ريمة راعي - الإمبراطور

منذ زمن بعيد، كانت الأرض كرة ضئيلة الحجم يسكنها رجل واحد، وكانت السماء رحبة جدا، ويتسع ليلها لقمرين، وتطفو فيها كرة ذهبية يسكنها رجال ونساء يحملون على ظهورهم أجنحة صغيرة بيضاء.
في الساعات الأخيرة من ليل طويل شعر الرجل الذي لم يكن يحمل اسماً بالسأم فأمسك حجراً كبيراً، وقذف به أحد القمرين، وبعد أن تحطم القمر، وتناثرت أشلاؤه في السماء، قفز الرجل فوق واحد من الأشلاء الفضية، وطار نحو كرة الذهب.
حين وصل ابتسم له أصحاب الأجنحة، الذين تلمع على رؤوسهم شموس مذهبة، وقادوه إلى شلال مياه ذهبي، حيث تعاونت النساء في غسل شعره حتى صار يلمع كما شمس صغيرة، وغطين جسده العاري بثوب أبيض له جناحان، وقدمن له خبزا ًوفاكهة.
وعندما غفت الشمس، جلس أصحاب الوجوه البيضاء ينتظرون القمرين اللذين تأخّرا كثيراً. وحين نادوا عليهما، جاء قمر واحد، وكان يبكي رفيقه الذي تكسر، وحين رأى الرجل، الذي لا يحمل اسماً، أشار إليه، وفاضت السماء بدموعه الفضية الصغيرة.
نظر الجميع إلى الرجل، الذي تكوّم على نفسه بخوف، وأمروه بأن يخلع ثوبه وجناحيه، ويعود من حيث أتى.
أدار الرجل ظهره وغادر، فشهقت امرأة ذهبية الشعر، وراحت تبكي، فرمقها أصحاب الأجنحة بغضب، وأمروها بأن تصمت، أو ترافق الرجل الذي قتل القمر.
لكّن بكاء المرأة تعالى أكثر ولم تصمت، وركضت نحو الرجل بعد أن رمت جناحيها على العشب الأبيض.
تشبّث الرجل بقطعة فضية من بقايا القمر المحطم، وأجلس المرأة خلفه، وكانت دموعها تذيب أشلاء القمر شيئاً فشيئاً.
وحين وصلا الأرض، جلس الرجل على صخرة وأطرق رأسه بحزن، فاقتربت منه المرأة الذهبية، وأعطته اسماً صغيراً تناديه به، فأخذ الرجل يصيح عالياً مردداً اسمه الجميل ويضحك.
وفي اليوم الثاني، جاع الرجل، فراح يقطف الأزهار البرية، ويمضغها دون شهيّة، فنادته المرأة، وعلّمته كيف يتسلّق الأشجار ليحضر الفاكهة الملونة، التي لطالما نظر إليها بحسرة، وبعد أن أكل الرجل بشراهة، شكر المرأة بامتنان.
وفي اليوم الثالث، هبت عاصفة معلنة بداية شتاء طويل، فجلس الرجل داخل كهف صغير، وهو يضم ساقيه إلى صدره، ويستمع بكآبة إلى طقطقة عظامه الباردة، فأشعلت المرأة ناراً، وعلّمته كيف يتدفأ دون أن يحرق يديه.
الرجل الذي تذوق دفئه الأول، راح يرقص حول النار، بينما ترمقه المرأة الذهبية بحب.
وفي اليوم الرابع، وبينما كان الرجل يتسلق شجرة كي يقطف الفاكهة، اكتشف أنّ رجالاً ونساءً، داكني الوجوه والشعر والعينين يسكنون الأرض، وأنّه ليس وحيداً، وكانوا جميعاً بلا أسماء، لا يحسنون تسلّق الأشجار، ولا يعرفون النار.
وفي اليوم الخامس، اقترب الرجل من المرأة الذهبية، التي كانت تزرع أزهاراً صغيرة أمام الكهف، وطعنها في ظهرها، بالسكين الحادة، التي صنعتها له ليقتل بها الوحوش.
وفي اليوم السادس، تحلّق الرجال والنساء حول الرجل، الذي يحمل اسماً، فأخبرهم بأنّه كان يملك جناحين، ويسكن وسط السماء، وأنه طرد منها بسبب امرأة ذهبية الشعر.
وحين جاء اليوم السابع…
كان الرجل قد عُيّن إمبراطوراً، وسُجنت، من باب الاحتياط، جميع النساء ذهبيّات الشعر، واستمر القمر بذرف نجومه الصغيرة حتى اليوم.



ريمة راعي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى