نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

طالب عمران ـ انفعالات رجل الكهف

  1. نظر إلى نفسه كأنما زود جسمه بجناحين قويين رفرفا عالياً، قبل أن يدنو من هضبة مغطاة بالسحب، قمتها الدائرية مثقوبة كفوهة بركان، انحدر يهبط محلقاً «مندفعاً» داخلها وبدأ تيار دائري يسحبه إلى الداخل ليحس بصداع شديد وهو يدور بسرعة ويرى تاريخ العالم يمضي أمامه بسرعة كبيرة « أنت خارج دائرة الزمن الآن، تستطيع أن تحط بأي عصر تشاء وتلقى الإجابة على تساؤلاتك»، برقت في ذهنه صورة حية... فأحس أنه ينفلت من التيار بسرعة خارقة ويحط الرحال في منطقة تعمرها الأشجار في كامل قوته وجسمه مغطى بلباس بدائي.. وكأنما فقد ذاكرته... ... وأصبح يملك ذاكرة أخرى ، مايتذكره الآن أن لديه أسرة صغيرة وهو يبحث لها عن الطعام وليس سوى هذه العصا التي ينتهي طرفها بحجر مسنن مربوط جيداً... وصله صوت خوار قوي فقبع خلف صخرة ينتظر، كان ثوراً ضخماً يمشي في الدغل ... توقف فجأة وأخذ يطلق خواراً قوياً فانضمت إليه مجموعة من الثيران الأخرى ...كأنه القائد بينهم... تمسك بالعصا وهو يراقب الثيران التي قطعت مسافة من الغابة وأدارت له ظهورها... تسلل وراءها بصمت لعلّه ينفرد بأحدها فيهاجمه ويصرعه، ويجلبه لإطعام أسرته... وإذا بوحش ضخم أشبه بنمر ينقض على المجموعة فتتفرق مبتعدة قبل أن تطلق خوارها عائدة نحو الوحش، وتحدث معركة غير متكافئة تضطر الوحش إلى الفرار من قرون الثيران المشحوذة... ولكن ذلك كان لمصلحته فقد حاصر ثوراً صغيراً في جانب من الدغل ووجه إلى رأسه ضربة بحربته المسننة فوقع صريعاً، جره في طريق متعرج هرباً من آكلات اللحوم ولم يبتعد إلا قليلاً، حين سمع زمجرة النمر وهو يتجه نحوه، رفع حربته مستعداً للعراك ومكشراً في وجه النمر الذي لم ينتظر كثيراً ليهاجمه، وثب وثبته الهائلة فوقه وبدأ يصارعه وقد انفلتت منه الحربة... ولم يترك له الفرصة ليغرز أنيابه فيه، إذ كان يتحرك بسرعة للخلاص منه ونجح أخيراً وقد مزقت صدره المخالب... عاد والتقط حربته وقبل أن يثب النمر من جديد كان قد وجه له ضربة بحربته المسننة جعلته يدوخ قليلاً ثم استغل الفرصة والدم يسيل من صدره وجر الثور المقتول مبتعداً عن النمر قبل أن يسترد أنفاسه.

    دخل الكهف، كانت زوجته وولده ينتظرانه والجوع يكاد يقتلهم... وبدأ الصبيان يرقصان من الفرح، ويهمهمان وهما يرمقان الثور المجندل، أخذت زوجته التي غطى جسمها جلد حيوان تحاول سلخ جلد الثور في حين وضع هو بعض أوراق النباتات المختلطة بالتراب الناعم فوق جراحه... لم تكن بليغة للحد الذي يجعلها تهرع نحوه خائفة... ولكنه كان يتألم.. ‏

    كان الحجر المسنن الذي تحاول زوجته به سلخ جلد الحيوان، غير صالح كثيراً لشق جلد الثور فقام إليها يستخدم قوته في قطع الجلد من الرقبة حتى أسفل البطن، حيث تصبح عملية السلخ سهلة... قطعت قطعتين صغيرتين ناولتهما للولدين اللذين بدأا يأكلان بتلذذ... قام من جلسته يحاول إشعال النار لطهو اللحم واستغرق إشعال النار مدة طويلة، إذ كان القضيب الخشبي مبلولاً بالماء... ثم أحضر بعض الحجارة الملحية وأخذ يحك منها بعض التراب الملحي لوضعه فوق اللحم النيئ وهو يشوى على النار... ‏

    جلسا أخيراً حول النار يقلبان الثور، وصله «خربشة» فنهض بسرعة يمسك بالحربة مستعداً لأي طارئ، وخرج إلى باب الكهف يستطلع بحذر وإذا بأربعة رجال يثبون أمامه، كانوا بأشكالهم المخيفة ووجوههم الناتئة يرغبون في الاستيلاء على الكهف كما خمن، إذ كان موقعه ممتازاً... ‏

    همهم بصوت ليفهم شريكته أن تبتعد بالولدين إلى زاوية من الكهف، وبدأ العراك غير المتكافئ كانوا أقوياء ولكنهم دون سلاح سوى أغصان الشجر، تراجع قليلاً ليمسك بقضيب مشتعل من النار، وليحمله في يسراه بينما الحربة المسننة في يمينه، وفعلت حركته المفاجئة فعلها لاسيما بعد أن تأكد من أن المهاجمين يجهلون النار التي سلطها على أجسامهم فابتعدوا وهم يطلقون صرخات الألم، لاحقهم حتى خارج الكهف، فحمل أحدهم حجراً كبيراً، تفاداه بخفة وبدأ سيل الأحجار ينهال صوبه، وهو يتفاداها... ألقى الغصن المشتعل عليهم فامتدت النار في الأعشاب اليابسة قربه فولوا الفرار بسرعة جنونية. ‏

    خاف أن تمتد النار إلى الدغل فوضع الحجارة حولها، ثم عاد إلى الكهف، هرعت شريكته إليه مندفعة إلى صدره تشمه وتمرغ رأسها فوق جسمه العاري... وتعلق الصبيان برجليه... تنهد بارتياح، وهو يتذكر الوجوه الناتئة لأولئك الرجال الأقوياء ثم أمسك برأس شريكته ومرغ وجهه في وجهها سعيداً... ومد يده يتحسس بطنها من تحت غطاء الجلد يطمئن على الولد الجديد القادم....وبدأت ذاكرته تنتعش، تذكر كيف هرب من القبيلة وقد خطفها من بين الفتيات اللواتي كن يتهيأن ليصبحن شريكات لرئيس القبيلة القوي الضخم الذي يخدمه الجميع ويهابون بطشه. ‏

    طارده المحاربون وهو يهرب بها لتسع ليال متواصلة ثم أضاعوا أثره ومرّ بأهوال عديدة قبل أن يستقر بذلك الكهف العالي عن الأرض يصطاد في النهار، وينام في الليل.... وولدت له الولد الأول والثاني ثم طفلة صغيرة لم تعش طويلاً وحملت حملها الرابع وحياته لم تتغير.. رغم كل المتاعب التي كان يصادفها من الغرباء والحيونات المتوحشة. ‏

    أكثر من مرة أضاع طريقه وهو يصطاد وأمضى في إحدى المرات ليلتين بعيداً عنها، ولكن المصادفة أعادته... ومع الزمن درس المنطقة جيداً والتقى كثيراً بجماعات بشرية مهاجرة، كان يراقبها عن بعد بخوف وحذر... وقد صادف في أحد الأيام جريحاً شاباً يتمدد في الدغل فأشفق عليه وضمد له جراحه وحمله على ظهره إلى الكهف، وظل وشريكته يعتنيان به أياماً حتى عادت إليه قوته... لم يكن يهمهم بشيء كان يشير بيديه فقط وكان أسلوب التفاهم معه هو الإشارة... اصطحبه ذات يوم إلى الصيد ولكنه كان جباناً «رعديداً » لم يفده بشيء ولم يعجبه بقاؤه دون عمل فأشار إليه أن يخرج من الكهف ولايعود، ولكنه انكب على رجليه يلحسهما و يرجوه أن يسمح له بالبقاء.... ولم تكن شريكته تتعامل معه بمودة وكان يفسر ذلك أن الشاب يرهقها بطلباته.... حتى كان ذلك اليوم الذي نهض فيه من نومه على صراخها وقد حاول الشاب اغتصابها... فأمسك به وألقاه خارج الكهف وهو يشير إلى حربته مهدداً... ‏

    ومن ذلك الوقت لم يعد يرى وجهه... كان ينام معها متعانقين في بداية حياتهما معاً وحين أتى الأولاد كان كثيراً مايستيقظ ويراها تعانق الولدين نائمة بهدوء. ‏

    كان يتذكر كل تلك الأحداث وهو يرمقها تتحرك هنا وهناك نشيطة قوية... والولدان الصغيران يلعبان أمامه... يحاول الكبير أن يعلم الصغير كيف يقفز ويتسلق الصخور، والصغير يبذل جهده لتنجح محاولاته... ‏

    كانت مدة إقامته في الكهف قد علمته أن يحتاط لكل شيء وقد حفر نفقاً يؤدي إلى مخرج في طرف الجبل الآخر المطل على غابة المياة الكبيرة.... هكذا كان يسمي البحر ويخافه كثيراً. ‏

    وكان أحياناً يدخل النفق وشعلته بيده يتأمل غابة المياه الكبيرة عن بعد، وقد سحره المنظر... وكان صخب غابة المياه الكبيرة وحركتها الهائجة ترعبه تماماً فيغلق الكوة ويعود إلى الداخل. ‏

    كان يحب الطفلين كثيراً ويراقبهما في لعبهما وغدوهما ورواحهما، سعيداً لقد ورثا عنه متانة البنية... وحين كبر الولد الأول قليلاً أخذه معه للغابة وتركه يتعلم المشي حول جذع شجرة ضخمة... كان ينتقل في البداية بخطوات متعثرة مستنداً على يديه وهو ينتصب ويمشي حول الجذع وحين أتقن ذلك أخذ يعلمه كيف ينتقل جيداً من شجرة إلى أخرى... كانت تلك الدروس في تعلم المشي مفيدة للكبير الذي أشرف على تدريب الصغير بالطريقة نفسها أيضاً حتى برع بها. ‏

    كان الكبير يقلده في كل شيء وقد صنع لنفسه حربة صغيرة مسننة وكثيراً مايمثل أمامه كيف يهاجم الطريدة ويصرعها أو كيف يجابه عدواً من البشر يبغي القضاء عليه وكان يبتسم لحركات الطفل التي تبدو له مضحكة أحياناً... ولكنه كان يطمئن في قرارة نفسه أن كل شيء يسير على مايرام ..... إن عمر الكبير الآن خمسة مواسم من المطر، وعمر الصغير ثلاثة مواسم، وكان إذا مرض أحدهما يسقيه شراب الأعشاب الدافئ ويغطيه بجلود سميكة حتى يشفى... كان يخاف عليهما كثيراً، ولاسيما بعد موت أختهما وكانت بعمر أقل من موسم، مرضت وصار جسمها دافئاً ولم ينفع معها الشراب العشبي ودفء جسمها يزداد، ثم بدأت أطرافها تتصلب وتبرد وسط نحيب الأم وبكائها المتواصل.. حملها إلى الدغل وحفر حفرة طمرها فيها ووضع فوق الحفرة حجراً كبيراً خوفاً من أن تصل رائحة جثتها إلى حيوان متوحش فينبش التراب وكان يلقي عليها حين يخرج إلى الدغل نظرة سريعة يتذكر فيها حركتها ومناغاتها... ويشعر بالحزن ثم ينسى الأمر بمجرد أن يبدأ في نصب الفخ لطريدته التي كثيراً ما تكون حيواناً صغيراً. يقع في حفرة حفرها له وغطاها بأوراق الشجر،أو حيواناً ذا حجم كبير يتعثر بحبل يلتف عليه ويقيد حركته وهو يتخبط... ‏

    ہہہہ ‏

    كانوا يجلسون جميعهم يتناولون الطعام مشوياً من ذلك الثور الذي جند له في الصباح حين سمعوا ضجة خارج الكهف تناول حربته بسرعة وأشار للزوجة والولدين أن يختبئوا، ثم اندفع بحذر إلى باب الكهف، كانت الضجة تقترب منه، مد رأسه من وراء صخرة أمام الكهف يستطلع فرأى منظراً جمد عروقه. ‏

    كان ذلك الشاب الذي عالجه من جراحه قبل أقل من موسم، يشير إلى الكهف ومعه بضعة محاربين أشداء بوجوه متطاولة ومشية متمايلة وقد حمل كل منهم غصناً ضخماً من أغصان الشجر... ‏

    عرف أنهم ينوون الشر، فمضى مسرعاً إلى داخل الكهف يهمهم بإشارات لزوجته أن تختبئ جيداً ثم عاد مع وصول أول محارب إلى باب الكهف حيث تقابلا وجهاً لوجه وبدأت بينهما معركة انتهت بأن دفعه بحربته إلى الخارج قبل أن يطعنه في صدره، وانقض عليه محاربان آخران فأخذ بكل قوة يقارعهما ثم تراجع قليلاً قبل أن يطعنه في صدره، وانقض عليه محاربان آخران فأخذ بكل قوة يقارعهما ثم تراجع قليلاً أمام حجر ألقي عليه... وعرف أن استمراره بالمعركة مستحيل فبدأ يبحث عن حيلة يستطيع فيها أن ينقذ أسرته الصغيرة. فصعد مرتفعاً داخل الكهف فيها أغصان جافة وحطب جمعه مع طفله الأكبر وزوجته وبدأ يدفع أكوامه صوب باب الكهف مما أعاق تقدم المحاربين، الذي بدؤوا يحاولون ربعاد الأغصان الجافة التي تتراكم فوق بعضها. وقبل أن ينجح أي منهم في اختراق كومة الحطب، كان قد تناول غصناً مشتعلاً وألقاه فوقها، حيث اندفعت ألسنة النار إلى وجوههم فارتدوا وهو يصرخون من الألم.... كان ذلك الحل مؤقتاً إذ سرعان مابدأ الدخان ينتشر في الكهف مما دفعه إلى مناداة زوجته لتسبقه إلى الفتحة الأخرى للكهف وحين دخلوا النفق سده بصخرة كبيرة واندفع يحبو وراءهم في النفق والظلام متكاثف وليس سوى صوت اللهاث ورائحة العرق.. وصلوا أخيراً إلى الفتحة المطلة على البحر وكانوا يسعلون وقد دمعت أعينهم من الدخان المتسلل الى النفق، هبطوا بهدوء من الفتحة المطلة على البحر حمل أحد الولدين على ظهره... بينما كان الأكبر يهبط قافزاً كالقرد ووراءه أمه التي تحذره من الوقوع دون أن يأبه لها. ‏

    استلقوا على الرمال بين الصخور يستريحون وكان فكره مشغولاً بالبحث عن مكان جديد يعيش فيه مع أسرته حين سمع صوتاً كريهاً لحيوان زاحف أشبه بالتمساح كان يقترب منهم ببطء ... اندفع إليه وهو يصرخ بالزوجة أن تبتعد مع الولدين، ولم يكن الصراع سهلاً ولكنه كان واثقاً من الفوز على هذا الزاحف بطيء الحركة وأخيراً تمكن من طعنه بين عينيه حيث انغرزت الحربة وأفلتت من يده وظل الحيوان يجأر إلى أن خمدت حركته... اندفعت الزوجة إلى صدره ودموعها تسيل من عينيها فضمها والولدين بحنو بالغ ثم اتجهوا صوب الجبل يبحثون في فجواته عن مأوى جديد يأمنون فيه. ‏
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..