أمل الكردفاني - مونودراما راقص الماساباي - مسرحية من مشهد واحد

مونودراما راقص الماساباي - مسرحية من مشهد واحد


الشخصيات:

رجل يحتضر
ملقن


"المسرح: غرفة بإضاءة خافتة جدا؛ نافذة في المنتصف تنحدر من زاويتيها ستارتان حريريتان قرمزيتان. صورتان مبروزتان معلقتان على يمين ويسار النافذة. خلف النافذة ينعكس ضوء القمر الأبيض المشرب بزرقة. وهناك أصوات صراصير الليل.
تحت النافذة سرير وثير يرقد عليه رجل عيناه مغمضتان وفمه مفتوح. وإلى جواره رجل على الكرسي. يرتدي جلبابا أفريقيا تركوازي ولامع. ويضع على رأسه قبعة أفريقية مزركشة بالألوان ولديه لحية صغيرة وهو ملقن المحتضرين.

الملقن: (يهمهم ببعض التراتيل غير الواضحة)..
(يبتلع الراقد غصة في حلقه دون ان يفتح عينيه ودون أن يغلق فمه)..
كالعادة (يهمس لنفسه) إنهم يموتون فجرا.. يحتضرون عند الغروب ثم يلفظون أنفاسهم فجرا.... (ينظر لساعته) لم يتبق للفجر الكثير .. (ينظر للأمام)...إن مهنتي ككاهن ملقن مهنة ممتازة... (ينظر للرجل الجاثي) أهلك استأجروني لكي أنقل روحك بسلام إلى العالم الآخر...(يعود للتحديق تجاه الجمهور).. هذا جيد...علي أن أتلو على مسامعك التي لا أظن أنها تسمع الآن بعضا من جمل الكتب المقدسة.. إنني أحفظ الكثير منها ..بوذية ومسيحية وخلافه .. هذا عملي .. فكما هناك تجار حياة وتجار دين وتجار شعارات ثورية وتجار آيدولوجيات وتجار حرب فهناك أيضا تجار للموت... في الواقع من الذي لا يمارس التجارة؟ لا أحد .. كلنا نتاجر بما نملكه من مؤهلات ولذلك فتجارة الموت ليست استثناء أخلاقيا.. على العكس..في الواقع لماذا يسمونها تجارة...لو أسموها شيئا غير التجارة..ربما.. ربما إسما يعكس لا أخلاقية معينة لكان أفضل.. التجارة عطاء وأخذ...لكن تجار الدين والسياسة ماذا يعطون..انهم لا يعطون شيئا..ربما يعطون الوهم..نعم كهوليوود مثلا التي تبيع الوهم..ككتاب التنمية البشرية .. كالكتب المقدسة... كالغناء العاطفي .. كالحديث عن الحرية والعدالة والديموقراطية... يبدو لي أنني استطيع الاستمرار طويلا في سرد بيع الوهم للبشر... إن أهم ما يشتريه الانسان هو الوهم وإلا غاص في كآبة العدمية.. بل حتى العدمية نفسها صارت موضوعا هاما للتجارة...إنها مواز لموضوعة العالم الآخر..أليس كذلك.. دعني لا أضيع الوقت في هذه الترهات ولأرى إن كان بؤبؤا عينيك قد تمددا أم لا زلت حيا (يفتح جفني الرجل ويحدق فيهما عن كثب).. أها.. يبدو أنك لا زلت حيا..جيد.. ليس أمامي الكثير أو في الحقيقة ليس أمامك الكثير...لكن بدلا عن أن أسرد عليك نصوصا مقدسة كئيبة لماذا لا أسمعك قصصا ألطف من ذلك..في كل الأحوال ستذهب عما قريب لتتأكد بنفسك من حقيقة هذه الغيبيات .. في الواقع ..ما عاد بمقدورك الآن أن تتراجع .. لقد قضي الأمر.. ألا تتفق معي إذن أن من الواجب عليك -كجينتل مان- أن تثبت على مواقفك الماضية وتتلقى الحقيقة المطلقة بثبات وصدر مفتوح لكل العواقب...إن الأبطال يفعلون ذلك.. يبتسمون وحبل المشنقة يلتف حول رقابهم...لأنهم في تلك اللحظة الحاسمة عليهم أن يثقوا في خياراتهم الماضية.. لو بكوا لكان ذلك اعلانا منهم بأن طريقهم كان خطأ.. وأنهارت بطولاتهم تماما كما فعلت جان دارك...في تلك اللحظة اختارت جان دارك أن تكون عقلانية .. لكنها اخطأت.. ففي تلك اللحظة بالذات كان عليها ألا تكون عقلانية أبدا.. كان عليها أن تختار الاستمرار .. الاستمرار في خيارها الوهمي بأن تكون قديسة وصوتا للرب...لكنها اخطأت..يبدو لي أن عوامل سياسية هي التي أفضت بترسيمها قديسة بعد حرقها...على أي حال فهذا ليس مربط الفرس...لأكون أمينا في عملي فعلي أن ألقنك تعاويذ دينية يا سيد...لكن كلما نظرت إلى وجهك الشاحب أخذتني شفقة كبرى من أن ألوث سمعك بمزيد من أكاذيب الحياة...فأنت تغادرنا الآن الى اللا شيء.. نعم...لست متأكدا من كلمة اللا شيء هذه كما لست متأكدا من كلمة شيء نفسها لكنني سأكون أمينا وعطوفا معك لذلك ربما سأخفف عنك ثقل ما يحدث لك الآن من انهيارات بايولوجية تبدو تماما كالاكرشيندو ..صوت صفقة باب متسارعة جراء الريح أو الأشباح يتبعها صمت كئيب... أعلم انك مستغرب من استخدامي لكلمات ذات خلفية موسيقية ولكن سوف تزول دهشتك حين تعلم أنني كنت رئيسا وراقصا في فرقة الماساباي بل وطبالا في تلك الفرقة..كان هذا خياري في الحياة وكان خيارا مدهشا لأنني عشت سعادة غامرة خاصة بعد أن تزوجت أجمل راقصة في الفرقة.. زوجتي التي جمعت بين الذكاء والجمال وهذا نادر في النساء...أتذكر أنها أيضا كانت رومانسية جدا .. ففي مساء يوم ما عدت إلى المنزل ووجدتها توقد شمعة فوق طاولة .. فجلست اليها.. لقد أمسكت بيدي وقالت: أيها الراقص البائس كم أحبك... حينئذ انطفأت الشمعة فقالت لي: أين ذهب ضوء الشمعة؟ أجبتها: لقد انطفأت يا حبيبتي هذا كل مافي الأمر.. قالت: وأين ذهب الضوء؟ فكرت قليلا وأجبتها: ذهب حيثما ذهب..لا أعلم انا لست كيميائيا ولا فيزيائيا...حينها قالت: عليك أن تعرف يا راقص السامبو المسكين...ثم تركت يدي وغادرت المنزل بغير رجعة...بحثت عنها لكنها اختفت تماما ويبدو أن تلك الليلة كانت ليلة وداع رومانسي...وبكبرياء ذكر جريح بدأت البحث عن إجابة لسؤالها..قرأت كتبا كثيرة عن النار.. النار التي نقول بأنها انطفأت.. لكن كيف انطفأت وما معنى ذلك....كيف انتهت كل تلك التفاعلات ثم تبخر الضوء الساطع هكذا فجأة كأنه لم يكن...لم أجد اجابة حاسمة.. أين ذهب ضوء الشمعة؟ قرأت عن التأين .. عن الغازات .. عن البلازما.. فيزياء الكم ...لكن لم يقنعني أي شيء...لقد كان هناك مبدأ مقدس لدى الجميع إنه لا شيء يفنى ولا شيء يستحدث من العدم...لكن... ألا يتخلخل هذا المبدأ كل يوم...المهم.. وحتى لا أضيع وقتك الثمين في سرد ما أجهله في هذا الكون الفسيح دعنا نستفيد من الوقت ونتحدث عن أشياء جميلة نعلمها...أشياء بسيطة ولطيفة .. دعني أحدثك عن رقصة الماساباي.. لقد بدأت هذه الرقصة في حقول قصب السكر .. كان أجدادنا العبيد رجالا ونساء يرقصونها قبل العمل لتنشيط الدورة الدموية.. إنها رقصة غريبة .. فمن يعلن بدايتها هو أصغر العبيد .. كان حينما يصيح: الماسا .. أي الرقص .. يبدأ الجميع في التحرك ببطء شديد... كانوا بالمئات رجالا ونساء وأطفالا شبابا وكهولا وعجائز....اخبرني جدي بأنه كان يشعر بالرعب حين يشاهد كل العبيد يتحركون حركات بطيئة جدا.. كان طفلا بريئا ... بعدها تتسارع الحركات رويدا رويدا ثم تنقلب إلى سرعة جنونية .. يقول جدي أنه كان حينئذ يضحك لأن مؤخرات الرجال وأثداء النساء كانت تهتز بقوة...وحينها يصيح رئيس العبيد (باي).. فتنتهي الرقصة وينتشر الجميع داخل مزارع القصب...قال جدي أن الدماء تتحرك وتنشط داخل عروقهم بسبب تلك الرقصة الصباحية الغريبة...لذلك انشأت فرقتي الصغيرة ثم توسعت بعد ذلك...بالتأكيد طورت الرقصة بحيث أصبحت أقل عفوية مما كانت عليه .. أصبحت البداية أكثر بطئا وأكثر إخافة للكبار قبل الصغار ... جعلت عيون الراقصين تنفتح على اتساعها دون أن ترمش .. وخلفية الطبول المتحمسة ترفع الادرنالين في الدم...لقد جاء الأجانب ليشاهدوا رقصتنا التراثية وأعجبوا بها والتقطوا معي ومع بقية الراقصين الصور...لقد كتبت صحفية متفلسفة عنها في إحدى المجلات العالمية..مانشيتا عريضا (من حقول القصب قصة الانسانية).. لا أعرف ماذا عنت بقصة الانسانية فلم استطع ترجمة كل التحقيق الصحفي .. شاهدت صوري وانا ابتسم كأبله.. ثم تلقيت جوائز مالية وأدبية وعروضا للسفر .. أحسست حينها أنني حولت أجدادي إلى قرود في قفص بحديقة حيوانات...مقابل اثارة دهشة هؤلاء فقط ... زوجتي رفضت ذلك وقالت أن هذا فن والفن لغة عالمية...لكنني أصدق احساسي أكثر من الفلسفة...وبعد أن هجرتني وقفت أمام الراقصين وقلت لهم: أيها الراقصون..إنني كرئيس لهذه الفرقة أعلن التنحي عنها...فاختاروا بكل ديموقراطية رئيسكم الجديد... لقد اختاروا رئيسهم ولكن بدون أي ديموقراطية..لقد ضربوا المرشح المنافس حتى أشرف على الموت ثم طردوه رغم أنه كان أبرعهم في الرقص وربما كان ذلك هو سبب حسدهم له...المهم وحتى لا أضيع وقتك المتبقي وأنا أرى عقارب الساعة تقترب من الفجر حيث تودع هذا العالم.. سأضطر لاختصار القصة..لقد قام رئيس الفرقة الجديد بجلب تبرعات سخية من رجال الأعمال ثم تحول الرقص الى رقص الهيب هوب تقريبا ... وبدأت الفرقة في تقديم اعلانات التلفزيون الصاخبة ... لقد ماتت رقصة الماساباي ولم يتبق منها سوى الاسم فقط...ماتت ككل شيء في هذا العالم...واذا كنا نعزي أنفسنا بالانجاب وكان هذا عزاءا وهميا فإنني أعزي أجدادي ببقاء إسم رقصتهم .. لكن ربما أقول كما قال فويرباخ: حين تكون أنت كل شيء ، لذلك فعندما تموت ، لا يكون ثمة شيء.. ، ليس ثمة شيء يا عزيزي.. لا اسم ولا حتى مؤلفاتك الأدبية ولا حتى اختراعاتك السابقة... أين يذهب ضوء النار؟ .. لا زلت اجهل ذلك..(يصمت لبرهة).. (يتأمل وجه الرجل الجاثي.. يمد أصابع يده ويشد جفني الرجل) لم يتمدد بؤبؤاك بعد..لا زلت تقاوم... جيد..علي ان اكون كاهنا مخلصا لعملي.. علي أن ألقنك ما قالته الكتب المقدسة...لكنني أيضا علي أن أكون أخلاقيا قليلا لأن الكتب المقدسة لم تقل شيئا ذا بال.. ما تقوله ليس سوى تكرار ممل لما قاله الكهنة منذ انسان النياندرتال قبل اربعمائة وخمسين ألف سنة.. لذلك فأخلاقي تمنعني كملقن من أن ألقنك ما تعلمه مسبقا من أكاذيب.. أو ربما خيالات وآمال وطموحات بشرية قديمة ومستمرة.. لكنني سأخبرك بقصة بسيطة وهي أنني قبل أيام فقط..شممت رائحة عفنة في مطبخي...وبعد بحث صعب وجدت جثة فأر ضخم .. يمكنك أن تطرح سؤال الوجود على البشر لكن يبدو سخيفا أن تسأل عن موئل الحيوانات النافقة...إنه سؤال شبيه بسؤال زوجتي قبل أن تهجرني: أين يذهب ضوء الشمعة؟ لقد طرحت علي سؤالا غبيا وخبيثا جدا في لحظة اعتقدت أنها لحظة رومانسية..لقد خدعتني وتركتني تائها في البحث عن إجابة سؤال هي نفسها لم تكن تعلم إجابته.. شاهدتها وهي تجمع أغراضها وتغادر وأنا غارق في البحث عن إجابة السؤال.. أين يذهب ضوء الشمعة يا ترى.. ذهبت الى قوقل وطرحت السؤال .. فتشت ولم أجد إجابة واضحة كانت كل إجابة تحيلني إلى علم آخر من العلوم الفيزيائية والكيميائية بل وحتى الاحصائية والرياضية .. غرقت في رموز لم اسمع بها من قبل.. ماهو الضوء وكيف يختفي وأين يختفي.. غرقت في مسميات غريبة..جسيمات.. موجات.. كواركات.. خزعبلات كثيرة.. جعلتني أعيد النظر في رؤيتي للحياة... إن الاسئلة البسيطة أكثر تعقيدا مما نظن...أين ذهب الفأر الميت وأين ذهب الضوء وأين ستذهب أنت بعد قليل يا سيدي؟..ليس علينا أن نجد إجابة حاسمة..فلا توجد إجابة حاسمة إلا إذا اعتبرناها نحن كذلك.. يمكنك أن تذهب إلى لا شيء كما قال فويرباخ أو تذهب إلى كل شيء كما تقول الكتب المقدسة..إن هذه الإجابات كلها متساوية في نظري... وعلينا أن نكتفي بذلك المجاز الرخيص حينما نسأل ذلك السؤال: أين يذهب ضوء الشمعة؟ إنه ينطفئ فقط..ألا تبدو لك إجابة واضحة وغير معقدة... تنطفئ فقط..أنت تنطفئ .. (يرفع رأسه عاليا..) لقد حضر الفجر (يمد أصابعه ويشد جفني الرجل الممدد).. لقد تمدد بؤبؤا عينيك...حسنا... سأتلوا عليك بعض التعاويذ المملة الآن..فاستعد..

(ستار)


٢٠١٩-٠٥-٢٦-١٤-٠٩-٠٦--233503528.jpeg

هذا النص

ملف
المسرح
المشاهدات
237
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى