رحيم زاير الغانم - تحولات الزمان والمكان في مجموعة خيول مشاكسة للشاعر ماجد الحسن.. مقاربة سيميائية

تشكل العلامة في النص الشعري إعادة إنتاج المعنى من خلال تداخل (الدال والمدلول) , فالعلامة يعاد إنتاجها من التداخل الآنف, وهذا ما لمسناه جليا في مجموعة الشاعر ماجد الحسن (خيول مشاكسة)* من خلال تسليط الضوء على بنيتي (الزمان والمكان) المتمركزتين في ثيمة (الصباح/الشمس الزمان ) من جهة وثيمة (العتمة /الظلام) الممثلة في (السرير/المكان) من جهة أخرى، لتشكل هاتان الثيمتان تضادا في المعطى العلاماتي وتبادلا للأدوار واندماجا مضمونيا غير مألوف في هكذا ثيمات التي هي بطبيعتها غير متجاورة المعطيات، لكننا سنحاول فكّ هذا الغلق الداخلي للنص من خلال علامات شكَّلت (دوالاً لدال ) تبدو لأول وهلة عائمة المعنى لسعة النصوص، ومن خلال رصدنا للدالين (الزمان والمكان) رصدا سيميائيا يتيح لنا فسحة للسياحة (الزمكانية) التي جعلناها بؤرة التمركز للخوض في العلامات النصية, آخذين بنظر الاهتمام البعد العلاماتي الذي تخلل النصوص الشعرية الذي اعتبرناه دليلا للنفاذ إلى المضمون, مشكلين نصا موازيا للنص الأول (المجموعة) الذي سيتم تناوله:
إذا اتفقت أن تشبه الصباح
لا تعلن الصحو على الفضائح
تدع السيدة,
تنام على يديك المشدودتين
علّها تعطلُ رقصتها في أحلامكَ ص12
إن (الصباح) هنا فقد دلالته الزمنية عندما شبهه الشاعر بصباح (معطل), فلم تشِ الأحلام التي غادرت العتمة إلا بتعطيل الرقصات، علامة النشاط والتنفس كدال على الزمن/ الصباح صارت الرقصات هي الأخرى معطلة, ولما رفض اعلان الصحو على الفضائح كدال على العتمة (لا تعلن الصحو على الفضائح) الزمان هنا هو الآخر عاطل عن الصحو كي لا يفضح القبح الغاطس في نوم عميق وصولاً للوقت الذي تنتهي فيه مدة العتمة, ولأجل أن يستمر ستر القبح, تحظر الأشباه المداهنة (الهوامش) لإلغاء دور (المتون), في تصدر الموقف والتهيؤ لسد فراغ وقت تأخر الإشراق فيه عنوة للحيلولة دون الكشف عن المستور, بأن (تدع السيدة) , (تنام على يديك المشدودتين) لذا يصبح السرير مختلفا دلاليا وصولا للحلم, معطلة رقصتها التي تتناسل من (خمس طعنات وتعرّش في الينابيع ) مع ذلك السرير/ المكان الذي يحدد من يبتلع الينابيع والمراعي الخضر, من هنا ندرك المنطق التضادي في المعطى العلاماتي, متهيئا للانتقال إلى معطى آخر وهو.
*جاءت النساءُ فسيّجنا الصباح
ولم نكن في الشمس أكثرَ مما ينبغي
هذه النساء
بحجم قبضاتنا
كيف تتكور الأرضُ في سرير ص34
الصبح ولادة جديدة(الزمان), بداية لقادم مشرق وما يحمله من دلالة التفاؤل والأمل وما يبدو عليه من تماهي مع الشمس، فنورها علامة لبدء أول خيوطه المتشحة ببياضه الراكن للنقاء, وما تقدمه لهما الأرض من تكور ملهم للديمومة والتتابع عبر الإشراق اليومي المتجدد, ليضحى سريرهما السرمدي(المكان) منسجما وهذا التعالق الزمكاني, على الرغم من التصريح بغلقه (هذه النساء ....بحجم قبضاتنا ), الغلق طال النساء /الحياة, بدلالة قبضة اليد التي حولت السرير/ المكان من علامته المادية إلى معنوية أشد غلقا وعتمة, وقريب من هذه العلامات نجد المقطع يحمل الكثير من التراتبية المملة للتفرد بالقلق الدائم من ديمومة ظلمة الليل الخانق الذي يتوالى كاوبيساً مهرولة إلى كوة بحجم البكاء، من واقع حُكم السرير/المكان, الذي يترك الأثر تلو الأثر, كعلامة فارقة على الرغم من تنامي الشجر الفاتح قمصانه للريح, ليشكل مُعطى علاماتي لتبادل الأدوار, وصولا إلى جنون الطفولة.
سنفتح جنون الطفولة على عرشها
ونذهبُ صاغرين إلى الشراشف ...
بلا أفق ...
فزعين من غواية السرير ص40
في هذا المقطع, نجد الطفولة وما تحمله من علامة البداية قبالة الصباح, قبالة الميلاد, قبالة الإشراق, الإكسير الحقيقي للحياة, فهو يأتي متوافقا مع الطفولة مشكلا ثنائية البدء والتتابع, وفي لفظة (الطفولة) نجد إشارة واضحة للبدء وما يشكله من انطلاقة للجديد وهذه دلالة الصباح, تتبعها إشارة أخرى للسرير/المكان, فالشراشف دال عليه, وأن أريد له الغلق هذه المرة لتصريح الشاعر( بلا أفق ) فشكَّل مكانا مغلقا, وغيابا للشمس متأتٍ من الغلق التام, والتلاقي هنا يخضع لابتزاز من نوع آخر, فللسرير غواياته التي تُفزع مادام (جنون الطفولة) مفتح على العرش, و( تمائم الأمهات / تبتكر حروب الخجل...) غير مبالية عما تخبئ الأيام للمدينة التي تنفجر قاماتها مستغيثة بأول القوارير, صار هنا لزاما الإفصاح عن الاندماج العلاماتي بين المعطيات, مرورا بمرايا الصباح (الزمان).
انكسرت أصابعهم على مرايا الصباح
وهم يهمّون بترتيب الطبيعة ,
فغدت أخطاؤهم على سرير معتم
بالونات أحلام
رغبة بامتلاك الأفق, ص46
كيف للمرايا بخداعها أن تشكل مع الصباح أنتاج ميلاد جديد, إشراق للقادمين, بعدما أعلن عن انكسار الأصابع على ( مرايا الصباح), المرايا وما تمثله من خداع, أنترك لها الطبيعة؟ وما تمثله من نقاء بألوانها الساحرة بمواجهة مثل هكذا انعكاس يمثل وهما في صورة مشابهة للولادة ,عاكسة التشوية, لتغدو أخطاؤهم على ( سرير معتم) فالعتمة هذه المرة من السرير نفسه مع الإشارة إلى المكان المفتوح (رغبة بامتلاك الأفق) غارقين في عتمة بكر مع خروجهم من المكان الضيق, مماحكين الحياة بظلماتهم نافخين أحلامهم عبر بالونات قد تتهاوى للأرض بوخز دبابيس الشراشف المعتمة, وان قالوا للنهار احترس فما قطافهم إلا القبور, ليبرز تضاد في المعطى العلاماتي, موصولا بثمار الشمس .
سأقطفكِ من ثمار الشمس
حين يموت صباحي ص57
نجد تبادل العلامات كالأدوار حاضرا بقوة في هذا المقطع اذ نجد الشمس(الزمان) على الرغم مما تحمله من دلالة الإشراق والتماهي مع الصباح مُشكلة المنفذ الدائم للطاقة الايجابية التي من شأنها الديمومة الفاضحة لقبح العتمة, إلا أنها هنا شكلت علامة فارقة من خلال ما يقطف من ثمرها في الوقت الذي يُعلن عن موت الصباح الصنو والحبيب الغارق في إشراقها السَّني, لتشكل انزياحا من كونها واهبة للنور إلى ملاذ للحبيب الذي يعلن (القطف) بكل مدلولات التعسف للثمار ويستمر الخطاب الموجّه للحبيبة التي تأتي ثمارها من هذا السطوع، أهي كوكبا يدور كما تدور الشمس حول الأرض؟ ولم ثمارها من الشمس؟! أم إنها رغبة الاحتفاء بالحريق قرب حرارتها اللاهبة؟ ولتأتي الاجابة من النص نفسه ليؤكد ما ذهبنا إليه ,منتجا تضادا في المعطى العلاماتي يؤكد ما تم كشفه في البدء.
كوني أول رغبة للرحيق ...
وافتحي نافذة تليقُ بأغصاني ,
علني أصعدُ مع هذا النهر
لأستجير بشرفةٍ تدثرُ نعاسي
وتحرقُ وراءَ الصحو انتظاري ص58
بل أننا نجد المكان المغلق ماثلا هو أيضا فمن دلالة الغرف (النافذة/المكان), نجد السرير حاضراً هو الأخر، بدلالة (تدثر نعاسي) وكذلك الأغصان, وبهذا يبقى الامتداد للحكم المسيطر يدور في فلك المكان المغلق وأن ترك لنا فسحة الانفتاح (وافتحي نافذة تليق بأغصاني), مع خطورة موت الصبح وتماهى الشمس (الزمان) مع (المكان/ النافذة) أخذا سطوته من النهر( علني اصعد مع هذا النهر), يبدو توظيف الثيمات تحت طائلة الاندماج العلاماتي جليا, من خلال تحول المعنى لنص ظهرت فيه علامات تمثلت فيها المعطيات الثلاثة (التضاد، الاندماج، التبادل).
دعيني أتساقط كالمرح
واذهبي....
إلى حيثُ صباح محترق
يجوب العراء ,
وأنا راقدٌ بملءِ رمادي
تحت شمسٍ باردة ص62
نلمس هنا تداخلا علاماتيا مشكلا انزياحا فريدا، فالصبح المحترق الذي يبدو عاجزا تماما عن أداء دوره بفض العتمة عن أبوابه الحصينة وقتذاك, وما هذا الاحتراق إلا دلالة انزياح البرودة والندى عن تخومه وإلقاءها في حضن الشمس التي تبدو لأول وهلة باردة, مثيرة علامة استفهام واعية, ما كل هذا الصقيع الذي حلَّ عليها بغتة ليحيلها إلى مكان غارق بالندى ( تحت شمس باردة ) وبعد كل هذا الهول (صباح محترق ) و(شمس باردة )، (يتساقط كالفرح) يجوب العراء/المكان والراقد هنا بملء رماده متماهيا مع الصباح المحترق فهو إلى رماد أيضا , ليأتي المكان المفتوح معلنا عن الاستغناء عن الستار الذي يحول بينه والاخر, فلا حاجه به, فكل شيء من حوله ليس في زمانه المناط به التزامه, تاركا للمكان حرية الفضاء من غير أن يبدي أسفا لاحتراق من يطلق العنان للجينات الحاكمة, بعدما فقدت مقومات ديمومتها, فالوجود هنا ذاهب إلى رماد, حتى الشمس الباردة تعيش رمادا من نوع آخر, ليبرز للسطح تضادا في المعطى العلاماتي يحمل الفرادة في إعادة إنتاج المعنى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*خيول مشاكسة، ماجد الحسن، دار ضفاف للطباعة والنشر، بغداد ـ الشارقة، ط1، 2015

هذا النص

ملف
رحيم زاير الغانم‎
المشاهدات
73
آخر تحديث

نصوص في : رواية

أعلى