علي محمد الشبيبي - عريف المخفر.. قصة قصيرة

-1-
وقف أبو علاء في ساحة بيته الجديد، شارد الفكر، متجهاً بعينه إلى الأفق البعيد. بيته هذا يشتمل على كوخين، يحوطهما سياج مصنوع من القصب. وتحيطه المياه من كل جانب. المياه هنا تغمر معظم تلك الأراضي، حتى أنه ليس باستطاعة أحد أن يتنقل دون أن يستعين بقارب صغير. القصب والبردي هنا يحتل أرجاء القرية مثل الماء تماماً، ومع ذلك فالناس كثر، لا يبدو عليهم السأم، فللجاموس والبقر جمالها وهي تخوض المياه. ونقيق الضفادع في الليل مستمر، وكأنها تحرس نفسها من الأفاعي التي تطاردها على الدوام. بينما تزدان ضفاف الجزر التي أقيمت عليها بيوت القصب بالبط –الأهلي- والحمام على سطوح البيوت المصنوعة من القصب، بعضها مدهش رائع في زخرفته. فهنا صنّاع للبيوت مهرة، لم يدرسوا علم الهندسة، لكنهم لم يخطئوا في المقاييس، والأشكال التي تتخلل واجهات بعض البيوت، خصوصاً «المضايف».
أما اُم علاء، فقد وقفت هي الأخرى فاغرة الفم، دهشة من هذا الوضع الذي أصبحت فيه كأسيرة. لقد عرفت أبا علاء معلماً يستوفي راتباً لا بأس به، وله بين زملائه مكانة فهو يتفوق على أغلبهم في حبه للمطالعة، وممارسة الكتابة. تزوجته فرأت نعمة ورفاهاً، وعيشة رغداً. سكنت بيتاً يحتوي الاثاث الجيد، ومزود بالضروريات جميعها، والكماليات أكثرها. ولكن الحرب؟! آهٍ من الحرب .... تلك الآفة ابتلعت سعادتها وهناءها، فبيع أهم أثاثها.
إنها تقف ذاهلة تفكر بهذا المصير، وكيف ستعيش مع هؤلاء الناس؟ وجوه صبغتها الشمس وأبخرة المياه التي تطوق البيت فتبدو وكأنها مصبوغة بالسواد. ولكن لماذا؟ لقد رأت جمالاً ساحراً مثلما رأت فقراً مدقعاً، فتيات في ريعان الشباب، وميعة الصبا، يتجولن بين البيوت في قواربهن الصغيرة. عائدات بعد صيد السمك، وبيعه. ودهشت أنهن يستوفين الثمن في الأغلب مقايضة . سمكة من وزن معين يقابلها صوف أو –نثر- أو شعير أو حنطة، أو تمر. هذا ما لم يسبق لأم علاء أن تراه قبل اليوم.
ورمقها أبو علاء بنظرة، وافترّ ثغره عن ابتسامة ناعمة، وقال مهدئاً: - الهوى اهنا طيب جداً، منعش، والحياة هادئة ومريحة.
ردت عليه بلهجة تنم عن كآبة بالغة: - طبعاً... راح نعيش على هَوه طيب منعش، ونقضي الأيام بالنوم، مادامت الحياة هادئة؟! المعدان سكنوا المدن، واحنه نسكن الأهوار، وهذا كله بفضل مَشيَك ويَّ التعرفهم؟! احنا شكارنا بالسياسة، وشجابنه عليهه؟
قال ابو علاء وهو يبتسم: - هسه تشوفين كل شي على كيفك. اهنا أستر علينه، واحفظ إلنه من طلايب المدن، وقلاقل الحرب، وجيبوهم وردوهم. وبالنسبة إلي هم خير، انا ما اقدر أدير وجهي عن الأصدقاء، مهما تكن سُمعتهم. اهنا لا عين تشوف ولا قلب اليحزن؟!
- والعيشه! ناكل هوَ؟!
قبل أن يرد ابو علاء سُمع صوت طفل من باب السياج: علاء علاء
هو لا يعرف أن –علاء- طفل لم يتجاوز السنة الثالثة من عمره. وهتف ابو علاء: - من؟ أدخل.
دخل ثلاثة من تلاميذه في الصف الرابع يحملون بأيديهم زوجين من طيور الوز المدجن وقال أحدهم:
- هذه هدية الى علاء. احجزوهن مقدار أسبوع حتى يتعودو على بيتكم.
شكرهم ابو علاء، وحملهم الشكر الى ذويهم. ثم التفت إلى أم علاء: - الان اقتنعت أنهم ناس طيبين. وأيام الشته اشبعي من لحم الخضيري، وانواع الطير، والدجاج والبيض، وسمك المزّبد. وجارنا ابو عبد الصمد، تعهد يحصل النه اللحم والخضرة بكل وقت وبأرخص الأسعار.
وقطع كلامه، حيث سمع ضحكاً وتبادل نكات من خارج البيت. ثم صوتاً ينادي «أبا علاء» خرج ليستعلم، وعلا الضحك والنكات من جديد. إنهم زملاؤه في المدرسة. يتقدمهم مدير المدرسة. كان إثنان منهم من أبناء القرية نفسها. وأدخلهم إلى الكوخ الذي خصصه للراحة وللزائرين.
لم يمكثوا طويلاً، وبعد أن قدم لهم كؤوس الشربت أعلموه أنهم اتفقوا على جدول عملوه بدعوتكم إلى بيوتهم، وان له الخيار أيهم ليلاً، وايهم نهاراً وطبعاً مع العائلة.
كانت أم علاء تصغي إلى نكاتهم وأحاديثهم، فابتهجت. وحين خرجوا، كادت تعلق وتقارن بينهم وبين الشرطي «عبد الصمد». لكنها سمعت صوته، وهو يرد على نكات المعلمين، فقد وجدوه على مسافة غير بعيدة عن البيت. فقالت وهي تخمش وجهها: - اسكت، هم زين ما علقت، ما أدري بالكلب قادم. قال –ابو علاء- رجاء لا تكونين بهذه الصورة، الرجل يساعدنه، أنعم الله عليه، يعني قولي آنه أقدر على تدبير الخضرة واللحم لولا مساعدته؟
وصاح ابو عبد الصمد: - ابو علاء!
أجاب أبو علاء: - ادخل.
لكن المعلمين، كانوا جميعاً قد تناوشوه بالنكات اللاذعة. أحدهم يقول: - ابو الويو، دير بالك على صاحبنه لا تخويه؟! آخر يقول: - ولا تلدغه. وهو يرد عليهم بأمثالها، وبصوت عال قال: - أنا سبقتكم إلى دعوة أبو علاء، خلونه نشوف كرمكم يا معلميّه؟
ابو عبد الصمد قصير القامة، صغير الوجه، بارز الوجنتين، عريض الفم، شفتاه الغليظتان كأنهما إجاصتان، ومع هذا لم تكفِ لتغطية أسنانه العليا. فيبدو بكشرة كريهة للغاية. وهو دائب الحركة، كثير الضحك. لا يلفظ كلمة بدون ضحكة، تشبه المواء أحياناً. يعيش في هذه القرية منذ أربعة أعوام، وقالوا أنه نقل منها عدة مرات، وأعيد إليها بعد أقل من شهرين. هو العريف حميدان –ابو عبد الصمد- ومعه في المخفر عدد من الشرطة، لكنه هو المسؤول الأعلى بينهم. كان نقله من مساعي بعض وجوه القرية. ولابد أن أحداً كان يسنده ويسعى لإعادته. فعاد بعد أقل من شهرين.
ولذا أصبح الآمر الناهي. كان لا يحضر جلسات –المضيف- في العصر الأخير، أو قبل وبعد العشاء، إلا إذا طلب، ولا يمتنع، وفي هذا سر، يتساءل عنه الجميع، فلم يجدوا له تفسيراً.
وطرح –ابو عبد الصمد- ما جلب معه من خضار، ومواد غذائية أخرى. كان كلما طرح مادة ذكرها باسمها، بصوت مسموع:- إقطين عراقي، بانية، وعلق –عمي هاي تحصل بكثرة- لـﭽن المثل يقول «شمعرف المعيدي لأكل النعناع؟!» اي عمي. المعدان هوش، غنم، والبيذنجان والفاكهة همّ أدبرهَ. مدير الناحية طيب، يشتري على حسابه، يودي الكاتب والفراش بالماطور يشترونهه من القضاء، وتنباع على الموظفين بسعر التكليف. موبس الفواكه، الخضرة همّه. لـﭽن آني ما أشتري منهم خضره! شوف، يعجبك نوعهه ووزنهه! هذه القطينة أكثر من وقية بعشر فلوس! البانية وقية ونصف بعشر فلوس. الطماطة نصف حقة بعشرين فلس! اللحم وقية بـ (70) فلس؟!
وانهى الحساب بضحكته الكريهة، وعلق: –ها يعجبك؟ اهنا المعيشة رخيصة، وآني عندك، آمر وتدلل.
كان ابو علاء يقابل كلما استلم وسمع بابتسامة وتعجب. قال في نفسه لو دامت المعيشة على هذا الحال فسوف يستطيع الادخار، ويؤمن المستقبل.
وعاد ابو عبد الصمد، وكأنه قرأ ما دار في ذهن أبي علاء. فقال: - ما عليك كل شيء بذمتي. آني المسؤول .... هه..ها ... شمدريك، ما آني أشتريت اوَل، وبعدين بعت عليك؟
وفغر ابو علاء فمه دهشاً وقال: - وربحت طبعاً؟
- ... قاطين مثل هذَ وديت لهلي... انعل ابو المعدان، اهل السرجين، يزرعون وما ياكلون، ياكلون اطويحيل. هسَه زين يزرعون، قبل يسمون اليزرع خضرة –حساوي- ولا يطون الحساوي مره ولا ياخذون منه مره، ولازم يعني جبراً يخلي على بيته –بيرغ- ابيض. مو بس هو، الحايك والحلاق همينه؟ أيه لَهيتّك عمي، مودع الله، باكر عشاكم عندي. قال أبو علاء: -لا، لا. معلمي المدرسة سبقوك، خلّ دورك بعدين. شكراً.

-2-
اليوم جمعة والتقى المعلمون في بناية المدرسة، فقد بدأ مدير المدرسة أولاً بالوليمة، وفي بناية المدرسة. لأن بيته أقرب إليها. البناية قديمة اتخذت مدرسة منذ عهد الاحتلال. زعيم الناحية، والأصح أن أقول زعيم العشيرة، تنازل عن الزعامة لأبن عمه. إذ رفض الانكليز زعامته فقد قاوم الاحتلال، وأعتصم أخيراً بالقلعة، ومقاوماً أشد مقاومة. وفيها تمكن الانكليز الظفر به. يتحدث بعض أهالي اللواء–المحافظة- أن الذي أقتحم القلعة، ومكن الانكليز من احتلالها كان شرطياً يدعى –محيسن[1]- وقلده الانكليز وساماً، أنعم عليه به ملكهم جورج. وما يزال هذا الشرطي حياً في مركز اللواء، يعيش مع زوجته –القوادة- في نهاية شارع سمي –عقد الهوى-، وحين يخرج إلى المدينة، يظن من لا يعرفه أحد زعماء العشائر، من مظهره وأبهته وغطرسته. أما زوجه –أم كاظم- فتجول صباحاً وعصراً، بين محلات الصاغة الصابئة لشراء الحلي والمجوهرات –لبنيّاتها- أي اللآئي تتاجر بأعراضهن. وبعد الغروب، تجد الشباب أسراباً أسراباً يتجهون نحو –كعبة الشهوات- سكارى بأحضان العاهرات.
رئيس العشيرة الأسبق حين القي عليه القبض حكم عليه المحتلون بالإعدام، ونتيجة شفاعة ذوي الحضوة عندهم من بعض رؤساء العشائر، أبدل الحكم بالنفي فنفي إلى الهند، ثم إلى بريطانية ثم أعيد إلى موطنه، وفرضت عليه إقامة جبرية في بغداد.
وبعد استقرار زعامة العشيرة لابن عمه. صار حراً بأن يفد إلى الناحية. ولما تخرج مدير المدرسة الحالي، وفتحت أول مدرسة، أقترح هو أن يعين هذا الشاب –معلماً أول- لها. ليشجع الآخرون في الدخول إلى المدرسة.
كان هذا الزعيم –الأسدي- من الزعماء القلائل، الذين لم يتقبلوا ولم يهادنوا الاستعمار. بينما كانت أصابع المتابعين من الوطنيين الذين عنوا بتسجيل ما أمكن من تسجيل لأحداث ثورة العشرين، ولم يفتهم أن يشيروا بأصابع الاتهام لنفر من زعماء العشائر العراقية من تلعفر إلى نهاية جنوب العراق، قاموا بخدمات جلّى للمحتلين، وكافأهم المحتلون أن يظلوا كرجال ثورة. فهم –نواب الأمة- فتركزت سلطاتهم، واستبدادهم بحياة الفلاح العراقي. وليكونوا أول من يصوت للمشاريع الاستعمارية، والقوانين الجائرة.
هذه المقدمة الطويلة، تفضل بها المعلم –عبد كايد- مستغلاً عدم وجود الآخرين من المعلمين. أما صاحب -الدعوة- فهو في حركة مستمرة بين البيت والمدرسة، ليحضر بعض ما يلزم، الماء المنقى، كؤوس الماء، وغيرها. مدير المدرسة شاب صموت، قليل الحديث، حتى النكتة التي تعجبه لا يضحك لها إلا ضحكة هادئة ومختصرة. كل المعلمين يودونه ويتعاطفون معه في إدارة المدرسة وشؤونها. لم يعرف عنه أن شاكس معلماً أو تعالى عليه. والحظ واتاه، فجميع المعلمين عينوا هنا، ونقلوا، كانوا يصرحون لو أنهم بحاجة إلى أن يكونوا قريبين من أهليهم والمدينة التي هم منها لآثروا أن يظلوا معه حتى التقاعد.
وعبد كايد بهجة المدرسة. انه شاب ممتلئ حيوية ونشاطاً، عيناه كالفيروزج، ينمان عن ذكاء، وبُعد نظر، هو من الشباب الواعي حقاً، قروي اللهجة، يصوغ النكتة بلهجته الريفية، ويطلقها دافئة أو ساخنة لاذعة. بعض الظرفاء من زملائه المعلمين يلمحون إليه عن طريق النكتة بأنه ذو حب شديد للثلج! أيام الحر، ولابد أنه عقد صداقة مع مدير المعمل، أيام كان معلماً في مركز اللواء. وانه لهذا السبب بارد المزاج. فرد زميل على هذه اللمزة: -على العكس يا صديقي انه لا يهوى الثلج إلا من يحسّ بحرارة في صدره! ولعل بعض الناس لا يحس بلذعة الجمر فهو يشبه المتجمد، حتى قلبه –نعوذ بالله-.
ويواصل زميله التعليق بينما بدى على وجه المعلم –سوادي- امتعاض.
- أي اني احسدك انك لا تكترث لأية لحظة أو ساعة تتأزم فيها أمورك المادية، بل حتى حين المرض، أنك أنت، أنت دائماً، على ابتسامتك وهدوئك.
حاول –عبد- ان يغير مجرى الحديث إلى غيره وعن غيره. فقال: -انا معجب بالأخ -عبد الحميد- انه طيب كل الطيبة. لا غرابة في الأمر، انه بصري والبصريون أهل كرم وطيبة.
عقب النجفي –ابو غالب- الصيد شائع عند البصريين، لكني وجدته موسيقياً لا صياداً.
ورد عبد وبابتسامة ذات معنى: انه لا يعرف الصيد مطلقاً، لا الطير ولا الغزال!
أجاب ابو علاء: اي غزال تعني؟
ودارت في وجه –عبد الحميد- سورة لشدة حيائه. انه فهم كنه النكتة. المعلم سوادي لا يشترك بالنكات إلا إذا وجد مجالاً فيرميها تجاه –عبد-، فقال: -عبد رجالٍ زين، يحب الصيد بأنواعه، يحب السهر ولكن لا كل السهر، ويقرأ كتب وجرائد لكن لا كل كتاب ولا كل جريدة، وأشهد بالله ذوقه جيد، خصوصاً بالأربطة وخاصة الحمر وضحك...
الزملاء جميعاً لم يضحكوا. عبد وحده ضحك وعلق: - خويه! مع علمي ان الجاموس يثور من يشوف اللون الأحمر، داعيك ظليت ألبس رباط أحمر، من حيث معتاد، والشطره أيضاً يكثر بيها الجاموس، واهلي يملكون جاموس، ولكن آنه عودت الجاموس على هذا اللون، بس دخيلك ما قدرت أعوّد بعض بني آدم! ايه. تدرون المسألة، مسألة عقل. وإلا ما يوجد داعي لهذا الكره لهذا اللون. اللون الأحمر جميل، بالزهور، دمنه اليجري بَبْدانَّه، بالخدود؟ هاي تمام او لا؟
أبو علاء الوحيد أستشف حقيقة –عبد- من النكات التي يطلقها، مسمارية لبعض، ورشقة قطرات منعشة لبعض، تبهج الخاطر، وتروّح عن النفس، وأغلبهم يتلقاها دون غيظ، أو امتعاض. وتمكن ابو علاء أن يدرك جيداً، ان معلوماته ليست إلا قطرة بالنسبة إلى ما وعاه هو وفهمه. الفارق الوحيد بينه وبين عبد، هو الجبن الفظيع الذي يكمن في صدره، وهو الذي دفعه إلى زمرة المقامرين! فالتهم السياسية لا يوصم بها هؤلاء مطلقاً. ومع هذا فأبو علاء مطالع نهم، وان لم تجد في بيته كتاباً واحداً. معلوماته تجمعت من أحاديث بعض المثقفين والجرائد، وما يستعيره من صديقه –أكرم- أمين المكتبة العامة. وإذا أردت الموازنة الصحيحة بين أبي علاء وأكرم، فأن أكرم أشد جبناً من أبي علاء، وأكرم هو الذي يختار له الكتب ويشجعه على مطالعتها بعد محاضرة، طويلة أحياناً، والمضحك في الأمر أن أكرم أشد جبناً من أبي علاء، إلا أنه حذر كل الحذر، ولكنه قد ينسى نفسه أحياناً، حين يلتقي بأدباء محترمين، وهو دونهم. ولكونه أمين مكتبة فقد تعرف الى عدد كبير من الأدباء والصحفيين، بل ساقه عشقه إلى الصحافة، فذهب إلى أمريكا وحصل بعد دراسة على شهادة عالية في الصحافة! وانه واسع الصلات بالأساتذة من المصريين واللبنانيين والفلسطينيين، واستفاد منهم معلومات جمة، من كل حسب اتجاهه ومعتقده الديني والسياسي. وربما حاول بعضهم أن يتعرف على اتجاهه من خلال النقاش أو الحديث الهادئ، غير أنه يفلت بلباقة، وقد يصرح انه «كريشة طائرة في مهب الريح!».
أحياناً يتأوه أمام بعض أولئك، ويضجر كأنه يعاتبهم، ليت شعري لِمَ أنقسم أبناء آدم هذه الانقسامات؟ التي لا تعد ولا تحصى من حيث الأديان، والسياسة، ولماذا هذا الصراع العنيف بينهم. أنه حتى بين أبناء الطائفة الواحدة. ويعلق، أني لهذا أكره أن أكون واحداً من أية جهة!
أحد المثقفين الذين تعرف عليهم، أجابه: -أنت واهم، الاختلافات في الاتجاهات، دينية أو علمية، هي التي توصل إلى الحقيقة، والحقيقة تبقى نسبية. أما الحقيقة المطلقة فتظل إلى الأبد مدعاة للبحث، ولتستمر الحياة.
وقطع صوت المعلمين ونكاتهم صوت أجراس تجلجل. قال أحدهم. لاشك انه سيد عويد ان له حاسة شم عالية! ودخل –عويد- انه علوي بائس ومخبول. يلف رأسه بقطعة قماش أخضر فوق –اليشماغ-. هزّ علمه وأخذ يدبك «ماكو غير الله وغيرك يا هاتي» وقد أبدل الدال إلى تاء ويسقط دائماً نقطة-الغين-!. انه لا يعرف غير هذه الأهزوجة –يكرم بها كل زعيم- لا تبديل غير الاسم! وسارع عبد الحميد وقدم له ماعوناً من الطبيخ عليه من لحم الإوز، فانتحى بعيداً. وصاح وهو يمضغ الطعام: -آنه خلصتوا مني، اَلا شفت –مومَن- من بعيد، هسه يشم ريحة الأكل ويجيكم على الريحه!
قال المعلم –ساكت- هذَ المومن أعرفه ما تفوته فوته هو من البارحه اهنا!
وتحول الحديث إلى نكات حول أمثال هذا المعمم. قال أحدهم: -الموامنه ما ينغلبون بمسألة الأكل. اثنين ضافوا بيت، صاحبته –حُرمه- سمعوا صوت ديك، قبض عليه للذبح، فتباشروا. ولكن أحدهم قال لصاحبه، ما العمل إن قدم ثالث فشاركنا؟ أجاب الثاني، أترك الأمر لي. ولكن عليك أن تمتثل ما أقترح. حين وضع الطعام على المائدة، تقدم قروي، وسلم وأخذ مكانه من المائدة. فقال الشيخ الذي تعهد أمر الخلاص، وقال، أسمعوا لا يمد أحد إلى الزاد يده حتى يأتي بآية من القرآن عن أي شيء أراد من الزاد. وأنا أبدأ. ومد يده إلى لحم الديك، وقد وضع فوق الطبيخ، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم. وحُصِّل ما في الصدور[2]. ومدّ صاحبه يده وتناول الباقي وقال، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ,إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ[3]. بهت القروي، أول الأمر، ولكنه وبخفة حمل صحن الطبيخ على رأسه وأنتصب واقفاً يتلو «ورفعناه مكاناً عاليّا[4]». فسلم الشيخان مضطرين للتراضي، فقد حدث ما ليس في حسابهم.
علا ضحك المعلمين، وصاح أحدهم أخوتي، دبروا وسيلة الخلاص. عبد الحميد أجاب: -المسألة بسيطة، الزاد بحمد الله يكفي وبيه البركه. وأقبل خادمه –ربيع- يحمل صينية الطعام، وأخذ عبد الحميد يساعده –عبد- ينظمان المائدة، وعاد ربيع يحمل ثانية بقية ما أعد. وقبل أن يأخذ المعلمون أماكنهم من المائدة، تقدم الشيخ وهو يعلن، يا الله، توكلنا عليك، بسم الله، وصلى الله عليك يا رسول الله!
كان ذا عمة كبيرة غير منتظمة، ووجهه تركت شمس القرى آثارها عليه. ذا ملابس بالية غير منسجمة الألوان. وقد زاده الله بسطة في الجسم لا العلم، سلم وأتخذ مكانه. فحياه الجميع، وهمس أحدهم بأذن زميله «لو عقلت ما سمنت». وقال عبد اتركوا لي أمر مناقشته. فقال: -أهلا بالشيخ، جيتك بمحَلهه. عدنه مشكلة بأعراب جملة! ردَّ الشيخ أرجوكم. الزاد يخرس السباع، وداعيكم جوعان تمام. استاد أجّل مشكلتك الساعة.
لكنه حسر أردانه ومد كفه العريضة، وقبض على أوزة محشوة باللوز والكشمش وعصرها بين أصابعه الغليظة بكل فضاضة وبنهم لاثها مع الرز وراح يلوك، فتسمع لأسنانه صريراً. كان لا يضع في فمه لقمة إلا ويده تجهز الثانية قبل أن يبتلع الأولى. وكأنه في ركن بعيد عما يرشقه به المعلمون من نكات لاذعة.
الطعام وافر ومتنوع، الأمراق بلحم الضأن الهرفي، ولحم الخضيري المدجن، والأرز، والقوزي المشوي بالتنور، والحلوى والفاكهة. الشيخ خلال الأكل لم يتكلم غير كلمة وجهها الى المعلم سوادي: -يا رجل لا تنهش العظم، العظام طعام الجن!
وعند الانتهاء قبل الآخرين، صاح: -ربيع ناوشني اللبن مع التمر. والتفت إلى الآخرين، وقال الحديث يقول «بطن المؤمن زاوية لا يسدها إلا التمر!»
فردّ أحد المعلمين معلقاً: -نعم شيخنا و «ويستحب بعد الشبع اَكل أربعين لقمة». وغرقوا بالضحك. حتى لم يفطنوا أن الشيخ قد غسل يديه، وتوجه نحو الباب. وصاح: -أعذروني عندي مجلس فات وقته، انشوفكم بخير!
وانتهت دورة ولائم زملائه المعلمين، بعضهم للغداء، وبعضهم للعشاء. جاء الآن دور ابو عبد الصمد. قبيل الغروب توجه ابو علاء وزوجه –حسب الوعد-، فأما ابو علاء وأبو عبد الصمد، اتخذا المخفر لاستراحتهما وفي أحدى غرفه. واستقبلت أم عبد الصمد ضيفتها أم علاء في البيت، استقبالاً رائعاً. وعلى الرغم من تفاهة تعبيرها وبساطته، فإنها كانت تلفظه بتصنع.
إنها قروية، وعاشت بعد أن تزوجت هذا الشرطي منذ سنوات في القرى، لذا لم يتغير طراز حياتها، إلا شيئاً يسيراً، هو هذا الذي يبدو عليها، من ملابس فاخر قماشها، لكنها زرية الفصال! وحليّ ذهبية لم تترك اليوم منها –بمناسبة دعوة زوجة المعلم- شيئاً إلا لبسته. فقد كانت تعتقد أنها ستلتقي بمن تفوقها في حمل الحلي. ولكن وجدت عكس ذلك. ومع هذا فقد أحست بالغيرة تدب بين جنبيها فتضغط على قلبها ضغطاً لما رأت من إناقة وانسجام في زي أم علاء، وفي فصال ثيابها، على بساطة قماشها ورخص ثمنه.
وراحت أم علاء تستعرض البيت. فلم ترَ شيئاً يدل على الثراء، غير هذا الذهب تحمل مضيفتها ثقله، وغير فراش كثير للنوم، وسجاد من نسج الريف، لكنها سرعان ما أدركت أن هذا الشرطي ككثير من الناس يعيشون بعيونهم وبطونهم أكثر مما يعيشون بعقولهم وأرواحهم.
وتكلفت المضيفة الحديث، وراحت تركز حديثها عن مكانة زوجها في هذه القرية، ومكانتها هي! ووجدت متنفساً لغيرتها، فوجهت لأم علاء هذا السؤال: -والله وسفه خيّه عفتو بيتكم هناك، وجيتو لهنا، وين تقدرين أنتِ تتحملين هاي العيشة؟ وأبو علاء زلمه يفتهم، شنهو القمار يبلي بيه نفسه، ويجيب البلاوي لنفسه بسببه؟!
وانتفضت ام علاء لهذا الاتهام وقالت: شنو قمار؟!
- بس عليمن نقلوه لهنا؟ ما تدرين؟ يقولون يسهر ليله على القمار؟ وبايع غراض يابو غراض، ومعاقبته الدايره مالته، وما فايد وياه، تاليه أنطرّوا –اضطروا- لنقله!
ولكي تغلق أم علاء باب هذا الحديث، سألتها عن أطفالها وكبيرهم عبد الصمد. فأجابت وهي تضحك: ليس لها غير أبنتين وابن أسمه جابر!
- لكن أبوهم يسموه –ابو عبد الصمد-؟!
- ايه هذي سموّ بيهه قبل ما يتزوج وبقت.
وحان وقت العشاء فجاء ابو عبد الصمد وابو علاء، وأستقرا في –الربعة- ودار الحديث بينهما عن سبب نقل أبي علاء؟ وتظاهر ابو عبد الصمد بجهله الأسباب الحقيقية، وقال: -أستاد ابو علاء، اشوف وظيفة المعلم منتازة –ممتازة-، بس ما أعرف ليش أكثر المعلمين يتدخلون بالسياسة؟! ويجرّون على أرواحهم الطلايب؟! بعضهم مسوين أرواحهم أنبياء، ويتهمون غيرهم من دوائر الدولة بالرشوة واللعب بأموال الدولة! تريد الصدق، حق لو عاقبتهم الدولة!
ونفى أبو علاء وتنصل من هذا المسلك. وذكر انه نقل بمحض رغبته، هرباً من غلاء المعيشة، وقلاقل حياة المدينة التي اشتدت بسبب الحرب، وانه أغتنم الفرصة مادام أطفاله صغار، بعيداً عن ضوضاء المدينة وصخبها وغلاء العيش فيها، حتى يحين موعد دخول أطفاله المتوسطة، وانفراج الأمور بانتهاء الحرب، التي تبدو انها لن تستمر أكثر من هذا العام أو شهور قليلة. عند هذا سيجد عذراً في طلب العودة إلى المدينة!
وأدار ابو علاء الحديث بذكاء، وتساءل: -أشو محروسك عبد الصمد ما شفناه؟
ضحك ابو عبد الصمد وقال: -الحقيقة ماعندي –عبد الصمد- عندي خويدمك زغير اسمه –جابر-
- بس شنو عبد الصمد؟
- والله هذي «لقّوفه» أيام كنت بقضاء –الـ...- وكان بيهه مأمور تموين أسمه –ابو عبد الصمد- كان نهّاب عجيب! وداعيك...! وقبل أن يضحك، كان أبو علاء قد غرق بالضحك، ولما سكن، قال له: -عاد قل لي مستفيد شي؟ وشقد الك بالوظيفة؟
أجاب ابو عبد الصمد:- الي خمستعش سنه، وخميت عكه ومكه، وهسه ... ايه ...خُبَرك ... نعمة من الله! عندي حويش بالرفاعي، وحويش بالناصرية، وبستين زغير!
- اقول ... وراتبك؟ زين؟
- هه ... راتبي، راتب شرطي!
وتحول الحديث عن القرية، وان اهلها يعيشون على تربية الجاموس ونتاجه، ونسج الحصر من القصب والبردي، وتصديرها إلى المدن. ثم عقَّبَ، شغله ما تعيِّش. تجوّل جنابك، شوف البنات اليسِفن بعد مايرصَّن القصب بالعمود، لكن أجرة البارية ما تزيد على عشرة فلوس، وحتى صاحب الشغل فايدته تمام، إله الحصة الأكثر، الّا هي للتاجر –وهذَ جنابك تدري بيه- بربع دينار لو ثلثمية حسب كبرهه!
وتساءل ابو علاء لكن مع الأسف ما يوجد بالمستوصف طبيب، وحوادث عضة الحيات عندكم كثيرة! رد ابو عبد الصمد، هّذَّني امرهن بسيط متعودين عليهن. وأخذته ضحكة، وأكمل ضحكته وعاود حديثه: قبل ما تجينه صادف واحد نايم وفاك حلقه، ودخلت الحيه بحلقه، الأخ بحلاة النوم طبق حلقه عليه، ومات هو والحية! اليتمرض –سوق الشيوخ- جريب عليه، واهنا المضمد –خليف- كافي، آخ، وشلون خليف ياخذ من الحافي نعل! يخفي الأبر ويداويهم بماي مقطر! يستاهلون ... واحدهم مايسوه الحيوان اليركبه.
وأبدل صوته ولهجته وقال: -ابو علاء أنصحك لله لا تحـﭼـي بهل المسائل، هل الحـﭼـي يجبلك بلاوي! هذا الحـﭼـي يهيج الناس!
- يا ناس! واحدهم ما يسوه الحيوان اليركبه! موتمام؟
فهم ابو عبد الصمد ما يرمي إليه أبو علاء من إعادة كلمته...
- استاد ابو علاء، من باب أقول، احنه زين نسوي ويّ هالبشر، أنت جنابك لا تسوي نفسك غافل؟ ليش مثلا نركب المطايه وما نركب السبع؟ ليش أحترمك ألك؟ هذوله لا عقل ولا قلب!
وتراجع وقال: -اتريد الصدق، كلنه ما نصير أوادم، ما ينفع ويانه غير سوط الحجاج! الأكبر مني يعاملني بلا رحمة، خدمة وإهانة، وسب وشتم. ولابد ما هم شافوا من الأكبر منهم مثل ما شفته منهم، ومنهم تعلمنا تمام؟
وأستمرّ: -آني أحبك ابو علاء. واسولفلك ماشفت وسويت، وأستغفر الله، أسأل الله التوبة... عشت أكثر من ستة أشهر بالنجف. شوف هالبلد التلوذ بيه الدنيا، هم بيه هالسوالف. في يوم من الأيام وأيام زيارة، الولاية ممتلية بالزوار من كل بلد، وأجانب. جابو للمركز شاب، متهوم بخطف بقجة ملابس، من زايرة عجمية، ايه، وياهه خادم وزلمتهه، ومن خدام الإمام، لكن الولد –يقولون والله العالم- قدر يخطف من أيده –البقجه- اهو عيَّنهه لأنه شاف كل الغراض يحملهه حمال، قال لنفسه، ليش هالبقجه هيّ تحملهه، لابد بيه شي مهم. صاحوا الزموه. إلا هوَّ خفيف، طر الناس طر، والصايح وراه، وقبض عليه شرطي وجابه للمركز، وحسب الأصول سلموا البقجة للمأمور الخفر، من حيث كانت المسئلة ويّ الغروب. المأمور قال تجون بكره، لأن الولد أدعى ان البقجة مالته وكان بالحمام! وبالساعة وحدة –انكريزي- صاح الولد من الحجرة الموقوف بيه للشرطي، وقال روح قول للمامور أريد اواجهه. ووافق المأمور... المأمور صاح تعال ابو عبد الصمد، اخذ الموقوف، لايشوفكم احد، هو يعرف من وين يفوت وانت وراه. وصل الولد لبيتهم ورجع، والبقجه وياه. وسلمهه للمأمور، بيهه فلوس خوش فلوس، تقاسمهن هو والمامور، وطبعاً صارلي بيهن نصيب، وفهموني أن أحفظ السر. وصار الدوام، أجو من خدم الإمام اللي هي بضيافتهم، وطالبو بالبقجة، المأمور قال لازم حضور الزايرة التي تدعي بيهه. أجابوه هي مرة محترمة وتعبانه، وتألمت أمس من الحادث اللي حصل، احنه نيابة عنها، وجنابك تعرفنه. المأمور رفض وقال لازم تحضر، لأنَّ عرف ان السبب ما تملك جواز سفر! وبعد الأخذ والرد، أحضروهَه. سألهه المامور عن مابيهه، فذكرت، ملابس، ومقدار ميتين دينار عراقية ومقدار من الفلوس العجمية. وبعدين جابو الولد المتهوم وسألوه. فادَعَه ان البقجه له. وقال كنت طالع من الحمام، وصرت أمشي بعجل لأتخلص من المزاحَم. وما أحس إلا شرطي لزمني، وتجمعوا علي الناس يصيحون انهيبي... ما تخاف من الله هاي زايره، انه رفضت ودافعت عن نفسي. وقلت سلموني للمركز. انتو مشتبهين، أكو شرطة، واثبتوا هناك آنه لوغيري؟
وتناول المأمور البقجة وسأل الولد عن اللي بيهه. أجاب مناشف وملابسي الوسخة اللي نزعتهن بالحمام؟ وفتحوا البقجة وانصابت الزايرة بصدمة. وصاحوا خدم الحضرة، مو معقولة يا حضرة المامور، احنه متأكدين هو الخطف البقجة. وطلع ابو اصحَبَه يتلمض. لا خدم الأمام المحترمين، ولا الشهود، قدروا يثبتون حق الزايره. حيث لن المامور والولد دبروهه. وآنه شهدت، صحت الله وأكبر، عمي الولد ابن جواد، وظل امس موقوف، وينخي لو واحد يخبر هَلَه لا يتشوشون، تره انتو ماندري شلون تحجون وبعيونكم شفتوا غراض الحمام بالبقجة؟
كان ابو علاء يصغي لهذا الحديث، وأساليب النهب العجيبة، وبين الدهشة والأسف، قال: -يعني انتو طبق المثل «حاميه حراميهه»؟!
في هذه الأثناء سُمع صياح، ونداءات أستنجاد، لقد شبت حريق هائل في بيت فأسرع الرجال للمشاركة بأطفاء الحريق.
-3-
مرّ على أبي علاء ما يقارب من ستة شهور لم يبارح القرية، وقلّ ان تصله رسالة مختصرة من صديقه كاتب ذاتية مديرية المعارف. يحييه ويحثه على الصبر على ما أصابه من غربة، وأبعده عن أصدقائه ومحبيه.
أم علاء كانت دائماً تحذره، ان لا يعمق علاقاته مع هذا الشرطي، فقد كانت تحس انه لا يتحرج من أذى يسببه لأحد. قالت لزوجها أنت سمعت جيداً ما ينقله من غش واستهانة ودناءة، وتصرفات لئيمة مع من يقع تحت طائلة يده، ومشاركته للصوص والعابثين. وكم لامت نفسها أيضاً على تبسطها بالحديث مع زوجته، فهي وان كانت قروية، لم تعش في المدينة، فان لها قدراً من الذكاء ما أدركت به بعض تلميحات أم علاء عن أساليب الشرطة مع القرويين، وعن الذهب الذي تتحلى به، والأثاث الموجود، والدور والبستان، ثم عن الحلال والحرام ...
لقد كلف ابو عبد الصمد ابا علاء عدة مرات بصياغة بعض تقارير يرفعها –ابو عبد الصمد- عن سلوك بعض –السراكيل- وبعض ما يصل إلى سمعه من بسطاء القرية حين يلتقون به. ولم يتحرج ابو علاء من توجيه النصح له، واللوم أحياناً، والامتناع عن الاستجابة لطلبه، في بعض ما يراه مشاركة له في أفك ملفق لا صحة له. وفعلاً قد غير ابو عبد الصمد كثيراً من أساليبه ولهجته مع أبي علاء. كان أيضاً يتحرش بخبث إذ ينقل إليه بين آونة وأخرى، أخبار سياسية معينة، وإشعار ابي علاء من طرف خفي، أن رئيس العشيرة يعرف الكثير عن حياة الموظفين الذين نقلوا إلى الناحية.
في ابي علاء بساطة، فطن إليها –عبد كايد- فحذره، ولكنه لم يسعه التملص منه بسبب اعتماده عليه للتسويق. وعلم عبد الصمد ان ابا علاء أرسل رسالة مع فراش المدرسة الى مركز اللواء، فراح يستدرج الفراش عن المرسلة إليه، وبلهجة من يخشى افتضاح سرّ، في نفسه وعملِ سوء ضد ابي علاء. ابو علاء علم هذا من الفراش، فتحدث أمام عبد الصمد أرجو ان لا ينسى –خريبط الفراش- ان يأتي بالقماش لنعدها للأطفال قبل موسم الربيع. وعلق ابو عبد الصمد شي طيب، والله فطنتني آني هم رايح أحضر للجهال وامهم قميشات، وعلى خير ان كان انتو واحنه بسلام تخيطهن ام علاء الهم وياكم؟
حين عاد الفراش قدم الكتب الرسمية للمدير، ورسالة خاصة من كاتب الذاتية إلى ابي علاء، وتلفت إلى جهة المخفر، وهمس بأذنه دير بالك لا يفهم بي ابو عبد الصمد!
الفراش –خريبط- انسان بسيط، تعلم ماجريات حياة المعلمين الذين خدموا في هذه المدرسة، عرف أشياء كثيرة، الطيب منهم والخبيث، المخلص لواجبه والقشري. تعلم أشياء كثيرة خلقت فيه إحساساً وشعوراً مرهفاً، ومقاييس صائبة، يميز بها الجيد من الردئ. مثلما تعلم ان يلجم فاه، فهو لا يتكلم إلا باختصار، وصوت هادئ ومنخفض.
وفض ابو علاء الرسالة، وراح يستعرض كلماتها بصمت، حتى علت سحنته غيمة، وتقوست حاجباه، مستغرباً مندهشاً. تلجلجت دمعة في عيني –خريبط- وراح يضرب على فخذه، ويردد عِمَلهَ النذل!
قال:- من هو يا خريبط؟
- زين تعرف يعمّي، مع الأسف مثلكم ينغشون بأمثاله...
- ايه ... ماذا يحصد المعلم غير الشوك. انه الجسر الذي يعبر عليه الألوف، ويصل الغالب منهم إلى المناصب العالية، فاذا وهن، وتآكلت الأخشاب، رمي بها جانباً... أليس مؤسفاً ان تقاس متاعبنا بدريهمات، لا تعيش في جيوبنا غير أيام، بينما نفقد حيويتنا يوماً بعد يوم!
وكمن أصابته من داخله رعشة، واهتز رأسه هزة غريبة، وقال وكأنه نسي أن –خريبط- مازال أمامه، لا لا يا ابو علاء، أنك جندي نذرت نفسك لمحاربة عدو عريق في مثل هذه البقاع. ألم تقل «المعلم جندي يحارب الجهل »
وقدم المدير كتاب النقل، فبهت المعلمون، واعلن مدير المدرسة أسفه، وعلق انا واثق يا ابا علاء انك انسان مدرك، كما تدرك اني وزملاءك المعلمين يكنون لك كلّ الحب والاحترام.
قال –عبد كايد- ابو علاء يعرف زملاءه جيداً، عاشرهم ووعى عن كل منهم درجة التجاوب شأن أي جماعة تجمعهم مهنة أو أي ارتباط آخر. ونحن بشر، فلا غرابة ان يحمل البعض طبيعة العقرب حين تدب على جسم لين فتلدغه، حتى وان لم يكن من الأحياء! هذا طبيعي عند كل انسان غير طبيعي بإنسانيته. ثم ربما كان هذا محض اختيار، وهذا من حق مسؤولي مديرية المعارف .
تمتم سوادي... صح، صح، فلو كانت المسألة «كتاب وحساب والستر من الله» لصاحب النقل أمر آخر.
وجاء –خريبط- واعلن، عمي نقلنا كل الغراض، والأهل ركبوا وينتظروك!
وتقدم ابو علاء فصافح زملائه، وخاطبهم « اخوان انا لا أتضجر مما حصل بالنسبة للمكان، فأيّما مكان أحلُ فيه، إنما هو جزء من بلدي، سُكانه أخوتي، وأبناؤهم أبنائي، وسأبذل جهدي لخدمتهم وتنشئتهم، وآمل أن يوفقني الله لخدمتهم.»
وتحركت السفينة الصغيرة، فكرر زملاءه تحيتهم ثانية يلوحون بأيديهم.
رفع ابو عبد الصمد يده وصاح: وداعة الله ابو علاء
وأختفى القارب بين انحناءات مجرى النهر والقصب والبردي ...


للمربي الراحل علي محمد الشبيبي
الناصرية: 04/06/1952



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- معظم أبطال القصة هم شخصيات حقيقية كان الوالد - عند اول تعيينه في ناحية (سوق شعلان)- قد تطرق إليهم من خلال ذكرياته (ذكريات التنوير والمكابدة) / الناشر محمد علي الشبيبي
1- الشرطي محيسن: أتذكر جيدا هذا الاسم المتداول والمعروف بين أهالي الناصرية، وهو شخصية حقيقية./ الناشر محمد علي الشبيبي
2- القرآن الكريم. سورة العاديات، الآية الكريمة 10./ الناشر محمد علي الشبيبي
3- القرآن الكريم، سورة القيامة، الاية الكريمة 29 و 30 / الناشر محمد علي الشبيبي
3- القرآن الكريم. سورة مريم، الآية الكريمة 57. / الناشر محمد علي الشبيبي




- نشر محمد علي الشبيبي في الرابط التالي:
* محمد علي الشبيبي - عريف المخفر*

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى