رضى كنزاوي - القلب الخائف / قصة قصيرة

شبه عار، إلا من نعل بلاستيكي مرقع بسلك، وشورت جينز حزت سيقانه بعشوائية ، كان في ما مضى سروال أخي، عظامي بارزة كهيكل سمكة، يلفها جلد مشوي ، إلا ما استثنته الشمس تحت سروالي الداخلي ولم تسفعه.
الصيف في أوج معمعانه ، والمدينة تذوب ببطء ، هلامية ودسمة، كجبل (شاورمة) يدورعلى مهل وسط سفود حديدي ، المقاهي المصطفة على مدى رصيف جادة (سترافانسكي) بروادها المتثائبين ( الدموع المنزة
والسيالة عبر أرداف قناني الصودا الباردة، في أيادي من أنعم عليهم الحظ واستطاعوا إلى ذلك سبيلا، أصحاب "نص نص" و قهوة " نورمال" , غالبية هؤلاء, كانوا من الموظفين والمحاسبين ورجال الشرطة ). المارة المزبدون الذين يجرجرون جثثهم المترهلة على مضض، كالخارجين من القبور. المركبات العالقة في زحمة سير أفعوانية لا متناهية، زادت من تقويض المناخ بأبواقها الزاعقة ونوبات السعال السوداء المنبعثة من بخاخاتها. شارات المرور العاطلة. الشرطي الأزرق الوجه، بشاربه الكث وبذلة تكبره مقاسا ، كأنه يرتدي خيمة ، يشدها حزام أبيض عريض بأزميل فضي وجراب يحمل عصى ، نوارس تتمايل في البعيد ,تائهة في كبد صحراء زرقاء مقفهرة . بدت حركة العالم ثقيلة، كأنه يغوص في مستنقع وحل، كأنها النهاية.
بينما أقطع الطريق, لفّا بين عربات الجادة المحتقنة إلى الجهة المقابلة ، حيت لا يفصلني سوى مسافة خمس بنايات، أوغل تحت فيئها إلى حي ( شتراوس)، قام أحد السائقين المنفعلين بقذفي (بابن القحبة) لأنني عبرت مجاله، في اللحظة التي كانت سانحة له بالمرور، متيحا الفرصة لسائق آخر الولوج برأس مركبته، لم أستسغ الأمر، لذلك، تناولت نعلي، حشوته في ساعديّ, كخوذتي محارب طروادي لتسهيل عملية الفرار, ثم بعجت صدام مركبته الأمامي بلكمتين قويتين، مطلقا العنان لساقي في الريح ، أنط كغزال على أديم الاسفلة الساخن.
تمكنت من العثور على زجاجتي بيرة فقط، في قمامة الحي الثري، واحدة فارغة وأخرى سكبت ماتبقى منها في أحشائي ، وهذا راجع لعامل، أنه كان يوم خميس،على غرار باقي أيام وسط الأسبوع، كانت لتكون الحصيلة وارفة لو نقّبت صباح الأحد، فهؤلاء يسهرون ويشربون كثيرا نهاية الأسبوع رفقة زيجاتهم الجميلات.
جلست على حيد الرصيف أستريح قليلا ، أشعلت عقب سيجارة وجدتها ،سحبت نفسا عميقا, نفثه ثم بصقت العقب عن شفتي،
الحياة مترابطة بشكل غريب، لتوي قبّلت إنسانا لا أعرفه , امرأة جميلة بديون كثيرة ، جنرال مصاب بالبواسير، عاطل ،
محامية ، حوذي يحب زوجة أخيه، أوسفاح ... لا يهم.
خبأت القنينتين في حجري ، محترسا ألا أقع في يد صعاليك بغيتهم نفس الشأن ، قطعت أضعاف مسافة المجيء، كنت طفال بخصيتين كبيرتين جدا، تأملت بعض النساء أسفلي أثناء طريقي إلى مرآب بائع (النخال), نظرات لم أفهمها , على العموم لم أفهم امرأة في حياتي قط، بما فيهم أمي.

عجوز يعيش الأشواط الإضافية من عمره على هذه الأرض ، كان حانوته مكدسا بأكياس من الخيش المدجج بقناني البيرة، وأخرى بالنخال والفحم والخبز اليابس... أعطيته القنينتين، ألقى بها دون مبالاة داخل حانوته، ثم رمى لي قطعة من فئة أربعة ريال نحاسية على الأرض، تدحرجت, دارت كزوبعة شقراء صغيرة ، استتبت أخيرا ، اقتلعتها بأظافري من الأرض ، شزرته ، كان ميتا , لذلك لم أتهوربأي ردة فعل ، كان مجرد وزرة زرقاء متعفنة ، تتهادى كشرشف على حبل نشير ، كان عزائي موته ، موته القريب ، كنت صغيرا جدا، يافعا وقويا ، كانت أمامي نساء كثيرات ،تبغ ، حروب، ألم ، حب ، نكت , حلوى وسمك مشوي، وقمامات كثيرة أبعثر أحشاءها، قد أعثر بداخلها يوما على فانوس سحري ، لا أعرف لما انتابني دائما هذا الحلم الساذج ،لا يهم ، على الأقل أمتلك حلما ساذجا وأربعة ريال، لم تكن الحياة عادلة أبدا معي, لكنها أبدت لي بعض البشاشة .
جلست قريبا من صالة ألعاب الفيديو، في مكان متواري عن الأنظار، أضرب قطعة الأربعة ريال بحجر كبير مع الأرض ، أدغدغها حتى تصير بحجم الدرهم، لأتمكن من فتح لوحة اللعب عندما أضعها في حصالة الصندوق الآلي. دلفت القبوعبر ستار من الخيوط المخرزة ، كانت الأضواء القزحية توزع من كرة فضية لامعة تدور في سقف ، ترقص في عتمة المكان فوق وجوهنا وأجسادنا برشاقة، شباب يدخنون الحشيش والسجائر ويلعبون البيلياردو مع صديقاتهم الحسناوات , وآخرون يدورون المقاود ,ويدوسون بأصابعهم على الأزرار المتكتكة, واقفين بحماس وتركيز أمام تلك الصناديق الكبيرة الحجم، عواصف دخان, قهقهات وموسيقى صاخبة, منبعثة من مكبر صوتي ضخم، كان ينبض مسعورا ،كأنه سيتب من مكانه ،تماما كقلبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى