أمل الكردفاني - الشواش / مسرحية من فصل واحد

الشواش - مسرحية من فصل واحد


الشخصيات:

الصبي
الفتاة
الشاب
الاربعيني



المسرح:
ساحة رقص واسعة ؛ ظلمة تضيؤها أضواء مصابيح ملونة متداخلة وأضواء ليزر بأشكال مختلفة... ماكنات صنع الدخان تخرج دخانا ازرقا وأحمرا من على جوانب المسرح.
(يدخل ولد في السادسة عشر من عمره ، نحيل وأسود ، يرتدي تي شيرتا بنيا ممزقا وبلا أكمام وشورتا قصيرا ، ويعلق طبلة يتدلى حزامها من حول رقبته لتستقر هي تحت صدره.
الولد يضرب الطبلة بعصا طويلة خمسة ضربات بإيقاع متزامن).
الولد: ( دل دل دل دل دل) ثورة .. (دل دل دل دل دل) ثورة... (دل دل دل دل دل) ثورة...
يخرج حزام الطبلة ثم يضع الأخيرة على الأرض ويجلس عليها.
الولد: الحرية.. الديموقراطية.. العدالة.... (يخرج علبة سجائر ويدخن).. (يسعل).. حرية .. (يسعل فيطفئ السجارة بقدمه).. هناك أشياء غريبة تحدث لي منذ قرابة سنتين..إنني أشعر بشبق مستمر... لكن ليس للأنثى.. بل للكلبات.. أنثيات الكلاب... (تتسع عيناه بجزع) رباه.. ما هذا... أكاد أنشطر كلما شاهدت كلبة تسير أمامي .. أثداؤها تتمرجح يمنة ويسرة.. وتحت ذيلها تتدلى تلك اللحيمة الحمراء النتنة...لكنني أشعر بأنني سأموت إن لم أتذوقها...(يغطي عينيه بساعديه ويبكي) رباه.. ماهذا الذي يحدث لي...هذا شذوذ غير طبيعي...أدرك أن هناك من يفعلونها مع الحمير لكن ليس مع الكلبات...هذا غير طبيعي بالمرة...أرجوك يا الله انقذني من هذا الشذوذ...اتضرع اليك (ينفجر في البكاء).. (يتقلد حزام طبلته ويضربها خمسة ضربات) ثورة... (دل دل دل دلدل) ثورة ... (يخرج من يسار المسرح)...
(تدخل فتاة عشرينية سمراء وهي تحمل أدوات رسم)
الفتاة: (تضع أدوات الرسم على الأرض وتجلس قربها مقرفصة) للخرائب معنى جمالي .. ربما أكثر عمقا لدى المتلقي من الحداثة..هناك شيء جاذب في الشحوب .. شيء جاذب في لوحة بقايا مدينة دمرتها حرب.. لا أعتقد أنني وحدي من يشعر بذلك العمق.. لكن ربما لأن مثل هذه المشاهد تستدعي حقيقة الموت إلى وعينا... وربما هناك جينات اكتآب مندسة داخل غالبية البشر .. لا أعرف .. لكن هناك شيء ما لا شك في ذلك.. إننا بلا هوية إن لم يكن هناك آخر.. أعتقد أن المتناقضات تتبادل منح بعضها البعض هوياتها... (تضحك) الغريب أنها تتصارع بعد ذلك متبادلة سحق بعضها البعض... (تبتسم مندهشة) الأغرب من كل ذلك أن الهوية ليست أكثر من نسق غامض داخل الدماغ... (تبكي) لهذا يتبادلون قطع الرؤوس.. (تستعيد جديتها) الفن .. ماذا سيكون الفن إن لم يك وعيا..الفن وعي..وعي بكل ذلك...ولذلك لتلك الخرائب جمالياتها في وعي تكامل التناقضات...كل شيء غبي وغامض.. مشتت ومتماسك.. هل هو غبي أم أنه أذكى منا...؟ لا أعرف.. (تلتقط أدواتها وتنهض ثم تغادر المسرح).
(يدخل شاب ثلاثيني يرتدي قميصا وبنطلونا وربطة عنق ويشمر أكمام قميصه الى حد قريب من العضد..يحمل هاتفه المحمول بيمينه ويتحدث فيه بينما كفه اليسرى داخل جيبه ، بشرته سوداء لامعة وشعره خشن وكثيف)
الشاب: لقد طلقتها...نعم هي كذلك يا ماما .. هي كذلك.. نعم طيبة وكل شيء لكن هناك أشياء لا استطيع الحديث عنها... نعم أعرف أنك أمي لكن هذا بالتحديد ما يحول بيني وبين الحديث معك في هذه الأشياء.. لا لا .. ليس خجلا.. ولكن هذه مسألة نفسية محضة.. أرجوك لا تغضبي مني.. لا .. لا .. لن أخبر والدي...نعم أيضا لا استطيع أن أحدثه بهذه الأشياء...ولا شقيقتي.. نعم أستطيع أن أخبر أخي ولكن أخي نفسه لن يستطيع اخباركم فهو مثلي.. لا لا اقصد شاذا أقصد أنه مثلي أنا.. أنا لست مثليا يا أمي...ولكن كيف لي أن أشرح لك هذه الأشياء.. حسنا .. لقد طلقتها وانتهى الأمر فما الداعي للحديث عن الأسباب... ماذا؟ شن أهلها حربا ضدي؟!!!.. يشوهون سمعتي؟!!! هذا غريب لماذا فعلوا ذلك؟ لقد اتفقنا على الطلاق بشكل ودي...غريب هذا الأمر.. ماذا؟ قالت أنني أتبول في السرير وأنا نائم.. هذا غير صحيح طبعا.. يا إلهي.. ماذا؟!!! على العكس تماما لقد كان مرتبي كله تحت يدها... هذا أمر غريب...نعم يا أمي أنا غاضب ولكن ليس بالضرورة أن أرفع صوتي.. هل هذا ضروري.. لا طبعا لست باردا...غالبا النسوة يشنون حربا هن وأمهاتهن على الرجل بعد الطلاق ..هذا أمر طبيعي...لم تفعلي ذلك لأنك لم تتطلقي... طلقك والدي من قبل؟!!!.. هذه معلومة جديدة علي... طلقة واحدة....قبل كم سنة..أووه اربعين عاما... أها.. كمان... كان سكرانا... وكان يضربك بعد أن يعود للمنزل وهو يترنح.. حسنا لا تبكي يا ماما..لقد قلبت المواجع على نفسك..ثم أن والدي توقف عن احتساء الخمر على ما أعتقد.. لماذا بعد فوات الأوان ... لم أشاهده يضربك بصراحة منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا.. ها أنت تبشعين به رغم أنك قبل قليل أنكرت ذلك على طليقتي..لم تبشعي به..كيف هذا؟ نعم .. أها.. لم تختلقي أكاذيب كما فعلت هي... حسنا.. أنت من معدن ثمين يا ماما وليس كبنات هذه الأيام... نعم..أكيد.. لا صدقيني لا أستطيع إخبارك...أرجوك يا ماما..أرجوك... حسنا.. هات شقيقي.. (صمت) مرحبا.. نعم.. صحيح.. لقد طلقتها...ها؟ .. إنه سبب مقزز حقيقة يا أخي ... نعم .. أكيد هو متعلق بذلك الجانب...أكيد.. لا لا لم تكن باردة.. ولكنها كانت عفنة قليلا.. في الواقع عفنة بشكل لا يصدق.. نعم هذا مؤسف .. لكن ليس هذا بسببها.. انما لأنها كانت تعاني من اختلال في بكتريا ذلك المكان.. (بدهشة) ألا تعرف حقا؟ مدهش.. رغم علاقاتك المتعددة... نعم ذلك المكان هو أكثر الاماكن جمعا للبكتريا والفطريات.. لا لا تفعل ذلك مرة أخرى...نعم.. لقد أخبرني الطبيب بأن هناك خلل في نسبة بكتريا تدعى لاتوباسيلي.. نعم.. لا لا ليس الأمر كذلك.. لكن عندما تقل هذه البكتريا يفقد ذلك المكان حمضيته... نعم إنه حامضي الوسط... (يضحك) نعم حامض حلو.. المهم.. إذا قلت نسبة تلك البكتريا انتشرت بكتريا وفطريات أخرى وأصبحت الرائحة لا تطاق.. وكذلك اذا زادت بكتريا اللاتوباسيلي.... هذا طبيعي عند المرأة.. نعم... لا ..نحن ليس لدينا هذه المشاكل.. (صمت) صدقني لم استطع تحمل الرائحة... حقيقة هي ليست محظوظة رغم جمالها الفتان... نعم.. صحيح جميلة ولكن لديها اختلالات كثيرة وكلها من ذات الشاكلة... لا على العكس.. انها تستحم بشكل مستمر...لكن لا فائدة... ها.. نعم من الجيد أننا لم ننجب...نعم هذه مسألة محسومة... حسنا.. هل ستسطيع اخبار ماما بذلك؟ (يضحك) عرفت أنك لن تستطيع.. نعم يبدو الحديث مع الأمهات حول هذه الأمور مثيرا للغثيان... حسنا.. إن سيارتي عند الميكانيكي هذه الأيام ولذلك لن استطيع زيارتكم هذا الأسبوع.. حسنا... الى اللقاء.. الى اللقاء...
(يخرج من المسرح)
(يدخل أربعيني وهو يحمل بطيخة بيده اليسرى)
الأربعيني: (يضع البطيخة على الأرض ويظل واقفا) لقد نسيت أن أشتري بطيخة أخرى لزوجتي.. سأدخل المنزل ببطيخة واحدة.. لو أعطيتها لوالدتي ستغضب زوجتي وإن منحتها لزوجتي فستغضب أمي. هذه هي مشكلة البقاء في منزل واحد حتى لو في الطابق الأعلى...حيث لا أسرار تكون معرضا دوما لهجمات اللبؤات المفترسات....لا استطيع شراء بطيخة أخرى فهي غالية جدا ... ماذا لو لم أضيع سنوات عمري في هذا البلد...هنا لن يستطيع أحد أن يكون غنيا إلا إذا سرق..لكن السير وفق القانون يوصلك إلى هذه النقطة.. حيث عليك أن تفكر في قطع بطيخة إلى نصفين ومع ذلك فلا أمي ولا زوجتي ستقبلان بأخذ نصف بطيخة.. يبدو الأمر مخجلا....ماذا لو كان العالم كله أغنياء...ماذا لو كنت غنيا..ما الذي كان سيدفعني للعمل كعامل في مصنع للحديد منذ الساعة الثامنة وحتى الساعة السادسة مساء؟ لو كان كل الشعب غنيا لوجب علينا حينها أن نستورد فقراء ليقوموا بالأعمال الصعبة والأعمال الوضيعة... ابن خالتي يغوص في حوض الصرف الصحي الممتلئ بالغائط والأبوال وكل عفن الدنيا لكي يفتح المجرى وينال مبلغا لا بأس به هو ربع ما تأخذه الشركة المغربية التي توفر له المعدات...لقد حاولت تخيل نفسي أفعل ذلك فتقيأت من مجرد التخيل...لكنه يخرج من الحوض ويستحم ثم يأكل بشهية مفتوحة...قال بأنه لم يعد محتاجا للمال لكنه لن يترك مهنته...كيف تنام زوجته معه في سرير واحد...على أية حال لقد استطاع بناء منزل هو الآخر والغريب أنه استأجر عاملا لتفريغ حوض منزله.. لقد سألته عن السبب فقال بأن الطبيب الجراح لا يستطيع أن يجري عملية جراحية لنفسه وأن للمهنة أصول لا يجوز تجاوزها.. غريب هذا العالم...يلزم نفسه بأشياء لا معنى لها.. تبدو لي المسألة مسألة مبدأ .. هي شعور باطني ليس بالضرورة أن يكون عقلانيا...ماذا؟ نعم.. نعم صحيح.. ماذا لو استطعت يوما أن أمتلك مصنع حديد.. بالتأكيد لن أعمل كعامل فيه... وهو كذلك لن يشعر بأنه مالك لمنزله إن لم يأت بعامل غريب ليفرغ له حوض المرحاض...شيء غريب..لماذا نحن البشر حساسون إلى هذه الدرجة..؟ اليوم تزوج العامل العجوز من صبية في الثامنة عشر.. هو وسيم رغم أنه يدلف إلى عقده السادس.. حيوي أيضا ونشيط..لكن..لماذا قبلت به؟ هل يمكنني أن أفعل مثله؟ هل أملك تلك الروح المتفائلة والمحبة للحياة؟ أشك في ذلك... (يبتسم) بائعة الشاي تبتسم لي وتجس نبضي .. عشرينية وجميلة..لكنني أتهرب منها..لماذا أخاف؟ إنها لا تطلب الزواج وانما تطلب ذلك الشيء..لماذا أخاف..لماذا اعتبرها خيانة لا تغتفر...زوجتي خانتني من قبل..نعم علمت ذلك وسكت..فعلتها مرة واحدة لتجرب طعم الخيانة...سكت لأنه لا توجد امرأة لا تفكر في الخيانة في هذا العالم..كذلك لا يوجد رجل لا يفكر في الخيانة.. في الواقع ..لماذا إذن نسميها خيانة؟ لماذا يبدو ذلك الأمر مهما لهذه الدرجة .. وأين تكمن خطورته؟ يا إلهي.. البشر حساسون جدا...كل شيء أخضعوه لقاعدة سواء كانت منطقية أم لا...المدهش أن خرق هذه القواعد الوهمية قد يفضي إلى صدمات قاتلة... (يصمت).... أها.....حساسية زائدة.. والبطيخة خير دليل...ما سأفعله هو أنني سأترك البطيخة هنا...فليأخذها أي شخص... لا أهتم..نعم خسرت مبلغا كبيرا من المال لكن هذا أفضل من أن أخسر راحتي النفسية في المنزل...أليس كذلك؟
(يترك البطيخة ويخرج من المسرح)
(تدخل الفتاة ، وتضع أدوات الرسم على يسارها بعد أن تجلس القرفصاء)
الفتاة: لقد رفضت صاحبة القالاري عرض لوحاتي عندها...هل يجب أن يحبطني ذلك؟ لا أعرف.. إنني محبطة بالفعل.. سأحتاج لشهرين حتى أنسى هذه الإهانة...المسألة ليست إهانة المسألة هي تحطيم ثقتي بنفسي...دعني أقول أنني الآن سأعيد التفكير فيما إذا كنت سأستمر في عالم الفن .. نعم لقد بدأت أشك في قدراتي بسبب رفض هذه الألمانية الوقحة...لكن أليس من الأفضل أن اكتشف حقيقة مقدراتي بدلا عن الاستمرار في الوهم الذي تخلقه نرجسيتي؟ لا أعرف؟ لكن مالذي يجعلني أثق في حكم هذه الألمانية؟
(يدخل الشاب ، يقف إلى جوار الفتاة المقرفصة ، يخرج هاتفه ويبدأ الحديث)
الشاب: لم أخبر أحدا بسبب طلاقي من ابنتك .. هذا شيء لا يهمني البتة.. لقد انتهى كل شيء .. نعم انتهى كل شيء .. اسأليها فأنت أمها...لا .. لا دخل لي بفسخ خطوبتها ... لا أعرف سبب فسخه للخطبة هذا شيء يخصه هو ولا يخصني.. وأساسا أنا لا أعلم من هو...مضطر لإغلاق الهاتف .. آسف.. (يغلق الهاتف وينظر إليه بسخط) لا يمكن أبدا لعلاقة مع المرأة أن تنتهي ببساطة هكذا فقط... (يدخل الأربعيني) لماذا يتحول إنهاء العلاقات المختلفة بين الجنسين إلى عداوات مزمنة؟
الأربعيني: (ينظر للشاب) أي علاقة بامرأة إن لم تستمر فلا تنتهي أبدا على خير...لقد رأتني جارتي وأنا أحمل البطيخة وأخبرت زوجتي التي سألتني عن البطيخة التي اشتريتها فأخبرتها بأنني فضلت تركها حتى لا أثير شجارا بينها وبين أمي.. لكنها لم تصدقني!!! ماسأفعله هو أنني سأحمل البطيخة وأعود بها إلى المنزل...فحينها ستتشاجر مع والدتي وتصدقني.
الشاب: لن تصدقك..على العكس تماما.. سوف تعتقد أنك اشتريت بطيخة جديدة كوسيلة اقناع كاذبة... وهكذا تتأكد لديها الشكوك السابقة...
الأربعيني: حقا.. لماذا يمتلكن عقلية استخباراتية هكذا؟
الشاب: (بحنق) لا أعرف....لكن العلاقة بين الرجل والمرأة أصبحت مقيتة جدا وسخيفة ومليئة بالأكاذيب...
الأربعيني: هذه حقيقة..
(يدخل الصبي وهو يعلق طبلته.. يضرب خمس ضربات ويهتف)
الصبي: (دل دل دل دل دل) ثورة... (دل دل دل دل دل) ثورة... (دل دل دل دل دل) ديموقراطية..حرية..عدالة...
الفتاة: يمكنك أن تهتف أيها الصبي بدون حاجة للضرب على الطبلة..
الصبي: لا يمكن..
الفتاة: لماذا لا يمكن؟
الصبي: لن يكون هتافا حماسيا بدون طبلة..
الفتاة: (تنظر للصبي بغضب) لكن هذا مزعج...
الصبي: لا .. ليس مزعجا..
الفتاة: بلى .. هو مزعج بالفعل..
الصبي: لا ليس مزعجا.. المسألة فقط هي أنك لا تملكين روحا ثورية... لذلك لا تشعرين بنفس شعوري..
الفتاة: يستحسن ألا أشعر بالثورة وإلا لكنت رأيت وجها آخر لي..
الصبي: لا أتضارب مع الفتيات..
الفتاة: ولا تحترمهن أيضا...
الصبي: أحترمهن...
الفتاة: لا لا تحترمهن..
الصبي: لا أعرف .. لكن لماذا علي أن أحترمهن...؟؟؟!!!
الفتاة: لأنهن فتيات..
الصبي: وماذا يعني هذا؟
الفتاة: ستعلم حين تتزوج...
الصبي: لن أتزوج..
الفتاة: بلى .. ستتزوج...
الصبي: لا أعرف.. لكنني لا ارغب في الزواج...
الفتاة: يبدو أنك لم تعد طفلا..ولذلك أظن أنك تعاني من مشاكل تواصلية مع البنات..
الصبي: (يرتبك) .. (يهمس وهو ينظر بدهشة تجاه الجمهور) يا إلهي..كيف عرفت ذلك؟
الفتاة: عليك أن تبحث عن فتاة تقبل بك على علاتك...ستجدها على أية حال..
الصبي: لا أريد فتاة...
الفتاة: بلى .. تريد فتاة.. هل ستعيش من غير أنثى؟!!!
الصبي: سأعيش مع أنثى...
الفتاة: وكيف ستعيش مع أنثى وأنت لا تريد ذلك..
الصبي: أريد كلبة...وليس أنثى بشرية..
الفتاة: (تنظر بدهشة وتقزز) كلبة.. ماذا تقول يا ولد...؟!!!
الصبي: كما قلت...أنا أشتهي أنثيات الكلاب.. لا أشتهي أنثيات البشر...
الفتاة: (تمثل التقيوء) وع.. يا لك من مقرف... لا تبدو طبيعيا.. أنصحك بالذهاب لطبيب نفسي..
الصبي: هذا صحيح..
الشاب: (يخاطب الفتاة) الفتى ليس مضطربا نفسيا .. لماذا تحاولين تدمير ثقته بنفسه..
الفتاة: إنه يشتهي الكلبات.. هل يبدو لك ذلك طبيعيا...؟
الشاب: وما المانع...بل وما الفرق أساسا...على أي حال لا أود المجادلة في هذا الأمر لكنني جربت النساء ولم أجد فرقا يذكر بينهن وبين أنثيات الكلاب..
الفتاة: (تنهض بغضب) أنت أيضا مريض نفسي...عليك أن تجد علاجا من غطرستك النرجسية هذي.. يكفين وقاحة الألمانية صاحبة القالاري...هل فهمت؟!!!
الأربعيني: إن الشجار إيجابي أيضا...فمن الأفضل أن نصرخ لننفس الكبت داخل أنفسنا قليلا...لكنني أتفق مع الشاب جزئيا... فإنت زعزعت ثقة الصبي بنفسه رغم أنك تعلمين أنه في فترة المراهقة... مع ذلك فالنساء لسن مثل أنثيات الكلاب..
الشاب: وما الفرق؟
الأربعيني: الفرق..(يفكر).. الفرق هن أنهن آدميات...لهن عقل .. ويتحدثن إلينا...
الشاب: هذا مجرد اختلاف في الفصيلة.. لكن الكلبات هن أنثيات أيضا..مثلهن مثل أنثيات البشر والقرود والحشرات...
الأربعيني: من هذه الناحية فهذا صحيح..لكن من غير الطبيعي أن ينجذب القرد لأنثى الثعلب..أليس كذلك...؟
الشاب: أعتقد أن الفتى يملك عينا مختلفة عن أعيننا فقط.. كل مافي الأمر أنه يستطيع الإحساس بروح أنثى الكلب أكثر من الإحساس بروح أنثى البشر وهذه ميزة.. تماما كالوطواط الذي لديه حواس لا نمتلكها نحن البشر...
الفتاة: ماهذا التفلسف المتكلف؟
الشاب: هذا ليس تفلسفا.. إنه تحليل منطقي؟
الفتاة: وما الفرق؟
الأربعيني: الشاب لديه مفاهيم عميقة إلى حد ما وهذا ما يزعجنا أنا وأنت يا سيدتي..
الصبي: (دل دل دل دل دل) ثورة...
الفتاة: توقف عن الأزعاج..
الصبي: أيها الشاب.. يبدو أنك تدافع عن حالتي ..أليس كذلك؟
الشاب: ربما نعم..وربما لا.. في الواقع انا لا ادافع ..أنا اطرح وجهة نظر أخرى فقط...
الصبي: وما الفرق؟
الشاب: الفرق هو أنني لا اسعى لاقناع احد.. إنني فقط أسعى للتفكير بشكل مختلف..
الصبي: لماذا تفكر بصوت مسموع إذن..كان بامكانك التفكير سرا ما دمت لا تهتم باقناع أحد؟
الشاب: حتى أصل الى صوابية التفكير أو خطئه يجب أن أسمع كل نقد موجه له... وهذا لن يحدث إن حشوت فمي برأيي وتركته مغلقا...
الأربعيني: أعتقد أننا كبشر نحتاج لتجديد فهمنا للحياة .. نحن نكرر أنفسنا منذ ملايين السنين...
الشاب: هناك بردية مصرية قديمة كانت عبارة عن شروط زوجة في عقد زواج..هذه البردية حررت قبل خمسة آلاف عام... لذلك..نعم .. كلامك صحيح...يبدو أننا نكرر أنفسنا بلا قدرة على التوقف والتقاط الأنفاس ثم الاعتراف بأن علينا أن نتغير...
الفتاة: أنت تعقد الأمور... أنت في الواقع غير متكيف مع حقيقتك البشرية...وهذا خطؤك الذي لا يجب أن يجعل من حياتنا الطبيعية امرا خاطئا...
الصبي: لماذا تعممين.. لماذا تعتقدين أن كل الناس مثلك؟
الفتاة: لم أعمم..هذا غير صحيح ولكنني أغلب.. فالغالبية تشترك في سلوك اجتماعي واحد...
الأربعيني: الكثرة العددية لا تعني الصواب يا سيدتي .. إنها ليست معيارا صالحا للقياس.. في الواقع إن غالبية البشر حمقى وقلة هي وحدها الذكية...إن هذه الأغلبية بليدة الذهن مهمة جدا...على سبيل المثال...وأنا في العاشرة من عمري رفضت الذهاب للمدرسة.. والدي لم يحاول اجباري على الذهاب.. لقد اخترت العمل الحرفي...ربما أنا نادم قليلا على غباء الطفولة الآن...لكن تخيلي لو أن كل الناس اختاروا أن يكون عباقرة....حينئذ من كان سيعمل لإدارة ماكينات المصنع كما أفعل... ظللت عاملا فقيرا نتيجة خيار خاطئ وحيد في حياتي.. وأنا لا أنكر أنني نادم على ذلك القرار..مع ذلك فلست نادما ندما قاتلا...فأنا في كل الأحوال جزء هام من منظومة الحياة البشرية...
الفتاة: هذا صحيح..
الشاب: لا أعرف.. لكن من قال بأن المنظومة البشرية كلها هامة يا سيدي لتكون أنت هاما..ثم كيف تعرف أنك جزء هام إذا لم تكن قد جربت عدم وجودك في هذه التي اسميتها منظومة.. دعني مثلا أفترض أنك مت .. هل تعتقد أن هذه المنظومة ستتوقف عن الحركة.. دعني أفترض أن كل عمال العالم انقرضوا .. هل تعتقد أن البشرية المتبقية لن تجد حلولا لأزمة ندرة الأيدي العاملة؟ تخيل أن الديناصورات كانت تعتقد أنها هامة للتوازن البيئي.. مع ذلك فهي لم تكن تدري أنها بعد ملايين السنين لن يكون لها أي قيمة سوى قيمة هياكلها التي تشعر الانسان بحالة تواصله مع ماضي الكون الغامض...
الصبي: (يضع طبلته على الأرض) هل تعتقدون أن هناك حاجة للثورة؟!!! إنني بت مقتنعا بكلام الشاب.. يبدو أننا نكرر أنفسنا.. هل علي كمراهق أن أكون صاحب روح ثورية...ماذا لو كانت ثورتي خطأ كقرار الأربعيني الخاطئ..ولكن ماذا علي أن أفعل.. إن حديثكما يجعلني مضطربا تجاه الحياة...هل علي ان أثور حتى لو كان موتي نتيجة لهذه الثورة...أم أن علي أن أهرب لأتمتع بالحياة؟
الفتاة: عليك أن تقاوم..
الشاب: عليك أن تهرب...
الأربعيني: عليك أن تقاوم بذكاء وأن تهرب عندما تتأكد أن الهزيمة باتت وشيكة....
الصبي: كيف أقاوم بدون أن أتحمل مخاطر المقاومة؟
الأربعيني: عليك أن تحمي نفسك دائما... ليس بالضرورة أن تقاوم بفتح صدرك للموت.. فهذه حماقة...لكن في بعض الأحيان يمكنك أن تقاوم بالذوبان مع عدوك...في الواقع هناك كلمات ذات طابع أخلاقي مغالى فيه مثل كلمة عدو...صحيح أنني أقدم لك خلاصة حكمتي في الحياة لكن ليس هذا إلا لأنني لا أعتقد أن هذا قد يتصادم مع مصالحي....لا يوجد عداء بل صراع .. وهناك فرق...والفرق في رأيي أن العداء قد يحتمل نوعا من الصراع غير المبرر فهو أمر نفسي لكن الصراع دائما مبرر ...الصراع هو ما أنتج قيمة حياتنا هذي...لذلك فإنني لا أفضل كلمات ذات حمولة أخلاقية كالعداء والمقاومة...إنني افضل تجريد الحقائق من الأكاذيب...
الصبي: (يلقي عصاته) ربما كان من الخطأ أن التقي بكم... في بعض الأحيان يكون الانجراف وراء الشغف الأعمى أكثر ايجابية من التعرف على وجه الحياة المظلم... هل كان علي أن أموت.. حسنا.. أعتقد ..لا ..لا أظن أنه كان علي أن أموت.. ولذلك فأنا أسحب كلامي... من الجيد أن التقيت بكم هنا...
(تحمل الفتاة الطبل وتعلق حزامه حول جيدها ثم تأخذ العصاة وتضرب خمسة ضربات متتالية)
الفتاة: (دل دل دل دل دل) ثورة (دل دل دل دل دل) ثورة...(دل دل دل دل دل) حرية..ديموقراطية..عدالة...
(تخرج من المسرح)...
(يأخذ الصبي أدوات الرسم ويخرج من المسرح) .. (يأخذ الشاب البطيخة ويشرع في الخروج من المسرح)
الأربعيني: (يهتف) اترك لي رابطة عنقك..
(يخلع الشاب رابطة عنقه ويرميها على الأرض فيأخذها الأربعيني ويرتديها حول رقبته..)..
(يخرج الاثنان من المسرح)

ستار

هذا النص

ملف
المسرح
المشاهدات
133
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى