زكريا تامر - المتنبي بلا لحية

زكريا تامر


تابع أبو الطيب المتنبي باهتمام أنباء ما يجري في العالم، وسارع إلى التخلص من لحيته الطويلة المشعثة التي كان يعتز بها، ونبذ كل ما له علاقة بالشعر معلناً استقالته من مهنة الشعر استقالة غير قابلة للعودة عنها، فطوقته تواً الشائعات الزاعمة أنه هرب من ميادين الشعر خوفاً من الشعر الحديث وإنجازاته، ولكن المتنبي ردّ عليها بأن الشعر مخلوق حي، ففي يوم له الصدارة، وفي يوم آخر له العتبة.
وبوغت المتنبي بصديقاته الكلمات في آخر الليل تزوره معاتبة آسفة، فلم يكترث لها، وطردها طرداً فظاً، فاتهمته بالعقوق ونسـيان ما بينهما من خبز وملـح، وقالت له : ستندم عما قريب لأنك حين تفقد الكلمات ستفقد مسوغ حياتك، وستشعر بأنك لا تختلف عن غيرك من الناس .. مجرد واحد من مليارات.
فسخر المتنبي من قولها، وأقدم في اليوم التالي على افتتاح صالون حلاقة للرجال فقط، وقال لأصدقائه المستغربين المدهوشين : أنتم تعرفون أني في حياتي كلها لم أشتر ورقة يانصيب واحدة ربحت ثمنها، ولكن هذا الصالون سيجلب لي الثروة، وسيكون ورقة اليانصيب التي ستربح الجائزة الكبرى، وسأمشي في جنازة الفقر وأدفنه.
وأعلن المتنبي أن صالون حلاقته سيكون مختصاً بحلاقة اللحى فقط، ولا علاقة له بشعر الرأس أو شعر الشاربين، فمن شاء تهذيـبهما، فليس له سوى أن يقصد صالون حلاقة آخر، فقيل للمتنبي إن صالونه خاسر لا محالة لأن الناس سعداء بلحاهم وفخورون بها وحريصون عليها، فابتسـم المتنبي ابتسامة هازئة، وقال لأصدقائه : سيأتي يوم غير بعيد يتبدل فيه موقف الناس من لحاهم، وسيعاملونها كأنها أخطر من المخدرات، وكل من كان ذا لحية سيبادر إلى التخلي عنها حتى ينقذ بلده من قصف عشوائي لا يفرق بين بريء ومذنب.
فسئل المتنبي ما إذا كان ممول صالونه أجنبياً، فضحك المتنبي، وقال : الأجانب ليسوا مغفلين، قد يمولون مزارع لتربية اللحى، ولكنهم لن يمولوا أمثالي لأنهم يريدون بقاء اللحى مبرراً لبقائهم في بلادنا.
ففرحت الكلمات المتوارية في دمه، وأيقنت أن ابتعاده عنها لن يطول.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى