ إلى الجدار وسأله:

-أنت الكاتب والصحفي؟

-نعم..أنا هو.

صمت برهة، ثم قال له:

-تقارير الوشاية وصلتك بسرعة عني.

ضحك، تحرك خطوتين، وقف أمام الممر:

-قريباً..الأخبار طيبة، وستخرجون بعد أشهر قليلة.

-سمعنا مثل هذا الكلام الكثير..طالما أن العدالة غائبة، لا ثقة لدينا.

-من قال لك أن العدالة غائبة؟

-لو كانت قائمة، لما كان كل هؤلاء الذين من حولك في السجن الآن..

لم يجب المدير، رمى عقب السيجارة على الأرض، داس عليه بقدمه، نظر نحو الرواق المؤدي نحو باب القسم، وغادر المكان. بعد قليل أرسل أمراً يطلب فيه استعداد القسم السادس، للنقل إلى المبنى الجديد. استشاط السجناء غضباً، تعالت أصوات ناكرة رافضة، فالسجن الجديد على مسافة أمتار، أشبه بصندوق مغلق، ومغلف بقضبان الحديد. جدران عالية، والهواء فيه شبه معدوم، أما الشمس فلا تزوره أكثر من ساعة في الصباح، بسبب طريقة البناء المحكم الإغلاق!

انتدب السجناء ثلاثة، واحداً عن كل غرفة، ولحق بهم عامر. طلبوا مقابلة المدير، فلم يوافق. فكتب إليه يبلغه رفض سجناء القسم الانتقال، وأن أي محاولة لإجبارهم، ستقود إلى إضراب شامل.

أشعل المدير سيجارة، وضع الورقة في يده، ونزل إلى الساحة وقف أمام القسم، وأمر الضابط المناوب:

-هات السفله الأربعة.

الغضب واضحٌ على محيّاه، ونظرته التي حدّج بها كل واحد منهم، تبوح بمدى التوتر الذي يستبد به.

-كيف ترفضون؟

-سجن داخل سجن، أمر غير معقول، وغير مقبول!

أجاب عامر، فبادر للرد عليه، وهو يلوّح بعصاه:

-أنت تنوي إضاعة نفسك..وأنتم ما عندي كلام آخر لكم.

-ونحن لا يمكن أن نقبل النقل.

-أدخلوهم، وأغلقوا عليهم الحجرات، حتى ترجع لهم عقولهم..


آوى عامر إلى سريره، لا يشغله شيء مما يجري حوله، سوى الحزن الذي سكن أضلاعه، غياب سعيد أسقط كل أحلامه دفعة واحدة. عجز عن التفكير بشيء ما، أو التركيز في أي أمر، صدره يكاد ينفجر، يحسّ به ينوء بالألم، وقلبه متعب، ارتجفت شفاهه، سحب الملائة على وجهه وبكى بصمت.

وجد نفسه مدفوعاً للكتابة، أمسك بالقلم، وخط بالحبر الأسود:

"أصبح لي الآن حزني الخاص..ألمي وشجني المترع بلوعة فقدان أخي..حزنٌ أحمله فوق كاهلي وأغذّيه من دفق القلب، وأرويه بدمع العين. وأخلق من الحروف كلماتٍ مترعة بالذكريات، مشبعةٍ بالضوء الذي كان يشعّ من عينيه..".

خففت الكتابة آلامه، هدأت نفسه الملتاعة، فغط في النوم مبكراً إلى أن أيقظته نداءات بدر الدين لتناول العشاء:

-لا نيّة لديّ.

لم يدر أحدٌ بعد، بالخبر الذي قصم ظهره. لكنهم ألحوا عليه، أجبروه على النهوض، وتناول العشاء. أكل بضع لقيمات، أخذ كأساً من الشاي، وانزوى في الركن، أعطى ظهره للسرير، بدا وكأنه هائم، غائب في الغياب المرّ.

صخبٌ يملأ الغرفة على غير العادة، في مثل هذا الوقت، أصوات التلفزيونات، أغانٍ ومسلسلات، رياضة، كل واحدٍ على هواه..والمختلفين في لعبة الورق، فجأة ضجّ الجميع بالضحك، استعاد وعيه في المكان. كان النمس جاثياً على ركبتيه، يحدّق في الحصيرة، وينقل أصابعه من المربع الأحمر، إلى المربع الأصفر، بدت حركته كمن يعزل قطعة عن الأخرى، والبعض يرمي أمامه كسراً من الخبز، أو الحلوى، والبزر..يلتقطها ويجمعها في كفه الأخرى:

-ماذا تفعل يا نمس؟

-الحبوب..وقعت على العشب.

علت الضحكات مجدداً.

-انتبه، لا تقع في النهر، أمامك..

أحمد الفاسي فعلها، دعى النمس إلى كأس من الشاي، رمى فيه ثلاث حبات أرتان، كانت كافية لتفقده توازنه..فينفصل عن الواقع، وعن المكان. ظل ساهماً لساعاتٍ قبل أن يخلد إلى فراشه، لكنه لم ينم بسبب الحبوب، وعامر الذي لم ينم أيضاً، سمح نحيباً خافتاً، أصاخ سمعه ثم تجاهله. علا البكاء ثانية، اتجه نحو الصوت، كان النمس يبكي، ويهلوس بكلمات غير مفهومة، حاول إيقاظه، لكن هذيانه كان في أوجه، صبّ الماء على وجهه، وجذبه من يديه، تقطّع نحيبه، ثم صار يشهق، فرك له يديه، وأجلسه بالقوة:

-نمس، انهض ما بك؟

-سأموت..آه سأموت..

قال بصوت منهك، كمن يدنوا من الموت حقاً.

-أي موت؟ انهض من مكانك، غادر السرير.

-لا أقدر..رجلاي مشلولتان.

أزاح الغطاء عن جسده، تفقد قدميه، حركهما، لم ير فيهما شيئاً! حاول جاهداً سحبه من السرير، بلا فائدة. فكر في أن بقاءه على حالته هذه، قد تقوده إما إلى الجنون، أو انفصام في الشخصية، أو حتى إلى الشلل الذي يتوهمه الآن. أيقظ الوردي المتعب بعد نهار طويل من التمارين الرياضية، همس له بإذنه حكاية النمس، اتجه نحوه، وحمله بين ذراعيه بخفّةٍ، وأوقفه على قدميه مسنوداً إلى حافة السرير.

-أترى؟ أنت لا تعاني من شيء.

-أنا متعب.

-لا متعب ولا من يحزنون، كابوس؟ ام الحبوب التي بلعتها؟

-مشلول.. مشلول، أنا أموت..

لطمه الوردي كفين على خديه، ودفع به إلى الحمّام، وصب الماء البارد فوقه، أجلسه على العتبة، ثم أجبره على تناول كأس من عصير البرتقال. نظر عامر إلى ساعته، كان الفجر قد بدأت تظهر خيوطه الفضية الأولى، وتنسكب على حوافّ النوافذ العليا..

بعد غفوة خفيفة، حضّر القهوة، أخذ رشفة واحدة فقط، قبل أن يظهر الشرطي وينادي على الأربعة السفلة:

-المدير يريدكم.

انتظر الأربعة في البهو، للدخول إلى مكتبه..نصف ساعة، ثم خرج إليهم، وقف بباب مكتبه وأشار بيده:

-كعكوس وإبراهيم، نقل إلى السجن الشرقي، وأنتما إلى الانفرادي.

أدار ظهره وهمّ بإغلاق الباب على نفسه، ارتفع صوت الأربعة باللغط معترضين على ما قاله. لم يفلح الشرطي في اقتيادهم نحو الطابق الأرضي..

-اتركهم. .

قال المدير، دخل المكتب وعاد بعد لحظات، عاقداً يديه إلى الخلف.

-ما زلتم تتمردون، وتحرضون غيركم على التمرد؟

وقبل أن يجيبه أحد، رشّ كعكوس وإبراهيم بمادة غازية، صرخا بحدّة، ووضعا أيديهما على عينيهما، ثم راحا يمسحان وجهيهما بالثياب. توالت تأوهاتهما:

-آه.. لم أعد أرى، حرقتنا يا سيدي!

جفل عامر وخالد، تراجعا خطوة إلى الوراء، تملكهما الفزع، كانت للغاز رائحة قوية ومخرّشة، سقط على أثرها كعكوس وإبراهيم مغشياً عليهما في مكانهما، أصدر المدير تعليماته مجدداً:

-خذوهما، قيدوهما، وارموهما في سيارة النقل، وهذين الكلبين ضعوهما في المقبرة.


الانفرادي للمرة الثانية يدخله خلال ستة أشهر، أحدث العقيد الحصان، تعديلات على مدخله وبنى المقبرة، ذات السمعة المخيفة، ها هو يُساق إليها! فتح الشرطي باب الزنزانة الأولى، فظهرت المقبرة من الداخل. قسمت إلى جزأين علوي وسفلي ولكل منهما باب. تماماً مثل ثلاجة الموتى، أو قبرين فوق بعضهما، أدخل خالد في السفلي، أما عامر فقد تعلق بالباب، واستعان بكتف الشرطي حتى تمكن من الدخول إلى قبره العلوي:

-أخفض رأسك..ها؟

على الأرض، وبما عليه من ثياب، لا فراش ولا غطاء، ولا ماء. تمدد على ظهره، تفحص بعينيه نصف الزنزانة-القبر، رائحة عفونة ورطوبة، وبول، ثمة نافذة في الباب. وأخرى دائرية بحجم الكف خلف الرأس، هي مصدر الهواء الوحيد، يمكن للسجين أن يجلس فقط، وأن يحبو إذا أراد قضاء الحاجة، الباب خلفه باب الزنزانة الأصلي. وضع كفه على الجدار، وأخذ يقيس ارتفاع القبر: خمسة أشبار، طوله ثمانية، وعرضه أربعة. أخذ نَفَسه يضيق، يعبّ الهواء بأكبر قدرٍ ممكن من فمه، توقف عن الحركة تماماً، أخذ يخنق السعال كي لا تضيق شرايين الرئتين. ارتاح قليلاً، طلب من خالد أن يطرق الباب:

-أريد بخاخ الفينتولين..وإلا وقعت في أزمة حادة.

-اصبر قليلاً، إن سمعت اصواتاً سأطرق الباب.

ظهراً فتح الباب، ثم النافذة الصغيرة، دفع الشرطي من خلالها طبق الحساء الصغير، نصف قطعة من الخبز، وقليل من الماء، دون أن يتفوه بكلمة واحدة.

-اسمع..

-لا تكلمني..ممنوع.

-كيف ممنوع، أنا مريض. أريد علاجي.

-علاج ماذا؟

-أبلغ العيادة، وهم يعرفون.. أنا أبلغتك.. وأنت، تدبرّ رأسك!

تذوّق الطعام، كان الحساء حاراً، فأبعده جانباً، أكل قطعة الخبز مع الماء، سدّ جوعه وعاد يسترخي على الإسمنت البارد، لم يمض وقت طويل حتى ظهر الممرض بالباب وفتحت النافذة الصغيرة:

-مدّ يدك من الباب.

ربط يده أعلى المرفق بشريط المطاط، وغرز الحقنة في وريده، انساب الدواء في دمه، اختلط به، سحب الحقنة، مسح مكانها بقطنة مبللة بالكحول، وغادر المكان. تحسنت صحته تدريجياً، لكنها تردّت مع حلول الليل، والبرودة التي تتغلغل في جسده ضاق صدره، بدأ يطرق الباب، لحق به خالد، فظهر المدير أمامه:

-أريد أوكسجين..

-والحقنة التي أخذتها.

-لا تكفي..

أمر المدير بفتح أبواب المقبرة، أخرجه إلى العيادة، وظل خالد يعاني من الظلمة والرطوبة والضيق ، ثم أعيدا معاً إلى القسم آخر الليل.

بعد الظهر دخل الوردي، وقف في الساحة الصغيرة وأبلغ الجميع:

-الانتقال إلى القسم الجديد، بعد ساعة واحدة تماماً، جهزّوا أنفسكم.

ساد صمت مطبق، لم يفتح أحد فمه بكلمة، أو حتى اعتراض، ومضى كلٌ في سبيله يوضّب أغراضه.

مرّ يوم مضنٍ، متعب جداً بالنسبة له، غبار وفوضى، وحركة دائبة وصخب.. وبين الفينة والأخرى يأخذ جرعة من الفينتولين، وقليلاً من الماء مع حبة من الفيتامينات المتكاملة، يستقوي بها على ضيق التنفس، وعلى التعب الذي أنهك قواه، وهو يذهب ويجيء حاملاً أغراضه لمسافة مائتي متر.

الثالثة فجراً، أخذ يسعل، ثم انتابته نوبة من الربو، وكلما أخذ جرعة من الدواء، ازدادت الأزمة في صدره. شعر بأنه يكاد يختنق، ركض نحو الباب يستنشق كمية أكبر وأنقى من الهواء، عاد على فراشه، الذي يقع إلى كتف حاجز من الألواح الحديدية القريبة من غرفة الحراسة، أخذ يطرق الباب بيديه وقدميه. نهض السجناء من نومهم فزعين، تعالت الأصوات:

-افتحوا الباب..افتحوا الباب، عندنا مريض.

ركض عامر نحو الباب مرّة أخرى، تعاظم إحساسه بالاختناق، تراءى له الموت، رآه بعينيه يقترب منه، أمسك بعزرائيل بكلتا يديه، ورماه بعيداً عنه. اشتدت أزمة التنفس، بخاخ الفينتولين، والمراوح، واستنشاق الهواء لا فائدة فيه..فتح الضابط المناوب الباب على عجل. خرج جرياً باتجاه العيادة، ومن خلفه يركض الضابط والمدير والشرطة، دفع بقدمه باب العيادة بقوة، قفز نحو قارورة الأوكسجين، الممرض النائم يتثاءب، خطواته متثاقلة، عاد نحو الباب يستنشق الهواء، أخذ الشرطي يجري له تنفساً اصطناعياً، أبعده عنه بقوة، قوة من يواجه الموت، قوة من يتمسك بالروح، أخذت حنجرته تصدر أصواتاً مختلفة، فحيحاً مرّة، وسعالاً حاداً مرّة بين الشهيق والزفير، يرافقه أنيناً مكبوتاً. وضع الممرض إنبوب الأوكسجين المتدفق، على إنفه وفمه، أعطاه حقنة هيدروكورتيزون مع الأمينوفيلين، أحسّ بالدواء يجري في عروقه، بردت شفتيه ثم ارتجفتا، ثم صار جسده كله يرتجف. شبح الموت يدور حوله، الخدر يسري في شرايينه، الدواء يخلّف طعماً مرّاً في فمه، انكمشت شفتيه، شعر بدوارٍ في رأسه، وغثيان في معدته، تثاءب..تثاءب، ارتخت جفونه..ثم غط في نوم عميق.

فتح عينيه في الصباح، كانت يسراه تتصل بكيس التغذية وإلى جانبه شخص ممدد على السرير، مغطى بملاءة بيضاء من رأسه حتى قدميه، أدرك على الفور أنه يجاور ميتاً.

-مَنْ؟

-جبران..

تملكه شعور عميق بالأسى لموته، جبران المعتوه الذي يعاني من أمراض عدة بسبب التعذيب، كان يجذبه من يديه غصباً عنه، يعرضه أمام لجان حقوق الإنسان، ولجان التفتيش، وأمام الطبيب..لم يعالج! المدير لم يأبه ولم يرأف لحاله. لم يكن ينم ليلاً أبداً، يخشى الأشباح التي يعتقد أنها تلاحقه. دكّه المدير في الإنفرادي، تعاظم ألمه، فقرر التخلص منه، دفعة واحدة، بخيط بنطاله، وعلى شبّاك زنزانته، في لحظةِ صفاءٍ عند الفجر..شنق نفسه !
  • Like
التفاعلات: عبدالرحمن مطر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى