نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

نزيه أبو عفش - هيلودينا الجذَّابة وهيلودينو القوي...

  1. هكذا تعوَّدت: أترك بابي مفتوحًا.

    في النهار وفي الليل، في الصيف وفي الشتاء، وعلى مدار العهود والأيام، أتركه مفتوحًا، وأعيش، وأنام، وأصحو، ولا أخاف شيئًا.

    ذات يوم، وبابي مفتوح، وأنا أتنعَّم بدفء منزلي ودفء نفسي، وأسبح في نور منزلي ونور نفسي، سمعتُ صوت امرأة، حزينًا وحنونًا، يأتي من ظلام الهواء الذي خلف الباب المفتوح:

    "مساء الخير يا عزيزي."

    قلت: "مساء الخير يا عزيزتي."

    (وعرفت صوتها الحنون الحزين: كانت هيلودينا الجذابة ذات الشعر الأسود الطويل، إلهة الأشعار والزنابق والأعراس والعطف والكلمات والموسيقى...)

    "لماذا لا تضيئين المصباح عندك؟" سألتها بحب.

    قالت: "صدِّقني، لا أعرف كيف أضيء مصباحًا في العتمة. تعال وساعدني... لعلِّي أستطيع أن أقول لك "مساء الخير يا عزيزي" وأنا في النور..."

    خرجت إلى الهواء المعتم أضيء لها المصباح: فأمسكتْني إلهة العطف والزنابق والكلمات والموسيقى بذراعها الأيسر، وأسندت عنقي وظهري إلى أسفل بطنها وساقها اليسرى، وأشهرتْ بقبضتها اليمنى سكِّينها الرشيقة اللامعة، سكين الأزهار والعطف والموسيقى، وانهالت عليَّ طعنًا في البطن والصدر والقلب والعنق والكتفين...

    قلت: "يا هيلودينا، دعيني أولا أضئ المصباح."

    وأحسست، من ورائها، بوجود شبح! شبح إله آخر متخفٍّ وراء شبحها ووراء الظلام. (أبصرت الذي معها، ولم أميِّزه جيدًا. لكن رأيت أنه كان طويلاً عريضًا قويًّا، وشعره قصير وأبيض: إله رياضي!)

    قال: "لا تعرفني؟!... (فكرت: هذا جوبيتر!) أنا هيلودينو، إله المصابيح والعدل والصداقة والأزهار والشجاعة والكرم والإخاء والطفولة الأبدية والحليب الطاهر والعطف والموسيقى..."

    عرفته. وقلت: "عرفتك. فساعدني..."

    فأشهر الإله الذي معها (الإله الرياضي الطويل العريض القوي، ذو العنق الصاخب الغليظ، والضحكة الفولاذِ الفوسفورية المعطَّرة بحليب الأزهار وأنفاس البلابل، والشعر الصبياني القصير القصدير المفضَّض...)، أشهر خنجره اللامع الرشيق الجميل المذهَّب المفضَّض، ثم أسندني إلى ركبة وذراع!

    أسندني كلٌّ إلى ركبة وأسفل بطن وذراع، وراحا يذبحانني كلٌّ بخنجر وضحكة وذراع! راحا يطعنان جسدي معًا: في البطن وما تحت البطن، وفي القلب وما فوق وما تحت القلب، وفي الرئتين، وفي العنق والكتفين والراحتين الموَلْوِلَتين المرفوفتين في الظلام.

    طعناني حتى في صيحة فمي. فخفت على عينيَّ...

    وسألني جوبيتر: "أين عيناك؟ أين عيناك؟..."

    خفت على عينيَّ – خفت كثيرًا – فأوشكت أن أصبح ميتًا.

    ... ... ...

    وإذ أسنداني هكذا...، وراحا يطعنانني هكذا، بكلِّ هذا الدأب والسخاء والعطف، فقد سال منِّي دمٌ كثير ولهاثٌ كثير: دمٌ مثل رحيق وَرْدٍ مدفَّأ بشمس ربيع، دمٌ غامض وخجول مثل دم الفراشات، مثل رنين أشعار حبٍّ تغنَّى في البال، مثل هواء خفيف أو بخار دم... فما لبث أن احمرَّ الظلام (الظلام الذي كان شديدًا لأن هيلودينا الإلهة لم تعرف كيف تضيء المصباح...)، احمرَّ الظلام كثيرًا، فصار له لونُ نبيذ مسيحيٍّ عَطِر دافئ وأحمر.

    ... وإذ صار للظلام لونُ نبيذ دافئ وأحمر، فقد صَعُبَ عليَّ أن أموت.

    فامتنعت عن الموت.

    فبقيت حيًّا...

    ... ... ...

    بقيت حيًّا. لكن... كنت حزينًا بعض الشيء، حزينًا أكثر من بعض الشيء.

    فجلست على درجة السلَّم الباردة الدافئة، ورحتُ أنفض الدم – غبار الدم – عن صدري وثيابي وشفتيَّ.

    وتفقَّدت عينيَّ، فعرفت أنني لم أصبح أعمى.

    وكان بوسعي أن أسمع وأضحك وأشم.

    فضحكت قليلاً...

    فشممت رائحة وَرْدٍ نعسان. وتناهت إليَّ تغريداتُ كروانات سعيدة تضحك للفجر.

    جلستُ على الدَّرَج الذي لم يعد معتمًا كثيرًا. ورحت أحلم قصائدي، وأشرب نبيذي، وأتمتَّع بوردي وكرواناتي وحياتي وباب منزلي المفتوح.

    أما هما (إله الخناجر والأزهار والكلمات والموسيقى، وإلهة السكاكين والعطف والكلمات واللطافة والموسيقى) فقد سقطا ميِّتين على الفور، عند باب المصعد!... ماتا وتبدَّد شبحاهما الفولاذيان في الهواء الخمريِّ – مثل بخار نبيذ يغلي – فلم يبقَ منهما غيرُ شعر طويل وأسود، وشعر قصير وأبيض، وبقايا ثياب أرجوانية صدئة مجعدة ومهترئة، تحترق من غير نار ويفوح منها دخانٌ زَنِخٌ كريه أشبه بدخان شحوم ضباع فاسدة!

    وسمعت الجيران تحت وفوق يفتحون أبوابهم ويصيحون، كلٌّ من باب وكلٌّ من طابق وكلٌّ من شرفة: ما هذه الرائحة البغيضة؟ الرائحة التي تقتل؟!

    قلت أخاطب الجميع: "لا تقلقوا ولا تخافوا. هذا لا شيء. مجرَّد رائحة إلهين، ضبعين عظيمين، يحترقان."

    وشرحت لهم أكثر: "زوجان عظيمان من آلهة الظلام والمصابيح والأزهار والعناكب والعدالات والصداقة والعطف وحنان الموسيقى!"

    أغلقوا أبوابهم وعادوا ينامون.

    وراح يعلو أكثر فأكثر صياحُ الكروانات السعيدة، في الحدائق الفجرية السعيدة، وفاض على الكون عطرُ ورود حقيقية، شفافة، عطوفة وسعيدة.

    وتناهى إلى سمعي صوتُ ولد سعيد يغنِّي:

    اتركوا الأبواب مفتوحة

    وأضيئوا المصابيح...

    ولا تخافوا

    الذين يحبُّون، يحبُّون حقًّا الأزهار والكروانات والعطف والجمال والموسيقى...

    لا يخافون أحدًا

    لا يخافون شيئًا

    لا يخافون أبدًا:

    لا يخافون حتى في الأحلام.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..