نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

هدى النعيمي - عدالة.. قصة قصيرة

  1. يجيء الميت مستنداً بقوائمه الأربعة على أربعة رجال ماتوا قبله بسنوات، تنصهر اجسادهم بدءاً بالقدم وتذوب، تتحول الى بقع صفراء ذابلة، يستقر الجسد المفضي الى ابتسامة داخل القفص، أعمدة حديدية طويلة تطوق الجسد والابتسامة، وطفل يتخلص من يد أمه القابضة عليه. »أريد أن أقفز فوقه«.
    يصرخ الحاجب: »محكمة«. تقف الأعمدة والأم والطفل، وتتشكل البقع الصفراء أقزاماً أربعة، ثم تعاود الانصهار.
    يلكز رجل مُلتح آخر ذا شعر كثيف ليتوقف عن الشخير، فينتبه ويمسك بالورقة المطوية. »إنه اليوم الخامس عشر قبل المائة وواحد من القرن السابع بعد الذوبان، وفي الساعة التاسعة والعشرين سالب تعقد محاكمة »بسمة«، في القضية التي رفعها »إجلال«.. يطرق الطاولة بعود خيرزان تتعلق في طرفه جمجمة، يعاود الشخير.
    يقفز الطفل ويصرخ: »أريد أن أنتف شعره«.
    يتنحنح »إجلال« سبع نحنحات وينظر بغضب الى »بسمة« السابح في بقعه الصفراء. »هذا النَّكّات - سيدي - تجرأ على إطلاق نكاته في وجهي البشع دون أن يخاف كالآخرين«.
    شهق الملتحي، وقذف الطفل المزعج بعين أسد تسكن قارورة بجانبه يزدحم بداخلها مزيج من العيون. »هذا النكات - سيدي - تسبب في تحويل سحنتي القميئة الى شيء شبه جميل«.
    شهقة أخرى، وعين أخرى، وشخير عال. »هذا النكات - سيدي - أرسل بإحدى نكاته الى سوسة تسكن نخاعي الشوكي، فطردتها وافترشت النخر المتوطن في عمودي الفقري«.
    يحاول الطفل الفكاك مرة أخرى: »سأفقأ عين النكات«. تشده أمه الى حضنها وتلقمه ثدياً نابضاً بحليب أحمر اللون.
    »سيدي، ما تزال نكته السمجة تتقافز بين فقرات عظامي تدغدغها. سيدي، إنني اكاد اضحك، أكاد أقهقه، أمرته ان يخرج سمه كما أدخله، رد بصفاقة: لا أستطيع. أمرته ان ينتزعها بيده او بلسانه أو بقلبه، فرد بصفاقة: لا أستطيع. كدتُ أموت ضحكاً سيدي. أدخلتُ يدي في حلقه لأخرج أداة اطلاق النكات، تلك الأداة الشريرة، لأخلصه منها وأخلص نفسي من شرورها، فإذا به - سيدي - يسقط أرضاً لا يتحرك ولا يتكلم. أدخلتُ يدي في جوفه واستللتُ أمعاءه، فلم أجد شيئاً، خبأها الخبيث تحت ابتسامته اللعينة، أطبقتُ شفتيه المنفرجتين أبداً، ظلت الابتسامة تتحداني والنكتة وصلت الى دمي حتى أكاد أضحك، ولا أستطيع.. سيدي، لا أستطيع أن أضحك.. قل له - سيدي - أن يعطيني نكتة أخرى.. سيدي أرجوك، مُرْهُ أن يعطيني نكتة أخرى.. أقبل قدميك سيدي كما قبلتُ أعضاءه الضامرة، سيدي قل له أن يمنحني نكتة اخرى أو ليخرج أفعاه من لحمي الذي لا يقبل الشواء.. سيدي أطلب العدالة.. العدالة ولا شيء سوى العدالة.. سيدي«.
    نفخ الملتحي نفخة ساخنة أسقطت القارورة أرضاً فانكسرت، تبعثرت العيون المتزاحمة بداخلها، تدحرجت عين الذئب ونظرت الى »إجلال« بإجلال، فهرسها بقدمه، والتقطت الأم عين خروف لم يضاجع نعجة في حياته فأكلتها، فازداد حليبها احمراراً، واستبدل الطفل عينيه بعين ثعلب لم يخدع إلا الفقراء من البشر وعين قطة لم تولد بعد، واقتربت بقية العيون من البقع الصفراء فابتلعتها، هش الملتحي ذبابة حاولت أن تضع بيضها في لحيته بعود الخيرزان، فسقطت الجمجمة على رأس الرجل ذي الشعر الكثيف فصرخ: »محكمة«..
    - ليفعل المتهم ما يؤمر به.
    خرجت فراشة من بين أسنان »بسمة« أسقطت نقطة سوداء على طاولة القاضي ولم ينطق. »هذا شأنه منذ أخرجتُ أمعاءه سيدي، فلتنصفني العدالة بنكتة أخرى.. أرجوك سيدي«!.
    تنحنح القاضي سبع نحنحات وطرق بالجمجمة سبع طرقات واعتدل. »نحكم بإهالة التراب على جسد »بسمة« لتهرب نكاته المختبئة فتنقذ صاحب الدعوى المسكين..« قفز الطفل وقد انتفخت عضلاته وطالت ساقاه وعصر ثدي أمه، فأخرج جبلين من التراب الناعم، ألقاهما على جسد »بسمة« المسجى. خرجت من البقع الصفراء أسراب من النمل والقمل، والبراغيث اعتلت منصة القاضي، نظر »إجلال« الى القاضي ذي الشعر يأكله النمل والقمل، والملتحي تحرقه البراغيث بنيران صغيرة قبل أن تسرق دمه، فابتسم، ضحك، قهقه، علت قهقهاته.. »شكراً سيدي القاضي«.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..