العرب، اليهود والسلام المفقود: السادات وبيغن مراسلات ثنائية خاصة (1977 -1981)*.. ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم :
طيلة ما يقارب خمس سنوات وغاية يوم اغتيال أنور السادات، تحاور سرا،الرئيس المصري والوزير الأول الاسرائلي. من اتفاقيات معاهدة كامب ديفيد إلى الملف الفلسطيني المعقد، مرورا بسياسة الاستيطان.
تبادل آراء ميزه توقد ، بين رجلين يفصل بينهما مبدئيا كل شيء. جانب يسلط الضوء مرة أخرى على المأزق الحالي للوضعية في الشرق الأوسط.
بعد مرور ثمان وثلاثين سنة، يبقى خيمياء اتفاقهم غامضا دائما.عندما التقيا لأول مرة في القدس، ليلة السبت 19نونبر 1977، لم يكن يجمع بين أنور السادات ومناحيم بيغن أي قاسم مشترك، اللهم الهوة التي لا حد لها بخصوص ارتيابهما المتبادل. يباعد بينهما كل شيء، بدءا من ماضيهما والصورة المتبادلة عن بعضهما البعض، المشبعة بالصور النمطية وكذا الضغائن والأحقاد.
السادات البالغ آنذاك ثمان وخمسين سنة، كان والده فلاحا من صعيد مصر، ووالدة سودانية الأصل، من هنا سحنته الداكنة وبالتالي لقبه العنصري '' زنجي''، الذي سرعان ما تداوله رفاقه داخل المدرسة.
عاش السادات طفولة قاسية وصعبة، رفقة إخوته الاثني عشر. هكذا، سيمثل بالنسبة إليه الانتماء لصفوف الجيش، عتبة إنقاذ. حصل على شهادة عسكرية في القاهرة ثم اختير ضمن عناصر فيلق الاتصالات، وقد أثار بسرعة انتباه الاستعمار البريطاني، نظرا لمشاعر التعاطف التي أبداها نحو الوطنيين المؤيدين للألمان. سنة 1942، اعتقل بتهمة التجسس لصالح الفيلق الإفريقي للجنرال رومل. لم يكن إعجابه بالنظام النازي، الذي وعد بتحرير مصر من الانجليز، مجرد تصنع، بل سيكتب سنة 1953، قصيدة ترثي ذكرى وكذا – مجد- أدولف هتلر.
انتماء إلى جماعة الضباط الأحرار، وقريبا من جمال عبد الناصر، ثم رئيسا بعده على مصر منذ أكتوبر 1970 . شارك أنور السادات في حربين ضد إسرائيل وقاد حربا ثالثة أخرى، شهر أكتوبر 1973، لم يكسب عسكريا أو ما يتعلق بالأرض، بل انتصر ديبلوماسيا و'' استعاد الشرف العربي''.
الشخص الذي صافحه السادات يوم 19 نونبر، أقصد مناحيم بيغن، يكبره سنا بخمسة أعوام ، وأصبح منذ ستة أشهر، وزيرا أولا.
ولد بيغن في برست-ليتوفسك، المنتمية إلى الإمبراطورية الروسية. درس القانون، ثم أصبح صهيونيا قريبا من اليهودية الأرثوذوكسية، وعنصرا فعالا ضمن صفوف حركة " بيتار'' في بولونيا ومسؤولا سريا عن الجماعة الإرهابية '' إرغون'' وكذا '' ليهي". سيقود زعيم الليكود، سنوات نهاية الأربعينات العديد من عمليات القتل التي استهدفت قياديين فلسطينيين، واضطلع مشرفا على عناصر منظمتي إرغون و ليهي، بمسؤولية تصفية القرويين في دير ياسين. يعتبر هذا الشخص مناصرا مقتنعا بـ '' إسرائيل الكبرى'' وكذا سياسة الاستيطان.
يصعب إذن تصور، مسارين، شخصيتين، قناعتين وثقافتين في غاية التناقض كما الحال بالنسبة لمرجعيتي السادات وبيغان. لايضمر قط أحدهما للثاني أي تقدير ولا مشاعر تجمع بينهما. مع ذلك اكتشفا بشكل سريع الجامع بينهما: المصلحة الوطنية – التي تجُبُّ كل ما قبلها- والبراغماتية.
إذن خلال اليوم التالي، أي الأحد 20 نونبر، تحقق ما لم يكن قابلا للتصور.داخل الكنيست، البرلمان الاسرائلي، يخطب أنور السادات قائلا :''استمر جدار بيننا، حاولتم تشييده منذ ربع قرن. لكنه تحطم سنة 1973 . جدار الخوف نتيجة تهديد قوة يمكنها أن تدمر الوطن العربي بأكمله.مع ذلك، يمكث جدار ثان، أقصد حاجزا من الارتياب، والرفض والخوف من التعرض للخديعة''.
أثناء ذلك، بقي مناحيم بيغن هادئ الأعصاب. لم يصفق قط.لكنه سينتهز فورا الفرصة كي يحفر ثقبا في الجدار الوحيد المهيمن على هواجسه: ذلك المتعلق بالتضامن العربي ضد إسرائيل، الذي ترسخ خلال قمة الخرطوم سنة 1967 . والانتهاء من هذه الجبهة المصرية التي تحتشد نحوها العديد من الجيوش، بالتالي يلزم الانسحاب من سيناء التي لا تشكل جزءا من '' أرض إسرائيل''، مع الاحتفاظ بالسيطرة على قطاعي غزة والضفة الغربية : ينبغي إذن الرهان على هذه الخطوة. حينها نهض بيغن مجيبا السادات : " لن نسمح أن تلازمنا ذكريات الماضي، حتى ولو كانت محزنة بالنسبة للجميع.مادمنا نعيش معا في هذه المنطقة، الوطن العربي الكبير من خلال دوله وبلدانه ثم الشعب اليهودي على أرضه، أرض إسرائيل، للأبد''.
تبلورت الآراء. التقطها بسرعة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وأضحت رهانا لهذا الفريق الثلاثي الذي سيمضي، نحو مباحثات كامب ديفيد، شهر شتنبر 1978 . نعلم قد انتهت إلى سلام منفرد، جلب على السادات السخرية داخل كل جغرافية العالم العربي، وإن أتاح للجارين غاية اليوم التعايش دون الحاجة قط للرجوع إلى الأسلحة. نعلم أيضا أنه اتفاق ترك بدون حلّ الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالقرار الذاتي الفلسطيني وكذا استيطان الأراضي المحتلة من طرف إسرائيل، هذه المعاهدة التي اعتُبرت بمثابة معجزة إبان تلك الحقبة، فسحت المجال لبث بذور التطرف الإسلامي الذي نلمس حاليا مختلف تأثيراته.
لكننا نجهل حقيقة مفادها أنه قبل وبعد كامب ديفيد، تبادل السادات وبيغن سرّيا رسائل عدة تعتبر قراءتها جوهرية بالنسبة لمن يود فهم المبررات الحقيقية لهذه العداوة بين أبناء العمِّ، اليهودي والعربي، وقد كشفت مضامينها عن عناد إسرائيلي مقابل ضعف مصري.
رسائل أصدرتها دار النشر '' intervalles'' انطلاقا من المادة التي وفرتها أرشيفات مركز '' إحياء تراث مناحيم بيغن"، تعكس بالتأكيد شهادة ثمينة حول مرحلة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط.وسنقدم بعض فقرات تلك الرسائل الأكثر دلالة.
إن أتاح خطاب الرجلين داخل قبة الكنيست، فتح قناة للمفاوضات، فقد استمرت مع ذلك معطيات المبارزة كامنة، بحيث تواصلت الحرب اللفظية، مثلما توضح هذه المراسلات الحادة التي تعود إلى شهر مارس 1978.
- رسالة أنور السادات إلى مناحيم بيغن ،1مارس 1978 : " لنتفق على حاجة إسرائيل إلى الأمن، لكن لا يحق لها التطلع صوب تحقيق هذا الهدف على حساب إلحاق الضرر بالأرض أو السيادة(…). فيما يخص القضية الفلسطينية، التي تعتبر مثلما قلتُ سابقا، جوهر المشكل، وبأن إسرائيل لا يمكنها قط مقاربتها ضمن إطار عبارات المجال الإقليمي وكذا السيادة، أو على أساس إنكارها لحقوق الشعب الفلسطيني الشرعية(…). للأسف، لا تزال الحكومة الاسرائلية تفكر بهذا الخصوص انطلاقا فقط من تصورات الامتياز الاستراتجي وكذا المطالبة بالأرض على حساب الآخرين. لكن أرضنا ليست مجالا للمساومة(…). فضلا عن ذلك، وقبل أيام من انعقاد اللجنة السياسية في القدس، تحدث المذياع الاسرائلي عن بناء مستوطنات داخل رفح – الإقليم المصري- فأوضح للعالم قاطبة أن إسرائيل كانت بصدد محاولة خلق وضع غير قابل للنقاش".
- جواب مناحيم بيغن، 5 مارس : 1978 " تتأسفون لكوننا لازلنا بعد ضمن حدود " إشكاليات الصياغة".لكن، السيد الرئيس، لقد اقترح علينا فريقكم الاستشاري " صياغة" تعني شيئا ما: التزام الحكومة الاسرائلية بالانسحاب نحو خطوط الحدود القائمة قبل الحرب الدفاعية خلال الأيام الستة. يتعلق الأمر بفكرة قديمة، تعود إلى خريف 1967 . مثلما قلتُ لكم في الإسماعيلية، فإسرائيل غير ملتزمة بهذا الانسحاب نتيجة مقتضيات قرار 242 ثم لسنا مضطرين كي نمتثل إلى شرط محدد سلفا (…). كما تعلمون، لا يعتبر قاعدة من قواعد القانون الدولي، سوى إذا انتهى استخدام دولة لحقها المرتبط بالدفاع عن النفس، إلى تغيرات إقليمية أُدرجت فيما بعد ضمن اتفاقيات للسلام. أما إن أخذ السياق غير ذلك، فينبغي إعادة النظر راديكاليا في كل خريطة أوروبا والشرق الأوسط (…). تواصلون بين طيات رسالتكم، الترافع لصالح إقامة دولة فلسطينية في يهودا والسامرة ( الضفة الغربية) وقطاع غزة، بعد فترة مؤقتة. السيد الرئيس، ينبغي أن أكرر لكم المسألة التالية : تمثل الدولة الفلسطينية، كيفما جاءت صيغتها، خطرا قاتلا، بالنسبة لإسرائيل.
- أنور السادات، ورسالة 10 مارس 1978 : " للأسف السيد الوزير الأول، ارتكزتم في رسالتكم على دلائل شرعية قابلة للدحض بسهولة. عندما ذكرتم مثلا حرب 1967، فقد عرفتموها بالنسبة لإسرائيل كحرب دفاع ذاتي وطني، الأمر الذي يتنافى مع الوقائع التاريخية القائمة. أيضا، تسلكون انطلاقا من هذه الفرضية غير الدقيقة نتائج لا يقرها القانون الدولي، ولا مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. كذلك لا يخفى على علمكم بأنَّ عدم الإقرار بامتلاك الأراضي قوة، يمثل مبدءا قاعديا للنظام العالمي بلورته تراجيديات الحرب العالمية الثانية. مرة أخرى، عندما تستعرضون موقفكم،تلحون على الاحتفاظ بمستعمرات داخل الأراضي العربية. والحال أن الأمر يتعلق بسياسة أدانها العالم قاطبة مادامت غير قانونية وتشكل عائقا أمام السلام (…). فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ونحن نعيش حقبة تطالب خلالها كل شعوب العالم،حتى الصغيرة منها، وتتطلع نحو الظفر بحقها في تقرير مصيرها، بالتالي حرمان الشعب الفلسطيني الذي يقارب تعداد ساكنته ثلاثة ملايين نسمة، من حق كهذا لا يتنافى فقط مع القانون والعدالة، بل سيعكس ذلك من جانب ثان دعوة لتأبيد النزاع وكذا حمَّام الدم. إذا بقينا ضمن إطار، يستعيد مفاهيمكم الخاصة، والتي ستقود إلى وضعية " خطر قاتل".
عندما بدا جليا التعارض المبدئي بين مواقف السادات وبيغن، توقفا عن تبادل الرسائل.
خلال صيف 1978 توالت لقاءات واجتماعات دائمة بين المندوبين الاسرائليين والمصريين، تجادل خلالها الطرفان، حول مضامين دلالة الكلمات التالية : '' استقلال''، '' انسحاب'' و" سيادة''. هكذا يظل كل تصريح علني مرتبطا بدلالة الجملة التي تليه خوفا من إمكانية تضمنه لفجوة قد يستثمرها الخصم بغية تحقيق امتيازات أكبر. إذن يتهدد الخطر مسار السلام، حتى قبل تبلوره على أرض الواقع. مما دفع السادات إلى إبلاغ جيمي كارتر عن تطلعه جديا كي يضع خاتمة لهذه المحادثات. لذلك تحتم على الرئيس الأمريكي الرهان على ورقته الأخيرة : يوم 5غشت ، بادر كاتب الدولة سايرس فانس Vance، نحو توجيه دعوة صريحة إلى السادات وبيغن كي يحضرا، في غضون شهر، اجتماعا مشتركا في كامب ديفيد. القواعد بسيطة : خلوة مطلقة بهدف الوصول إلى تحقيق اتفاق يناسب جميع الأطراف الموجودة.هذه الشروط خولت لبيغن فرصة اللعب بكلمات مريبة، واصفا كامب ديفيد بـ " فضاء بادخ للتركيز".
وإن قبل الاثنان الدعوة، فقد تشبث السادات وبيغان بمواقفهما طيلة الأيام الأولى للمفاوضات، التي انطلقت يوم 5 شتنبر 1978 . رفض بيغان مسألة تفكيك المستوطنات الثلاثة عشر القائمة في سيناء، والتي تضمن، حسب تصوره، حماية لإسرائيل فيما يتعلق بهذا الجانب الحدودي. رفض السادات بكياسة شروطا من هذا القبيل. خلال اليوم الثالث، بلغت المفاوضات الطريق المسدود ووصل التوتر أوجه، هكذا أعلن بيغن شعاره : " حتى لو فقدتُ عيني اليمنى وذراعي الأيسر، فلن أوافق على أبسط تفكيك لأي مستوطنة". بدوره لامس جيمي كارتر حالة من العصبية.لكنه ، يدرك ويعلم صحبة زبيغنيو بريجنسكي وكذا سايرس فانس، المفاوضين المعتادين على السباقات الديبلوماسية ذات النفس الطويل، انعدام طريق بسيط ومباشر نحو التسوية السياسية. تعديلات وتنازلات ، ثم بدا بعيدا المشروع الأساسي لتحديد إطار اتفاق سلام شامل، وصارت النقاشات، تهتدي شيئا فشيئا، نحو وجهة سلام منفصل.
يوم 17 شتنبر، وبعد مفاوضات استغرقت ثلاثة عشر يوما وقبلها أربعة عشر شهرا من عمليات لتحقيق الانجذاب الدبلوماسي، وقّع أخيرا الطرفان اتفاقيتين في كامب ديفيد.الأولى،حددت إطارا للسلام في الشرق الأوسط،لم يتم قط تفعيله.بينما اختلف الوضع، مع الثانية : تلك التي نصت على الانسحاب الاسرائيلي من سناء، خلاصة اتفاقية سلام بين طرفين متجاورين، وكذا تطبيع علاقتهما الدبلوماسية.
بعد انقضاء شهرين ونصف،بينما كان بيغن والسادات يستعدان لتسلم جائزة نوبل للسلام -التي سُلِّمت لهما يوم 10دجنبر – سيوجه ثانية الرئيس المصري رسالة إلى الوزير الأول الاسرائلي.
- رسالة أنور السادات إلى مناحيم بيغن، 30 نوفمبر 1978 " ينتابني إحساس مفاده أننا بدّدنا وقتا ثمينا ضمن سياق تقديم حجج وكذا الخوض في محادثات غير مجدية حول قضايا لاقيمة واقعية لها، أو قليلا. مظهريا، مازالت توجد عناصر ترغمنا على التفكير في عدم إمكانية توصلنا إلى حل يمثل ضررا على الطرف الثاني. يواصل البعض التمسك بصورة داوود وجالوت عوض بحثهم عن مصدر يستلهم الإخوة إسماعيل وإسحاق.مما لاشك، تستمر بعض الحواجز، ومن واجبنا معا العمل على تقويضها (…). ما نترقبه من جانبكم، أن تقبلوا فعليا التعايش مع جيرانكم العرب. لا يمكنكم التطلع إلى علاقات معهم، تبعا لمفاهيم التوسع أو الاستغلال، بل ضرورة استنادها على الاحترام المتبادل وكذا الإيمان بالمساواة بين الدول (…). أعتقد،لا ينبغي لكم أن تحاولوا، أو تخلقوا الانطباع بأنكم تتوخون، التملص من الالتزامات التي وافقتم عليها ثم وقعتم معاهدة كامب ديفيد".
- جواب بيغن على رسالة السادات، يوم 4 دجنبر 1978 : " أشكركم على رسالتكم، التي تسلمتها يوم 30 نونبر من السفير الأمريكي في إسرائيل. قرأت مضمونها بكثير من الاهتمام، ثم إحالتكم المؤثرة جدا، على التوراة قصد الاستشهاد بقرابة وكذا أخوة الشعبين المصري والاسرائلي. نفس الشعور الذي أتقاسمه معكم. في المقابل، اسمحوا لي القول، أن المقارنة بين داوود وجالوت غير واردة بالنسبة لحقبتنا. نؤمن بالأخوة والمساواة بين مختلف الأوطان".
ميزت سنة 1979 جملة توافقات وتجليات عكست مستوى الصداقة الذي بلغه الرجلان. لذلك وبمناسبة حلول الذكرى الثانية لسفر السادات إلى القدس، كتب له بيغن البرقية التالية. للمرة الأولى، وظف تعبير ''صديقي العزيز''.
- من مناحيم بيغن إلى أنور السادات، يوم 18 نونبر 1979 :
" صديقي العزيز،
تقبلوا مني، تهانئي الصادقة جدا بمناسبة الذكرى الثانية لسفركم التاريخي إلى القدس.أحتفظ دائما بذكرى استثنائية عن اللحظة التي سمعت خلالها الإعلان الذي أدليتم به أمام أعضاء مجلس الشعب المصري، وأكدتم بحسبه عن استعدادكم لزيارة القدس ومخاطبة الكنيست. لذلك ودون أن أتردد دقيقة،وجهت إليكم فورا دعوة ملؤها الإجلال والمودة كي تقوموا بزيارة بلدنا وتخاطبوا بحرية شعبنا وكذا باقي العالم عبر منصة برلماننا. كانت لحظات عظيمة لنا جميعا، شغلت انتباه مختلف البلدان (…). طبعا، سنواصل صديقي تكثيف جهودنا بهدف إرساء دعائم السلام واحترام صادق لبنود اتفاقية كامب ديفيد، وضمن ذلك منح استقلال تام وكامل للعرب الفلسطينيين القاطنين الضفة الغربية وكذا منطقة غزة. أعلم أننا سنواصل أيضا لقاءاتنا المشتركة ونبرهن لدول العالم قاطبة، الكبيرة والصغيرة،إمكانية التعايش معا في إطار السلم، الأمان،التعاون والصداقة المتبادلة".
إبان فترة مفصلية، التقى بيغن والسادات في مدينة أسوان، جنوب مصر، وأفضت المحادثات لاسيما نحو فتح السفارات وكذا إنشاء قنوات للربط البريدي والهاتفي. لكن الانفراج توقف. مع اقتراب يوم 26 ماي 1980، التاريخ الذي ستنعقد أثناءه مفاوضات حول الاستقلال الفلسطيني، وفق الجدول الزماني المتفق عليه في كامب ديفيد، وقد كشف السادات عن انزعاجه من الجمود الذي يحاصر الملف.
-من أنور السادات إلى مناحيم بيغن،17 مارس 1980 :"نظرا لاعتبارات استراتجية إقليمية وعالمية، في الآن ذاته، ستكون إطالة الوضعية الحالية أمرا مسيئا جدا للقضية والسلام وكذا الاستقرار. لذلك تنبغي المبادرة،باستمرار نحو القيام بمساعي تطويرية حقيقية، ضمن إطار مفاوضات ترتكز على استتباب سلطة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة (…). مع ذلك لا نرى أبسط إشارة يمكنها أن تجسد تقدما دالا للمفاوضات. بعد أسابيع معينة، سيحل تاريخ 26 ماي. وإذا لم تفرز المفاوضات تطورا يسمح لهذا المسار بالصمود، سنكون إزاء نتائج جسيمة جدا. ستُوجَّه لنا تهمة أو شُبهة المراوغة أو عجزنا عن تجسيد معنى المطلوب فوريا، بناء على الوقائع. أيضا، سيمنح وضع كهذا اعتمادا إلى الادعاءات التي وفقها يبقى اتفاقية السلام التي أمضينا عليها معاهدة معزولة. والحال أنه تصور استبعدناه تماما ".
- جواب مناحيم بيغن،24 مارس 1980 : " اسمحوا لي في المقام الأول تكرار القول بأننا نصبو نحو سلام مع جميع جيراننا ونعالج بطريقة إيجابية مشكلة العرب الفلسطينيين المتواجدين في الضفة الغربية وكذا منطقة غزة. لذلك وجَّهنا دعوة مشتركة إلى سوريا والأردن كي ينضما إلى مسار السلام ونأمل في مشاركة العرب الفلسطينيين مع الوفد المصري (…). طبعا، نستبعد حضور أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، التنظيم الساعي إلى تحطيم إسرائيل ومعلنا عن أساليب للإبادة، لكننا سنستقبل دون أي تحفظ ممثلين عن العرب الفلسطينيين ضمن وفد المندوب المصري حتى تتاح له فرصة المشاركة في النقاشات حول وضعية الاستقلال التام والنهائي الذي سيتمتع به سكان الضفة الغربية وغزة. لكن ظهر واضحا غياب أي وفد رفقة المندوب المصري إلى طاولة المفاوضات. مرة أخرى، أطرح التساؤل التالي : هل يمكن أن نرجع مسؤولية هذا الموقف إلى إسرائيل؟ لقد أكد مؤخرا الرئيس كارتر ضرورة بقاء إسرائيل مدينة غير مقسمة، بحيث تتمتع مختلف الديانات بحرية العبور إلى مزاراتها المقدسة. إنها بالضبط وضعية الوقت الراهن،الذي يكفله القانون إلى الأبد''.
تعضيد الاستعمار والقمع الاسرائلي لمناضلي منظمة التحرير الفلسطينية، أجبرا السادات على إنهاء المفاوضات خلال مناسبتين. لذلك سيعبر مناحيم بيغن في رسالته يوم 20 ماي 1980، عن حيرته جراء التردد المصري ومؤكدا ثانية بشدة : '' القدس عاصمة إسرائيل''، ثم فوض إلى السادات مسألة تحديد موعد جديد للشروع في المفاوضات.
يوم 2 غشت 1980، نُقل بيغن إلى المستشفى نتيجة أزمة قلبية، فقرر السادات الإلحاح ثانية على زميله الاسرائلي.
- من أنور السادات إلى مناحيم بيغن، 2 غشت 1980 : " مع خيبة أملنا الكبيرة، وكذا دهشة العديد من الأصدقاء في إسرائيل،بحيث لم تأخذ الأحداث وجهة بوسعها الاقتراب بنا صوب اتفاق حول الضفة الغربية وقطاع غزة.بل على العكس،تبنت وجهات مزعجة ومستفزة دون أي تبرير، ومتعارضة بكيفية جلية مع آفاق المسار نفسه.أحيل هنا على الأفعال التي تحدث في القدس وكذا المستوطنات، وكذا التدابير القمعية الجارية في الضفة الغربية وقطاع غزة.سيكون ربما مفيدا، خلال هذه المرحلة،السعي إلى إنعاش ذاكرتكم فيما يتعلق بالقدس.أقول لكم بأن الأمر يهم مصلحة جوهرية بالنسبة لثماني عشرة مليون يهودي على امتداد العالم، مثلما تعتبر قضية أساسية وحساسة لدى ثمانمائة مليون مسلم.يستحيل إلغاء مختلف ذلك وعدم الاكتراث بتلك القيمة الروحية والثقافية(…). لست محتاجا إلى الاسترسال في الإشكاليات القانونية، لكن من الواضح أن المواقف الاسرائلية الحالية تنتمي إلى تمدد إقليمي وكذا الاستحواذ على الأراضي بالحرب.
- جواب مناحيم بيغن، 4 غشت 1980 : " لم أتوقف عن تكرار الإقرار بأن القدس، في مجملها ، تظل عاصمة لإسرائيل.مدينة موحدة ثانية وغير مجزأة لدى مختلف الأجيال المقبلة. نعم، توجد بالفعل أمكنة في القدس تحظى بالقداسة سواء لدى المسلمين والمسيحيين. نحن نحترمها. وليس كما الشأن مع الاحتلال الأردني، لأمكنة مقدسة يهودية. نعلم من وجهة نظر دينية، أن القدس مدينة مقدسة بالنسبة للمسيحيين والمسلمين. أما بالنسبة للشعب اليهودي، فليست فقط مقدسة : بل تجسد تاريخه الضارب بجذوره على امتداد ثلاثة آلاف سنة، وهي فؤاد أفراده، ثم حلمهم، وكذا الرمز المرئي لخلاصهم الوطني. قبل بضعة أشهر، وداخل فضاء نادي الصحافة الوطنية، في واشنطن طالبتم بوضع " القدس الشرقية" تحت السيادة العربية : تشرف سيادة ثنائية على مدينة، هذا يعني تقسيما جديدا. يستحيل استتباب واقع كهذا. كانت القدس وستبقى تحت السيادة الاسرائلية، وعاصمتها غير القابلة للانقسام يتعايش داخلها اليهود والعرب في وئام وكرامة إنسانية (…). ينطبق نفس التصور على مستوطناتنا في الضفة الغربية، وغزة والجولان. إنها قانونية وشرعية تعتبر مكونا لاغنى عنه بالنسبة لأمننا الوطني. بالتالي لن نبادر إلى تدمير أي منشأة".
- جواب أنور السادات، 15غشت 1980 : " فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا تمثل الصياغة التي اتفقنا حولها في كامب ديفيد مخرجا نهائيا. إذن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار ليس فقط وضوح اللغة المستعملة في : '' الاتفاقيات- الإطار من أجل إرساء السلام في الشرق الأوسط''، بل أيضا عدم امتلاك أي واحد من المشاركين خلال تلك القمة، حق فرض تسوية على الشعب الفلسطيني. حينما لاحظتُ عدم ملاءمة النص المقترح بخصوص قضية القدس، طلبتُ من الرئيس الأمريكي، حذفه. إذن تم تأجيل الحل الشمولي لهذه القضية حتى مرحلة التسوية النهائية (…).من جهة أخرى، ترتئي الفقرة (أ) من الاتفاق-الإطار قاعدة شرعية بالنسبة للاتفاقيات النهائية التي سيُتفاوض بشأنها. والحال أن الإشارة القائلة : ' كل مبادئ وكذا ترتيبات القرار242 لمجلس الأمن للأمم المتحدة" تشغل مكانا أساسيا ضمن ترتيب اللائحة. كما تعلمون جيدا،يحظر هذا بوضوح ضمّ الأراضي بالحرب. مع العلم أن القدس قد احتلت إبان حرب 1967، ينطبق عليها هذا التدبير، ليس فقط في نظرنا، لكن أيضا حسب تصور مجموع المنتظم الدولي.
لقد ميَّزتم في رسالتكم بين الحقوق وكذا مشاعر المسلمين والمسيحيين نحو القدس والشعب اليهودي. أعتقده تصنيفا بلا أساس. تشغل هذه المدينة موقعا خاصا داخل أفكار، وأفئدة كل المؤمنين، أو تحديدا أهل الكتاب. تمثل امتدادا لإرثهم الروحي والثقافي (…). أتأسف للتأكيد الوارد في رسالتكم الرافض تماما لإزالة أيّ مستوطنة في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان. يلزم بالأخص تجنب هذا النوع من التصريحات القطعية (…).أتحسر أكثر، لأنكم تركتم العديد من الأفكار الواردة في رسالتي دون جواب. بالتالي، تظل العوائق ماثلة تجابه السلام ولا أرى كيف يمكننا أن نستأنف ثانية المفاوضات بخصوص هذه الوقائع".
- جواب مناحيم بيغن، 18غشت :1980 " بخصوص القدس، قلت لكم ما بوسعي قوله، شفويا وكتابة. ولا أريد في هذا السياق تكرار ذات التأكيدات التي سبق إقراري بها أثناء محادثاتنا الودية. فالقدس عاصمتنا، مدينة موحدة، غير قابلة للتقسيم، مع ضمان حرية الولوج إلى المزارات المقدسة بالنسبة لمختلف الأديان.لقد وجه فهد ولي عهد السعودية، هذا البلد البترولي الثري، دعوة إلى إخوته العرب كي يزحفوا نحو إسرائيل ويعلنوا الجهاد، الحرب المقدسة؟ أمر كهذا،لا يثير استغرابنا. إذا كان أشخاص هنا أو هناك، جاحدين للمعروف، فضلوا نسيان ما قمنا به وكذا التضحيات التي تآلفنا حولها لصالح قضية السلام المقدسة، ثم لنترك شراء البيترول، وبيع الأسلحة، وربط صداقات مع ديكتاتوريين كما الشأن مع الحاكم العراقي (مع الاكتفاء بالإشارة إليه وحده)، فإنهم يعرضون للبيع مبادءهم وكرامتهم : لن يغيروا شيئا بخصوص وقائع غير قابلة للنقاش (…). إذا كنتم تصرون على هذا المنظور السلبي، ستظل المفاوضات متوقفة لسبب واحد لاغير مفاده أن مصر تعطل المفاوضات تدريجيا. من جهتنا، أكرر اقتراحنا باستئناف المفاوضات الثلاثية دون مزيد من التأخير، المنصبة حول الاستقلال الذاتي''.
جواب أنور السادات، يوم 27غشت 1980 : " حينما بعثت لكم رسالتي الأولى، لم يتجه قصدي إلى الشروع في نسج خطابات بلاغية أو تناظرية، بدون جدوى. لكن سعت رغبتي الصادقة نحو سبر مختلف الدروب الممكنة حول الحكم الذاتي. ينصب في اعتقادي، مجال التوافق ، على إرادة الجانبين كي يخلقا،بأفعالهما، مناخا مناسبا لصياغة اتفاق. وقد ذهبنا بتبادل الرسائل والأفكار حتى أقصى مداه، أظن ليس ضروريا ولا مفيدا مواصلة الدفاع عن هذا الموقف أو ذاك".
مهما انتاب الصيغة من غموض، فلن نختلف حول معناها : لن يهتم السادات بفلسطين ولا كذا " السلام الشامل" بين إسرائيل والعرب. إن تخلى عن هذه القضية، فسيوقع المصري على وثيقة وفاة الناصرية ومعها في نفس الآن القومية وكذا الاشتراكية التي تلحم، بكيفية ما، العالم العربي.
يوم 23دجنبر 1980، يحتفل السادات بعيد ميلاده، الثاني والسبعين، بعث له بيغن رسالة تهنئة، دون علم بأنها ستكون الأخيرة المتعلقة بمناسبة كهذه.
- من مناحيم بيغن إلى أنور السادات، 23 دجنبر1980 : " السيد الرئيس، باسمي ونيابة عن زوجتي، أتمنى أن تتقبلوا مني مشاعر التهنئة الأكثر حرارة بمناسبة حلول ذكرى ميلادكم. أنا مقتنع بكوننا سنواصل في إطار الصداقة التعاون المثمر الذي انخرطنا فيه معا باسم السلام. أجمل الأماني إلى السيدة جيهان، التي نهنئها بشكل خاص نظرا لنجاحها في دراساتها وحصولها على شهادة الميتريز في الآداب''.
يوم 25 مارس 1981، راسل بيغن السادات بمناسبة حلول ذكرى أخرى : توقيع اتفاقية السلام المصرية-الاسرائلية شهر مارس 1979.
- من مناحيم بيغن إلى أنور السادات، 25 مارس1981 : "هذه الاتفاقية التي وقعناها أنتم وأنا، وكان الرئيس كارتر شاهدا (…). فقد مثلت منعطفا بالنسبة لتاريخ الشرق الأوسط''.
- جواب أنوار السادات،12 ابريل 1981 : " ستظل اتفاقية كامب ديفيد حجر الزاوية الذي يسمح بالوصول إلى تسوية شاملة وكذا السلام في منطقتنا. وستظل نموذج اقتداء بالنسبة لباقي العالم''.
غير أن مشاعر كراهية السادات اتسعت رقعتها داخل العالم العربي، وضمنه مصر طبعا. شهر شتنبر 1981،اعتقل ألفا وستمائة معارض، ينتمي أغلبهم إلى التيار الإسلامي، بل صار الرئيس نفسه رمزا لأول ضحية أودى بها التطرف الديني، الذي احتل شيئا فشيئا عبر كل الأمكنة، الموقع السابق للقومية العربية المنتهية. يوم 5أكتوبر، وبمناسبة عيد الأضحى، وجه آخر رسائله إلى السادات.
- من مناحيم بيغن إلى أنور السادات، 5 أكتوبر 1981 : " باسم الشعب والحكومة الاسرائلية وباسمي الخاص، أود التعبير لكم عن أفضل الأمنيات بمناسبة عيد الأضحى.نتمنى أن تسفر المفاوضات المثمرة، خلال الأشهر القادمة،على النتيجة المأمولة بالنسبة لبلدينا، أي تكريس السلام وأن نعمق أكثر صداقتنا وتعاوننا. بدورها زوجتي تتقدم إليكم، وكذا السيدة جيهان، بمشاعرنا الأكثر ودية".
- هل سمح الزمان للسادت كي يتوصل بهذه الرسالة؟ لم يخبرنا التاريخ عن ذلك.
في يوم 6 أكتوبر 1980، وبينما كان يحضر استعراضا عسكريا يستعيد ذكرى اندلاع حرب أكتوبر، تعرض السادات للاغتيال من طرف كومندوس شكَّله متطرفون إسلاميون مصريون، هتفوا بقتل السادات نتيجة مفاوضاته مع إسرائيل وكذا حملة القمع التي شنها على المعارضين خلال الشهر الماضي. إبان مراسيم دفنه، تواجد الرئيس كارتر وكذا العديد من قادة العالم الكبار، في حين لم يحضر أي زعيم عربي.انتمى مهاجموه إلى تنظيم '' الجهاد الإسلامي" المنحدر من الإخوان المسلمين، والذي أرسى فيما بعد أولى لبنات صفوف جماعة القاعدة.


- مرجع المقالة :
* مجلة : ''La Revue ''،نوفمبر/ دجنبر، العدد 57-58،2015 .ص : 193- 204


سعيد بوخليط

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى