أمل الكردفاني - كم مرة سترى الشمس؟.. قصة قصيرة

سكبت عليه زوجته جردل ماء وهي تصيح:
- قم إلى عملك يا كسول...هل ستطعم أطفالك من صينية أحلامك الليلية...
نهض مفزوعا .. وخلخل شعره الخفيف بأصابعه النحيلة وهو يلهث ثم قال بخوف:
- يمكنك أن توقظيني بطريقة أقل وحشية من هذه..
غرزت قبضتيها على خصرها وقالت بغضب:
- فعلت كل ما هو مهذب لتنهض وأنت لا تستجيب.. هل تعرف ماذا يعني هذا.. هذا يعني أنك كائن بارد.. لا تشعر بالبؤس الذي نعيش فيه.. يا رجل نحن نأكل وجبتين فقط .. وجبتين بائستين وبعد تدبير طويل... أولادك ينتعلون أحذية اهترأت من الترقيع... لا نملك ثمن صابون غسيل ملابسهم... طفلان يعانيان من الأنيميا وأنت من السل وأنا من التوتر ... لماذا أنت كسول هكذا... لماذا لم تحاول اختلاس مبلغ محترم من خزينة الحكومة ثم تدخل الى السجن فتضمن لك مأوى مجانيا وطعاما وشرابا وأضمن انا والأولاد حياة كريمة...منذ تزوجتك وأنت في نفس درجتك الوظيفية بلا ترقية واحدة بل ولم تحاول حتى خلق علاقات مع رؤسائك لينقلوك إلى وظيفة أفضل رغم أن لك خمس عشرة سنة في الهيئة تستقبل مرتبات الموظفين وتضع الملايين في الخزنة ثم تصرفها لهم. ماذا سيخسر هؤلاء المتخمون بالمرتبات العالية لو خسروا جميعهم مرتب شهر واحد إذا اختلسته...سنستطيع إصلاح إعوجاج ذراع ابنك عند طبيب مشهور ونشتري منزلا ونفتح كشكا صغيرا لبيع السجائر... أما أنت فستقبع في السجن معززا مكرما وتقضي بضعة سنوات لطيفة تتعرف فيها على كبار رجال الدولة السابقين وتخدمهم وتخلق معهم علاقات تفيدك بعد الخروج من السجن..هذا إن لم تفضل طبعا البقاء في السجن لأنك كسول..لقد قرأت قانون السجون جيدا وهو يوفر للمساجين الرعاية الشاملة من طعام وشراب وتطبيب .. وفي حال اصابتك بمرض عقلي فسيوفرون لك رعاية في المصحة العقلية... أليس هذا أفضل من أن تصاب هنا بالجنون .. من سيتمكن من الانفاق عليك وأنت مكبل في السلاسل؟ بل ومن سيتحمل تحميمك وغسل مؤخرتك عندما تتبرز على نفسك؟ أنا؟ طبعا لا .. لقد كانت ورطة كبيرة عندما تزوجتك ولن أتحمل أكثر من ذلك...اليوم هو يوم تلقي المرتبات وتوزيعها .. عليك أن تختلسها اليوم فغدا لا نعرف ماذا سيحدث.. يقال أن دفع المرتبات سيصبح بالانترنت..لا أفهم ذلك لكن حينها سيتم الاستغناء عن وظيفتك التافهة هذه ورفدك تبعا لذلك هذا إذا تذكروك.. عليك أن تحاول تأمين مستقبل أطفالك بدلا عن النوم لساعات متأخرة...
كان جالسا على السرير ، ظهره منتصب ورجلاه مقوستان فوق الفراش وجفناه متهدلان وشعره الخفيف الذي سقط جله ممسد بفضل الماء فوق جبهته.. وجنتاه نحيلتان تبرز عظامهما وأسنانه معوجة وغير منتظمة.. حاول تذكر حلمه الأخير فلم يسمع الكثير من صراخ زوجته.. لماذا يريد تذكر حلمه بهذه القوة...إنه يريد ذلك فعلا... واستمر صياح زوجته:
- أنت الابن الوحيد لوالديك ولذلك صرت مدللا .. لا يعتمد عليك.. لقد توفيا ولم يتركا لك شيئا وهكذا تورطت أنا بسبب أمي...لقد كذبت علي وأخبرتني أنك سترث منزل والدك ثم اكتشفت أن المنزل أساسا ملك لفاعل خير سمح لهما بالبقاء فيه بأجر زهيد ثم رفض أن يستمر فعل خيره فيسمح لك ولأطفالك بالعيش فيه.. وهذا من حقه فأنت رجل ولا زلت بعافيتك.. السادسة والأربعون من العمر ليست بالشيء الكثير..فلماذا يترك لك منزله... قلت لك ألف مرة أن تقدم للحصول على قطعة أرض او مسكن شعبي.. صحيح أنك قدمت ولم تظهر أي نتيجة منذ سنوات لكن لأنك لم تحاول حتى متابعة الأمر.. أنت تعرف أن هذه المسائل تحتاج لرشاوي أو علاقات لكي يهتم أحد بطلبك لكن لو انتظرت القانون فسوف تموت قبل أن يطبق القانون بنزاهة...لماذا لا تريد فهم الحياة .. لقد ضيعتني معك..مع ذلك فأنا لست مهمة ولكن أولادك..أولادك ماذا سيحل بهم لو توفيت أنت فجأة.. أنت لم تترك لي حتى مبلغا من المال يساعدني على القيام بأي عمل خاص...هل سأذهب للخدمة في البيوت..لكي يقال عن أولادك أن أمهم كانت خدامة؟ ياخ فليكن لديك ذرة إحساس ودم...إنك حتى لا تحاول الدفاع عن نفسك..إنك حتى لا تغضب..أي برود هذا... أي برود..
رمش بعينيه مرات متعددة ثم أغلق جفنيه بشدة محاولا تذكر حلم ليلة أمس...حاول الارتداد بذاكرته إلى الخلف إلى اللحظة التي انطفأ وعيه بالواقع ودخل في زمرة عالم الحالمين..لم يكن مؤمنا بالأحلام من قبل .. مع ذلك فهناك دافع غامض يحثه على تذكر حلم البارحة...فكر في صور عديدة لوجوه أشخاص يعرفهم...عل تذكر وجوههم يساعده في تذكر الحلم...انتبه إلى أنه لم يستطع تذكر وجه زوجته فهو لم ينظر لها مليا حتى يوم الزفاف..تذكر أنه لم يكن هناك زفاف.. كان زواجا سريعا بعد أن قبلت بزواجها منه فجأة .. لا يعرف لماذا عدلت عن رأيها .. لقد استغلت والدته ووالدتها -التي هي أختها- هذا القبول بسرعة فائقة وزوجوهما .. لم يكن يفكر في الزواج..كل شيء جاء هكذا مفروضا عليه أو في الواقع لم يكن مكترثا له...لقد وجد نفسه متزوجا فقط... ما المشكلة...؟ لا مشكلة..فليتلق جرادل الماء كل يوم منها .. إنها على الأقل تساعده على الاستيقاظ وتمنحه انتعاشا جيدا...لكن ماذا كان يدور في الحلم قبل انهمار الماء على رأسه..تلك اللحظة كانت فارقة جدا..لو لم يستيقظ فلربما استطاع تذكر حلمه... أما زوجته فاستمرت في حديثها حتى وهو يغادر السرير ويدخل إلى الحمام ويخرج منه ثم يرتدي ملابسه للذهاب إلى العمل:
- المدرسة طلبت من ولدك الصغير رسوم نظافة المدرسة ولم يدفع وأخبرتك ولم تهتم ..لقد تلقى ولدك النحيل بدون ذنب خمسا وعشرين جلدة على مؤخرته ولا زال ناظر المدرسة يهدده إذا استمر عدم الدفع... ألم تقل الحكومة أن الدراسة مجانية فعلى أي أساس تستند هذه الرسوم وما ذنب من لا يستطيعون الدفع؟ لكنك صمت ولم تحرك ساكنا.. كان بإمكانك الذهاب إلى وزارة التعليم وتقدم شكوى ضد الناظر الذي يفرض رسوما على الطلبة أو تقدم شهادة فقر لإعفائك من الرسوم لكنك تفضل جلد مؤخرة ابنك على أن تستيقظ وتقاتل من أجل حقوقك كمواطن صالح.. لا يوجد حقوق لك.. لكن لماذا سيمنحونك حقوقا وأنت أساسا لا تملك الكثير من المواهب..ألا يكفي أنهم اختلقوا لك هذه الوظيفة التي لا أهمية لها .. ماذا كنت ستفعل إن لم يتم تعيينك في وظيفة وأنت فقير من أي موهبة سوى النوم ..
تذكر ذلك اليوم عندما ظهر اسمه في كشف المقبولين في الخدمة المدنية.. لقد مضت سنوات منذ ذلك الوقت .. قبلها بأسابيع من تاريخ تعيينه انفجرت مظاهرات حادة من العاطلين عن العمل فاضطرت الحكومة لتعيين الكثير منهم في وظائف وهمية وكان هو أحد المحظوظين..ابتسم وتذكر أنه لم يفكر يوما في الوظيفة..ماذا كان سيعمل لو لم يحصل على تلك الوظيفة.. إنه لم يفكر في ذلك يوما ما... لم يكن مهتما... إن التاريخ يتجه دائما إلى غاية ما..هدف ما ..ولذلك لماذا يهتم؟ فلنفترض أنه مات جوعا..ما المشكلة...أو لو مات أولاده من المرض .. أين الشذوذ عما يحدث في العالم...أليس مصيرهم الحتمي هو الموت...لا شيء يضمن تقلبات الزمن...لا الوظيفة ولا حتى المال...اللحظة الراهنة هي التي نضمنها فقط.. نضمن الإحساس بوجودنا فيها... لكن في النهاية .. فللتاريخ هدف والبشر هم أدوات هذا التاريخ وهم أصدقاؤه وأعداؤه وهم ضحاياه وشهوده في نفس الوقت....وعندما انقطع صياح زوجته حين خرج من المنزل .. كانت الشوارع متربة والحر ينبعث من كل حجر وذرة تراب فيها...غير أنه لم يشعر بشيء فعقله كان مشغولا بمحاولة تذكر حلم ليلة أمس...حلم ما .. حلم بدا له مهما... وحين استقل الباص الموصل إلى محطة قريبة من مكان عمله ، وجده مزدحما فتخير بقعة خالية بمساحة عشرين سنتمتر مربع ووقف فوقها..كان هذا كافيا جدا بالنسبة له ... تذكر وقفة والده الذي كان قصابا ماهرا ولكنه كان أمينا جدا فلم يغتن من عمله بل وكان شفوقا فإن مرت به امرأة فقيرة منحها كومة لحم بالمجان وهكذا ظل يحيا بأسرته في حد الكفاف من الرزق..كان يقف دائما أمام سندان الجزع الخشبي مضموم القدمين كجندي ثم يرفع يده المكتنزة والمشعرة هاويا بالفأس ليقسم العظم بسلاسة فلا تصدر عنه سوى قرعة مكتومة. وكان ينظر إليه بين الفينة والأخرى ويبتسم والعرق يتصبب من جبينه.
- هل ترى يا بني..الجزارون لم يعودوا كالسابق .. إنهم لا يلتزمون بارتداء المريلة البيضاء عند العمل..من المهم أن تتبع التقاليد وألا تكسر الأعراف القديمة..هكذا ستضمن حياة هانئة بلا منغصات... هل تذكر كيف ضاع أخي حينما غامر في ألاعيب التجارة .. ها هو حتى الآن قابع في السجن...الطموحات يا بني يجب أن تكون على قدر امكانياتنا وإلا فسنكره الدنيا ونرتكب الجرائم ونخسر كل شيء...قلت له تعال إعمل عندي وسأجزل لك العطاء ..جاء وعمل يومين وسرق المال وهرب..
ارتج الباص قليلا فعاد إلى الحاضر وتذكر عمه الملقى في السجن فقرر زيارته .. وبدلا عن الذهاب للعمل وجد قدميه تقفان به أمام السجن العام . وفي غرفة الانتظار رأى شرطيا يقود رجلا نحيلا عرفه مباشرة فجلسا سويا والصمت يلفهما لبرهة من الوقت...كان عمه مختلفا عن والده تماما .. كان والده مكتنزا بشارب ضخم أما عمه فنحيل ..في الواقع كان شبيها به... نظر الرجلان لبعضهما وقال عمه ببرود: انت ابن أخي؟ فأجابه: نعم .. تذكرتك اليوم وقررت زيارتك.. لم تتغير كثيرا يا عمي...قال عمه: قليل من الشيب فقط .. إنني آكل وأشرب جيدا ... ثم ابتسم وقال: كل شيء متوفر هنا .. ثم غمز بعينه اليسرى وأضاف: كل شيء ..هل فهمت ما أعنيه...؟
قال: نعم فهمت ولكن كيف وأين يتم ذلك؟...
أجابه العم هامسا: فوق الحائط .. حيث برج المراقبة الصغير الذي يقف عليه الجندي ليشاهد جميع المساجين من أعلى...ولو دفعت المزيد من المال لأمكنني أن أفعلها في مكتب مدير السجن نفسه لكنني أحب المغامرة.
قهقه جزلا فضحك معه. سأله:
- من أين تأتي بالمال يا عمي؟
صمت عمه ثم أخرج علبة سجائره وقدم له سجارة فامتنع ..استطرد العم:
- إنها قصة طويلة يا بني.. أنا مليونير تقريبا.. أموالي موزعة في كل بلاد العالم..أستطيع الآن أن أهرب من السجن ولكن لماذا؟.. هل تعرف أنني تزوجت أربع نساء وأنا داخل السجن...وعندما أقول نساء فأنا أعني نساء بمعنى الكلمة.. أنثيات فاخرات الجمال ونظيفات جدا... يتبادلن زيارتي يومين في الأسبوع...ما قد يبدو سيئا في الأمر أنني لم أنجب ويبدو أنني عاطل عن الإنجاب.. إنني لا أشعر بالحزن على نفسي بل على العكس .. لقد علمتني الحياة أن علي أن أكون مغامرا .. غامرت في كل أنواع الممنوعات من العملات الحرة وحتى غسيل الأموال .. لكنني لم أغامر بأحد سوى نفسي...إنجاب طفل هو رهان على كائن ضعيف...هل تعلم أنني وضعت نظرية بإسمي..
- حقا؟!!!
سأله بدهشة فأجاب:
- حقا ... أسميتها نظرية الإنقراض الذاتي...إن البشر أثبتوا فشل كل مجهوداتهم في فهم أنفسهم وعالمهم وإنهاء حتمية الموت .. لم يتمكنوا من أن يكونوا آلهة بل ظلوا مجرد كائنات ضعيفة تافهة..وعليهم أن يخلوا سبيل الكون من وجودهم...تحسبني مجنونا أليس كذلك؟
- أبدا يا عماه..
- حسنا قلت أن على البشر أن يتوقفوا عن الإنجاب..وبالتالي يبدأ الانقراض الذاتي...ليخلو الكون منهم...
ضحك وأضاف:
- دفعت خمسين جنيه لسجين شاب متعلم فترجمها لي .. ثم دفعت ألف دولار لصحفي انتهازي في صحيفة أمريكية فنشرها لي .. ثم دفعت خمسين ألف دولار لخمسة نقاد أمريكيين مفلسين فخلقوا حول نظريتي هذه جدلا وهميا .. بعدها تلقيت زيارات من عدة قنوات فضائية وأجروا معي حوارات متعددة وأيضا دفعت لهم فخلقوا مني فيلسوفا عدميا .. وهكذا صدقت الجماهير أنني فيلسوف عظيم...يا بني .. كل شيء يمكن شراؤه بالنقود حتى الشهرة والمناصب والألقاب وتصديق الجماهير... أليس هذا في حد ذاته دليل على صحة نظريتي بضرورة الانقراض الذاتي؟
أجابه:
- عمي..؟
- نعم..
- أريد أن أطلب منك طلبا..
- حبيبي ابن أخي المرحوم.. أطلب ما تشاء...من جنيه وحتى مليون دولار...والآن فورا...
هز رأسه النحيل وقال:
- لا لا .. أشكرك.. إنني فقط ألاحق حلما هاربا مني منذ ليلة أمس... يا ترى.. أليس لديك فكرة حول كيفية استعادة ذاكرتي للحلم؟
صمت عمه وبدا ساهما لبرهة ثم قال:
- هل تقصد حلما بالمعنى الحرفي أم أنك تقصد معنى مجازيا؟
- بل حرفي يا عمي..
عاد عمه للصمت ثم قال بملامح جادة:
- حسنا.. أعرف امرأة تستطيع تحضير الأرواح..ربما تفيدك... أخبرها فقط أنك ابن أخي وستفرح بك وتكرمك أشد الكرم...
وحينما انتهت الزيارة قال عمه قبل أن يغادر تحت حراسة الشرطي:
- جيد أنك تحلم يا ابن أخي..جيد..
ثم رفع إبهامه واختفى.
كان منزلها طينيا فقيرا ولكنه كان نظيفا .. المرأة كانت سمينة جدا ولا تستطيع النهوض من سريرها المتموضع وسط باحة ترابية وعلى اليمين شجرة نخيل قزمة بدى هيكلها مظلما عندما ظللها الغروب. أجلسته المرأة أمامها وكانت تفصل بينهما طاولة صغيرة. بصوت خافت وقور نادت على صبية في بداية مراهقتها فجاءت بأدوات العمل ووضعتها على الطاولة.. أبخرة مختلفة ومجمرة وحجرين وضعتهما فوق الجمر فانبعثت رائحة طيبة وبدأت برش البخور وهي تتمتم بتعاويذ غريبة....نظرت إليه فأخرج مائة جنيه ووضعها تحت فرش سريرها...لم تهتم المرأة لذلك بل أخرجت من تحت ردائها حقيبة جلدية صغيرة وفتحتها ثم أخرجت قرصا ناولته إياه وقالت بصوتها الخافت الفخيم:
- سيساعدك..خذ جرعة الماء من ذلك الكوب...
وحين ابتلعه قالت وهي تنظر لعينيه بعينيها المكحولتين الواسعتين:
- خلال خمس دقائق ستدخل في عالم الأرواح....
سألها بخجل:
- والحلم؟
- الأحلام هي عالم الأرواح....
لم تكن هناك نسمة هواء ولو قليلا ، والأرض صامتة إلا من أنفاس المرأة مغمضة العينين.. قلدها فأغمض عينيه دون أن يعرف السبب ؛ همست:
- توقف عن التفكير .. انت تزعجني...
ضغط جفنيه بشدة كاستجابة صامتة لأوامرها...
- إرخ اعصابك..لا تشدها.. استرخ فقط... وحاول أن تنفصل عن ذاتك...
همست بصوت يزداد خفوتا:
-كن روحا فقط.. كن روحا فقط..كن .. روحا .. .
اختفى صوتها وبلغت مسامعه أصوات فرقعات مكتومة .. واستبصر لهبا ينفجر حول محيط شمس سوداء تقبع وسط العماء...كان اللهب يمور في بعضه...وجد نفسه يغوص في الفضاء .. وجسده يقترب من الشمس..لكنه لم يشعر بحرارة لهبها بل وجد نفسه يدور حولها ومن خلال سلسلة لولبية من الضوء أخذ يعبر منها مقتحما غلاف الشمس...ثم يعبر المحيط الملتهب ليجد نفسه فوق سماء كوكب أبيض بالكامل وكأنه مغطى بالجليد.. لكنه حين هبط لم يجد جليدا بل رغوة بيضاء هائلة...كان الكوكب مسطحا بلا جبال ولا وديان... ومن على البعد لمح كائنين غريبين اقتربا منه.. كانا هلاميي الجسد..أقرب إلى طيف متحرك أزرق...اقترب منه أحدهما اكثر ثم أقحم جمجمته الطيفية في رأسه...
- مرحبا بك وراء الشمس....أنت أحد القلائل الذين سمحنا لهم بالوصول إلينا ...
لم يكن يسمع صوت الكائن الشمسي بل يشعر به ..
- كل العدميين الحقيقيين منحناهم حكمة الشمس وسنمنحك أنت أيضا حكمة الشمس....كل فلاسفتكم مروا من هنا لينقلوا حكمة الشمس إلى عالمكم..مع ذلك لا شيء تغير...لقد خيب ذلك آمالنا هنا...
قال:
- أنا لا أريد حكمة الشمس ولا أريد تغيير عالمنا....أنا اريد شيئا لا أعرفه...شيء ما ..
- حلمك..تريد أن ترى حلمك...
قال بدون صوت:
- نعم...هل تستطيعون ذلك...هل تستطيعون رد حلمي إلى ذاكرتي..
شعر بصوت الكائن الشمسي:
- لا للأسف...
حينها انفتحت عيناه ليرى المرأة مفتوحة العينين باتساعهما...قالت بجزع:
- قليلون هم من منحتهم الأرواح هذه الفرصة وقد أضعتها...غادر الآن..غادر فورا... غادر ولا تعد... لا تعد أبدا...
كان الليل مصمتا كجبل أخرس والباص يتهادي به ببطء ، كان السائق في مثل عمره تقريبا أصلع الرأس ويبدو عليه الهدوء والسكينة.
حكمة الشمس؟ ماذا تعني الحكمة؟ فضيلة؟ حقائق كلية؟ وهل هناك حقيقة في هذا العالم؟ إن الحكمة الوحيدة هي أنه لا توجد حكمة.. حينئذ تذكر والده في عمر الشباب ورأى نفسه طفلا في السابعة..كان والده يلبسه ملابس العيد ويقول بصوته الجميل..
- قد تصبح قصابا مثلي...لكن تذكر دائما أنك لا تبيع للآخرين لحما.. إنما تمنحهم بروتينات تساعدهم على البقاء أحياء...حافظ على إنسانية هذه المهنة لكي تعش راضيا عن نفسك...
أليست هذه حكمة؟!.... تذكر مقولة قرأها من قبل تشير إلى أن لدى بعض الناس بلادة فكرية تسهم في جعلهم حكماء.... بروتينات .. ومهنة إنسانية..؟!!
قال في نفسه:
- آسف يا والدي...لكنني لم أصبح قصابا...
كانت زوجته نائمة فارتاح وغاص في سرير بعيد عنها . لم يذهب اليوم إلى العمل وربما تعطل حصول الموظفين على أجورهم .. ولكن كما قالت زوجته ؛ لا بأس بيوم أو يومين بلا مرتبات .. لن ينهار العالم ...وحتى لو انهار العالم .. فسوف يكون تطبيقا عمليا لنظرية عمه المغامر...لقد غامر عمه ليس حبا في الحياة وإنما كرها لها...كان يحاول تجاوز أزمته ككائن يبحث عن غاية أسمى لا يعلم كنهها .. وفي النهاية استقر رأيه على نظرية تدميرية هائلة لن تحدث أبدا ولن يقبلها هو وهو صاحبها إن حدثت بالفعل .. هناك الكثير من هؤلاء الذين يطرحون نظريات لا يؤمنون بها ثم يأتي مغفلون من بعدهم فيؤمنون بها ليقلبوا العالم رأسا على عقب...تذكر طفليه وتذكر أنه لم يشاهدهما منذ البارحة...أين هما؟ ما دامت أمهما تنام بهدوء فهما إذن بأمان....إن الكلبة تحمي جراءها كأنثى البشر..وهذه غريزة غريبة تبدو منفصلة عن واقعهم الحيواني الجهول تماما كالأحلام...تذكر حلمه الهارب فلف الملاءة حول جسده رغم حرارة السماء وأغمض جفنيه لينام...
سمع صفارات الصراصير المتقطعة ونقيق الضفادع الخجول..سيدلف الخريف عما قريب... إن الحيوانات خاضعة للطبيعة بالكامل ومتصلة بها .. أما هو فخارج هذا العالم .. حكمة سكان الشمس؟ .. كائنات مستقرة في كوكب معزول عن المجرات ومحمي بشعلات اللهب الحارقة ويريدون رغم هذا تصدير حكمتهم إلى الكواكب الأخرى...لقد..لقد....سمع شخير انفه لوهلة ثم انطفأ وعيه....
رأى ثقبا صغيرا جدا...خفق قلبه حينما أدرك أن الحلم يعيد انتاج نفسه...أدرك أنه سيرى حلمه الهارب الآن...أنا نائم..غمغم..أنا داخل حلمي الهارب...اتسع الثقب قليلا جدا...ورأى ظل هيكله صغير الحجم يبرز من وراء الثقب ... رآه يمد كفيه ويخرق الثقب ويحاول توسعة فتحته بصعوبة... سمع صوته يناديه بوهن:
- ساعدني..ساعدني...
لكنه شعر بأنه مقيد...كانت روحه تهفو لمساعدة ذاته الأخرى على توسعة فتحة الثقب غير أن جسده بدا مقيدا بلا قيود...يداه لا تتحركان..فمه لا ينطق...أزعجه ذلك.. عليه أن يقاوم من أجل نفسه...أخذ ينتل يديه لتتحركا...رفع رأسه وبدأ في الصراخ لكن صوته لم يخرج...جن جنونه وهو يرى شبح هيكله يحاول توسعة فتحة الثقب بلا جدوى ويهمس بوهن:
- ساعدني..ساعدني...
ازداد إصراره على تحطيم قيوده...أخذ يجر يده اليمني المتصلبة بقسوة وعنف... رقبته المثنية قاومت محاولاته لتقويمها .. كان صوت شبح ذاته يزداد أنينا وخفوتا من خلف الثقب:
- ساعدني...ساعدني...
فجأة استطاع تحرير يده اليمنى...حركها باتجاه الثقب وأمسك بيد شبحه...بدأ يجر جسد شبحه فبرز الرأس أولا...
- ساعدني..ساعدني..
خرج صوته مبحوحا ومؤلما:
- سأفعل..سأفعل...
وفجأة ... انهمر شلال من الماء فوق رأسه....فتح عينيه بصعوبة ورأى زوجته تصيح:
- ستفعل ماذا... ستظل هكذا تفعل كل شيء في أحلامك وأوهامك... قم إلى عملك .. العيال ناموا بغير عشاء البارحة....
كانت تتحدث وقد ألجمه غضب جنوني...لم يكتمل حلمه...لقد دمرت حلمه الذي حاول استعادته...شبحه الآن معلق في الثقب بسببها ... قفز من سريره ووجه لها لكمة عنيفة في أنفها فسقطت والدماء تنزف من منخريها...كانت عيناها متسعتين وأنفاسها مكتومة من هول اللكمات التي كان يوجهها لها بسرعة وعنف ... كان يضربها بقبضة يده اليمنى حتى انغرست فيها أسنان زوجته المحطمة ..عيناها اختفتا تحت بقعتين كبيرتين من الدماء... وحين رفع رأسه رأى ولديه يقفان بفزع وجسدين مرتعشين...
نظر لهما بقسوة...ونظرا إليه برعب...عاد ونظر إلى وجه زوجته المحطم...كانت خامدة منطفئة الروح....وكان طفلاه الشاهدين الوحيدين على جريمة القتل...ظل جاثما فوق جثة زوجته إلى أن أشرقت الشمس.
تهادت مركبة الشرطة مطلقة سارينتها المزعجة وهو مقيد داخل صندوقها الخلفي.....
كانت الشمس قد نشرت لهبها الكاذب على الأرض...نظر من نافذة المركبة الشبكية إلى السماء .. كل شيء يخفي حقيقته .. حتى الشمس كانت تخفي حقيقتها...كل شيء ... فغض نظره إلى داخل المركبة .. وأدرك أن الثقب لن يتسع...أبدا...أبدا..

(تمت)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
132
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى